اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُشكّك نيتشه، عبر منهجه التأريخي الجينيالوجي، في الشرعية المتعالية للمنطق ومبادئ مثل الهوية، واصفًا إياها بأنها أسطورة اختلقها الإنسان لضمان بقائه. إن تحليل هذه الافتراضات المسبقة الكامنة يجعل نسبوية نيتشه أكثر قابلية للفهم لدى الفلاسفة التحليليين.

منذ البداية، جعل سياق تفلسف نيتشه النسبوي عرضة لسوء الفهم والنبذ؛ فخطابه الشعري والملحمي يخفي أحيانًا عظمة حججه «المنطقية» الهدّامة. وهكذا نجد أن فيلسوفًا تحليليًا، إزاء شطحات نيتشه المنطقية، نادرًا ما يجد نفسه عرضة لإقناع استدلالي؛ فكل ما هنالك صور خيال وعبقرية أدبية لإنسان تخيف نبرة كلامه «المطرقية» القارئَ المهيَّأ ثم تسحره. فمثلًا، مقولات إن «الإنسان لا يستطيع العيش إلا بمنح الاعتبار للخرافات المنطقية» (نيتشه، 1394، ص 35) و«وراء كل منطق وسيطرته المطلقة الظاهرية على حركة [-ِ الفكر] تقف تقييمات، أو لنقل بوضوح أكثر، حاجات فيزيولوجية للحفاظ على نوع معين من الحياة» (المصدر نفسه، ص 34) أو «كيف نشأ المنطق في رأس الإنسان؟ حقًا، لقد نشأ من [أمرٍ] غير منطقي» (Nietzsche 1974: 171) ليست لدى الفيلسوف التحليلي العقلاني سوى ادعاءات وقحة تستند إلى افتراضات مسبقة مستترة غير مدروسة؛ ولو صيغت هذه الادعاءات نفسها في قالب استدلالات قياسية وافتراضاتها المسبقة بوضوح، لانكشفت طبيعتها المتناقضة و«غير المنطقية». وهكذا فإن «أفكار نيتشه العميقة جدًا» غالبًا ما تُعتبر لا إنجازًا منطقيًا-فلسفيًا بل أثرًا أدبيًا عظيمًا.
إن هذا الإيجاز الشعري، والبداهة المسلَّم بها، واللامبالاة في الاستدلال، هي ما جعل نسبوية نيتشه منبوذة ومكروهة في الفضاء «التحليلي» السائد على الفلسفة الأنغلوساكسونية: فالفلاسفة وأصحاب النظرية «ما بعد الحداثية» — دريدا، رورتي... — يتحدثون اقتداءً بنيتشه بيقين عن «كون» الواقع والحقيقة والمنطق «مُصطنَعة» وكأنها مبدأ بديهي لا يحتاج إلى إثبات عقلي. وبهذا، يُفترض في كثير من الحالات أن إمكانية التفاهم بين النسبوية القارية والعقلانية الأنغلوساكسونية منتفية بطريق قبْلي. ومع ذلك، فإن كتابات نيتشه حول «أصل المنطق» ومن ثم المنظورية/النسبوية تحتوي على إشارات «منطقية» بالغة الدقة، إشارات تكشف، بعد شرحها وإيضاحها، عن عمق هجمات نيتشه على المنطق ووصمه إياه بـ«الخرافة».
الهدف من هذه الكتابة هو إعادة تأهيل (Rehabilitate) «تحليلي» لجذور نيتشه الاستدلالية (لصالح النسبوية) وشرح افتراضاته المسبقة الكامنة في هجومه على مؤسسة المنطق، بحيث تصير، في النهاية، شطحات نيتشه وتناقضاته وربما «ترهاته» البنيوية الفوقية وأخلافه ما بعد الحداثيين حول «كون الحقيقة مُصطنَعة» (بالنسبة للتحليليين والعقلانيين) أكثر قابلية للفهم وأكثر «منطقية». وفي هذا السياق، سأتناول، بعد إيضاح مفهومي لتصور نيتشه لكون المنطق «خرافة» — هذا الحَكَم الأعظم والأكثر تبجيلًا وقدمًا على «الحقيقة» لدينا نحن البشر — ثلاثة تفنيدات (Refutation) وانتقادات وُجهت إلى هذه الرؤية والرد عليها.
المنطق غير منطقي!
لدى الفيلسوف العقلاني (Rationalist) — وكذلك لدى أولئك الذين يؤمنون ببديهيات العقل السليم — يمتلك المنطق في أنقى صوره مشروعية ومقبولية استعلائيتين؛ بمعنى أن (على الأقل) الموضوعات و«البديهيات» (Axioms) للمنطق والاستدلالات المعتبرة الناتجة عنها، مستقلة عن الأحكام المسبقة الضيقة التاريخية والجغرافية الخاصة بنا نحن البشر، وفي مكان ما وراء الزمان والمكان، تكون «صادقة»/«صحيحة» على نحو أزلي أبدي. وأيضًا، في هذا التصور للمنطق، يُعرَّف «الصدق» دائمًا بأنه «تناظر/تطابق مع الواقع»، وبالاستناد إلى هذه الوقائع غير القابلة للنقاش للعالم الخارجي، فإن كل إنسان عاقل، بعد شيء من التأمل الباطني، «يحدس» مثلًا «صدق» مبدأ الهوية البديهي (A=A).
كان هذا المنطق، في أدق صوره صياغةً، أي الاستدلال القياسي، جوهر التنوير من سقراط إلى فولتير. فبالاحتكام إلى أحكام المنطق الصوري الصارمة، سعى فلاسفة التنوير إلى إزالة السحر عن العالم الجديد وعقلنته. وهكذا اكتسب المنطق بمرور الزمن هالة قدسية حتى إن أكثر المفكرين المعاصرين إلحاداً ينحنون إجلالاً أمام التناظر المنطقي الغامض بين البشري واللاإنساني؛ كما يفعل توماس نيغل في دفاعه عن «تعالي» العقلانية، في كتابه الكلمة الأخيرة، إذ يبدأه بالإقرار بهذا «التناظر» العجيب: «كيف لمخلوقات مثلنا، مزودة بقدرات بيولوجية عرضية بدا وجودها محض صدفة [عرضي]، أن تتمكن من الوصول إلى أساليب ذات صلاحية كونية لبلوغ الفكر الموضوعي؟» (Nagel 1997: 4)
وبعد بحث في هذا السؤال، يخلص نيغل إلى أنه حتى في عالم فقد معناه، وأزيل عنه السحر، وتمت عقلنته، وأصبح في نهاية المطاف على أعتاب العدمية، فإن هذا العقل (المنطق) وصادرات «فكره الموضوعي» هي التي لا تزال تبشر ببصيص أمل من تنوير العقلانية.
والآن، فإن سؤال نيتشه المرعب القديم هو: لماذا يبدو المنطق (ومن ثم العقلانية والعلم الملازم والمبني عليه) مقدساً وغير قابل للنقاش لدى فيلسوف عقلاني ملحد (مثل نيغل)؟ لماذا نجت مبادئ المنطق البديهية من إزالة السحر عن العالم الحديث؟ كيف يعتبر الفلاسفة مبدأ الهوية (A=A)، وهو أول وأبسط «قوانين الفكر»، «صادقاً» (بشكل كوني) طوال أربعة عشر مليار سنة هي عمر الكون؟ في كون كل شيء فيه في حركة وتغير وكون وفساد، ما الذي أو من الذي يضمن «صدق» هذا «القانون» — كيف أو بأي معنى يكون الشيء مطابقاً لذاته عبر الزمن؟ وباختصار، لماذا ومن أين لنا اليقين بأن مبادئ المنطق البديهية أيضاً لم تكن سوى خرافة وأسطورة؟ أسطورة شاملة كانت مفيدة فحسب «لحفظ» وضمان بقاء «شكل من أشكال الحياة» لنوع من «الحيوان الذكي»، ولم تكن «صادقة»؟
إن مساءلة المنطق والعقل في تاريخ الفلسفة لها سابقة طويلة؛ لطالما واجه جدال بروتاغوراس مع سقراط حول استحالة بلوغ «المعرفة اليقينية» برد قاطع من سقراط والسقراطيين: «أليس القول بأن المعرفة نسبية، وأن طريق الوصول إلى معرفة يقينية قطعية ومقبولة من الجميع مسدود، هو بذاته حكم قطعي؟» (أحمدي، 1394، ص 113). رد لا يزال حتى اليوم يُعتبر لدى فلاسفة تحليليين من أمثال جون سيرل وتوماس نيغل الدفاع العقلاني الوحيد والمتسق داخلياً ضد النسبوية الراديكالية. غير أن هجوم نيتشه على المنطق والعقلانية في كليتهما هو من نوع آخر: فبينما سعى السقراطيون والمدرسيون والفلاسفة التحليليون المعاصرون دوماً، بالاستناد إلى حجج وحجج مضادة، إلى الرد على المشككين بطريقة محايثة (Immanent)، يهاجم نيتشه المنطق وأصوله الموضوعية الثلاثة مستعيناً بتاريخانيته الجينالوجية (Genealogy). وهكذا، في مقابل أول أصل موضوعي للمنطق A=A، أي أن كل شيء مطابق لذاته بشكل قبلي وغير قابل للنقاش، يطرح نيتشه أصلاً جينالوجياً مفاده أن كل ظاهرة تحمل في طياتها تاريخاً [من التغير]. إن بسط وإيضاح هذا الأصل المنهجي الوحيد لدى نيتشه هو ما يزيل الإيمان الراسخ للإنسان الحديث بسلطة المنطق الكونية.
«كل ظاهرة تحمل في طياتها تاريخاً [من التغير]» ومن جملة هذه «الظواهر» أبسط أصل موضوعي للمنطق، مبدأ الهوية A=A؛ يعتقد نيتشه أن التأمل في ما قبل تاريخ تطور الملكة المعرفية للنوع البشري يؤدي في النهاية إلى الاستنتاج بأنه كان هناك زمن (في ما قبل تاريخ النوع البشري) لم يكن فيه هذا «الأصل» قائماً!
في هذا السياق، يضع نيتشه بحق مبدأ الهوية A=A نقطة انطلاق لهجماته على المنطق والعقلانية، لأن الهوية تكمن في أساس وعمق جميع أنظمة التمثيل الإنسانية؛ فجميع المبادئ الموضوعية الأخرى للمنطق والتفكير الإنساني هي في النهاية مشتقة من هذا المبدأ، أو أنها تفترضه بشكل ما في أسسها — فالمبدآن الآخران للمنطق الكلاسيكي (الأرسطي)، مبدأ امتناع التناقض ومبدأ نفي الثالث المرفوع، كلاهما مأخوذان من مبدأ الهوية، وبدون الإيمان بالهوية لن يكون للمبدأين الآخرين أي معنى — كما يعلن نيتشه نفسه في إرادة القوة: «كل فكر، وكل حكم، وكل إدراك حسي، هو [في النهاية] نوع من المقارنة، وشرطه المسبق هو "المساواة بالافتراض"، بل وقبل ذلك، "المساواة بالصنع". إن عملية صنع المساواة [عند الإنسان] مطابقة لعملية الإدخال (Incorporation) للمادة [المغذية] من قبل الأميبا» (Nietzsche 1967: 237-4)؛ وأيضًا، في السياق ذاته، يحتج بخصوص الأحكام المنطقية (Judgment) قائلاً: «الحكم — هذا هو الاعتقاد [الكامن وراءه]: "هذا وذاك هكذا هما". إذن، في كل حكم يكمن إقرار بمواجهة "حالة متطابقة"» (Nietzsche 1967: 289).
إن ادعاء نيتشه الأخير مقبول وبديهي أيضًا من منظور فلسفة المنطق المعاصرة، كما يحتج هيلاري بوتنام، المنطقي والفيلسوف التحليلي الأمريكي المعاصر، في نقاشه حول "الاستقراء" بأن «كل نوع من أنواع المعرفة (cognition) يقوم أساسًا على القدرة على التعرف على أوجه التشابه بين الأشياء» (Putnam 1992: 10)؛ فكل استقراء، على سبيل المثال، يقوم على إدراك أوجه التشابه بين الحالات المرصودة أو نتائج التجارب. وبما أن مفهوم "التشابه" نفسه تابع لمبدأ الهوية، بمعنى أن "التعرف على التشابه" بين شيئين هو في الواقع إدراك لعدة أجزاء أو خصائص متطابقة بين هذين الشيئين، فيمكن استنتاج جملة بوتنام على النحو التالي: إن أي نوع من المعرفة يقوم في النهاية على فهم وإيمان مسبق بمبدأ الهوية.
كذلك، وبدون إيمان مفترض بالهوية، يصبح التصنيف، الذي هو أساس وبداية أي علم منهجي، مستحيلاً؛ إن إدراك الهويات (أوجه التشابه القصوى) بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية هو الذي يؤدي، على سبيل المثال، إلى تصنيف الكلب والحصان ووحيد القرن والإنسان تحت فئة "الفقاريات" — فكل هذه الحيوانات تتمتع بخاصية واحدة/متطابقة تسمى العمود الفقري، أو من منظور آخر يمكن القول أيضًا إن وظيفة العمود الفقري عند الحصان مساوية/متطابقة مع وظيفة العمود الفقري عند الكلب.
وهكذا تكون الهوية أساس التمثيل اللغوي للإنسان؛ بمعنى أنه بينما جميع معتقداتنا ومعادلاتنا واستدلالاتنا وتفكيرنا الإنساني بشكل عام، تحوي في النهاية مبدأ الهوية A=A كأعمق افتراض مسبق فيها، فإن هذا المبدأ نفسه لا يمكن رده إلى أي مبدأ أو "افتراض مسبق" آخر. بعبارة أخرى، هذا المبدأ هو حصيلة أعرق "حدس عقلي" لدى البشر، والتشكيك في "صدقه" (مطابقته للواقع) غير قابل للتصور بأي حال: لا يُعلم كيف سيكون عالم لا يسري فيه A=A!
وهنا بالتحديد يخضع نيتشه "صدق" هذا المبدأ الموضوعي للمنطق، البديهي وغير القابل للشك، لمحك التاريخ الطبيعي: فبينما يرى الفيلسوف العقلي (الملحد أحيانًا) أن مبدأ A=A صادق بشكل متعالٍ، ومنتزع من صيرورة الزمان والمكان، وأبدي وأزلي، يعتقد نيتشه أنه فقط عبر التطور التدريجي جدًا للقوى الحسية والإدراكية للنوع البشري على مدى ملايين السنين، تصلب هذا الحكم بأن A=A كمبدأ "بديهي" في التمثيل اللغوي للإنسان عن بيئته (بالتدريج). من هذا المنظور، فإن مبدأ الهوية ليس حصيلة اكتشاف عقلي للإنسان، بل هو نتيجة طبيعية لتكيفه التدريجي مع طبيعة معادية في سياق الصراع من أجل البقاء. وكما يحتج نيتشه في الفقرة 111 من الحكمة المرحة:
منشأ الأمر المنطقي- كيف نشأ المنطق [ومن أين] في عقل الإنسان؟ من المؤكد أنه نشأ من أمر غير منطقي ربما كان في بدايته واسع النطاق للغاية. كم من كائنات كانت تستنتج بطريقة مختلفة عن طريقتنا [وبالتالي] هلكت؛ ومع ذلك، فربما كانت أقرب إلى الحقيقة منا! ذلك [الإنسان ما قبل التاريخي] الذي، على سبيل المثال، لم يكن يعرف غالباً كيف يدرك «الهوية» بين الأطعمة أو الحيوانات البرية—أي ذلك الذي كان يصنف [الطعام والحيوانات...] ببطء وحذر—كان أقل حظاً في البقاء مقارنة بإنسان كان، في مواجهة كل حالات التشابه، يستنتج هويتها على الفور. ومع ذلك، فإن [هذا] الميل الغالب إلى اعتبار [الأمور] المتشابهة [أموراً] متطابقة—وهو ميل غير منطقي، لأنه لا يوجد شيء متطابق بهذا الشكل—هو كل ما أرسى أساس المنطق في البداية. (Nietzsche 1974: 171)
إن قوة استدلال نيتشه في هذه السطور تكمن فقط في تطبيق نظرية التطور الداروينية لتفسير منشأ المنطق، وهو أمر يخشاه التطوريون والطبيعيون أنفسهم كثيراً.
العالم الطبيعي (Naturalist) مثل ريتشارد دوكينز، وبحكم مقتضيات المنهجية وإنجازات العلوم الطبيعية والبيولوجيا، يدرس بالضرورة كل ظاهرة نفسية-بيولوجية (Psycho-biological) من منظور «التطور عبر الانتقاء الطبيعي». من هذا المنظور، فإن كل خاصية (Property) نفسية-بيولوجية في أي كائن عضوي هي نتاج ملايين السنين من التجربة والخطأ لأسلاف الكائن المذكور في سبيل التكيف بشكل أفضل وأكثر مع البيئة. إن قدرة الإنسان على الكلام، على سبيل المثال، فقط تطورت تدريجياً لهذا السبب لأنها خدمت نوعاً ما في تكييف الإنسان مع نظام بيئي مليء بالخصام والنزاع من أجل البقاء، وهو تكيف يضمن في نهاية المطاف بقاء النوع البشري بشكل أكبر—على نحو أن قدرة الكلام ربما زادت من إنتاجية القبيلة في صيد جماعي من خلال خلق مزيد من التنسيق بين أفراد قبيلة بدائية.
بطبيعة الحال، فإن مثل هذا المنظور الاختزالي للكائنات الحية يزيل السحر عن بهائها الراهن وعن خصائصها النفسية-البيولوجية؛ فالعين البشرية، التي كانت ذات يوم بالنسبة للكثيرين السبب الوحيد (بل) للإيمان بـ«برهان النظام»، لم تعد الآن، في ضوء تطورها وتاريخانيتها التي لا يمكن إنكارها، تثير دهشة المفكرين كما كانت في الماضي: إن تصور أن الجهاز البصري الآن البالغ التعقيد والدقة لدى الإنسان هو مجرد نسخة متطورة من نسيج أحادي الخلية كان (في سبيل بقائه) يبدي حساسية تجاه ضوء الشمس، يزيل أي دهشة فلسفية وعلمية حول منشأ العين، وبهذا تصبح العين إنسانية، مفرطة في إنسانيتها.
إن العديد من المفكرين والعلماء الملحدين اليوم—وغيرهم من الفلاسفة المتأثرين بالبراديغم التطوري—هم بالضبط من خلال هذا المسار الاستدلالي يشككون في مؤسسة الدين والإيمان بالقضايا الدينية ويسخرون منها: عالم بيولوجيا مثل دوكينز، وفيزيائي مثل لورنس كراوس، وفيلسوف مثل دانيال دينيت، في هجومهم الأول على الدين، يستدلون على أن البهاء الراهن لمؤسسة الدين وطقوسها، وبشكل عام الميل الغالب للنوع البشري نحو المعتقدات الميتافيزيقية والسماوية، متجذر في حاجات أرضية وبيولوجية بحتة للإنسان؛ من هذا المنظور، فإن تشكل المشاعر الدينية في مرحلة من تطور الإنسان العاقل لم يكن سوى أداة وتدبير نافع لضمان وتعزيز بقاء النوع البشري. هكذا تفقد المعتقدات والطقوس الدينية لدى هؤلاء المفكرين مقامها المتعالي وتُزال عنها السحر.
وهنا يطل ذلك «الهاوي» النيتشوي برأسه: إذا كان العلم الطبيعي ومعرفتنا بالتطور ينزعان السحر على هذا النحو عن جميع مكتسباتنا الحيوانية، فكيف لمؤسسة المنطق ذاتها—التي هي في النهاية قدرة تطورت لدى حيوان—أن تنجو من هذا التدمير التطوري؟ أليس نظام قوانا الإدراكية والمعرفية ونتاجاتها، ومنها المنطق بكل تشعباته المتنوعة والمجيدة، من أرسطو إلى غودل، مجرد أداة ووسيلة لضمان بقاء أكبر لنوع مستأصل يُدعى الإنسان؟ إذا كانت جميع خصائصنا وقدراتنا البيولوجية والنفسية الراهنة، من الهضم وطرح البول إلى الذاكرة وقوة الاستدلال، تضرب بجذورها في خوف أسلافنا ما قبل التاريخ وعجزهم إزاء عداء الطبيعة، فلماذا لا نعتبر «المنطق» الراهن نفسه، رغم بداهته الحدسية وعصيانه على المساءلة، نتاجاً لخوف الإنسان الأول وعجزه كذلك؟ ما الذي صعّد قوانين المنطق البشري وأصوله الموضوعية «البديهية» وسما بها على هذا النحو إلى ما وراء الصيرورة التطورية، بحيث إن التشكيك في صدق مبدأ الهوية A=A أو مبدأ امتناع التناقض ~(A.~A) القبليين يبدو لنا، إن لم يكن هراء، ففي نهاية المطاف غير قابل للتصور؟1
في خضم هذه المساءلات الهدامة، لا يكون نيتشه شاعراً شطحياً مهلوساً بقدر ما هو، في الحقيقة، عقلاني متطرف (Ultra-rationalist) لا يتتبع سوى نتائج التطور وتاريخانية الظواهر حتى حدودها العدمية والمتناقضة، وهو أمر يرتعب العالم والفيلسوف العقلاني التحليلي من الإقدام عليه، لأن هذا «التتبع» (الجينيالوجيا) سيؤدي حتماً إلى تقويض أسس سلطة معرفته المنطقية-العلمية.
في المقطع المنقول من الحكمة المرحة، يُظهر نيتشه بحق أنه وفقاً «لمنطق» التطور، لا بد أنه كان هناك زمن لم يكن فيه سلف الإنسان الحالي مزوداً بعد بقوى إدراكية حادة: تصور إنساناً بدائياً للغاية لم تتطور عنده بعد العصب البصري والقرنية إلى درجة التعقيد التي تمكنه من تمييز الفروق الواضحة بين نبتتين، لكنه مع ذلك قادر على إدراك تشابهات غامضة وعامة بين الأشياء — بدرجة أنه مثلاً لا يدرك سوى استدارة الأشياء أو استطالتها. ومع هذا، كان هذا الإنسان البدائي، شأنه شأن أي كائن حي آخر، مفعماً بدافع غريزي لاستمرار البقاء وزيادة قوته. في هكذا وضع، كانت هذه القدرة البدائية على إدراك تشابهات عامة جداً بين الأشياء هي ما مكّن الإنسان الأول من ترويض التهديدات الطبيعية وبالتالي تحقيق بقاء أكبر. فعلى سبيل المثال، أن يتمكن هذا الإنسان البدائي للغاية، في مرحلة ما من تطوره، من إدراك تشابهات بين نبتة سامة (كان أحد أفراد القبيلة قد مات جراء أكلها) ونبتة سامة أخرى، كان لا بد أن يقوده في النهاية إلى تصنيف الأشياء والأحداث وإلى التنبؤ بالأحداث المستقبلية إلى حد ما. هكذا استنتج النوع البشري، عبر الزمن، هوية الأشياء من إدراك التشابهات الظاهرية بينها، وكم من أنواع شبيهة بالإنسان كانت، بفضل قواها الحسية المتسمة بالتدقيق والصرامة، عاجزة عن انتزاع هوية نافعة كهذه فانقرضت نتيجة لذلك، لكنها في الوقت نفسه، وفقاً لنيتشه، «لربما كانت أقرب إلى الحقيقة منا!».
سرانجامِ روایت نیچه از تکامل بنیادی ترین اصل موضوعه ی منطق A=A بدین نتیجه گیری می انجامد که «صدق» شهودی وچون-و-چرا-ناپذیر این اصل نه در «تناظر با واقعیت» عینی خارجی که، درحقیقت، در تناظر با متقضیات بقای گونه ی انسان معنا پیدا می کند. آری، هیچ انسان عاقلی در «صدق» پیشینی A=A شک نمی کند، نه بدین دلیل که واقعیات عینی جهان خارج «صدق» آن را تضمین می کنند—هیچ دو ذره ای در عالم اینهمان نیستند؛ هیچ ذره ای در عالم حتی با خود نیز اینهمان نیست--، بلکه بدین دلیل که باور به«صدق» A=A چنان برای ادامه ی حیات ضروریست و همچنین گرایش به باور به این اصل چنان در گذرمیلیون ها سال در روان انسان نهادینه شده است که انسان کنونی صرفا نمی تواند عدم «صدق» A=A را تصور کند. همین نارسایی تخیل انسانی در تصور کردن زیست جهانی به تمام معنا دیگرگون ( با منطقی دیگرگون) است که از ارسطو تا کنون مبنای واثق ترین دفاعیات از «صدق» اصل اینهمانی بوده است. به دیگر سخن، از این منظر A=A ،به طریقی استعلایی و پیشینی، صادق است تنها از آن روی که حتی تصور عدم صدق آن غیر ممکن و جنون آمیز است؛ با استناد به سیاق فایده باورانه ی استدلال نیچه در باب «خاستگاه امر منطقی» اینگونه نیز می توان افزود که برای ما «انسان ها ی مدرن» A=A بی-چون-و-چرا «صادق» است تنها از آن روی که از کاربست احتمالی نقیض A=A در راستای پیشبرد بقای خود بهره ای نخواهیم برد.
پیش از هر چیز، باید توجه داشت که نقد نیچه متوجه شأن هستی شناختی منطق است، بدین معنا که هیچ وضع و حال عینی ای فراسوی زبان بشری وجود ندارد که صدق اصول موضوعه ی منطق را برای ما آشکار سازد؛ منطق نه اکتشاف که اختراع انسان است؛ منطق «آن بیرون» در بطن هستی وجود ندارد. با این همه، نیچه خود معترف است که «...انسان نمی تواند زیست مگر با اعتبار دادن به افسانه های منطقی» ؛ حتی پس از شک آوری های نیچه، تا زمانی که شور زندگی و بقا در انسان شعله ور است باور به سودمندی—و نه «صدق»-- منطق زایل نمی شود و یا نمی تواند زایل شود. منطق همچنان اس اساس تمامی نظرورزی ها، مناظره ها، خطابه ها، انتقادها، اندیشیدن ها و گفتگوهای هر روزه ی ماست.
برآیند مهلک تر احتجاجات نیچه افسون زدایی از مشروعیت جهان شمول، ادعای عینیت و هاله ی شبه-قدسی پیرامون منطق است: منطق در عین حال که بسیار سودمند (ارتقا دهنده ی بقای انسان) بوده و هست، ابدا آشکار نیست که «درست»/ «صادق» هم باشد--و اساسا معلوم نیست که مقتضیات فرایند تکاملِ قوای شناختی ما جهان خارج را آنگونه که فی نفسه هست از ما پنهان نداشته باشد.
نیچه نگرش ما نسبت به منطق را به کلی دگرگون می کند: انسانی پسا-نیچه ای دیگر در مقابل منطق و ریاضیات و دستاوردهای نوین مبتنی بر آنها از جمله فیزیک نظری، مکانیک کوانتوم و... دیدگاهی ستایش آمیز و احترامی شبه-دینی ندارد.2 در برابر ادعاهای گاها جسورانه ی نهاد علم مبنی بر کشف ذات واقعیت، انسان پسا-نیچه ای با خود اینچنین می اندیشد که « منطق (همچون هندسه و حساب) تنها بر موجودیت های افسانه ای که [خود] آفریده ایم اطلاق پیدا می کند. منطق تلاشی است برای فهم جهان واقعی بوسیله ی شاکله ای از هستنده هایی که توسط[خودِ] ما برنهاده شده اند [تا در نهایت جهان] برای ما هر چه بیش تر فرمول پذیرتر و قابل محاسبه تر گردد.»1967: 280) (Nietzsche –آری، هندسه نیز همچون منطق مبتنی بر اصول «بدیهی» ای برساخته و برآمده از نابسندگی های قوای ادراکیِ گونه ی حیوانی در جریان تکامل است؛ اگر نخستین هندسه دان تاریخ باریک بینانه تر به «نقطه» (که در واقع حکم A=A را برای هندسه دارد) می نگریست و چشم خود را به صفحه نزدیک تر می کرد، هرگز «موجودیت» یگانه ای به نام «نقطه» نمی دید! چنین استدلالی علیه هندسه و هندسه دانان، آنچنان که ارسطو در متافیزیک گزارش می دهد، پیش تر به دست پروتاگوراس (نیای نسبی گرا ی نیچه در پیشاسقراطیان) پرداخته شده بود: «هیچ شئ محسوسی از لحاظ هندسی [کاملا] مستقیم یا منحنی نیست؛ یک دایره [تنها] در یک نقطه مماس با خط [و یا خط کش] نیست»(Quoted in Waterfield 2000: 219-20) .
«منطق غیر منطقی است!» خود گزاره ای منطقی است!! (عقلیّون پاسخ می دهند.)
لقد تنبّه الفلاسفة التحليليون المعاصرون إلى العواقب الباهظة والمهلكة لمثل هذا النزع للتقديس عن المنطق: إذا كان المنطق (كما يحتجّ نيتشه) مجرد أداة إنسانية — وليس هبة من الله أو من «الوجود» — ناشئة عن أوهام إدراكية وحاجة غريزية للإنسان لمجرد البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل، فإن قيمة المنطق لن تكون عندئذٍ في قدرته على الكشف عن الحقائق الخفية في صميم الوجود (كما كان يعتقد القدماء) بل في جدواه لضمان بقاء أفضل؛ أو حتى بشكل أكثر صراحة، سيكون المنطق وسيلة «للاستمتاع» بالحياة أكثر! وكم هي الأوهام والخرافات التي تضمن لذة الإنسان أو بقاءه بطريقة أفضل وأكثر مثالية من المنطق. وهذه هي النتيجة التي يرتعب من قبولها كل فيلسوف عقلاني تحليلي: «هل فلسفتي أنا العقلاني، في نهاية المطاف، ليست سوى ضرب من الاستمتاع، وليست خطوات نحو اكتشاف الحقيقة؟»
يُعد توماس نيغل من بين هؤلاء الفلاسفة التحليليين الذين ينتقدون، في الكلمة الأخيرة وبأقصى درجات الصدق والصراحة وإدراكاً للعواقب العدمية لمثل هذه المقاربة للمنطق والعقل برمته، مشروع «تطبيع العقلانية» (Naturalizing Rationality) عبر «الإبستمولوجيا التطورية» (Evolutionary Epistemology) بشكل مؤكد. إن لب حجة نيغل الرئيسية، اقتداءً بسقراط، هو أن نفي أو إنكار مَلَكة العقل بواسطة العقل نفسه هو نقض للغرض بشكل جلي؛ فطالما أنك تستخدم التمهيدات واللوازم العقلية كالاستدلال القياسي، والاستقراء، والاستدلال على التفسير الأفضل، وبرهان الخلف، والاستناد إلى الشواهد التجريبية... إلخ لمساءلة العقل ومنجزاته النظرية، فإنك لا تزال، شئت أم أبيت، في قبضة سلطة العقل الشاملة: «إن تمييز الحجج المنطقية بوصفها حججاً صحيحة بشكل مستقل هو شرط مسبق لقبول سردية تطورية حول أصل هذه [القدرة] على التمييز... إذا كان المرء يفكر في [ساحة] المنطق، فلا يمكنه في الوقت ذاته أن يعتبر هذه الأفكار مجرد [انعكاسات] لطبائع نفسية، مهما كانت [هذه الطبائع] مُوجَبة (caused) أو ذات جذور بيولوجية». (Nagel 1997: 136).
إن حجة نيغل، على بساطتها، قوية ومعبرة للغاية: كيف لنيتشه وغيره من النسبويين وأصحاب مذهب المنظور أن يستخدموا، من أجل إثبات نسبويتهم، حججاً صحيحة وقوانين عقلية أخرى، لكنهم في النهاية يعتبرون العقل ولوازمه «خرافة»؟! إذا كان العقل في أساسه وجوهره (أصول المنطق الموضوعية) ليس سوى «خرافة» وكذبة، أفلا يمكن الاستنتاج عندئذٍ أن احتجاجات نيتشه وسردياته حول أصل المنطق، والتي تقوم بالضرورة على هذه الأصول نفسها، هي خرافة من نوع آخر وأكثر تعقيداً؟
من ناحية أخرى، يعتقد نيغل أن مثل هذه الشكوكية حول المنطق والعقلانية، بالإضافة إلى كونها واضحة الإبطال الذاتي، ستؤدي إلى تآكل نظام معرفتنا بأكمله، بحيث سنضطر في النهاية إلى الإقرار بأننا في الحقيقة لا نعرف شيئاً، أو أن كل ما نعرفه هو، بطريقة محلية ومقتصرة على النوع (Species-bound) وليست كونية، ليس «صادقاً» بالنسبة لنا بل نافعاً. يعبر نيغل عن هذا القلق نقلاً عن ألفين بلانتينغا في حاشية بالقول: «إنه [بلانتينغا] يحتج بأن قبول الإبستمولوجيا التطورية [ما يؤمن به نيتشه ويدافع عنه] هو أمر غير عقلاني، لأنه إذا كانت صادقة فلن يكون لدينا أي سبب للاعتماد على الأساليب التي توصلنا بها إلى هذه النظرية [الإبستمولوجيا التطورية] أو أي نظرية أخرى» (ibid, 135).
يكشف بلانتينغا، وبحق، عن النتيجة الفاسدة التي تضعها سردية نيتشه للتطور الطبيعي للمنطق أمامنا: إذا كانت الإبستمولوجيا التطورية النيتشوية صادقة، فإن الإبستمولوجيا التطورية (نفسها بوصفها نظرية) لن تكون صادقة!
في الرد، يجب الانتباه إلى أنه على الرغم من أن كشف التناقضات الداخلية (Inconsistency) ومفارقات النسبوية كان دوماً متكأً فعالاً لدى العقلانيين، فإن الهجوم على النسبوية ليس دفاعاً عن العقلانية؛ إذا كان كل ما تحتاجه العقلانية للدفاع عن «صدقها» هو مجرد كشف التناقضات الداخلية ومفارقات النسبوية، فإن كشف النسبويين للتناقضات الداخلية والذاتية التناقض للعقلانية يجب أن يُعتبر أيضاً دليلاً (الدليل الوحيد) على «صدق» النسبوية.
إن النظرة العقلانية-المنطقية المعاصرة، في الوقت الذي تكشف فيه تناقضات النسبوية وعواقبها الفاسدة، تترك دون إجابة السؤال المحتوم عن أصل أسس المنطق (A=A) — وهو سؤال سعى نيتشه إلى تقديم إجابة تجريبية و«علمية» عنه.
في النهاية، كيف يتم الحصول على «صدق» A=A؟ إذا اعتبرنا «الصدق»، كما يفعل العقلاني التحليلي نفسه، «مطابقة للواقع» (Correspondence with Reality)، فأي وضع أو حال في رحاب الواقع سيطابق A=A؟ بعبارة أخرى، إذا كان A=A قد انتُزع أو تمت معاينته حدسياً من المشاهدات التجريبية، فما هو المكافئ المحسوس لهذا المبدأ في العالم الخارجي؟ هل يوجد جسيمان في الكون متطابقان بكل معنى الكلمة؟ وهل يوجد أساساً «جسيم» في عالم الوجود؟ — يتحدث الفيزيائيون النظريون المعاصرون، بعد شطرهم للجسيمات دون الذرية، عن حزم مضطربة من الطاقة أو «أوتار» مهتزة. هل كل جسيم متطابق مع نفسه على الأقل؟ في هذه الحال، كيف يمكن لهذا الجسيم أن يظل متطابقاً مع نفسه في عالم حيث كل شيء (كما سيقر العلم وحدس العقلاني نفسه)، من الشمس إلى الإلكترون والكواركات...، في حركة وصيرورة دائمة؟ لكن ألا يمكن القول إن هذا الجسيم متطابق مع نفسه (Self-identical) على الأقل «في كل لحظة معينة» من الزمان؟ في هذه الحال، في أي لحظة من الزمان يكون هذا الجسيم متطابقاً مع نفسه تحديداً؟ في جزء من مئة من الثانية؟ في نانو ثانية؟... في جزء لا نهائي من الثانية؟ وهكذا، هل الجسيم المذكور متطابق مع نفسه فقط في ما وراء الزمان، في ساحة الأبدية، في عالم المُثُل؟! من ناحية أخرى، هل «المقصود من هذه «اللحظة» هو تجريد رياضي خالص، أي الزمن صفر؟ لكن في بُعد الزمان يوجد كل شيء؛... [إذن] مبدأ... A=A يعني أن الشيء يساوي نفسه بشرط ألا يتغير، أي بشرط ألا يكون له وجود خارجي»! (نوفاك، 1395، ص40).
أما إذا كان مبدأ الهوية أساساً، ومنذ البداية، لم يُنتزع بتاتاً من المشاهدات التجريبية، فما معنى أن يكون هذا المبدأ «صادقاً»؟ هل الإيمان اليقيني بـ«صدق» هذا المبدأ قد أُودع على نحو غامض في الوعي الإنساني أو في صميم الوجود، بوصفه وعياً كلياً؟! كيف لعقولنا الدنيئة، نحن الفقاريات الناطقة المنبثقة من طين الوجود، أن تكون قادرة، ظاهرياً عبر «تناغم سابق التأسيس»، على تمثيل «واقعي» لأحوال (States of Affairs) العالم الموضوعية في قالب مبادئ منطقية بديهية؟ لماذا الوجود بهذا السخاء معنا؟
فيلسوف مؤمن وموحد مثل بلانتينغا (إن لم يرتكب دوراً في الاستدلال) لن يجد صعوبة تذكر بطبيعة الحال في الإجابة عن هذا السؤال: وفقاً لهذه الرؤية، فإن الله تعالى يضمن «صدق» هذه الأصول الموضوعة البديهية، وهو الذي نفخ هذه المبادئ في وعي الإنسان أو روحه. لكن بالنسبة لفيلسوف مثل نيغل الذي يعلن صراحة أن «[المسألة] ليست فقط أنني لا أؤمن بالله وآمل بطبيعة الحال أن يكون اعتقادي صادقاً. [المسألة] هي أنني [أساساً] آمل ألا يكون هناك إله! لا أريد أن يكون هناك إله؛ لا أريد للعالم أن يكون على هذا النحو» (Nagel 1997: 130)، فإن الإجابة عن لماذا أو كيفية «صدق» مبدأ الهوية ستكون أكثر تعقيداً.
نيغل نفسه، بعد أن يخلص إلى أن «التفسير التطوري للعقلانية ناقص بالضرورة. حتى لو آمن المرء به، فعليه [في الوقت نفسه] أن يؤمن بمصداقية الاستدلال القائم بذاته الذي هو نتيجة [لهذا التطور]» (ibid, 137)، يقر بأن «لكن هذا [الاستنتاج] يواجهنا بهذا السؤال: كيف يمكننا التوفيق بين هذه النظرة إلى العقل وحقيقة أننا أعضاء في نوع بيولوجي تشكل تطوره بفعل المصادفات [والتجربة والخطأ] للانتخاب الطبيعي؟» (ibid, 137). وفي موضع آخر من الكلمة الأخيرة، يعبر نيغل عن هذا المأزق بصورة أبسط قائلاً: «كيف يمكن لكائنات متناهية مثلنا أن تفكر بأفكار لا متناهية؟» (ibid, 74).
في النهاية، «يسلّم» نيغل «بأن هذا التصور — القائل إن قدرة الكون على إنتاج كائنات حية تمتلك عقولاً قادرة على فهم الكون هي خاصية أساسية للكون نفسه — تحيط به هالة شبه-دينية [غامضة]، شيء مبهم على الطريقة السبينوزية» (ibid, 132).
وهكذا، فإن متابعة المنظور العقلاني إلى أقصى حدوده الممكنة تضع الفيلسوف التحليلي العقلاني أمام «مشكلة عميقة»: هل يمكننا، على حد تعبير نيغل، «أن نمارس الاستدلال دون أن نأخذ في الاعتبار الطوارئ البيولوجية الأساسية للنوع [الحيواني] البشري؟ أعتقد أن ثمت صراعًا (Conflict) هنا يبقى دون حل» (المرجع نفسه، 140).
جواب الفيلسوف التحليلي عن سبب وجود هذا «الانسجام القبلي الأساسي» بين بديهيات المنطق/العقل البشري اليقينية وأعمق طبقات الوجود هو: نعم، إن هذا الانسجام قائم، لكننا لا نستطيع (باللجوء إلى العقل نفسه) أن ندرك علته! وهذا يعني، بعبارة أبسط، أن العقل البشري في صميم جوهره «ناقص» (Incomplete)، وأن الإيمان بقضايا تشكل حجر الزاوية للعقلانية (A=A) ليس إيمانًا «صادقًا» تمامًا ولا «مبررًا» تمامًا. بعبارة أخرى، وكما يستنتج نيتشه، فإن حتى العقلاني مثل كانط، في التحليل النهائي، يؤمن بأن القوانين الأساسية للمنطق (الهوية، امتناع التناقض، إلخ) هي «صادقة» بشكل «قبلي» (Nietzsche 1967: 287-8) – إن وجود مثل هذا «الصراع» في صميم المنطق الصوري، الصراع الذي يؤدي من جهة إلى الإقرار بـ«نقص» المنطق، ويكشف من جهة أخرى عن الإيمانية المستترة للعقلاني، كان أيضًا مادة دسمة للعديد من النقود القاتلة من قبل الجدليين الماديين المعاصرين: فجورج نوفاك في مدخل إلى منطق الماركسية، بعد تحليل «عقلاني» لمبدأ الهوية وعواقبه الفاضحة (بالنسبة للعقلاني)، يستنتج قائلاً: «يبدو أن المنطق الصوري يفسر كل شيء – ما عدا نفسه... من أين، ومتى، ولماذا نشأت هذه القوانين [موضوعات المنطق]؟ كيف تطورت؟ هل هي قوانين أبدية؟ إن المناطقة الصوريين، حين لا يجرؤون على التصريح بذلك علنًا، يلمحون ضمنًا إلى أن منطقهم ليس له جذور أرضية، بل هو وليد الوحي الإلهي» (نوفاك، 1395، ص 64).
تفنيدات أخرى: ستر «عورة» المنطق
بشكل عام، وبالحصر الاستقرائي، يمكن تصور ثلاثة أجوبة أو تفنيدات لمثل هذه الشكوك النيتشوية:
1_ الأسلوب الأول في مواجهة تشكيك نيتشه في «البديهيات الأولية» للمنطق هو اللجوء إلى عدم قابلية هذه المبادئ البديهية للإنكار حدسيًا، بمعنى أننا نحن البشر «عاجزون عن عدم التصديق» بـ A=A؛ فنحن أساسًا لا نستطيع تصور وضع وحال لا يكون فيه هذا المبدأ «صادقًا». بعبارة أخرى، في هذا النوع من الاستدلالات، يُعتبر عجز الفاهمة أو قصور المخيلة البشرية عن تصور «صدق» نقيض مبدأ الهوية (أو مبدأ امتناع التناقض) دليلاً على «صدق» هذه المبادئ نفسها.
يدين العقلانيون المعاصرون بهذه الاستدلالات المسماة اصطلاحًا «إفحامية» (Elenctic) لأرسطو، وذلك حين كتب، على سبيل المثال، ردًا على تشكيكات السفسطائيين في مبدأ امتناع التناقض – الذي كان برأي أرسطو أمتن مبادئ المنطق – قائلاً:
[إذا كان السفسطائي لا يؤمن بمبدأ امتناع التناقض،] فلماذا إذن، وهو يتصور أنه بحاجة إلى قطع طريق طويل، يمضي نحو ميغارا ولا يمكث [بدلًا من ذلك] هادئًا في بيته؟ ولماذا لا يخطو في فجر أحد الأيام نحو بئر أو هوة – تصادف وجودها في طريقه – ويتجنبها [بدلًا من ذلك]، مظهرًا بذلك أنه يعتقد أن السقوط (في البئر أو الهوة) ليس في آنٍ واحدٍ مستحسنًا وغير مستحسن، لأنه من البديهي أنه يفضل أحدهما على الآخر» (أرسطو. الميتافيزيقا.IV. 4، b1008 15-20).
بمثل هذه الإفحامات، يضطر أرسطو وأتباعه المعاصرون خصمهم السفسطائي لا إلى قبول «صدق» مبدأ امتناع التناقض، بل إلى الصمت. هذا الصمت كان بالطبع ناتجًا عن النظرة الكونية اللاتاريخية وقصور مخيلة السفسطائي عن تصور عالم آخر مغاير. لو كان خصم أرسطو السفسطائي، مثل نيتشه، يمتلك رؤية تاريخية («كل ظاهرة تاريخية تحمل في طياتها تحولاً») وتطورية، لربما استطاع أن يتصور كائنات حية وعوالم حيوية أخرى ذات موضوعات و«منطق» مختلف تمامًا، عالم حيوي لا يكون فيه مبدأ امتناع التناقض قائمًا بالنسبة لكائن حي ما، أو لا يكون ذا موضوعية أصلًا.
حتى مع التسليم بتوبيخات أرسطو، يمكن التساؤل: لماذا ينبغي لعجز كائن حيواني يُدعى الإنسان عن تصور نقيض المبادئ الأولية لفكره أن يُعتبر معياراً لـ«صدق» هذه المبادئ ذاتها؟ أساساً، لماذا ينبغي لكفايات القوى المعرفية للإنسان وعدم كفاياتها أن تكون عاملاً في تحديد «صدق» قضية ما؟ ومن جهة أخرى، لماذا ينبغي للقوى المعرفية للنوع الإنساني اليوناني في 400 سنة قبل الميلاد، وليس لإنسان ما قبل ملايين السنين أو ما بعدها بملايين السنين، أن تكون نقطة انطلاق دفاعات أرسطو عن امتناع التناقض؟ وبهذا، إذا كان إثبات «صدق» حجر أساس المنطق الكلي يستلزم هكذا اللجوء إلى مشاعر وإدراكات إنسانية جزئية ومحلية، أفلا يكون «الإنسان مقياس كل شيء» في نهاية المطاف؟
أما من منظور نظرية المعرفة التطورية عند نيتشه، فكل ما تظهره توبيخات أرسطو في الميتافيزيقا هو حقيقة التاريخ الطبيعي القائلة بأن الإدراك الحسي للإنسان لا يزال في مرحلة من تطوره بحيث لا يستطيع تمثل العالم من حوله خارج النظام التقابلي: إما موجود وإما غير موجود؛ لكن على أي حال، مجرد هذا العجز لا يمكن أن يكون دليلاً «منطقياً» على الصدق الميتافيزيقي والكلي للمبادئ الثلاثة للمنطق الأرسطي، لأنه كما يحتج نيتشه في نقده لمبدأ امتناع التناقض، منطقياً «العجز عن النقض [ليس سوى] إثبات لعجز [الإنسان]، وليس إثباتاً لـ«الحقيقة»» (Nietzsche 1967: 279). كون الإنسان لا يستطيع حتى تصور أنه سيأكل صخرة يوماً ما، لا يمكن أن يكون دليلاً منطقياً على المشروعية الميتافيزيقية لـ«عدم أكل الصخر»! كل ما يكشفه عجز كهذا هو أن الجهاز الهضمي للإنسان لم يتطور بعد ــ أو حتى ليس من الضروري أن يتطور ــ بحيث يوفر هضم الصخر إمكانية لاستمرار حياته أو الارتقاء بها.
هذا في حين أنه، بالنظر إلى آلية التطور وسير التاريخ الطبيعي، توجد إمكانية لأي تغير كمي، وبالتالي تغير كيفي، في جهاز الإدراك الحسي والمعرفي للإنسان، بحيث يُتصور أن النوع الإنساني بعد ملايين السنين لن يكون عاجزاً عن تصور صدق نقيض أ=أ، بل وسيستطيع تنظيم حياته بناءً على هذا النقيض.
وهذا يعني أن دفاعات أرسطو عن «صدق» مبادئ المنطق، أو على أي حال عن مشروعيتها، لن تكون ذات معنى وفاعلية إلا في عالم بلا تطور وبلا تاريخانية.
2_ الحيلة الثانية، كما طُرحت سابقاً على لسان بلانتينغا، هي التوسل بالنتيجة الفاسدة لنظرية المعرفة التطورية أو تطبيع المنطق. بناءً على ذلك، إذا كانت خلاصة نيتشه بشأن أصل المنطق «صادقة»، فيجب حتماً القبول بأننا في الواقع لا نعرف شيئاً عن العالم؛ معرفتنا، كما كنا نعتقد سابقاً، لا تقبض على جوهر الواقع، وكل معارفنا ليست «صادقة» بل هي مجرد نافعة لنوعنا، ولثقافتنا، ولنظرتنا الضيقة للعالم ــ وهي وجهة نظر يُشار إليها بـ«العدمية المعرفية».
في الرد، يجب أولاً التذكير بأن تطبيع المنطق من قِبل نيتشه ليس له أي تأثير على الإطلاق في نزع المشروعية عن استخدام المنطق؛ فرواية نيتشه لأصل المنطق وتطبيعه تزيل السحر فحسب عن هالة واقعية المنطق. ليس الأمر أنه حتى بعد قبول كون المنطق «أسطورة»، سينبذ الإنسان ما بعد النيتشوي المنطق كلياً ــ وأساساً هذا الفعل غير ممكن بالنظر إلى المحدوديات البيولوجية للإنسان الحالي. ما يحدث في الواقع (إن حدث) هو فقدان ذلك العزاء الميتافيزيقي الناتج عن الإيمان بتعالي المنطق الكوني: الإيمان بأن وقائع الكون/الوجود أيضاً تشهد على «صدق» قضايانا المنطقية، وأننا معشر البشر لسنا وحدنا في إيماننا بـ«صدق» أ=أ إلخ... كون المنطق «أسطورة» لدى نيتشه يعني تحديداً أنه لا يمكن لذرة من ذرات العالم ــ ونيتشه لا يعتقد حتى بوجود الذرة و«الجوهر الفرد» ــ أن تكون صانع صدق (Truthmaker) لمنطقنا الإنساني، المفرط في إنسانيته؛ من هذا المنظور، يكتسب «صدق» معتقداتنا المنطقية (وغير المنطقية) معناه لا في «المطابقة مع الواقع»، بل في البداية في التخاصم مع الطبيعة ــ تخاصم مقتضيات «إرادة القوة» وبقائنا مع آليات الطبيعة ــ ومن ثم في الصراع والجدال مع البشر الآخرين. هذه الخلاصة هي ما يكون ثقيل الوطأة جداً على الفيلسوف العقلاني التحليلي.
بالنسبة لفلاسفة أمثال بلانتينغا، وناغل، وسيرل، وبوغوسيان وغيرهم، فإن الحفاظ على هذا «العزاء الميتافيزيقي» للعقل والعقلانية ليس مرغوباً فحسب، بل هو أمر حيوي؛ إن وجودهم بوصفهم «عقلانيين» ورثةً لسقراط وديكارت يتوقف على وجود هذه الهالة المتعالية واللاإنسانية. أما «فيلسوف المستقبل» عند نيتشه، فهو ليس بحاجة مطلقاً إلى مثل هذه التعزيات الميتافيزيقية، لأنه هو نفسه واضع قيمه ومبادئه الموضوعية – إن إرادة القوة لديه هي صانعة صدق معتقداته.
وهكذا، فإن احتجاجات نيتشه ضد المنطق والعقلانية لا تؤدي إلا إلى استبدال مقاربة واقعية بأخرى براغماتية للمنطق (والمعرفة الناتجة عن المنطق). من منظور المقاربة البراغماتية (الوظيفية) للمنطق والمعرفة الإنسانية، فإن اكتشافنا يوماً ما (بعد تأملات نيتشوية) أن منطقنا لم يكن تمثلاً «حقيقياً» لنظام اتصالات الأشياء وظواهر العالم، وأن المنطق، في نهاية المطاف، «لا يدرك جوهر الواقع كما كنا نعتقد سابقاً»، لا يضع أمام عقلانيتنا مأزقاً عويصاً على الإطلاق، لأن الغاية القصوى لمؤسسة المنطق والعقلانية الناشئة عنه، من هذا المنظور أساساً، ليست تمثيل الواقع الأقصى (Ultimate Reality)، بل حل المشكلات والعوائق العملية الناشئة عن احتكاكنا بالواقع المباشر (Immediate Reality). وفي هذا السياق، فإن ما يذهب إليه ريتشارد رورتي بشأن «اللغة»، من أنها «...ليست وسيطاً تمثيلياً [للواقع]. اللغة هي تبادل العلامات [الكتابية] والأصوات الذي يتم لتحقيق أهداف محددة. لا يمكن للغة أن تفشل في تمثيل [الواقع] تمثيلاً صحيحاً ودقيقاً، لأنها لا تمثله أبداً» (Rorty 1999: 50)، ينطبق أيضاً على المنطق – لأن المنطق أيضاً، في التحليل النهائي، بناء لغوي مؤلف من «علامات» كتابية و«أصوات» يُستخدم في سبيل تحقيق أهداف إنسانية.
3_ وأما الشق الآخر من «النتيجة الفاسدة» لنظرية المعرفة التطورية عند نيتشه فهو أشد تدميراً وأطول عمراً (في تاريخ الفلسفة) – إنه الحجة المضادة التي أُقيمت ضد النسبوية بأشكال مختلفة منذ محاورة ثياتيتوس لأفلاطون وصولاً إلى مقالة «دحض النسبوية» لجون سيرل وكتاب الخوف من المعرفة لبول بوغوسيان: وهي أن نيتشه، في تمسكه بنظرية التطور – التي هي نفسها نتيجة لتطبيق مبدأ الهوية من أجل «تصنيف» الكائنات الحية – لدحض/إزالة السحر عن مبدأ الهوية والمنطق برمته، قد وقع في تناقض عميق؛ بعبارة أخرى، إذا كان المنطق «أسطورة» كما يصر نيتشه، فإن نظرية التطور أو الرؤية التطورية، وأساساً أية نظرية موجودة أو قابلة للتصور تكون بالضرورة نتاجاً لتطبيق أسس المنطق، يجب أن تكون هي الأخرى «أسطورة». فكيف إذن يفترض نيتشه، أثناء سرده لـ «أصل المنطق»، «صدق» (أي لا أسطورية) التطور؟ كيف يلجأ نيتشه في دحض «أسطورة» إلى «أسطورة» أخرى؟
في الإجابة، يجب أولاً الإقرار بأنه لا يخفى على أحد أن نيتشه، اقتداءً بسلفه ما قبل السقراطي، هرقليطس، يؤمن بقوة بأن «في العالم صيرورة فقط وليس وجوداً» (نيتشه، 1386، ص43)؛ وفي جدال يعود في قدمه إلى تاريخ الفلسفة نفسه، انتصب نيتشه دوماً مناصراً لمذهب «الجريان الدائم» لهرقليطس في مقابل مذهب الوجود الواحد الساكن لبارمنيدس. في الحكمة في عصر ازدهار الفكر اليوناني، يعبر نيتشه عن أساس فكره على لسان هرقليطس قائلاً:
لا تنخدعوا! إن الذنب ذنب إدراككم الناقص وليس ذنب طبيعة الأشياء، إذ تعتقدون أنكم تبصرون في محيط الصيرورات والموت بقعة من تراب تتراءى لكم دون أن يطالها التغيير. إنكم تسمون الأشياء وكأنها تدوم لبعض الوقت على الأقل وتبقى لا متغيرة، ومع ذلك فحتى الجدول الذي خطوتم فيه للمرة الثانية ليس هو الجدول نفسه الذي وطئته أقدامكم في المرة الأولى (المصدر نفسه).
إنها لعقيدة قديمة تكمن خلف جميع أفكار نيتشه وكتاباته، بحيث إن مبدأ «الصيرورة الدائمة» لدى نيتشه يحتل المنزلة الأنطولوجية والمنهجية ذاتها التي يحتلها مبدأ الهوية لدى العقلاني. لذا يمكن الادعاء بحق أن الإيمان الوحيد الذي لا يشكك نيتشه في «صدقه» الميتافيزيقي هو الإيمان بالتغير والصيرورة الأزلية لجميع الظواهر، وهو إيمان يفترض «صدقه» مسبقاً خلال جميع انتقاداته لـ«المنطق» و«الحقيقة». والآن، كيف لا يهاجم نيتشه أبداً «صدق» أساس تفكيره؟ في الإجابة، لا يسعنا إلا أن نذكر أنه إذا أخضع الفيلسوف العقلاني التحليلي أيضاً الافتراضات المسبقة الميتافيزيقية لتعقلاته للتأمل والتساؤلات القاسية، فإنه منطقياً سيصل إلى رؤية هرقليطية (أو على أية حال رؤية لا عقلانية) للواقع: حقاً، أي ملاحظة أو استدلال يدفع الفيلسوف العقلاني لقبول ثبات (بعض) ظواهر العالم؟ ألا يزعزع الاطلاع على مكتشفات فيزياء الجسيمات الحديثة «إيمانه» بـالثبات؟ ألا تشهد جميع مدركاته الحسية على أن كل شيء في صيرورة؟ ألم تتغير ذاته (Ego) منذ بضع سنوات وحتى الآن؟ في أي مجال من الواقع يتحقق ثبات «صدق» A=A تحديداً؟--في واقع العالم الخارجي أم في مجال العالم الذهني؟
لذا، في الإجابة على سؤال «كيف يلجأ نيتشه، في دحضه لـ«أسطورة»، إلى «أسطورة» أخرى؟» يجب الإقرار بأن نيتشه في الحقيقة لا يعتبر مبدأ «الصيرورة الدائمة» لهرقليطس — الذي لا تعدو نظرية التطور الداروينية أن تكون تقريراً علمياً وحديثاً لهذا المبدأ — «أسطورة»! لكن يجب الانتباه إلى أن إيمان نيتشه بهذا المبدأ لا تكمن جذوره في نزواته الفلسفية؛ بل إن تساؤلاته «المنطقية» هي التي أوصلته إلى هنا.
وثمة إجابة أخرى على مسألة وجود «تناقض عميق» في رواية نيتشه عن «أصل المنطق»، وهي التحليل «المنطقي» للافتراض المسبق الكامن في مبدأ امتناع التناقض ذاته، وذلك على النحو الذي يرد به نيتشه في الفقرة 516 من إرادة القوة على بحث العقلانيين عن التناقض ببحث عن التناقض أشد تدميراً وأكثر جذرية:
إذا كان قانون [امتناع] التناقض، كما يرى أرسطو، هو أكثر المبادئ يقيناً، وإذا كان هو المبدأ الأقصى والأكثر جوهرية الذي تستند إليه جميع البراهين الإثباتية، وإذا كان تبرير كل مبدأ بديهي (Axiom) [آخر] يرتكز عليه، فيجب حينئذٍ وبأقصى درجات الصرامة فحص الافتراضات المسبقة الكامنة مسبقاً خلفه [امتناع التناقض]. فإما [أن هذا المبدأ] يكشف شيئاً عن الواقع، عن الوجود، وكأن [المرء] يعرف هذا مسبقاً من مصدر آخر؛ أي كأن الصفات المتضادة لا يمكنها أن تُحمل [على الواقع]. وإما أن تعني قضية [مبدأ امتناع التناقض] أن: الصفات المتضادة لا ينبغي أن تُحمل [على الواقع]. وفي هذه الحال، سيكون المنطق أمراً (Imperative)، لا لمعرفة الأمر الحقيقي، بل لفرض وتزيين عالم ينبغي أن نطلق عليه نحن اسم الحقيقي.
في النهاية، يبقى هذا السؤال مفتوحاً: هل مبادئ المنطق الموضوعة تنقل الواقع أم هي أدوات وتدابير لبناء الواقع، مفهوم «الواقع»، لأنفسنا؟-- في حال تأييد الشق الأول، وكما قيل سابقاً، [فإن المرء] يجب أن تكون لديه معرفة سابقة بالوجود — وهو ما ليس حاصلاً بالتأكيد. لذلك، فإن قضية [امتناع التناقض] لا تحوي أي معيار للحقيقة، بل هي أمر يتعلق بما ينبغي أن يُعتبر حقيقة (Nietzsche 1967: 279).
يشير نيتشه في البداية، وبحق، إلى أن مبدأ عدم التناقض ليس (خلافاً لما اعتقده أرسطو) المبدأ «الأقصى والأكثر أساسية» في المنطق، وذلك لأن هذا المبدأ نفسه يقوم على «افتراضات مسبقة» أخرى. فالمبدأ «الأكثر أساسية» هو، بحكم التعريف، مبدأ لا يمكن ردّه إلى مبدأ آخر (افتراض مسبق آخر) — بل ولا يمكن حتى تصوّر ردّه إلى «مبدأ أكثر أساسية» —؛ وهذا في حين أنه، وكما يلاحظ يان لوكاسيفيتش، المنطقي البولندي، في مقالته الكلاسيكية «حول مبدأ التناقض عند أرسطو»، فإن مبدأ الهوية هو «أكثر بداهة» و«أبسط» و«أقصى» من مبدأ عدم التناقض، لأنه «لا يمكن صياغة مبدأ التناقض دون اللجوء إلى مفهومي النفي والتكرار (Multiplication) المنطقي...؛ في حين أن مبدأ الهوية قائم تماماً دون اللجوء إلى هذين المفهومين» (Lukasiewicz 1971: 493). وعلى هذا الأساس، يضع نيتشه مبدأ الهوية على الدوام هدفاً لانتقاداته الجينالوجية.
لذا، وبالنظر إلى التناقضات الداخلية المنطقية لمبدأ الهوية (التي تم بحثها سابقاً)، فإن نيتشه، وبتسليط الضوء على واحد فقط من «الافتراضات المسبقة» لمبدأ عدم التناقض، يطرح سؤالاً مسبقاً حول قائميته بذاته وشرعيته الصورية لهذا المبدأ، على الرغم من أرسطو.
لكن نيتشه يتناول في ما يلي «الافتراض المسبق» الأكثر أساسية لمبدأ التناقض: كيف يمكن قبل تطبيق مبدأ عدم التناقض أن «ينكشف شيء عن الواقع، عن الوجود»؟ كيف يتم قبل صياغة هذا المبدأ وتطبيقه حصول «يقين» ميتافيزيقي «بأن الصفات المتضادة لا يمكنها أن تُحمل [على الواقع]»؟ هل هناك معرفة أخرى «من مصدر آخر»! قيد العمل؟
رداً على نيتشه، لا يمكن الادعاء بأن أرسطو (حسناً!) قد استنبط (Intuit) الصدق الميتافيزيقي لـ«أيقن المبادئ» هذه من العالم الواقعي، لأن الاستنباط هنا سيكون مجرد استنتاج من مجموعة من المشاهدات التجريبية المتناهية، بمعنى أن أرسطو، شأنه شأن أي إنسان آخر، قد لاحظ من خلال مشاهدة العالم الخارجي، بطريق الاستقراء، أنه مثلاً لا توجد شجرة واحدة تكون يابسة ومخضرّة في آنٍ واحد، ولا توجد بركة واحدة مليئة بالماء وفارغة منه في آنٍ واحد، وهكذا... ولكن هل يمكن للمشاهدة التجريبية لحالات متناهية أن تكون أساساً لـ«صدق» ميتافيزيقي لقضية (مبدأ التناقض) قبلية؟ قضية يُفترض أن تنطبق على مجموعة غير متناهية من الحالات — هل كان أرسطو يستبعد، بطريقة قبلية، وجود «البجعة السوداء» لمبدأ عدم التناقض التجريبي؟ بطبيعة الحال، سيكون مثل هذا الاستنتاج مرهقاً جداً لأرسطو (وللأرسطيين المعاصرين)، لأنه في التحليل النهائي (لهذا الاستنتاج) يعني أن «صدق» الكونية لـ«البراهين الإثباتية» والاستدلالات القياسية — استدلالات تقوم، بحكم الضرورة المنطقية، على مبدأ عدم التناقض — قائم على صدق حالات جزئية ناتجة عن المشاهدة التجريبية، أو بعبارة أبسط، إن القياس، في أساسه، قائم على الاستقراء!
مثل هذا الاستنتاج يكون تقويضياً لإبستمولوجيا أرسطو الذي كان يعد المعرفة الناتجة عن الاستدلال القياسي أقصى درجات المعرفة «اليقينية»، وفي المقابل كان يخفض من شأن الاستدلال الاستقرائي إلى مقام أدنى: بالنسبة لشخص يرى أنه «لا يجوز لتحصيل [قضية] كلية أن نسلك طريق الاستقراء من مجموعة حالات جزئية... لأن الاستقراء لا يثبت الماهية الذاتية لشيء ما» (Aristotle, Posterior Analytics , II, 7, 92a33)، فإن استنتاجاً كهذا (أن «القياس، في أساسه، قائم على الاستقراء!») لن يكون مرضياً على الإطلاق.
والنتيجة هي أن أرسطو لم يكن بوسعه أن ينتزع الصدق الميتافيزيقي و«اليقيني» لمبدأ امتناع التناقض من «الواقع»، وكان الوعي بهذا القصور الذاتي لـ«الواقع» في توفير يقين ميتافيزيقي هو ما دفع أرسطو أخيراً إلى اللجوء إلى ملاذ متعالٍ وغير واقعي: «يخلص أرسطو في فقرة علمية تماماً في كتابه في نشأة الحيوانات (Generation of Animals) عملياً إلى أن العقل وحده، من بين جميع مظاهر الحياة، "يدخل من الخارج وحده وهو أمر إلهي"» (غاتري، 1388، ص 9-188). في الأساس، في رؤية أرسطو للعالم، يمتلك العقل (Nous)، وهو قبس من العقل الأزلي لـ«المحرك الذي لا يتحرك»، وجوداً قائماً بذاته، أزلياً وسابقاً على الحياة الإنسانية الملموسة؛ وفي هذا المجال تحديداً يكون «صدق» المبادئ الموضوعة للمنطق، ومنها امتناع التناقض، «يقينياً» ومحرزاً لدى أرسطو.
وهكذا، فإن تساؤلات نيتشه المنطقية حول مبدأ امتناع التناقض تكشف بحق عن كون «المعرفة القبلية» الأرسطية عن الوجود «من مصدر آخر»؛ وفي هذه الحال، سيكون امتناع التناقض، بدلاً من أن يكون «ناقلاً للواقع»، مجرد توصية أو «أمر» إنساني، إنساني أكثر مما ينبغي لتنظيم التجارب الذهنية للنوع البشري – تنظيم يخدم في نهاية المطاف تعزيز بقاء أو زيادة قدرة العضوية الإنسانية.
والسؤال الذي يطرحه نيتشه الآن رداً على العقلانيين التحليليين الذين يتهمونه بـ«تناقض عميق» هو: إلى أي «ملاذ متعالٍ» تلجؤون أنتم لتحصيل «الصدق» الميتافيزيقي و«اليقيني» لمبدأ امتناع التناقض؟ ألعلَّكم أنتم أيضاً تؤمنون بعقل أزلي وكوني (Nous)؟ ألستم أنتم من وقع، قبل مني بكثير وأكثر مني، في «تناقض عميق» وفاضح؟
ومع ذلك، قد يرد العقلانيون مرة أخرى بأن نيتشه يدفع السؤال بسؤال، ولا يتناول، في التحليل النهائي، النقد الأكثر رسوخاً ضد النسبوية بشكل مباشر؛ فالفيلسوف العقلاني التحليلي، متفقاً مع نيغل، سيجيب بأنه: «على الرغم من أن كون النسبوية ذاتية الإبطال أمر مألوف [ومكرر]، فإنه لا يزال صحيحاً: لا يمكننا أن ننتقد [وننكر] بعض ادعاءاتنا العقلية دون أن نستخدم [في النهاية]، في مكان ما، [نفس] العقل لصياغة هذه الانتقادات ودعمها» (Nagel 1997: 15). بعبارة أبسط، لا يمكن إبطال المنطق بالمنطق؛ إبطال المنطق هو إبطال لـ«إبطال المنطق».
على الرغم من كون هذه الحجة الأخيرة ضد النسبوية «منطقية» للغاية، يجب الانتباه إلى أن تفنيداً كهذا يستلزم عالماً لاتاريخياً وبلا تطور، بمعنى أن كون المنطق «غامضاً» وغير قابل للإبطال يتناقض جوهرياً مع الحقيقة التجريبية للتطور (وهي أن «كل ظاهرة تاريخية تحمل في طياتها تحولاً»). اللجوء إلى مثل هذا التفنيد في إبستمولوجيا ورؤية أرسطو للعالم لم يكن ليؤدي بالطبع إلى تناقض جوهري معقد، وذلك لأن «أرسطو لم يكن لديه تصور عن التطور الدارويني، وكان يرفض بشدة نظائره القديمة التي كانت موجودة ضمن آراء إمبيدوقليس. الفرخة تأتي إلى الوجود قبل البيضة، وهكذا كان الأمر دائماً. والأمر نفسه ينطبق على النفس: أسمى مظاهرها وأوحدها اكتمالاً – العقل المحض (Pure Mind) – موجود بشكل أزلي» (غاتري، 1388، ص 187). لكن رؤية العالم المزالة عنها السحر وما بعد الداروينية للفيلسوف العقلاني التحليلي اليوم لن تتوافق أبداً مع هذه النظرة «الأزلية» إلى «العقل المحض» – تماماً كما اعترف نيغل بذلك سابقاً.
ما يمكن إعادة بنائه في نهاية المطاف من خلال آراء نيتشه حول المنطق في قالب بنيوي مقبول منطقياً وتحليلياً هو أن أعظم «أساطير» المعرفة الراهنة للإنسان الحديث، أي المنطق والتطور، في صراع مع بعضهما البعض، بحيث إذا كان المنطق «صادقاً»، كان التطور «أسطورة»، وإذا كان التطور «صادقاً»، كان المنطق كذبة نافعة. وتبعاً للاحتجاجات السابقة حول «صدق» مبدأ الهوية، يمكن التعبير عن هذا المأزق الإبستمولوجي في صورة قياس ذي حدين على النحو التالي:
إما أن إيماننا بـ«صدق» (ميتافيزيقي) A=A هو نتاج عملية التطور البيولوجي لقوانا الإدراكية عبر الانتقاء الطبيعي (رؤية نيتشه)،
أو أن إيماننا بـ«الصدق» (الميتافيزيقي) A=A «مُثبَتٌ أزلاً» في صميم وعينا و«عقلنا المحض» (رؤية أرسطو).
إذا كان الشق الأول صادقاً، فبحسب منطق التطور، يجب القبول بأن الإيمان بصدق A=A (وبالتالي المنطق) قائم فحسب (على النحو الذي يشرحه نيتشه في الحكمة المرحة ) على منفعة هذا المبدأ--لأن الانتقاء الطبيعي لا «ينتقي» إلا الخاصية التي تضمن بقاء النوع، وليس الخاصية التي تتضمن تطابق وعي الكائن الحي مع الواقع—وهكذا يكون المنطق وسيلة أخرى لـ«الاستمتاع» بالمزيد من الحياة الأكثر، وليس «أورغانوناً» لاكتشاف الحقيقة.
وإذا كان الشق الثاني صادقاً من جهة أخرى، فإن السؤال (بالنسبة للعقلانيين التحليليين) يطرح نفسه: بناءً على أية شواهد عقلية يجب الاعتقاد بوجود شيء قائم بذاته يُدعى «العقل المحض»، مستقل عن زمان ومكان حياة النوع الإنساني الحيوانية، «على نحو أزلي»، قبل الانفجار العظيم وبعد نهاية العالم!؟
وهكذا، فإن أكثر الأجوبة استدلالاً التي يمكن تقديمها على سؤال «كيف لنيتشه أن يبطل «أسطورة» باللجوء إلى «أسطورة» أخرى؟» هو أن نيتشه، ومن خلال مواجهة يقينيات الإنسان الحديث (التي يظنها نيتشه بدايةً «أسطورة» لديه) بعضها ببعض، يكشف عن كونها أسطورة، تماماً كما أن مرآتين مستويتين، تمثلان «الواقع» في انعزال عن بعضهما (تطابقان الواقع)، عندما تمثلان بعضهما وهما متقابلتان وجهاً لوجه، فإنهما تمثلان أمراً غير واقعي (انعكاسات متداخلة تسير نحو اللانهاية) ومُهمَلاً.
وفي هذا السياق، بينما يصارع فيلسوف عقلاني تحليلي مثل توماس نيغل التبعات «شبه الدينية» و«المآزق» غير المحلولة للشق الثاني، فإن فيلسوفاً براغماتياً مثل ريتشارد رورتي، وفي معرض قبوله «صدق» الشق الأول، لا يرى أن «لوازمه الفاسدة» «فاسدة» إلى هذا الحد؛ فبالنسبة لرورتي، كون المنطق والرياضيات وفيزياء الجسيمات... مجرد أدوات في خدمة دفع الأهداف الإنسانية العَرَضية، وكون الغاية القصوى لجميع الأنشطة الفكرية البشرية في نهاية المطاف هي بلوغ البقاء و«الاستمتاع» الأكثر، لا ينطوي على أي مأزق. ومن هنا يعلن رورتي أن «البراغماتيين لا يعتقدون أن هدف البحث [العقلي] (Inquiry) [هو بلوغ] الحقيقة. هدف البحث هو المنفعة، وهناك العديد من الأدوات النافعة المختلفة بقدر الأهداف التي يسعى الأفراد إلى دفعها» (Rorty 1999: 54).
من هذا المنظور، حتى الفلسفة نفسها هي «نمط من الكتابة» أو جنس آخر من الأدب، لا هدف له، شأنه شأن الأجناس الأخرى، سوى الارتقاء بالعلاقات الإنسانية عبر نقل التجارب والمشاعر (وبالتالي ضمان بقاء أكثر) أو حتى مجرد التسلية. والنتيجة هي أنه بينما لا يزال الفيلسوف العقلاني التحليلي، بعناد أفلاطوني، يسعى لإيجاد مشجب متعالٍ لـ«عقله المحض»، فإن الفيلسوف البراغماتي يقبل النتيجة «المنطقية» الأكثر لاحتجاجات نيتشه، وينصرف بدلاً من «اكتشاف الحقيقة» إلى إثراء تجربته المعيشة عبر الفلسفة والأدب والفن...
لذا، ففي حين قد يكون النسبوي البراغماتي مصاباً بـ«الخوف من المعرفة»، فما أكثر ما يعاني العقلاني التحليلي من «إغراء المعنى».
ما وراء التناقضات...
ختاماً، وفي معرض الدفاع عن نسبوية نيتشه، يجدر التذكير بأن فيلسوفاً دقيق الفكر مثله ما كان ليكون غافلاً عن التناقضات المنطقية في كلامه. لكن بالنسبة لمن يكشف (على الأقل لدى نفسه) عن تناقض مبدأ امتناع التناقض، سيكون الإيمان بالمشروعية المنطقية لامتناع التناقض غاية في الصعوبة: لماذا ينبغي أن نكون منطقيين ما دام المنطق ليس منطقياً؟ لماذا ينبغي الامتناع عن التناقض بينما (مبدأ) امتناع التناقض نفسه لا يمتنع عن التناقض؟!
ما هو جلي هو أن نيتشه كان على وعي، بشكل مرضي، بتناقضه مع نفسه، ومع ذلك، وكأنه كان يرى، من جهة، في التناقض مع الذات طريقاً للتجاوز (Overcome) لحدود التفكير المنطقي الراهن، ومن جهة أخرى، طريقاً للإشراق على حقيقة مغايرة!:
لقد كنت أول من اكتشف الحقيقة، وذلك لسبب بسيط هو أنني كنت أول من وعى الكذب بصفته كذباً—أي أنني استشققته. عبقريتي كامنة في منخريّ. لم يناقض أحد نفسه قط كما أفعل أنا، ومع ذلك... أنا المبشر بفرح لم يوجد له نظير من قبل... فقط الآن، وقد عشتُ أنا، يمكن للبشرية أن تبدأ في التطلع إلى آمال جديدة .(Nietzsche 2004: 90)
لست إنساناً، أنا ديناميت (ibid).
.
.
هوامش
1_ الآن، إذا كان «المنطق» أيضاً، على نطاق أوسع وأشمل بكثير، إنسانياً، شديدَ الإنسانية على هذا النحو، أفلا ينبغي أن تتجه تساؤلات وسخريات المفكرين والفلاسفة الملحدين ورثة التنوير نحو مؤسسة «المنطق» و«العقلانية الحديثة» أيضاً؟!
2_ إنني أدرك أن نظرية التطور، في هذه الحالة، لن تكون بمنأى عن شك نيتشه وإزالة الوهم عنها، باعتبارها إنجازاً آخر من إنجازات المنطق (الاستقراء)، وهو ما سيعرقل بدوره لجوء نيتشه المنهجي إلى التطور. سأتناول هذا المأزق وعواقبه بالتفصيل لاحقاً.
.
.
المصادر الفارسية
أحمدي؛ بابك، 1394. كتاب الشك. طهران: نشر مركز.
أرسطو، 1394. الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة)، ترجمة شرف الدين خراساني. طهران: منشورات حكمت.
غاتري، دبليو. كي. سي.، 1388. فلاسفة اليونان القدماء من طاليس إلى أرسطو، ترجمة حسن فتحي. طهران: نشر علم.
نوفاك، جورج، 1394. مدخل إلى منطق الماركسية، ترجمة برويز بابائي. طهران: روزآمد.
نيتشه، فريدريش فيلهلم، 1386. الحكمة في عصر ازدهار الفكر اليوناني، ترجمة كامبيز غوتن. طهران: شركة المنشورات العلمية والثقافية.
------.1394. ما وراء الخير والشر، ترجمة داريوش آشوري. طهران: خوارزمي.
.
.
المصادر الإنجليزية
Aristotle, 1960. Posterior Analytics. Ed. Hugh Tredennick. London: William Heinemann Ltd.
Lukasiewicz, Jan, 1971. “On the Principle of Contradiction in Aristotle”. The Review of Metaphysics, Vol. 24, No.3, pp. 485-509 http://www.jstor.org/stable/20125812
Nagel, Thomas, 1997. The Last Word. New York: Oxford University Press.
Nietzsche, Friedrich Wilhelm, 1967. The Will to Power, tr. Walter Kaufmann. New York: Random House, Inc.
------. 1974. The Gay Science with a prelude in rhymes and an appendix of songs, tr. Walter Kaufmann. New York: Random House, Inc.
------. 2004. Ecce Homo How One Becomes What One Is & The Antichrist a Curse on Christianity, tr. Thomas Wayne. New York: Algora Publishing.
Putnam, Hilary, 1992. Renewing Philosophy. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
Rorty, Richard, 1999. Philosophy and Social Hope. England: Penguin Books.
Waterfield, Robin, 2000. The First Philosophers The Presocratics and sophists. New York: Oxford University Press, Inc.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١٠ تعليق
دم تان گرم! حظ بردم
تناظر با واقع ، تعریف حقیقت یا همان صدق است. برای تعریف صدق و کذب معنا ندارد. بنابراین اصل تناظر با واقع گزاره ای توتولوژیک و همیشه درست است . اگر نظر ویتگنشتاین در باب اصول موضوعه ی تفکر درست باشد ، باید این سخن در باب اصول بنیانی هندسه اقلیدسی هم صادق باشد. اما ناسازگاری نظام بشدت عقلانی هندسه اقلیدسی در کجاست؟ آیا در حیطه ی هندسی اقلیدسی سخن گفتن از قطعیت و یقین و عقلانیت مضحک است؟ بنظر من بعضی سخنان نیچه بویژه آنجا که در چند جمله نظریه ی اتمی را (که در زمان خودش نظریه ی جدیدی بود) رد میکند خیلی مضحک تر از دستاوردهای علوم تجربی و عقلانیت مدرن است. نظریات اخلاقی اش هم که نه مضحک بلکه هولناک است! باید خدا را شاکر بود که بشر غربی در عمل به اندیشه های جان لاک و کانت و استوارت میل و پوپر بیشتر بها داده تا نیچه
همیشه درست؟! بر چه اساسی همیشه درست است؟ خوشبختانه مضحک یا هولناک خواندن مسایل در تفکر اهمیتی ندارد.
جان سرل در Realism and Reason What is at Stake؟ اصل تناظر با واقع را نخستین و بنبادیترین اصل «سنت عقلانیت غربی» می داند و صراحتا اعلام می کند که هر کس که «خواهان به چالش کشیدن این سنت است باید به نظریه ی حقیقت به عنوان تناظر با واقع حمله کند». سرل در ادامه این اصل را خود اینگونه تعریف می کند که« یک گزاره صادق است اگر و تنها اگر با امر ی واقع fact تناظر داشته باشد»(p63). جالب اینکه خودِ این اصل بنا بر خودِ تعریف صادق نخواهد بود! زیرا هیچ fact ی در هستی با این اصل تناظر نخواهد داشت. پس بنیان عقلانیت طبق اصل تناظر با واقعیت «کاذب» است!! در عین حال، باید پذیرفت که اساسا اصول موضوعه ی تفکر، آنگونه که ویتگنشتاین در در باب یقین به طرز کاملا «منطقی» نشان داده است، نه صادق اند و نه کاذب بلکه «داده» given هستند، داده هایی که ما از زیست جهان گذشته به «ارث» می بریم. استدلال زیبای ویتگنشتاین در قسمت 206 در باب یقین مبنی بر اینکه اصول موضوع نه صادق اند و نه کاذب این است که «اگر صادق آن است که بنیان ground دارد، پس خود ِ بنیان نه صادق است و نه کاذب[زیرا که بنیان خود بنا به تعریف بنیان دیگری نمی تواند داشته باشد که بنا بر آن صادق باشد.]» طبق این چنین استدلالی تمامی نظام های بازنمودی اعم از عقل گرایی، نسبی گرایی پراگماتیسم...تناقض و یا به هر حال ناسازگاری ای در مرکز خود دارند. نسبی گرا این ناسازگاری ذاتی هر نوع موضعی، از جمله موضع خویش، را به جان می خرد. از نگاه نسبی گرا اگر همه به یک اندازه محق نباشند، حداقل همه(از جمله خودِ او)به یک اندازه از ناسازگاری رنج می برند. مشکل اینجاست که برخی عقل گرایان ،و در راس آنها جان سرل، ادعا دارند که گفتمان عقلانیت از این جهت که از این تناقضات تا حدود زیادی مبراست بر دیگر گفتمان ها برتری دارد. و اینجایست که کسانی چون وینگنشتاین و نیچه مضحک و ناسازگار بودن چنین حرفی را نشان می دهند. بی شک سنت عقلانیت غربی به گفته ی سرل در همان مقاله کارآمدترین سنت در راستای پیشبرد بقای انسان بوده و هست؛ اما آیا کارآمد بودن دلیل بر صدق است؟ عقل گرایان خود چنین استدلالی را pragmatic fallacy مغالطه ی کارکرگرایانه می نامند.
خوب پس تمامی ان چه فلسفه از زمان طبیعت گرایان باستان به اتهام طبیعی نبودن کنار گذاشتند و به این علت خودطبیعت گرایان برنامه فلسفی خود شکست خوردند شآنی لاقل برابر با معیار خود فلسفه غرب با اندیشه رقیب دارند. دیگر نمی توان عقل گرایان هیچ نحله فلسفی را متهم به غیر فلسفی بودن کرد. بونژور را بخوانید. فلاسفه غرب به تعهدات فلسفی برنامه فلسفی خود پایبند نبودند و نیستند. همان که پاپر در سه راهی فرایز گفت و لری لادن در آغاز کتب خود می گوید اما خود پایبند نیست. تجربه گرایی طبیعت گرایی فیزیکالیسم بیز گرایی اساسا پروژه های فلسفی میراث دار نامینالیسم موفق نبوده اند اما انقدر صداقت فلسفی ندارند که فلاسفه چین، عرب، و افرادی مانند ابن سینا و سهروردی را گوش کنند. پایه ای ترین باورهای فلسفه غرب ناموفق بوده اند.
و در پایان هنوز دلیل آوری نگارنده بر رد این مدعا که نسبی گرا خود دچار دور باطل است مغشوش است. نگارنده چند مرتبه و هر بار با عنوان کردن این مدعا و توضیحاتی کلی و از جنس غیر مستدل در تلاش است تا این گزاره را ابطال کند اما هربار پاره ای جملات عنوان میشود و باز در پاراگراف بعدی منتظریم تا بالاخره به یک جمع بندی مستدل برسیم اما همچنان متن آشفته و ابتر میماند و مخاطب از خود میپرسد پس بالاخره پاسخ به این استدلال چه شد؟
طرح موضوع شیرینی بود اما ضعیف ترین قسمت ایرادات جدیی است که در قسمت پایانی نگارش یعنی دلیل آوری مقابل ردیه های ادله ی موجود علیه افسون زدایی عقلانیت نیچه آمده است، که مهمترین آن به اختصار عبارت است از: در رد اصل امتناع از تناقض آشکارا از خود اصل بهره گرفته شده است! در متن ذکر شده که یا این اصل به شکل پیشینی و استعلایی موجودند، یعنی اذعان دارد که واقعیت چنین است (الف)، یا اصلی است که درواقع میگوید واقعیت چگونه باید باشد (ب). ... ودرادامه نتیجه گرفته است که چون الف نیست، پس ب است. شیوه ی تبیینی که در رد اصل امتناع تناقض استفاده شده همین اصل را آشکارا پیش فرض گرفته! یعنی باور دارد که الف و ب نمیتواند همزمان درست باشد. یا الف است که نیست، پس ب است! مشابه چنین ایرادی بر دلیل آوری های دیگر که در دفاع از نظرگاه نیچه و رد عقل باوری مرسوم در فلسفه تحلیلی عنوان شده اند نیز وارد است.
نقد مقاله ی نیچه علیه منطق مقاله بسیار خوبی بود هم از این جهت که نویسنده ی محترم تلاش کرده بود سویه ی استدلالی فلسفه ی نیچه را که کمتر به آن توجه می شود نشان دهد و هم قلم نویسنده بسیار روان و شیوا بود. اما در عین حال کاستی های مهمی نیز داشت که به صورت خلاصه به آنها اشاره می کنم: 1- تفسیر نسبی باورانه از اندیشه ی نیچه تنها یکی از تفسیرهایی ممکن است و پاره ای از مفسرین برجسته امروزی نیچه او را نسبی باور نمی دانند. در این زمینه می توانید این منابع را ببینید: Richard Schacht-Nietzsche-Routledge-1985 Nietzsche on Truth and Philosophy- Clark Maudemarie- Cambridge University Press- 1990 Nietzsche on Epistemology and Metaphysics_Tsarina Doyle _Edinburgh University Press 2009 2- اینکه همه ی فیلسوفان تحلیلی نیچه را به عنوان فیلسوفی جدی نادیده گرفته باشند سخن درستی نیست و پاره ای از آنها به صورت جدی به نیچه پرداخته اند و حتی از او تاثیرات فراوانی گرفته اند، برجسته ترین این فیلسوفان می توان از برنارد ویلیامز و جوناتان دنسی نام برد. 3- اینکه همه ی فیلسوفان تحلیلی عقل گرا- به معنای مورد نظر نویسنده- هستند سخن درستی نیست و برخی از مهم ترین فیلسوفان تحلیلی اتفاقا دیدگاههای بسیار شبیه به نیچه مطرح کرده اند (هر چند بر اساس مسیر متفاوتی به چنان نتایجی رسیده باشند). برای مثال این ایده که منطق خود در نهایت بنیادی تجربی دارد و اگر ما اصول منطقی را پذیرفته ایم ناشی از آن است که این اصول در نهایت به کمک می کنند تا دست به پیش بینی های موفق بزنیم و در نتیجه سیلان داده های تجربی را برای خود رام کنیم را و.و. کواین نیز مطرح کرده است. بنابراین فیلسوف تحلیلی بودن چیزی است و عقل گرا بودن به معنای مورد نظر نویسنده چیزی دیگر. 4- بحث های نویسنده درباره ی منطق دچار پاره ای بی دقتی هاست که پیامدهای مهمی در نتیجه گیری های او دارد، از جمله ی آنها : 5- اولا اصل اینهمانی (دست کم بنا بر دیدگاه ویتگنشتاین و فیلسوفان متاثر از او که بخش قابل توجهی از فیلسوفان تحلیلی را تشکیل می دهند) خود جزو اصول موضوعه ی منطق نیست، در واقع اصل اینهمانی از نظر ویتگنشتاین اساسا خود گزاره نیست ، و توجیه آن نیز بر اساس بداهت نیست، و دارای ارزش صدق نیز نیست. قوانین بنیادی منطق از نظر ویتگنشتاین نشان دهنده ی (نه بیان کننده) صورت گزاره ها است، و در نتیجه تعیین کننده ی قواعد ساخت گزاره. گزاره ی بدون ساختار منطقی نیز کاذب نیست، بلکه بی معناست، و خود قواعد منطقی نیز نه صادق هستند و نه کاذب، زیرا آنها چیزی را بیان نمی کنند، بلکه نشان دهنده، یا به بیان رابرت برندوم (Robert Brandom) تصریح کننده ی (Explicit) قواعد (هنجارهای حاکم بر) سخن معنادار هستند، یعنی قواعدی را که ما برای آنکه سخن مان معنادار باشد "باید" در سخن گفتنمان به صورت ضمنی (implicit) مراعات کنیم، تصریح می کنند. اما اینکه این قواعد را چه چیزی تعیین می کند، باید گفت خود زبان تعیین کننده ی این قواعد است. در اینجا منظور قواعد گرامری زبان های طبیعی مانند فارسی یا انگلیسی نیست، بلکه منظور آن قواعدی است که یک زبان (با موضوع خاص مثلا زبان اخلاق، یا زیبایی شناسی یا علم) را به عنوان زبان آن امر متعین می کند. برای مثال میان باورهای اخلاقی انسان های جوامع گوناگون تفاوت های فراوانی وجود دارد. اما برای آنکه خود این تفاوت ها فهم پذیر (intelligible) و بیان کردنی شوند نخست ما باید بتوانیم تشخیص دهیم که در حال مقایسه دو گونه از نظام "اخلاقی" هستیم. چه چیزی هست که این امور را با وجود همه ی تفاوت هایشان به عنوان نظام های اخلاقی بر ما نمایان می کند؟ آن کلیتی از قواعد که موجب می شود نظام های اخلاقی دو جامعه ی متفاوت، با همه تفاوت هایشان نظام اخلاقی دانسته شوند، در واقع قوام-بخش (constitutive) "معنای" اخلاقی بودن است. این کلیت از قواعد را می توان منطق اخلاق نامید. در واقع سخن پاره ای از فیلسوفان تحلیلی (از جمله ویتگنشتاین، دیویدسون و...) آن است که امر غیر منطقی نه کاذب که برای ما فهم ناپذیر است. ممکن است باز گفته شود از کجا می توان دانست که چیزی که برای ما فهم ناپذیر است آیا وافعا-مستقل از ما- هم فهم ناپذیر است یا نه؟ اما این پرسش خود یک شبه-مساله ی بی معناست. زیرا یا ما می توانیم فهم از آنچه برایمان فهم ناپذیر است داشته باشیم که در اینصورت برایمان فهم ناپذیر نیست، یا نمی توانیم از آن فهمی داشته باشیم، که در این صورت حتی نمی توانیم درباره ی آن سخن بگوییم. در واقع مرز معناداری ویتگنشتاینی بر خلاف مرز معرفت پذیری کانتی تنها یک سویه دارد و درباره ی آن سوی آن تنها می توان سکوت کرد و هر گونه تلاش برای پرداختن به چیستی آن سوی مرز معناداری خود منتهی به سخنانی بی معنا خواهد شد. به همین دلیل نیز ویتگنشتاین تاکید دارد که این مرز باید از درون تعیین شود. قواعد منطقی نیز خود این مرز هستند، نه درون آن اند که به بتوان از ارزش صدق یا کذب آنها سخن راند و نه بیرون آن که اموری فرا-اینجهانی باشند و در نهایت خارج از دسترس معرفتی ما. ما در خود کنش هایمان معرفتی ضمنی به آنها داریم و در پژوهش فلسفی این هنجارها را البته به صورتی ناقص و خطاپذیر (fallible) برای خود تصریح می کنیم و به این واسطه به فهم بهتری از آنها می رسیم. باز تاکید می کنم سخن گفتن از اینکه جهان مستقل از این مرزها/هنجار/قواعد چگونه است بی معناست، زیرا این قواعد قوام بخش فهم ما از امور هستند. 6- در رابطه با پاسخ تحلیلی-هگلیِ پر محتوایی بر روش تبارشناختی نیچه، فوکو و... می توانید این نوشته را از برندوم ببینید: "Reason, Genealogy, and the Hermeneutics of Magnanimity" 7- یکی دیگر از خطاهای نویسنده آن است که پذیرش اصل اینهمانی، عقل گرایی، نسبی باور نبودن و تحلیلی بودن را با بازنمودباوری و قائل بودن به نظریه ی مطابقتی صدق یکسان دانسته است. اولا امروزه برخی از پژوهشگران بر آنند که حتی نظریه ی صدق خود ارسطو را نیز نمی توان مطابقتی تفسیر کرد، بلکه او اینهمانی است (identity theory of truth). (ر.ک. Retrieving Realism, Charles Taylor, Hubert Dreyfus, Harvard University Press, 2015, p. 17) دوم آنکه بسیار از فیلسوفان تحلیلی خود از منتقدان هم بازنمودباوری و هم نظریه ی مطابقتی صدق بوده اند و هستند ولی در عین حال نسبی باور نیز نیستند. از جمله آنها می توان به فرگه، ویتگنشتاین، کواین، دیویدسون، دامت، پاتنم، مک داول، برندوم و... اشاره کرد.(ر.ک. The Nature of Truth, Michael P. Lynch, MIT Press 2001) 8- در دفاع از نسبی باوری، نویسنده در این مقاله میان دو نقد بر دیدگاههای غیر نسبی باورانه در نوسان است: یکی آنکه در دیگاه عقل گرا در نهایت امری رازآمیز (تبیین نشدنی) باقی می ماند و دوم اینکه دیدگاه عقل گرا هم در نهایت همانند نسبی باوری ناسازگار است در نتیجه از این جهت برتری ای بر نسبی باور ندارد. اولا صرف درست فرض کردن نظریه ی تکامل بر خلاف ادعای امثال نیچه دلیل کافی بر توهم بودن همه باورهای ما نیست. هم چنان که رابرت پیپین-فیلسوف تحلیلی هگلی- اشاره کرده است در اساس اینکه چه روند علت-معلولی و طبیعی طی شده است تا انسان به عنوان موجودی طبیعی توانایی اندیشیدن و خودآگاهی پیدا کند یک مساله است و اینکه آیا هنجارهای حاکم بر اندیشه ی او معتبر هستند یا نه مساله ای دیگر. صرف استناد به نظریه ی تکامل داورین دلیل کافی بر توهم بودن نظریات و باورهای انسانی نیست. بنابراین لزوما غیر نسبی باور دچار ناسازگاری نمی شود. اما اینکه در نهایت در اندیشه ی عقل باور امری رازآمیز باقی می ماند، باید پرسید در اینجا رازآمیز به چه معناست و آیا هر گونه توسل به چنین امری خود یک کاستی است؟ بلی در نهایت امری باید باشد که خود-تبیین گر (Self-explicating) باشد، هگل از آن با عنوان روح یا مطلق، ویتگنشتاین با عنوان صورت زندگی و هایدگر با عنوان هستی سخن گفته اند. اما این امر چیزی نیست که به معنای پیشا-مدرن آن رازآمیز باشد و ما نتوانیم از آن هیچگونه فهمی داشته باشیم. بلکه مساله آن است که چنین امری را تنها می توانیم در کنش هایمان و هنجارهای نهایی حاکم بر آنها بشناسیم، در واقع این امر همواره پیش روی ماست و بافتار یا کلیتی است که در آن برای ما هر امری فهم پذیر می شود و هر توجیه در دل آن انجام می گیرد، و آشکار است که منطقا چنین امری را نه می توان توجیه کرد و نه نیازی به توجیه آن هست، زیرا خود شرط امکان هر توجیهی و فهمی است. بنابراین قیاس دو حدی نویسنده قیاس دو حدی کاذبی است و نویسنده به شق های دیگر میان نسبی باوری و عقل باوری افلاطونی اشاره نکرده است.
تشکر از جناب ایمان بابت کامنت بسیار خوبتان که خود در حد یک مقاله مستقل بود
ممنون که پی دی افش رو هم گذاشتید. لطفا فیل پی دی اف مقاله تقریر حقیقت استاد ملکیان رو هم قرار بدید.باتشکر