اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
النظام البيئي لناشطي الفلسفة الإسلامية أشبه بكهف أفلاطون منه بأزقة المدينة؛ فضاءٌ مغلق يحول دون فاعلية الفلسفة. وسبيل الخروج من العزلة هو التعرف على الفلسفات المضافة والتفاعل مع قضايا العصر.

لقد شهدتُ، وشهد معي كثير من القرّاء الكرام، مرارًا وتكرارًا حقيقة مفادها أننا في الوسط الجامعي والنظام العلمي، نضع العدسة المكبرة أحيانًا على أمور واضحة الأسباب تمام الوضوح، باحثين عن علل بعيدة ودقيقة جدًا، تاركين العلل الجلية والأساسية. ومن أوضح مصاديق هذه الحالة، مشكلات نظام التعليم العالي في بلدنا.
لقد شهدتُ، وشهد معي كثير من القرّاء الكرام، مرارًا وتكرارًا حقيقة مفادها أننا في الوسط الجامعي والنظام العلمي، نضع العدسة المكبرة أحيانًا على أمور واضحة الأسباب تمام الوضوح، باحثين عن علل بعيدة ودقيقة جدًا، تاركين العلل الجلية والأساسية. ومن أوضح مصاديق هذه الحالة، مشكلات نظام التعليم العالي في بلدنا.
في مجال الفلسفة الإسلامية، يُعد عدم كون مباحث الفلسفة الإسلامية تطبيقية ومواكبة للعصر أحد الأسباب الرئيسية للوضع غير المنظم الراهن للفلسفة الإسلامية. وفي رأيي أن جعل الفلسفة الإسلامية تطبيقية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأسلوب الاشتغال بالعلم الخاص بأساتذة الفلسفة الإسلامية وطلبتها. كيف يمكن أن نطلب نظرية وجوابًا ممن لا علم له بتحديات إيران الفكرية وأسئلتها ومشكلاتها اليوم؟ كيف يمكن أن نتوقع ممن تغلب همومه الشخصية على همومه الاجتماعية تغلبًا ملحوظًا أن يشتغل اشتغالًا جادًا بالقضايا الاجتماعية؟ كيف يمكن أن نتوقع ممن هو متخصص في تاريخ الأفكار أن يقدم أفكارًا جديدة؟ كيف يمكن أن نتوقع ممن ينحصر كل جهده في فهم أفكار الآخرين أن يقدم أفكارًا مستقلة؟
ما سيجري بحثه في هذه المقالة هو الفضاء الفكري والبيئة المعيشية لأساتذة وطلبة تخصص الفلسفة الإسلامية وتأثير ذلك على مسار تعلمهم للفلسفة وممارستهم لها وعلى مستقبل الفلسفة الإسلامية.
بطبيعة الحال، لا يختص الحديث عن تأثيرات البيئة المعيشية للطلبة والأساتذة على أدائهم العلمي بتخصص الفلسفة. ويمكن طرح هذا الحديث بشأن جميع تخصصات العلوم الإنسانية (وحتى العلوم التقنية والطبية و... إلخ). لكن لأسباب سأشير إليها في هذه المقالة قليلًا أو كثيرًا، يبدو هذا الحديث أكثر بروزًا في فروع تخصص الإلهيات.
ليس مرادنا من البيئة المعيشية هنا البيئة المعيشية المطلقة، أي نمط الحياة الشخصي والأسري للفرد. وإن كانت البيئة المعيشية بهذا المعنى أيضًا ذات تأثيرات كثيرة على الآراء العلمية للأفراد -خصوصًا في تخصصات العلوم الإنسانية-. أقل تأثيراتها هو خلق هموم وأسئلة خاصة للأفراد، والتأثير في حب الباحثين وبغضهم العلميين، ومدى انفتاح الفرد أو انغلاقه في المباحث العلمية.
بل مرادنا من البيئة المعيشية هنا هو البيئة المعيشية العلمية والمهنية للأفراد، أي: حلقة الأصدقاء العلميين، والجلسات واللقاءات والمحاضرات التي يشارك فيها الشخص، والمجالات والمطالعات فوق التخصصية التي يضطلع بها الفرد، ومدى إلمام الفرد بالمباحث والعلوم ذات الصلة الوثيقة بتخصصه، ومدى احتكاك الفرد بأشخاص ومصادر فكرية ومعرفية لا تفكر مثله، و... إلخ.
أعتقد أن السبب في كون مباحث الفلسفة الإسلامية غير تطبيقية، ومدى إمكانية الأمل في إصلاح الفلسفة الإسلامية، يرتبط ارتباطًا عميقًا بكيفية البيئة المعيشية لأساتذة الفلسفة وطلبتها. ففي عالم اليوم، الجامعات والمراكز التعليمية هي المرجع لإصلاح العلوم وجعلها فعالة. في العالم الراهن، تنبثق الأفكار والنهضات العلمية من المراكز التعليمية، ولم يعد ينبغي لنا أن نتوقع، كما في الماضي، أن يكون أشخاص من خارج النظام التعليمي مصدرًا للتحول في العلوم. ذلك أن الاشتغال بالعلم في العالم الراهن قد تحول إلى مهنة وارتبط ارتباطًا وثيقًا بالمراكز التعليمية. ونادرًا ما يوجد أشخاص يشتغلون بالعلم والتفكير على نحو تخصصي باستقلال عن الجامعة والمراكز التعليمية، بينما لهم شغل ومهنة منفصلة عن ذلك المجال العلمي.
البيئة المعيشية لطلبة الفلسفة وأساتذتها أشبه بكهف أفلاطون الرمزي منها بأزقة المدينة الخلفية. هذه البيئة المعيشية هي بيئة خاصة يقل فيها الأمل في الإصلاح والديناميكية. وما دامت هذه البيئة المعيشية باقية على طريقتها الحالية، فلا ينبغي توقع حراك جاد في الفلسفة الإسلامية. البيئة المعيشية الراهنة لأقسام الفلسفة الإسلامية لا تتناسب إلا بأقل قدر مع عالم اليوم، وتُذكّر بمدارس ما قبل مئة عام. تقوم هذه البيئة المعيشية على حُسن الظن واليقينية المفرطة، والانغلاق والابتعاد عن التفاعل، والاستعلاء بالرأي وعدم سماع الصوت المخالف.
ما يأتي هو وصف إجمالي للبيئة المعيشية لطلبة الفلسفة الإسلامية وأساتذتها. وبما أن السمة البارزة لهذه البيئة المعيشية هي انغلاقها وعدم اطلاعها على المباحث والمجالات المحيطة بها؛ فإن هذا المقال يكتفي بذكر مصاديق لهذا الجهل والاحتكار:
طلبة الفلسفة الإسلامية أقل وعي بالفلسفات المضافة (مثل: فلسفة الدين، فلسفة الأخلاق، فلسفة العلم، فلسفة التاريخ و..........). كثير من طلبة الفلسفة الإسلامية وحتى أساتذتها لم يدركوا بعد أهمية وضرورة الفلسفات المضافة. ويعتبرون هذه الفلسفات تخصصات تزيينية لا صلة لها بالمجتمع الإيراني. كثيراً ما يسأل طلبة التخصصات الإنسانية الأخرى أو غير الإنسانية طلبة الدراسات العليا في الفلسفة الإسلامية عن الفلسفات المضافة. ولا يستطيع الطلبة تقديم الحد الأدنى من المعلومات اللازمة في هذا الشأن. وأصدق كلمة وأنفعها يمكن أن يقولوها هي أن تخصصي هو الفلسفة الإسلامية. وليست لديّ معلومات دقيقة عن هذه الفلسفات المضافة.
هذا في حين أن إلمام طلبة الفلسفة الإسلامية وأساتذتها بالفلسفات المضافة سيكون مفيداً جداً ويفتح آفاقاً لمستقبل الفلسفة الإسلامية، أولاً لأنه في عالم اليوم أُزيلت النظرة التقليدية إلى الفلسفة بمعناها العام وحلّت محلها المجالات التخصصية والفلسفات المضافة. في عالم اليوم المليء بالتخصصات، حيث يتزايد الترابط بين العلوم والتوجه نحو الدراسات البينية، لم يعد بإمكان أحد أن يكون فيلسوفاً بمعناه التقليدي. وأن يقدم نظرية تكون محط دراسة الآخرين. لأن الكلمة والنظرية في عالم اليوم لا تجدان لهما مكاناً إلا إذا صدرتا عن لسان متخصص.
ثانياً، إن طريق تحويل الفلسفة الإسلامية إلى فلسفة تطبيقية يمر عبر طريق الفلسفات المضافة. وتوضيح ذلك أن إحدى طرق وأساليب جعل الفلسفة الإسلامية تطبيقية هي توسيع موضوعها وبالتالي مسائلها. فما دام موضوع الفلسفة هو الوجود بما هو وجود فحسب (وذلك بالاعتماد المحض على القراءة التقليدية لهذا المفهوم)، فلا ينبغي توقع أن تدخل الفلسفة في مسائل المجتمع المحسوسة. أو أن تتحدث ناظرةً إلى آلام العصر. الفلسفات المضافة هي أفضل طريق لتوسيع موضوع الفلسفة. كما أن الفلسفات المضافة توفر الأرضية لتطبيق الفلسفة المحضة واختبارها، لأن الأصول الميتافيزيقية للفلسفة تُدوَّن في الفلسفات المحضة، ثم يُسعى بعد ذلك في الفلسفات المضافة إلى تقييد هذه الأصول نوعاً ما وتطبيقها وإجرائها.
هناك عدة عوامل تسهم في جهل طلبة الفلسفة الإسلامية بالفلسفات المضافة:1- البرامج التعليمية: في أقسام الفلسفة الإسلامية، يُولى الاهتمام بمباحث الفلسفات المضافة بشكل هامشي وأدنى. الوحدات والدروس التخصصية للفلسفة الإسلامية محصورة في دروس الفلسفة الإسلامية الخاصة، والمنطق، وعلم الكلام. أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو عدم وجود أساتذة ومتخصصين في الفلسفات المضافة في أقسام الفلسفة الإسلامية. وأساتذة الفلسفة الإسلامية، لعدم تخصصهم في هذه المباحث، لا يميلون إلى تعريف هذه الوحدات والدروس. لذا فمن الجدير واللازم أن يتواجد في كل قسم من أقسام الفلسفة الإسلامية أستاذ واحد على الأقل تخصصه في الفلسفات المضافة (بطبيعة الحال، كل أستاذ متخصص في أحد فروع الفلسفة المضافة. لكن تعريف مثل هذا الموقع له يجعله يوسع مجال دراسته ليشمل مجالات أخرى من الفلسفة المضافة) وأن تُدرج وحدات الفلسفة المضافة بشكل أكبر في المناهج الدراسية للطلبة ابتداءً من مرحلة البكالوريوس.2- الضعف العلمي للأساتذة: معلومات أساتذة الفلسفة الإسلامية عن الفلسفات المضافة قليلة جداً وتفتقر إلى التماسك. في كثير من الأقسام، لا تزيد معلومات الأساتذة عن الفلسفات المضافة عن معلومات الطلبة. وفي ظل هذا العامل، لا يقتصر جهل أساتذة الفلسفة الإسلامية على عدم خوضهم نقاشاً جاداً حول الفلسفات المضافة في قاعات الدرس، بل إنهم لا يشكلون مرجعاً جيداً البتة للإجابة عن أسئلة الطلبة العامة في مجال الفلسفات المضافة.3- الطلبة: في أي تخصص كان، لا يقول الأستاذ والوحدات الدراسية كل ما في التخصص، والطالب هو من ينبغي عليه تعويض النواقص التعليمية بجهوده الشخصية. وبما أن الفلسفة الإسلامية ليست مسألة-محور إلى حد كبير، فإن طلبة هذا التخصص أقل عرضة للتساؤل، وبالتالي تقل لديهم الرغبة في البحث والدراسة. فتور طلبة الفلسفة الإسلامية ليس أمراً غامضاً أو خفياً. والأساتذة يعترفون بهذه الحقيقة، وهي أن الطالب، سواء في مرحلة البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه، في تيار الفلسفة الغربية يكون أكثر نشاطاً وحيوية وحماساً في التحضير للدرس ويهتم بالنقاشات أكثر من طلبة الفلسفة الإسلامية. طلبة الفلسفة الإسلامية يحضرون درس الفلسفة الإسلامية بقدر أقل بكثير من الازدهار والدافعية والروح المعنوية.
بصرف النظر عن أن المطالعة غير الدراسية لطلبة الفلسفة الإسلامية قليلة جداً، فإنهم في هذه المطالعات القليلة نادراً ما يتطرقون إلى مباحث الفلسفات المضافة. وقلما يحدث أن يدرسوا أحد النصوص الرئيسية للفلسفات المضافة.
ليس المقصود من ضرورة اهتمام طلبة الفلسفة الإسلامية بالفلسفات المضافة أن يتناولوا هذه المباحث بشكل تخصصي، بل المراد أنه ينبغي لهم على الأقل أن يتعرفوا على مسائل هذه الفلسفات ومبادئها ومناهجها وغاياتها. ليتمكنوا من جهة من استقاء أسئلة جديدة من هذه المجالات، ومن جهة أخرى من أداء دورهم في مجال النقد والإرشاد من خلال نقدها. أي أن هذا التعرف يؤدي إلى استفادة الفلسفة الإسلامية نفسها، ويؤدي أيضاً إلى إفادة الفلسفات المضافة.
في ختام هذا الجزء من حديثي، أُذكّر بنقطتين مهمتين للغاية:
النقطة الأولى: إن تأجيل التعرف على الفلسفات المضافة إلى المراحل الدراسية العليا خطأ كبير. لأن التعرف على هذه الفلسفات في مرحلتي البكالوريوس والماجستير هو الذي سيكون مثمراً، ويؤدي إلى خلق السؤال والفكرة وفضاء النقد والحوار. فضلاً عن أن الطالب الذي لا يتعامل بجدية مع هذه المباحث حتى مرحلة الدكتوراه، يكون مجال دراسته واهتماماته الفكرية قد تشكلت، ويصبح توجيهه نحو هذه الدراسات صعباً جداً وشكلياً وبلا نتيجة.
النقطة الثانية: بما أن معلومات طلبتنا الدينية ودراساتهم في مجتمعنا آخذة في التناقص، ومن جهة أخرى فإن الذين يتخصصون في الفلسفات المضافة ليست لديهم معلومات تذكر عن الفلسفة والعلوم الإسلامية؛ فإن عدم اهتمام خريجي الفلسفة الإسلامية بالفلسفات المضافة سيؤدي في مستقبل غير بعيد إلى اعتبار الفلسفات المضافة في تضاد مع الفلسفة والعلوم الإسلامية. وبالتالي تزول إمكانية التحاور والتداول بين الفلسفة الإسلامية وهذه الفلسفات المضافة.
إذا أردنا متابعة جعل الفلسفة الإسلامية أكثر فاعلية بشكل جاد، فإن الاهتمام الجاد بالفلسفة الغربية أمر لا مفر منه. لأن زيادة الإلمام بالفلسفة الغربية تؤدي إلى الاقتراب من نهج البراغماتية والتمركز حول القضية، ومن ناحية أخرى، فإن الطبقة المتعلمة في المجتمع الإيراني - وهي عادة جمهور الفلسفة والفلاسفة - منخرطة إلى حد ما في مباحث الفلسفة الغربية، وإذا أراد باحثو الفلسفة الإسلامية التحاور والتبادل مع المتخصصين في العلوم الإنسانية (الذين، بحكم منشأ هذه العلوم، ليسوا محرومين من الفلسفة الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر)، فإنهم مضطرون لأن يكون لديهم إلمام جيد نسبياً بالفلسفة الغربية. علاوة على أن هذا الإلمام يهيئ الطالب للتفاهم والحوار مع أبناء عصره، ويضعه أكثر في سياق القضايا المشتركة للمجتمع الإنساني في عالم اليوم، وبهذا الشكل، يصبح أكثر قدرة على نقل ما لديه إلى الباحثين العالميين.
أغلب طلاب الفلسفة الإسلامية والعديد من الأساتذة لم يشعروا بعد بهذه الضرورة. ولهذا السبب لديهم أقل قدر من الوعي بالفلسفة الغربية. الكثير من الطلاب وحتى نحن أساتذة الفلسفة الإسلامية لا نعير الفلسفة الغربية أي اهتمام يُذكر. وكأننا نعتبر الفلسفة مساوية للفلسفة الإسلامية. عادةً يقرأ طلاب تخصص الفلسفة الإسلامية الفلسفةَ الغربية بشكل سطحي؛ أي يقرؤون ملزمة مختصرة جداً ليلة الامتحان ويؤدون الامتحان. قلما يوجد طالب لديه إلمام كافٍ بالفلسفة الغربية (خصوصاً الفترة الحديثة والفترة المعاصرة). كلما سألنا شخص يدرس في تخصص آخر، نحن طلاب الفلسفة الإسلامية، إلى أي حد تقرؤون الفلسفة الغربية؟ أو برأيكم، كيف هي نقاط قوة وضعف الفلسفة الإسلامية والغربية بالمقارنة مع بعضهما؟ عادة لا يسمع جواباً غير أن تخصصي هو الفلسفة الإسلامية وليس لدي اطلاع كبير على الفلسفة الغربية. وإن لم يكن الشخص منصفاً وباحثاً، يقول دون دليل أو أساس إن الفلسفة الإسلامية من حيث القيمة والسمو لا تقارن بالفلسفة الغربية.
إلمام طلاب الفلسفة الإسلامية بالفلسفة الغربية هو في حدود بضع وحدات دراسية. والتي تُدرَّس بأسوأ أسلوب ممكن ولا تؤتي الثمرة التي ينبغي لها أبداً. لأن أولاً، جزء من هذه الوحدات هو تاريخ الفلسفة الغربية. لا دراسة مباشرة للآراء والنصوص. وحتى في تاريخ الفلسفة الغربية هذا، يُصرف نصف الوقت والوحدات في قراءة الفترة القديمة والوسيطة. وتُدرَّس الفترة الحديثة والمعاصرة عملياً في حدود وحدتين أو 4 وحدات.
ثانياً، العديد من أساتذة الفلسفة الغربية الذين يدرّسون في أقسام الفلسفة الإسلامية لديهم مشكلتان جديرتان بالملاحظة: المشكلة الأولى أن العديد من هؤلاء الأساتذة ضعفاء في تخصصهم وليسوا من الأساتذة البارزين والمحترفين في الفلسفة الغربية. لذا فهم أقل قدرة على إشراك الطلاب في المباحث والقضايا. المشكلة الثانية أنه بما أن مخاطبيهم ليس لديهم اطلاع كبير على الفلسفة الغربية ولا يتابعون المباحث باهتمام، فإن ذلك يقلل من ذوق التدريس لدى هؤلاء الأساتذة ويجعلهم يكتفون بالحدود الدنيا. ولا يبذلون خلال الفصول المتتالية جهداً كبيراً لتحديث محتوى دروسهم والارتقاء به.
رغم أن التمحور حول الملزمة والأستاذ قد يكون أكثر مناسبة لهذه الدروس؛ لكن مع ما مر وصفه، من الأفضل أن يقوم كبار هذا المجال وباحثوه بكتابة نص تعليمي جامع (لا يحتاج إلى اجتياز مستويات تمهيدية) لطلاب الفلسفة الإسلامية.
نقطة أخرى هي أن طلاب الفلسفة الإسلامية حتى هذا العدد القليل من الوحدات الذي يدرسونه لا يدرسونه بنظرة بحث عن الحقيقة وتفاؤل، بل بسبب عدم التجانس اللغوي مع الفلسفة الغربية وأسباب أخرى - ليس هنا محل بحثها - فإن النظرة التشاؤمية تغلب على الكثير من الطلاب، أي أنهم غالباً لا يقرؤون الفلسفة الغربية للفهم والإدراك، بل يقرؤونها من أجل «الحصول على الدرجة» أو في النهاية «للرفض». من وجهة نظر جمع منهم، يبدو أنه لم يقل أحد في العالم كلاماً فلسفياً مهماً سوى فلسفتنا وفلاسفتنا.
انغلاق الفضاء العلمي لطلاب وأساتذة الفلسفة الإسلامية ليس من جهة واحدة، بل إن هذا الانغلاق وعدم الاطلاع يتجلى في أبعاد مختلفة، منها:
أ) في مجال النشر: بما أن النص الدراسي لتخصص الفلسفة الإسلامية هو كتابا البداية والنهاية وبعض آثار الملا صدرا وابن سينا وقليل من السهروردي، ونادراً ما يقدم الأساتذة كتاباً جديداً إلى جانب هذه النصوص الكلاسيكية للتدريس؛ فإن الطلاب يقل احتياجهم لشراء الكتب وتكون لديهم أقل المعلومات عن أوضاع النشر في مجال الفلسفة. فهم لا يعرفون دور النشر التي تنشر الكتب في مجال الفلسفة، ولا يملكون معلومات دقيقة عن مؤلفات الباحثين المعاصرين، ولا رغبة لديهم في الاطلاع على جديد النشر. هذا الجهل بجديد النشر يبقيهم غارقين في أسئلة عمرها مئات السنين، ولا يفتح لهم طريقاً إلى القضايا والحوارات الجارية في مجتمع اليوم.
ب) مدى الإلمام بالآراء المتعارضة: تقوم الطريقة الحالية لتدريس الفلسفة الإسلامية على محورية «الشخص والنص». بمعنى أن الطالب يقرأ خلال فترة دراسته نصوصاً محددة (شرح المنظومة للسبزواري، شرح الإشارات للخواجه نصير الدين الطوسي، شرح حكمة الإشراق لقطب الدين الشيرازي، الشواهد الربوبية للملا صدرا، إلهيات الشفاء للشيخ الرئيس، أجزاء من الأسفار للملا صدرا، بداية الحكمة ونهاية الحكمة) وآراء بضع شخصيات مشهورة (عادة ابن سينا والملا صدرا وقليل من السهروردي). لكن آراء الفلاسفة والمفكرين الآخرين ذوي الرأي لا تخضع للدراسة والبحث. ففي أقل القليل من الجامعات يُدرَّس كتاب للكندي، الفارابي، العامري، التوحيدي، ابن رشد، ابن طفيل، إخوان الصفا، بهمنيار... إلخ. ويقل وجود أستاذ لديه معلومات دقيقة ومدونة حول الآراء الفلسفية للوجوه غير المشهورة، ويكون تخصصه الرئيسي، كما يقال، في هذا الاتجاه. لا يُعرض على الطلاب أبداً في الصفوف الدراسية للأساتذة الآراء الخاصة لهؤلاء الفلاسفة التي تتعارض مع ابن سينا والملا صدرا، لأن أحداً لم يعرض هذه الآراء سابقاً على هؤلاء الأساتذة أنفسهم، ولم تكن لديهم هم أنفسهم دراسة منفصلة. طلاب الفلسفة الإسلامية يعرفون أسماء هؤلاء الفلاسفة فقط، ولا يعرفون شيئاً عن آرائهم فحسب، بل لا يعرفون حتى أسماء كتبهم ومؤلفاتهم.
إن معلومات وثقافة أساتذة الفلسفة الإسلامية محدودة ومحصورة في بضعة فلاسفة مشهورين لدرجة أنهم لا يحضرون ولو لمرة واحدة كتاباً لفلاسفة مسلمين آخرين لتعريفه للصف. وهذا القصور لدى الأساتذة يبلغ حداً أن ضعفهم ينكشف عندما يريدون تدريس تاريخ الفلسفة الإسلامية، ويميلون عادة إلى أن يتولى الطلاب شرح آراء هؤلاء الفلاسفة غير المشهورين على شكل مؤتمرات وتقارير، وهم حقاً لا يستطيعون تدريس جلسة مفصلة واحدة حول آراء ابن رشد، أو إخوان الصفا، أو... إلخ.
هذا الأمر أشد حدة في مجال علم الكلام، لأن النص الدراسي للكلام يكاد ينحصر في كتاب شرح التجريد للعلامة الحلي، وكتاب «باب حادي عشر»، وشوارق الإلهام للاهيجي مع شرح الفاضل المقداد. في صفوف الفلسفة الإسلامية لا تُدرس ولو لمرة واحدة آثار متكلمين كبار ومقتدرين أمثال أبي بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، وأبي منصور الماتريدي، وأبي حاتم الرازي، و... «الكعبي»، وأبي الحسين الخياط، والفاضل القوشجي، والمير سيد شريف الجرجاني، والفضل بن شاذان، وأسرة النوبختي، والشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، و... إلخ.
هذه الحالة مؤسفة أيضاً فيما يتعلق بعلم الكلام الجديد. فإلمام كثير من الأساتذة والطلاب بالآراء الكلامية الجديدة هو في حدود سماع المشهورات وقراءة المقالات، ونادراً ما يحدث أن يكونوا قد درسوا النصوص الأصلية لأصحاب هذه الآراء. ولهذا السبب يميل كثير من الأساتذة إلى طرح مباحث الكلام التقليدي نفسها في صفوف الكلام الجديد، أو إذا جعلوا الأساس هو مسائل الكلام الجديد، فإنهم يقومون باستطرادات طويلة نحو وجهات النظر الكلاسيكية والتقليدية بحيث لا يبقى مجال للتطرق إلى المباحث الجديدة وآراء المعاصرين.
الإلمام باللاهوت المسيحي المعاصر هو أيضاً في حدود الصفر. ولا يدور في الصفوف الكلامية أي نقاش حول اللاهوت المسيحي المعاصر ووجهات نظرهم حول المسائل المطروحة في الصف. هذا في حين أن الإلمام باللاهوت المسيحي يمكن أن يحقق مكتسبات جيدة جداً للمتكلمين المسلمين، لأن لاهوت المسيحية كافح لسنوات طويلة للإجابة عن التيارات الحديثة للفكر الغربي، ويمكننا أن نتعلم من نجاحاتهم وإخفاقاتهم. فضلاً عن أن حركة العالم الحالي والمستقبلي تتجه نحو التعامل والحوار بين الأديان، والتنازع والجهل المتبادل بين الأديان آخذ في الانخفاض. وفي وضع كهذا لن يكون الحوار ممكناً دون الاطلاع على وجهات النظر الكلامية واللاهوتية للأديان الأخرى.
ج) مدى الإلمام بآراء المعاصرين:
على خلاف الجامعات الغربية حيث توجد قراءات مختلفة لكل فيلسوف ويتم تدريسها، فإنه في بلدنا، وبسبب فقر الدراسات المنهجية، لم تجد القراءات المختلفة لفيلسوف واحد أو لمدرسة فلسفية موطئ قدم لها بعد. ولا يختلف الأساتذة والجامعات الإيرانية الشهيرة فيما بينهم كثيراً. وليس الأمر كما لو كانت مجموعة جامعة طهران تتبنى قراءة، ومجموعة جامعة تربيت مدرس قراءة، ومجموعة جامعة الفردوسي أو قم قراءة أخرى لابن سينا أو الملا صدرا.
لكن مع ذلك، يوجد بين الخبراء والباحثين الحاليين في الفلسفة، على الأقل فيما يتعلق بمسائل فلسفية خاصة ومهمة، اختلافات في وجهات النظر واختلافات في القراءات. وهذه الاختلافات في القراءات أكثر بروزاً بين الباحثين العرب المعاصرين والمستشرقين المشتغلين بالفلسفة.
لكن ما يُناقش في قاعات الدرس هو القراءة المشهورة والمقبولة من الجميع. ويُقصّر الأساتذة في طرح هذه القراءات المختلفة، ولا يبذل الطلاب جهداً كبيراً للاطلاع على وجهات النظر المتعارضة هذه. إن معرفة كثير من الطلاب وبعض الأساتذة بالفلاسفة والباحثين المعاصرين لا تتجاوز معرفة الأسماء وبعض الشهرات عنهم. لكن معلوماتهم عن كتبهم وآرائهم ونوع نظرتهم قليلة جداً. وقلما تجد طالباً اطلع على كتبهم المنشورة حديثاً.
والإلمام بالمستشرقين المشتغلين بالفلسفة أقل بكثير. لا أعتقد أنه تم في أي من الجامعات الإيرانية دراسة ومقارنة قراءة المسلمين والمستشرقين للفلسفة. فأساساً معلوماتنا عن المستشرقين المشتغلين بالفلسفة قليلة جداً جداً.
د) مدى التواصل مع الفضاء الافتراضي
من الوظائف القوية والإيجابية جداً للفضاء الافتراضي وظيفته التعليمية. لقد بلغت إنجازات هذا المجال من الأهمية والمكانة حداً جعلها تتجاوز كونها مجرد خيار لتصبح ضرورة. فطالب الدراسات العليا اليوم لا يمكنه أن يكون بلا تواصل مع الفضاء الافتراضي.
طلاب الفلسفة الإسلامية - وبالطبع تخصصات الإلهيات الأخرى - لا يستفيدون من هذه الإمكانية الاستفادة اللازمة. عدد قليل جداً من الطلاب على دراية بالقواعد الفلسفية أو لديهم مدونة خاصة بهم. وكثير منهم لا يعرفون المجلات والفصليات الجارية التي يمكن الوصول إليها في الفضاء الافتراضي.
هـ) مدى المشاركة في الأعمال التنظيمية والجماعية
لا أعني بالأعمال التنظيمية الأنشطة السياسية والاجتماعية، بل المقصود الأعمال الجماعية التي يغلب عليها الجانب العلمي، مثل الجلسات واللقاءات الفكرية، وإنشاء المواقع والمدونات والمراكز التعليمية وغيرها.
غالبية طلاب الفلسفة الإسلامية لا يمتلكون روح العمل الجماعي والتشاركي، وعادة ما يكونون منطوين على أنفسهم ويفضلون الأعمال الفردية. نادراً ما تكون خدمة الفكر في المواقع بأيدي طلاب الفلسفة الإسلامية. ونادراً ما يتعاونون مع المواقع لنشر المقالات الصحفية والفكرية. ونادراً ما يتخذون موقفاً فاعلاً إزاء الأسئلة الشائعة. طلاب التخصصات التقنية أكثر اجتهاداً منهم في هذا المجال ويعوضون تقصيرهم.
.
.
[1] تجدر الإشارة إلى أن هذا النص سبق نشره في موقع فرهنگ امروز.
[1] .تأكيدي على أهمية الفلسفات المضافة لا يعني قلة أهمية ما بعد الطبيعة. في نظري أن كلام السيد ملكيان بأن نسبة ما بعد الطبيعة، باعتبارها الدائرة المركزية للعلوم الفلسفية، إلى سائر فروع الفلسفة هي نسبة توضّح مصير وخط سير مباحث الدوائر الأخرى، هو ملاحظة دقيقة ومهمة تحكي عن أهمية ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا. ولا ينبغي لنا، بحجة حاجتنا الضرورية والأكبر إلى الفلسفات المضافة والمباحث الانضمامية، أن نُظهر الجفاء تجاه الميتافيزيقا. هذه نقطة دقيقة، فأنت في أي فرع من فروع الفلسفة الأخرى (مثل فلسفة الدين، فلسفة العلم، فلسفة الفن، فلسفة الأخلاق، فلسفة التاريخ، فلسفة الذهن، فلسفة الرياضيات و...) إذا أردت أن تتخذ موقفاً، فعليك أن تكون قد اتخذت مسبقاً موقفاً في الميتافيزيقا ونظرية المعرفة وفلسفة المنطق. أي أن جميع فروع الفلسفة محتاجة إلى ما بعد الطبيعة.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.