اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
هيُوم وكانط وماركس وفرويد ونيتشه، مفكرون غربيون مهّدوا، بزعزعتهم لليقين العقلي، الطريقَ من الحداثة إلى ما بعد الحداثة؛ وهي رؤية لا ترى المعرفةَ انعكاسًا للواقع وتُعرف بهرمينوطيقا الشك، كما يرويها مصطفى ملكيان.

أما إذا اعتقدتم أن السبيل الوحيد لاكتساب المعرفة عن الكون هو العقل، وأننا لسنا بحاجة مطلقًا إلى الرجوع إلى التراث، فأنتم في هذه الحال من أنصار الحداثة، أنتم حداثيون. ليس لنا إلا العلوم التجريبية والمنطق الصوري. المنطق الصوري والعلوم التجريبية، حيث يمدنا أحدهما بالمادة والآخر بالصورة، هذان هما طريقانا لاكتساب المعرفة عن الكون. ولا سبيل سواهما.
الحداثة في الواقع تعني كفاية العقل. أي الاكتفاء الذاتي للعقل. فإذا كنا نعتقد حقًا بالاكتفاء الذاتي للعقل، فنحن حداثيون بالمعنى الدقيق للكلمة.
إن أيدينا قاصرة تمامًا عن بلوغ العالم من الناحية المعرفية. نحن نتلقى أشباحًا من الكون، ولدينا تصورات وصور عن الكون، أما القول بأن هذه التصورات والصور هي تصورات وصور مطابقة للواقع تمامًا، فهو قول لا يُعوَّل عليه.
فإذا اعتقدنا بهذا، أي إذا قلنا إن reason لا يضع تحت تصرفنا صورة عن الكون كما هو في الواقع، بل صورة باهتة، غامضة، وربما مشوهة، ولكننا لا نعرف مصدرًا آخر، فليس لنا إلا هذا، وليس بأيدينا أكثر من هذا، فهذه الرؤية هي رؤية ما بعد الحداثة. إنها الرؤية ما بعد الحداثوية. هذه الرؤية لم تنشأ بين عشية وضحاها. لقد ظهر عدة مفكرين عظام في الثقافة الغربية، أحدث كل منهم ثغرة في العقل، ومهدوا رويدًا رويدًا لظهور المذهب الذي نعبر عنه بما بعد الحداثة.
أما ديفيد هيوم، الفيلسوف الإنجليزي الشهير، فمن بين الأمور التي أولى لها اهتمامًا بالغًا وكرس لها شطرًا طويلًا من حياته الفكرية، مقولة القدماء التي تقول إن الإنسان تحكمه غرائز وعواطف، ولكن الفرق بين الإنسان والحيوان هو أن سائر الحيوانات تتبع عواطفها وأحاسيسها وغرائزها اتباعًا أعمى، أما الإنسان فينبغي ألا يعطل عواطفه وأحاسيسه وغرائزه، لكن عليه أن يُخضعها لسلطة العقل. لقد بيّن ديفيد هيوم أن سيطرة العقل هذه على العواطف والأحاسيس والغرائز ليست ممكنة ولا مرغوبة. فهي أولًا غير ممكنة، وثانيًا حتى لو كانت ممكنة، لما كانت أمرًا مرغوبًا فيه. هذه هي الثغرة الأولى التي حدثت في سد الإسكندر الذي هو العقل.
أما ثاني من تنبه كثيرًا إلى أن الذهن ليس له حقًا خاصية المرآة فهو كانط. يقول كانط في جملته الشهيرة التي يمكن تلخيص فلسفته فيها، إن عقل البشر ليس مرآة بل نظارة. الذهن هو نظارة الروح الإنسانية. ففي الواقع، كلما أرادت روحنا أن تنظر إلى العالم، ترى هذا العالم من وراء نظارة الذهن. والآن إذا عدنا إلى مثالنا، فإننا نطرح ثلاثة احتمالات بشأن الكون: الأول أن الكون كله على الصورة التي نراه عليها، والثاني أنه ليس ثمة جزء من الكون على الصورة التي نراه عليها، والثالث أن بعض أجزائه على الصورة التي نراه عليها وبعضها الآخر ليس كذلك. في رأيه أن ما نتلقاه هو حصيلة فعل ورد فعل بين الذهن والعالم الواقعي. وهذا أيضًا أضعف موقف العقل بعض الشيء.
الشخصية التالية التي كان لها دور كبير جدًا في هذا التيار هي كارل ماركس. كان ماركس يعتقد أن البشر أحيانًا ما يعتبرونه حقيقة، إنما يعتبرونه حقيقة تحت تأثير مصالحهم الطبقية، غير أن تحريف الواقع هذا لا يتم عن وعي. أشبه الأمر بأن أريد أن أعرف كيف تبدو نظرات طفلي عندما يكون في الغرفة وحيدًا تمامًا. لكني ما إن أريد أن أراه كيف ينظر حتى أدخل الغرفة، وما إن أدخل الغرفة حتى تزول تلك الوحدة التي كنت أريد رؤيتها، فأكون بذلك قد تدخلت وغيرت في موضوع تجربتي، ألا وهو وحدة الطفل.
أما الثغرة الأخرى فقد أحدثها فرويد، عالم النفس النمساوي الشهير. يقول فرويد إننا لا نعي كل ساحاتنا النفسية، بل نعي قسمًا واحدًا من ساحتنا النفسية. كان فرويد يقول إننا تحت ضغط لاوعينا النفسي نقوم بسلسلة من الأعمال، أو نتخذ سلسلة من المواقف، أو نتبنى سلسلة من الآراء. وبعد أن تتكون هذه الآراء، نأتي بالحجج لصالح آرائنا لكي نبدو منطقيين. وبتعبير فرويد، فإن كل ما كان يعتبره البشر استدلالًا ليس إلا تلفيقًا للحجج.
أما الثغرة الأخرى فقد أحدثها نيتشه الفيلسوف الألماني الشهير في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كان نيتشه يعتقد أن رغبة الإنسان الأولى هي اكتساب القوة، وأن جميع الرغبات الأخرى هي تجليات لإرادة القوة، وفي إرادة القوة هذه تنضوي المعرفة أيضاً. أي أن ما نسميه معرفة، ذلك الشيء الذي نتوهم أنه تقرير مطابق للواقع عن العالم الواقعي، ليس في الحقيقة تقريراً مطابقاً للواقع، بل هو تقرير يمنحنا القوة.
مجمل ما قاله هؤلاء يشكل نوعاً من سوء الظن تجاه قوى الإدراك البشرية. أي أنهم قالوا إن النظر بعين الريبة هو الأكثر واقعية. ومن هذا المنطلق يُطلق على هذا التيار الفكري أحياناً هرمينوطيقا الشك.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.