اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُصوّر أفلاطون في محاورة فيدون موت سقراط مشهداً مهيباً ونموذجاً جديداً يُحتذى، بينما يراه نيتشه انحطاطاً. إذ ينتقد عبارة سقراط الأخيرة، معتبراً عقلانيته المُعادية للحياة داءً مُفضياً إلى الانحلال لا فضيلة.

في تاريخ الفلسفة الأوروبية، ساد اعتقاد عام بأن أفلاطون، من خلال تأليفه للرسائل أو المحاورات السقراطية، يدفع جميع محبي التنوير والتفكير الحر إلى احترام وإجلال لا يوصف تجاه أستاذه المحبوب سقراط. ولعل القول بأن رسالة فيدون، من بين جميع الرسائل، ذات تأثير أكثر جدية في هذا الاتجاه. وبتعبير أحد الباحثين في الدراسات اليونانية، فإن أفلاطون في فيدون يشيد نصباً تذكارياً عظيماً لسقراط بحيث لا يتصور المرء ما هو أفخم منه. لكن نيتشه لديه تقييم مختلف تماماً لفيدون، ويقول إن أفلاطون، بروايته المهيبة في محاورة فيدون، يرسم صورة لسقراط في الساعات الأخيرة من حياته تصبح مثالاً أعلى جديداً لشباب اليونان في ذلك العصر، وهكذا يحل سقراط محل أخيل، البطل الأسطوري للعصر الهوميري، في الحضارة اليونانية. غير أن نيتشه، كما سيأتي، لا يمكنه أن يكون راضياً عن هذا التحول الثقافي، ويقيمه بشكل سلبي وباعتباره بداية انحطاط ثقافي. يعبر نيتشه عن سقراط وأفلاطون بوصفهما عبقريتي الانحطاط ونموذجي الفساد، ويعتبرهما علامتين تاريخيتين على مرض الثقافة اليونانية واضمحلالها.
نعلم أن أفلاطون نفسه لم يكن حاضراً مجلس الوداع مع سقراط بسبب المرض، ومن ثم فإن روايته غير مباشرة. في الواقع، بعد سنوات، تُروى القصة على لسان فيدون، أحد الحاضرين. ينقل فيدون أنه في السجن، يدور حوار نقدي جاد بين سقراط واثنين من أصحاب المذهب الفيثاغوري، وتكون مسألة "خلود الإنسان" أو "بقاء الروح بعد الموت" في بؤرة هذه المناقشات والحوارات. على أية حال، في نظر سقراط وهو على أعتاب الموت، كما في سائر أيام حياته، لم يكن هناك شيء أنبل من الحوار الفلسفي وأثمن من البحث عن الحقيقة. في فيدون، تتجلى سمو روح سقراط، أكثر من أي شيء آخر، في روح طلب الحق والبحث عن الحقيقة لديه، حيث يكون على استعداد لأن يصغي بوجه طلق لكل نقد يوجه إلى الاعتقاد الذي منح حياته معنى، والذي هو في هذه الساعات الأخيرة من الحياة أقرب إلى قلبه وروحه من أي شيء آخر، ويهون عليه مواجهة الموت وقبوله. يدفع سقراط الحاضرين، حتى وهو على فراش الموت، دفعاً إلى أن يفصحوا بوضوح عن أي شك يضمرونه في قلوبهم حول أكثر أفكاره مركزية. لا يخشى سقراط الموت، لكنه يخشى بجدية أن يكون تعلق تلاميذه به وخوفهم من إزعاجه وهو في ساعة الموت، عائقاً أمام استمرار الحوار والبحث عن الحقيقة. من هنا، عندما يحاول الحاضرون في المجلس، لكي لا يزعجوا سقراط، إخفاء شكوكهم واعتراضاتهم، يذكرهم سقراط بأغنية البجعة التي تكون عند الموت أجمل وأبهج منها في الأوقات الأخرى، وحيث يبدو أنهم قد عزفوا عن بذل المزيد من الجهد لتقدم النقاش وكأنما أصابهم الوهن في التفكير، يكون سقراط هو الذي، كقائد يجمع جيشاً منهزماً متفرقاً، يلم شملهم من جديد ويقودهم خلفه إلى ميدان النقاش ويهيئهم لهجوم جديد؛ يمد يده ويمسك بخصلات شعر فيدون الجالس إلى جواره ويعبث بها ويقول:
"فيدون! غداً في الصباح الباكر ستُقص هذه الخصلات الجميلة! لكن لا ينبغي أن تقصها حداداً على موتي، بل ينبغي لي ولك أن نقص خصلاتنا اليوم، إذا تبين أن نقاشنا قد مات ولا نستطيع إحياءه."
تقوم نظرة سقراط، في هذه المحاورة، على فكرة أن الفلسفة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، ليست سوى "استعداد للموت"، وأن الفيلسوف الحقيقي في شوق دائم إلى الموت. ويشهد تقرير فيدون أيضاً أن سقراط نفسه، في أقصى درجات التطابق مع مثاله الفلسفي هذا، تجرع كأس الشوكران ومضى إلى أحضان الموت. في اللحظات الأخيرة من حياته، ينذر سقراط نذراً شكراً على الشفاء الذي كان يعتبره هدية موته، والذي كان يحرره من مرض حياته كلها، أي الحياة الجسدية، وللوفاء به ينادي أحد تلاميذه ويقول: "كريتون! أنا مدين بديك لأسكليبيوس*. اقضِ عني ديني!"
رواية أفلاطون لموت سقراط، بكل ما فيها من جلال في وصف شجاعة سقراط الاستثنائية في مواجهة الموت وشوقه الذي لا يوصف إلى مثال الحقيقة، كانت تنطوي في جوهرها على نظرة سلبية ومحقّرة للحياة الدنيوية. وقد تغلغلت هذه النظرة طيلة قرون في توجيه حياة العصور المختلفة في العالم القديم، بل إنها شكّلت اللب المركزي لرؤية المسيحية للعالم. لكن، في العصر الحديث، شيئاً فشيئاً، ظهر مفكرون أولوا الحياة الدنيوية أصالة، رغم وجهها التراجيدي، وأبدوا رد فعل عنيفاً ـ بعد نحو عشرين قرناً ـ إزاء هذه النظرة
المناهضة للحياة بزعمهم. وفي هذا السياق، يقدم فريدريش نيتشه، الفيلسوف الألماني، (1844- 1900) بمقاربة أكثر راديكالية على نقد سقراط، ويقول ناقلاً جملته الأخيرة في الحياة (موضوع دينه لإله الطب أسقليبيوس):
"أنا أمتدح سقراط في حكمة وشجاعة ما فعله، وما قاله، وما لم يقله. هذا العاشق الأثيني الساخر، هذا مصطاد الفئران، الذي كان يجعل أكثر الشباب وقاحة يرتعدون، لم يكن فقط أكثر الثرثارين حكمة في زمانه، بل إنه أظهر عظمته في التزام الصمت. ليته التزم الصمت في اللحظات الأخيرة من حياته، فلربما بلغ مقاماً روحياً أسمى بكثير. في تلك اللحظات، شيء ما، سواء أكان الموت أم السم أم التقوى أم الدهاء، أطلق لسانه وجرّه إلى النطق بهذه الجملة." (الحكمة المرحة ـ القطعة 340)
يعود نيتشه مجدداً في كتاب «غسق الأصنام» إلى هذه الواقعة ذاتها، في فصل بعنوان «مسألة سقراط»، بشكل أكثر تحديداً وجدية، ويعبّر عن فكره النقدي تجاه سقراط بمزيد من التحليل والتفصيل: "لقد أصدر أحكم رجال العصور حكماً واحداً على الحياة: الحياة لا تساوي شيئاً... لقد سُمعت أصداؤهم دوماً وأبداً ـــ صدى مفعماً بالشك، وبالأسى، وبالسأم من الحياة، وبرفض الحياة. حتى سقراط قال ساعة موته: «الحياة ــ أي مرض طويل. أنا مدين بديك لأسقليبيوس الشافي.» لقد سئم سقراط الحياة هو أيضاً ــ ما الذي يثبته هذا؟ وإلى ما يشير؟ .... ينبغي النظر عن كثب إلى أحكم الناس في كل العصور! ألا يحتمل ألا يكون أحدهم واقفاً على قدميه بثبات؟ ربما كان زمانهم قد ولى وأصابهم الوهن والانحطاط؟ ربما كانت الحكمة على الأرض مثل غراب تثيره رائحة جيفة؟ ... لقد كان سقراط سوء فهم. إن كل أخلاق التحسين، بما فيها الأخلاق المسيحية، كانت سوء فهم... إن ضوء النهار الساطع، والعقلانية بأي ثمن، والحياة الباردة الحذرة الواعية، والحياة بلا غريزة، والحياة المعادية للغريزة، لم تكن هي ذاتها سوى مرض؛ مرض آخر ــ وليست أبداً طريقاً للعودة إلى «الفضيلة»، وإلى «الصحة»، وإلى «السعادة» ... إن القول بوجوب محاربة الغرائز ــ وصفة يقدمها الانحطاط: فطالما تزدهر الحياة، تكون السعادة مرادفة للغريزة. ... لكن هل أدرك هو نفسه هذا، يا أدهى المخادعين لأنفسهم؟ هل قال هذا لنفسه أخيراً في تلك الحكمة المتجلية في الإقدام الجريء على الموت؟ ... لقد أراد سقراط أن يموت ــ لم تكن أثينا هي التي ناولته كأس الشوكران؛ بل هو نفسه من فعل. لقد أرغم أثينا على أن تناوله كأس الشوكران... قال في سره: «سقراط ليس طبيباً. هنا الموت هو الطبيب وحسب... لم يكن سقراط نفسه سوى مريض مزمن ...»"
يقول نيتشه إن انحطاط الثقافة اليونانية بدأ منذ اللحظة التي ظهر فيها تحول جذري في النموذج التربوي لشباب أثينا، وحلّ سقراط محل أخيل (آخيلوس - أحد أبطال ملاحم هوميروس). كان سقراط يعتبر هذا العالم "سجناً" والحياة الدنيوية "مرضاً"، وبالتالي كان يرى في "الموت" طريقاً للخلاص من هذا السجن ودواءً شافياً لهذا المرض، وبالتالي كان يبحث عن الخلاص في العالم الآخر (هاديس: عالم الموتى)، في حين كان أخيل يقول: "أفضّل أن أكون في هذا العالم عبداً لرجل أجير يرعى البقر، على أن أكون في العالم الآخر سيداً ورباً للجميع". بالطبع، لا ينبغي أن ننسى أن نقد نيتشه لسقراط ليس نقداً موجهاً إلى فرد، بل هو نقد لفكرة تاريخية وثقافية. ففي الوقت الذي ينتقد فيه نيتشه سقراط، فإنه يقتبس منه. في الواقع، يريد نيتشه أن يكون سقراط العصر الحديث، سقراطاً يتناسب مع معضلات عصره ومقتضياته. لكن هذا المقصد لا يتحقق لنيتشه إلا من خلال حوار نقدي متواصل مع سقراط. يرى نيتشه نفسه محاصراً بسقراط، ولذلك لا يرى لنفسه مهرباً ولا مناصاً سوى خوض حرب ضارية معه وجهاً لوجه. وبتعبيره هو: "يقف سقراط قريباً مني إلى حد أنني أقاتله كل يوم".
لعل من المناسب في الختام أن نذكر قول تيودور غومبرتس (1832- 1912)، عالم اليونانيات الشهير وابن بلد نيتشه. يقول في شرحه لرسالة فيدون في كتاب "مفكرو اليونان": "قد لا يستسيغ الكثيرون منا، نحن أبناء العصر الحديث، فكرة الهروب من الدنيا والحياة التي يعبّر عنها هذا الحوار. لكن لا يوجد عدو غبيض الفكر للحقيقة، ولا محب أصيل وصادق لها، يقرأ إنجيل حرية الفكر اللامحدودة هذا ولا يجثو على ركبتيه أمامه".
.
.
* إله الطب في أساطير اليونان القديمة
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.