اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
مركزية النص في الفلسفة الإسلامية ليست نقصاً ولا كمالاً؛ المشكلة تكمن في وهم المعنى النهائي للنصوص، فالنص ينبوع لا ينضب لا قفص. ومصير الفلسفة الإسلامية رهن بانتقال الأساتذة من 'تعليم النص' إلى 'التعلم من النص'.

قرأت في موقع صدانت مقالاً شيّقاً لصديقي العزيز والقديم الدكتور عباسعلي منصوري بعنوان "ماجراي من و كلاسهاي فلسفه". تطرق الدكتور منصوري في مقالته إلى مسائل متعددة، لكنني سأشير فقط إلى نقطة واحدة تتعلق بمركزية النص في الفلسفة الإسلامية. وبالطبع، هذه الملاحظة المقتضبة تأتي امتداداً لمقالته وليست نقداً لها؛ لأن ما قاله هو توصيف دقيق لوضع شائع واضح للجميع. كما أنني لا أنوي نقد الوضع الأكاديمي؛ لأن النظام التعليمي الجامعي فارغ وتافه وخاوٍ لدرجة أنه أشد فضيحة من أن يستحق النقد والتمحيص. لذا، فإن هذه الملاحظة، سلباً أو إيجاباً، لا تمت بصلة للوضع التعليمي في أي جامعة. ولا أمل حتى في أن يفهم السادة مثل هذه المطالب؛ لأنهم ليسوا في مستوى هذا الكلام. ما أقصده هو تأمل في أحد وجوه الفلسفة الإسلامية باعتبارها فلسفة مهمة وجادة وحقيقية، وكذلك في العلاقة التي ينبغي أن نقيمها معها. كما أنها إشارة إلى أحد الإمكانيات والطاقات الكامنة التي تختزنها هذه الفلسفة بفضل خصائصها المميزة.
تتسم الفلسفة الإسلامية بمركزية شديدة للنص، لدرجة أن الجميع في مجال التعليم يتذمرون من متون الفلسفة الإسلامية، وكأنها تحولت إلى إحدى نقاط ضعفها. لكن هذه الخاصية ليست جيدة ولا سيئة بحد ذاتها. فجودة أو رداءة مركزية النص تتوقف كلياً على تصورنا للنص وطريقة قراءتنا له. لذا، يمكن لمركزية النص أن تكون ميزة للفلسفة الإسلامية، كما يمكن أن تكون عائقاً أمام نموها. تبدأ المشكلة عندما يظن المرء أن لنصوص الفلسفة الإسلامية معنى نهائياً.
من الافتراضات المسبقة الخاطئة حول الفلسفة الإسلامية هو وجود قراءة كاملة، مثالية أو نموذجية لنصوص الفلسفة الإسلامية. لقد أصبح تعليم الفلسفة الإسلامية اليوم على نحو يوحي بأن النصوص الفلسفية لكبار الفلاسفة المسلمين تحمل معنى قطعياً ونهائياً. وتنصب كل جهود المشتغلين بهذه الفلسفة على اكتشاف هذا المعنى القطعي والنهائي وتحصيله، ليصبحوا مسيطرين تماماً على الفلسفة الإسلامية ويعرفوها معرفة كاملة ومطلقة. وستكون نهاية هذه العملية أنه لن تبقى بعد ذلك أية كلمة، أو مطلب، أو معنى غير مذكور، وستنكشف هذه الفلسفة كلياً وبشكل تام. لكن هذا التصور خاطئ بوضوح وليس سوى وهم؛ لأن النص لا يمتلك معنى نهائياً. والسبب في ذلك أن النص ظاهرة بالغة التعقيد، مفعمة بالمعاني، ولا ينتهي فهمها أبداً. يمكن القول إن النص هو ينبوع يتفجر منه المعنى، وليس قفصاً يأسر كل المعنى في داخله.
نعم، ليس لأي نص معنى نهائي وختامي، ولا سيما النصوص الغنية والمعقدة والمحتوية على مضامين كثيرة مثل النصوص الفلسفية. فالنص الفلسفي ظاهرة بالغة الغنى والتعقيد، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه أمسك بكل معانيه. وهذا الكلام لا يعني بالطبع أن ثمة فوضوية ونسبية معرفية تتسرب إلى معنى النصوص. فبالتأكيد يوجد معنى صحيح ومعنى خاطئ. ولا شك أن بعض المعاني يمكن إسنادها إلى النص، وبعضها لا يمكن إدراجه بشكل صحيح في النص على الإطلاق. بل إن النقاش يدور حول المعاني الصحيحة وذات الصلة بالنص. والمدعى هو أن هذه المعاني لا نهاية لها. فالنص الفلسفي بمنزلة نبع يمكن استخراج المعاني والمطالب الفلسفية منه واستنباطها بشكل دائم ومستمر. وهذا الأمر ليس نقصاً، بل هو كمال النصوص الفلسفية. يقول هايدغر في هذا الصدد: "إن كون الشيء قابلاً لمعان متعددة لا يمكن أن يكون اعتراضاً على إتقان ما هو مودع في الفكر. ذلك أن كل ما تم التفكير به في فكر أساسي ينفتح على كثرة التأويلات، وهو كذلك بالطبع بحكم ماهيته وطبيعته. وليس الأمر أيضاً أن تعدد المعاني هذا هو مجرد بقايا أحادية معنى صورية-منطقية لم ننلها بعد، والتي سعينا في طلبها ولكننا لم نبلغها. بل على العكس، إن تعدد المعاني هو العنصر الذي يجب على كل تفكير، لكي يكون تفكيراً متقناً، أن يكون في حركة داخله. وبلغة المجاز يمكن القول: إن أعماق المياه ومساحاتها، ومناطق الماء الجاري والماء الراكد، والحرارة وسطوح الماء الحارة والباردة، هي بمنزلة عنصر الحركة المتعدد لسمكة واحدة. فالسمكة إذا حُرمت من غنى عنصرها وكماله، وإذا سُحبت على الرمل اليابس، فلن تستطيع إلا أن تتخبط، وتكافح، وتتلوى، وتهلك. ولهذا السبب، يجب علينا دوماً وفي كل حالة أن نبحث عن التفكير وأفكاره في عنصر تعدد معانيه، وإلا بقي كل شيء مغلقاً في وجوهنا"(1). وله أيضاً كلام بخصوص نصوص مثل كتابات أفلاطون، يمكن أن ينطبق على النصوص الفلسفية في تراثنا نحن كذلك. يقول: "إن محاورة أفلاطون ليست فقط عصية على الاستنفاد بالنسبة لخلفه، ولا فقط بالنسبة للإدراكات المتغيرة التي تنشأ عن هؤلاء الخلف، بل إنها في حد ذاتها وبحسب ماهيتها لا تبلغ نهاية أبداً. ولكن هذه علامة الإنسان الخلاق الخالدة، التي لا تُمنح بالطبع إلا لأولئك الذين يستطيعون أن يجلّوا ويحترموا"(2).
في مواجهة الفلاسفة المسلمين أيضاً، ينبغي لنا دوماً أن تكون لنا مثل هذه النظرة إلى نصوصهم الفلسفية. لكن معظم أساتذة الفلسفة غرباء عن مثل هذه المقاربات. عندما يكون جميع أساتذة الفلسفة الإسلامية تقريباً غير مطلعين على النظريات الجديدة التي طُرحت حول النص، فأي توقع يمكن أن يكون؟! إنهم يواجهون النصوص الغنية والمعقدة والمتعددة الطبقات للفلسفة الإسلامية بناءً على فهم عرفي بسيط ومبتذل. إنهم يقرؤون النصوص الفلسفية كما يقرؤون أي نص بسيط آخر. ولهذا السبب، حتى في أفضل الحالات التعليمية، فإن الغاية القصوى من الاشتغال بالفلسفة الإسلامية هي فقط تعلُّمِ نصوص الفلسفة الإسلامية، وليس التعلم منها. فبين "تعلُّمِ النص" أو "التعلم من النص" مسافة شاسعة، ومصير الفلسفة الإسلامية اليوم رهين بمثل هذه الدقائق والظرائف.
.
الهوامش:
1) مارتن هايدغر، ماذا يسمى التفكير؟، ترجمة سياوش جمادي، منشورات ققنوس، صفحة 182
2) المصدر نفسه، صفحة 183
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
خود این مقاله شعارنامه ایست در مقدس گردانی هرچه بیشتر به اصطلاح 'فلسفه'ی اسلامی... به جای شجاعت گذر از متن، اینبار حرکت زیرپوستی به سوی مقدس نمایی متن...
مطلب جالبی بود. با تشکر اما دقیقا باید روش عملی کردن آن را هم توضیح داد.
بسیار جالب بود اما ای کاش مصداقی برای این حرفها هم نشان داده میشد