اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
سؤال طالب عن جدوى النصوص الفلسفية يصبح مدخلاً لنقد نظام تعليم الفلسفة الذي يُخرّج شارح نصوص بدلاً من أن يُنشئ فيلسوفاً. لقد عزلت المناهج المتمركزة حول النص والبعيدة عن الأسئلة الحية الفلسفةَ عن الحياة العملية وجمّدتها.

تنبيه: أؤكد مسبقاً أن هذا النص لا يسعى إلى إطلاق حكم مطلق، بل يضع في الاعتبار وضع الأكثرية من الجامعات والأساتذة.
اليوم، 15 أرديبهشت 1394، كنت منهمكاً في تدريس كتاب بداية الحكمة لطلاب الفلسفة في مرحلة البكالوريوس. كنت أُدرّس الأحكام السلبية للوجود. في أواخر الحصة، انتهى بنا النقاش إلى أننا درّسنا كثيراً هذا الفصل الدراسي وتقدمنا مئة صفحة، لذا من الأفضل أن نعطّل الحصص مبكراً استعداداً لفترة الامتحانات. أجبته قائلاً: لا، ينبغي أن نتقدم أكثر، وما زال من المبكر جداً أن نعطّل. قال أحد الطلاب: ما الفرق لو قرأنا عشرين صفحة إضافية مثلاً؟ نحن الذين قرأنا هذه المئة صفحة لم تُثر فينا أي سؤال، فما بالك لو قرأنا عشرين صفحة أخرى!
كان كلامه منطقياً تماماً، بل كان ما يدور في خلدي. أي ذلك الكلام الذي كنت أتصارع معه منذ مدة: هل الفلسفة هي تدريس مباحث ومسائل طُرحت لفلاسفة قبل مئات السنين؟ هل يُحدث تعلّم هذه المباحث أو عدم تعلّمها فرقاً بالنسبة لي؟ وأي خير عميم حُرم منه آلاف الأشخاص الذين لا يقرؤون هذه المباحث؟
لم أكن أعرف ماذا أقول. وعدته بأن عليكم بالطبع أن تتحلوا بالصبر وأن تقرؤوا دورة في الفلسفة الإسلامية كاملة حتى تُطرح لكم الأسئلة شيئاً فشيئاً، لأن الفلسفة الإسلامية أشبه بهرم وشبكة أكثر منها إجابات عن أسئلة مستقلة. علاوة على ذلك، يا صديقي العزيز، لو كنت تتابع المباحث بجدية أكبر، لكنت اقتربت بالتأكيد من عتبة السؤال. لكنني في قرارة نفسي لم أكن راضياً عن هذا الجواب. لأنني أنا نفسي، وقد كان تخصصي طوال دراستي الجامعية هو الفلسفة، وقرأت مباحث الفلسفة تقريباً بشكل أو بآخر، وإن لم أكن جاداً بالمعنى الحقيقي للكلمة في هذه القراءة، فلم أكن على الأقل متكاسلاً أو عديم الاهتمام؛ كنت لا أزال في مقام ذلك الطالب نفسه الذي طرح هذا السؤال. وكنت أشعر أنه إن كانت لديّ أسئلة، فهي ليست ناشئة عن حضور حصص الفلسفة أو دراسة كتب السبزواري، وملاصدرا، وابن سينا، والعلامة الطباطبائي، بل هي منبثقة من كتب أخرى وتأملاتي الشخصية. هذا ليس وضعي أنا وطالبي السائل فحسب، بل إن جميع الأساتذة والطلاب تقريباً يعتبرون النظام التعليمي القائم نظاماً غير فعّال. والدليل على هذا الادعاء هو أنه قلّما تجد طالباً في جميع مراحل التعليم العالي في تخصص الفلسفة الإسلامية يُبدي رضاه عن هذا النظام التعليمي، ويشعر بأن النظام التعليمي القائم قد قرّبه من الفلسفة بمعناها الحقيقي.
أحيا كلام هذا الطالب في نفسي مجدداً مسألة ماهية الفلسفة ووظيفتها وعلاقتنا بالتفكير الفلسفي. حقاً، إذا كانت المسائل والموضوعات التي تُطرح تحت عنوان البحث الفلسفي ليست أسئلتنا ولا تمت بصلة إلى حياتنا، فهل الأفضل أن نعتبرها دراسة للتاريخ أم بحثاً فلسفياً؟ أساساً، عندما لا تكون الأسئلة والمباحث المطروحة في كتب الفلسفة هي أسئلتنا ومسائلنا، هل يمكن بلوغ الغايات التي عدّدها الفلاسفة لهذا العلم؟ عندما أقرأ وجهة نظر فرقتين أو مذهبين حول مسألة ما، وهي في الأساس ليست سؤالاً جدياً بالنسبة لي ولا يهمني ما هو الجواب الذي يُعطى لهذا السؤال، هل يمكن لقراءة جواب هاتين الفرقتين أن تفتح طريقاً أمامي؟
حسناً، مؤخراً يُطرح ويُتابع بين الحين والآخر من قِبل أهل النظر والقلم موضوع «علم أمراض تدريس الفلسفة في إيران» أو «علم أمراض وضع الفلسفة في إيران». وفي مقدمة دراسات علم الأمراض هذه، يُعترف بأن «ما يُدرّس في بلادنا تحت عنوان الفلسفة والعرفان الإسلامي ليس سوى تقليد محض وتكرار لأقوال السابقين أو كتابة حواشٍ على متونهم»؛ أو «إن وضعية تدريس الفلسفة في إيران لا تُنتج فلاسفة، بل تُخرّج شرّاحاً وعلماء في الفلسفة»؛ أو يُقال «إن تخصص الفلسفة هو تخصص تجريدي إلى حد كبير ولا يمت بصلة إلى الحياة العملية للناس».
هذه حقيقة أن أقصى أمل وفرصة تمتلكها الفلسفة في جامعاتنا وحوزاتنا الحالية هو أنه ما زال هناك أساتذة وطلاب على صلة بتقاليدهم الفلسفية، ويستطيعون فهم هذا التقليد والمساعدة في تضخيمه (بشكل غير ذي جدوى كبيرة). الفلسفة في بلدنا لم تُهجر بعد مثل الطبيعيات والرياضيات القديمة، وهي في حالة انتظار. بمعنى أنه إذا كان الشرط الضروري لإحياء الفلسفة وبعث الحركة فيها هو فهمها والقدرة على التواصل معها، فهذا الشرط متحقق لحسن الحظ في مجتمعنا العلمي. لكن الفلسفة الإسلامية، للأسف، متجمدة في هذه الحالة.
إذا أردتُ أنا أيضًا متابعة مباحثي تحت هذا العنوان، فإن تجربتي الدراسية قد أظهرت لي أنه إذا أردنا تصنيف العناصر والمكونات المؤثرة في عملية تعليم الفلسفة وفقًا لأولوية التأثير، فإن أفضل معيار لتشخيص أكثر المكونات والعناصر تأثيرًا في التعليم هو أن ننظر أي عامل يمكنه، في حال وجوده، أن يعوّض إلى حد ما نقص وضعف المكونات الأخرى. بعبارة أخرى، إن المكون صاحب الأولوية هو الذي لو غاب، لما أثمرت قوة سائر المكونات الفاعلية المطلوبة، ولكن وجوده، على افتراض فقدان العوامل الأخرى، يمكن أن يوصلنا إلى حد ما إلى وضعية مرغوبة في مسألة التعليم. يبدو لي أن أهم عامل من هذا المنظور هو، بالترتيب: الأستاذ، فالطالب، فالمتون، فالقوانين التعليمية، وأخيرًا العوامل الاجتماعية-الثقافية. لذا فإن الأستاذ هو العامل الأساسي لإيجاد النجاح المنشود في تحقيق الأهداف التعليمية. فهو الذي يمكنه حتى أن يعوّض نقص الكتب الدراسية وقلة الإمكانات التعليمية.
ما سيأتي لاحقًا هو بيان للمعاناة والنقائص التي تعاني منها الفلسفة الإسلامية من ناحية أساتذة الفلسفة وطريقة تدريسهم.
نظرة إلى المنهج الحالي للأساتذة في تدريس الفلسفة:
المنهج الغالب في المراكز التعليمية في حقل الفلسفة الإسلامية هو المنهج «المتمحور حول المتن/المتمحور حول الكتاب». بمعنى أنه في الدورات التعليمية المختلفة، يُختار أحد المتون الفلسفية الأساسية بوصفه المتن الأساس، ويُتابع التعليم بناءً على دراسته سطرًا سطرًا، أو قسمًا قسمًا، أو فصلًا فصلًا. في هذا المنهج، يقوم الأستاذ، بإحاطته بمضامين الكتاب، وبجعل موضوعاته محورًا، بعد طرح الموضوع الأساسي، بشرح المتن وتفسيره وتفهيمه.{حتى إن بعض الأساتذة لا يطرحون الموضوع حتى، ويبدؤون مباشرة بقراءة المتن وشرحه.} في المنهج المتمحور حول المتن، ينشغل الأساتذة في مرحلة البكالوريوس، غالبًا بعد تدريس أجزاء من كتاب «بداية الحكمة» للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، بتدريس أحد كتابي «نهاية الحكمة» أو «شرح المنظومة» للحاج ملا هادي السبزواري. وقد يختار بعض الأساتذة كتاب «تعليم الفلسفة» للمصباح أو «الفلسفة التمهيدية» لعبوديت بوصفه المتن التعليمي. وفي مرحلة الماجستير أيضًا، تُدرّس أجزاء من كتب «الإشارات والتنبيهات» - عادة النمط الرابع والخامس والسادس - لابن سينا، و«حكمة الإشراق» للسهروردي، و«الشواهد الربوبية» - عادة المشهد الأول - لملاصدرا، وفي مرحلة الدكتوراه تُخصص أجزاء من كتابي «الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة» لملاصدرا و«الشفاء» لابن سينا.
إن طبيعة هذا المنهج قائمة على المونولوغ والسير من الجزئي إلى الكلي. أمران في تناقض واضح مع التربية الفلسفية. في المنهج المتمحور حول المتن، الأستاذ هو المتكلم {الشارح} والطالب هو المستمع. للطالب أقل تدخل خلال الدرس، وتدخله أيضًا محدود بمباحث المتن.
في هذا المنهج، للطالب أقل تدخل. والنتيجة والغاية النهائية لهذا المنهج هي التراكم المحض للمعلومات الفلسفية بغرض اجتياز عقبة الامتحان. في هذا المنهج، الأستاذ، حتى لو كان ناجحًا جدًا، فإنه في النهاية يعلّم «معرفة الفلسفة» أو «فن الفلسفة»، أي أن طالبه الناجح هو من يستطيع أن يفهم أفكار الفلاسفة ويشرحها ويوضحها بلغته الخاصة.
قد يُقال إنه توجد في الصفوف المتمحورة حول المتن أساتذة ناجحون يمكنهم خلق حوار وإشراك الطلاب في المباحث. نعم، لا يمكن إنكار وجود مثل هذه المشاركات في صفوف الفلسفة، لكن لا يمكن تسمية هذه المشاركات حوارًا مولّدًا للفلسفة. الحوار يكون حقيقيًا ومؤديًا إلى التربية الفلسفية عندما يكون له طرفان ويكون بينهما اختلاف جدي وجوهري. أما في هذه المشاركات، فغالبًا لا نشهد أي طرف، بل نشهد اختلاف فهم شخصين يُدعيان أستاذًا وطالبًا حول متن ما.
الحوار الفلسفي يتحقق عندما لا يكون أي من الطرفين ممثلًا لشخص أو كاتب ما، بل يكونان على سجيتهما. وهذا يحدث عندما يكون سؤال الحوار، بالمعنى الحقيقي للكلمة، ملكًا لهما. بينما في صفوف الفلسفة لدينا، يندر أن تجد طالبًا أو أستاذًا له «ذات» خاصة به.
في الطريقة المتمحورة حول الكتاب، ينشغل الطالب غالبًا بفهم كلام المؤلف، ونادرًا ما تتسنى له فرصة أن تخطر بباله أسئلة بمعزل عن النص. هذا الأمر يجعل الطالب أقل رؤية لنفسه في مقام المفكر، وإن فكّر فإنما يفكر في إطار النص وحوله، ولا يجرؤ أبدًا على التفكير في مسألة جديدة كليًا. ومن هنا، فإن خريج الفلسفة في الطريقة الحالية لتدريسها هو في نهاية المطاف شخص يفهم المسائل الفلسفية المكتوبة جيدًا، ويلم بالأقوال المطروحة، وربما يكون لديه نقد جزئي لهذه الأقوال، أو حاشية وبيان لتوضيح أفضل للمسائل المكتوبة.
في الطريقة المتمحورة حول النص، يسير التدريس من الجزئي إلى الكلي. أي أن الأستاذ يشرع في تدريس العناوين الفرعية وفصول الكتاب الفرعية بالترتيب أو بشكل انتقائي. {من الضروري أن نأخذ في الاعتبار هنا أن الكتب الفلسفية الكلاسيكية لم تُكتب بصورة تعليمية، ولم يُراع فيها التقديم والتأخير، ولم يُصرح فيها بنسبة المباحث بعضها إلى بعض}، هذا في حين أن الفلسفة الإسلامية هي هرم معرفي، لذا فإن كثيرًا من مباحثها وأبوابها هي مقدمة لمباحث لاحقة. أحيانًا تكون عدة مباحث مهمة مقدمة لبيان مسألة أخرى أو لتقديم استدلال. وأحيانًا يوجد في فصل ما عنوان فرعي لا يبدو أن له أية صلة بمباحث ذلك الفصل.
حسنًا، في هذا السياق، لا يكون طالب الفلسفة في مرحلة البكالوريوس في ذلك المستوى من التحليل الذي يمكّنه من امتلاك نظرة كلية، أو ما يُصطلح عليه بالنظرة من الخارج، ليتمكن من فهم المناسبات بين المباحث. ومن ثم فهو يحفظ المطالب دون نظام منطقي وتصنيف واعٍ، بينما يشعر بالحيرة وسط المباحث التي تبدو متباينة.
هذا الغموض والحيرة يُعبَّر عنهما أحيانًا في لغة الطلاب بقولهم: «في رأيي أن الفلسفة الغربية أفضل من الفلسفة الإسلامية لأنها أكثر ملموسية وأكثر اتساقًا»، أو بعبارات من هذا القبيل: لا أدري ما المشكلة التي تريد أحكام العدم وأحكام الماهية أن تحلها، لا أدري ما الفرق بين معرفة المقولات العشر وعدم معرفتها، لا أدري أكان هؤلاء الفلاسفة عاطلين عن العمل حتى ناقشوا كل هذا في شأن الوجود الذهني!؛ أستاذي، أليس من الأفضل أن نحذف قسم العلة والمعلول لأنه ليس مهمًا جدًا؟؛ أنا لا أدري ماذا يفعل هؤلاء الفلاسفة، يناقشون أحكام الوجود ثم يطرحون فجأة مسألة الوجود الذهني، يكتبون عن المقولات ثم يناقشون النفس الإنسانية، وفجأة يقتربون من الفيزياء ويناقشون الزمان والحركة و... إلخ.
نادرًا ما يقوم أساتذة الفلسفة ببيان المقدمات وذي المقدمات، والنسبة بين المباحث، وعلة طرح الفصول والأبواب، وتبيين مبدأ المباحث ومنتهاها. نادرًا ما نشاهد أستاذًا، حين يدخل في مبحث النفس أو مبحث أقسام العلم أو... إلخ، يقوم في بداية المبحث برسم منظور عام وخريطة كلية للمباحث للطالب.
في الطريقة المتمحورة حول النص، وبسبب هذا السير من الجزئي إلى الكلي والانحصار في كتاب محدد أو عدة كتب محددة، يبقى الطالب قاصرًا عن إدراك كلية النظام الفكري لفيلسوف ما، ومكانته في تيار الفكر، ومدرسته الفكرية، ونتائج أفكاره. إن الإلمام بهذه الأمور مرهون بالسير الكلي والنظر من الخارج والاستفادة من الأجزاء الشفوية من درس الأستاذ. لكن بما أن أكثر الأساتذة قد تربوا غالبًا على الطريقة المتمحورة حول النص، ونادرًا ما امتلكوا نظرة من الخارج إلى المباحث الفلسفية، فإنهم لا يستطيعون تعويض هذا النقص.
في الطريقة المتمحورة حول النص، يرى الأستاذ، دون وعي، أن رسالته هي تفهيم مطالب الكتاب، ويصرف كل جهده لهذا الهدف، لذا نشاهد كثيرًا في صفوف الفلسفة أن الأساتذة لديهم هاجس إنهاء رؤوس الموضوعات. صحيح أنه ينبغي للطالب أن يلم بالأفكار لتكون لديه مادة للتفكير والتفلسف، لكن هذا هدف وسطي، والهدف النهائي هو أن يتعلم الطالب التفكير والتفلسف. حينما يكون الجهد الأساسي في التدريس هو إنهاء رؤوس الموضوعات، يُغفل الهدف النهائي والأساسي من التعليم. كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في شأن كيفية قراءة القرآن هو هادٍ في هذا المجال، حيث يقول: «لا يكن همّ أحدكم آخر السورة».
ليت أساتذة الفلسفة، إلى جانب اهتمامهم بإكمال المقررات التعليمية، كانوا يفكرون في التأثير والفاعلية أيضًا، ويسعون للتركيز أكثر على تلك المباحث التي يمكن للطالب اليوم أن يتواصل معها، والتي تكون أقدر على تمهيد الطريق للاستدلال والحوار والنقد. ينقل كريستيان يحيى بونو ملاحظة لطيفة: «لدي تجربة جامعية ولكن في باريس، وتجربتي الحوزوية تعود إلى تلك السنوات السبع التي قضيتها تلميذًا لدى السيد آشتياني في مشهد. لقد قلت له: هل يلزمني أن أحضر دروسكم الجامعية أيضًا؟ فقال: لا، هناك نقرأ الفهارس فقط. كان السيد آشتياني يعتقد أنه لا حاجة لقراءة جميع الكتب، وكان يقول: كتاب جيد واحد لدى أستاذ جيد يمنحك القدرة على التحليل والفكر الحر، وكان يؤمن بأساليب البحث والحوار.»
مشكلتنا هنا هي أنه حتى أساتذة الفلسفة والكتب الجديدة المنشورة في مجال الفلسفة الإسلامية، حتى حين يريدون الولوج إلى فضاء النقد والتفكير الحر والتفلسف؛ لا يزالون داخل نفس الخطاب والمنظومة الفكرية التقليدية. ونقدهم وتفلسفهم لا يزال في حكم الهامش، وفي نهاية المطاف المحاكمة. قلما يتناول أستاذٌ التدريسَ وفهمَ الفلسفة من زاوية نظر جديدة، من موضوع ينتمي إلى تقليد فكري جديد ومختلف، بمنهج بحثي يختلف في أسسه عن منهج البحث في الفلسفة الإسلامية، ومن منظور الإنسان والمجتمع اليوم.
لا يمكن للبحث والمقالة والرسالة في الأسلوب الحالي لتدريس الفلسفة أن تكون شيئًا سوى ما يلي: جمع رأي فيلسوف واحد أو عدة فلاسفة حول مسألة طُرحت في تقليدنا بشكل مباشر أو بالإشارة، مقارنة آراء فيلسوفين مسلمين، أو في أقصى الأحوال فيلسوف مسلم وفيلسوف غربي (وهذا أيضًا ليس بالصورة التي يراد بها نقد وتحليل فلسفة الفيلسوف المسلم من زاوية نظر فيلسوف غربي وبناءً على أسسه ومنهجه. بل يُكتفى بأن يُبحث في فصل، مثلًا، آراء الملا صدرا في شأن الأنثروبولوجيا، وفي فصل آخر آراء هيغل. وفي فصل ثالث تُذكر أوجه الشبه والاختلاف بينهما).
الطالب والتلميذ النبيه، والنموذجي كما يُقال، في هذا النظام التعليمي، هو من يستطيع فهم الكتاب الذي يُدرَّس، ويتمكن من الإجابة في الامتحان على أسئلة 80% منها على الأقل ناظرة إلى نص الكتاب، حتى لو كان فاقدًا لمَلَكة الحديث الجيدة ولا يستطيع المشاركة في المباحثات.
الامتحان في هذا الأسلوب من التدريس .....
أسئلة أساتذة الفلسفة لا تختلف عن أسئلة أستاذ التاريخ أو القرآن والحديث. أي أن الأسئلة لا تُصمم بطريقة فلسفية. نوع الأسئلة التي يطرحها أساتذة الفلسفة غالبًا لا تسعى إلا لاكتشاف أمرين: هل حفظ الطالب المادة؟ وهل فهم الطالب المادة؟
لكن على أساتذة الفلسفة، إضافة إلى ذلك، أن يراعوا هدفين آخرين أكثر أهمية في طرح أسئلتهم: 1- أن يكون السؤال بحيث يدفع الطالب إلى التفلسف والتفكير الإبداعي ويقيس قدرته على التفلسف. أي أن يقدم سؤالًا جديدًا لا توجد إجابته في الكتاب وشروح الأستاذ. سؤال يُتوقع من الطالب، في حال فهمه لمطالب ذلك الفصل الدراسي، أن يجد له إجابة. 2- أن يكون السؤال بحيث يدفع الطالب إلى النقد والتحليل ويقيس قدرته على النقد والتحليل.
لكن هل أسلوب التدريس أمر يمكن إصلاحه بالتعليمات وعقد دورات تعزيز المعرفة؟ مع أنه لا يمكن إنكار أثر مثل هذه الجهود، لكن يبدو أن الطريق الصحيح هو أن نسأل: لماذا صار أسلوب تدريس الفلسفة على هذا النحو؟
لعل أهم سبب هو أن الفلسفة ليست جادة بالنسبة لنا. لا بالنسبة لصانعي القرار في الدولة والحكومة، ولا لوزارة العلوم، ولا للجامعات، ولا للأساتذة ولا للطلاب. كلنا نتعامل مع الفلسفة والفيلسوف تعامل المجاملات. الفلسفة والفيلسوف بالنسبة لنا بمنزلة أبناء الذوات الذين كان آباؤهم محبوبين ومشهورين في زمانهم، والآن بعد موت الأب، نحن نحفظ احترام أبناء الذوات إكراماً للأب. ونُجلّهم على الدوام. من يغفل عن هذه المناسبة يظن أن ابن الذوات هذا مستحق للاحترام حقاً، أو أننا نُكرم شخصه بالفعل، حسناً ينبغي أن نسأل لماذا الوضع هكذا؟
إما أن في أيدي جميع هؤلاء أداة أو شيئاً آخر يغنينا عن الفلسفة، وإما أن مجتمعنا ليس في موقع الحاجة إلى الفلسفة أساساً، بعبارة أخرى ينبغي لنا أن نراجع هذا الحكم القائل بأن الفلسفة يمكن أن تكون مفيدة في كل زمان ومكان. وأن نُقر بأن الفلسفة تظهر وتتجلى في أزمنة وأمكنة معينة. ونتحاور بشأن هذه الأمكنة والأزمنة.
وربما ليست الفلسفة وحدها هي التي تحتضر، بل إن العلم ليس جاداً في مجتمعنا. ومشكلتنا الكبرى ليست انحطاط الفلسفة بل انحطاط العلم. قد يُشار في الرد إلى إحصائيات مثل عدد المقالات و... لكن أي شاهد ودليل أفضل من رؤية وضع العلم في الجامعات ومدى فاعليته في حل المشكلات التي نعاني منها.
إحياء الفلسفة لا يكون بأن نتابع موضوعات جديدة مثل الجمال والبيئة والأسرة ونمط الحياة من منظور ابن سينا والملّا صدرا. وأن تكون كتاباتنا على نحو إما أن تكون مصداقاً للخبط بين السماء والأرض، أو كتابات مستقلة تماماً وغير فلسفية يُشاهد في مصادرها اسم كتب ابن سينا والملّا صدرا وغيرهم من الفلاسفة.
في مشروع دراسي كان يُدوّن الفلسفة السياسية للفلاسفة المسلمين، استخرج أستاذ محترم من كتاب الأسفار 2500 بطاقة بحثية ذات موضوع سياسي. 2400 من هذه البطاقات كانت عبارات لا تمت بصلة، حتى بالإشارة أو الكناية، إلى قضايا وموضوعات سياسية. كان ينبغي أن نجد صلتها في الشروح البديعة جداً للأستاذ المحترم. نسبة وارتباط لو أُجبرنا على تصديقهما وتأييدهما، لكان ينبغي لنا حينئذ أن نستخرج من أي نص أي كلام بإضافة عدة حدود وسطى من عند أنفسنا.
في طريقة تدريس لا يُهم فيها أساساً ما كان علة طرح مسألة ما، وسير تطورها، ونسبتها إلى سائر المباحث، ونسبتها إلى زمان الفيلسوف وأرضه، وأهميتها في منظومة الفيلسوف الفكرية و... بفرض أن الطالب فهم المسألة جيداً، فأي نتيجة يمكن أن تترتب على هذا الفهم. وأي إضاءة يمكن أن تُحدثها هذه المسألة للطالب.
فقدان النظرة الكلية والنظرة من الخارج لدى الأساتذة.
عدم امتلاك المعلومات الفلسفية اللازمة:
يرى الطلاب في قاعات الدرس ضعفهم وعجزهم عن الإجابة عن الأسئلة ما وراء النصية (مثل: الفرق بين المدارس، مبادئ الفلاسفة، تاريخ المباحث وسير تطورها، نسبة المسائل والأبواب الفلسفية إلى بعضها، مباحث ما وراء الفلسفة و...) عياناً.
من الشواهد التي تدل على أن ولوجنا إلى الكتب الفلسفية وكيفية مواجهتنا لها ليست مواجهة قائمة على السؤال، هو أننا لا نتابع الكتب المختلفة لفيلسوف واحد.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.