اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التديّن إبداعيّ؛ أي جعلُ الأجزاء الأكثر رقّةً في النصوص الدينية، كالعدل والرحمة، محوراً وفهمُ سائر الأجزاء في ضوئها. وكما يصنع النحل من الثمرات شهداً، يخلق المؤمن بانتقاء أحسن المضامين قراءةً شافية.

التديّن الجيد هو التديّن الخلّاق. أي أن تبادر إلى الاختيار وتُبرز الأجزاء الأكثر رقّةً ولطفاً في النصوص الدينية، وتجعلها محوراً، وتفهم سائر أجزاء النص في ظلّها، أو تؤوّلها، أو تعتبرها تاريخية.
فعلى سبيل المثال، أن تجعل من «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» محوراً، وفي ضوء هذه القاعدة تؤوّل كل ما يتضمّن شكلاً من أشكال الإكراه في الدين ولا تقبله. أو أن تتّخذ من «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» أساساً، وكل ما يقول لك عقلك وحدسك الأخلاقي إنه لا ينسجم مع طبيعة «الرحمة»، تؤوّله بشكل ما أو تعتبره منسوخاً. أو أن تعتبر «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ» قاعدةً وأساساً، وتفهم في ضوئه كل اعتقاد أو توصية لا تراها عادلة.
قد تقول: لكن القرآن قال إنه لا ينبغي أن يكون المرء «يؤمن ببعض ويكفر ببعض». (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). لكني أعتقد أن المواجهة الخلّاقة والانتقائية مع النص المقدس ليست كفراً ببعضه. الكفر ببعض الكتاب يعني العناد واللجاجة. أما أنت هنا فلا لجاجة لديك. ففي ضوء المضامين الأكثر لطفاً في الدين، ترتّب باقي المضامين وتؤولها، أو تضعها جانباً وتعتبرها منسوخة.
ثمّ، أليس أولئك الذين يعتقدون بأن آيات في القرآن قد نُسخت، يُعتبرون «يكفر ببعض»؟ إن اعتبارك لبقية الآيات أو الروايات الدينية زمنيةً، بالنظر إلى الآيات التي تراها أصل الدين وأساسه، هو شيء شبيه بذلك الاعتقاد بالناسخ والمنسوخ في القرآن الذي يقول به أغلب المسلمين والعلماء. غير أنك أنت تعتبر بعض الآيات أبدية وخالدة، والآيات المعارضة زمنية وقابلة للنسخ. لا فرق في ذلك.
ثمة نقطة مهمة أخرى. القرآن نفسه لم يقل إنه يجب اتّباع جميع آياته. لقد قال إن في القرآن محكماً ومتشابهاً، وإن الذين في قلوبهم زيغ وانحراف يتّبعون الآيات المتشابهة. (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ). بل يبدو أن القرآن نفسه هو دار ابتلاء (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وأن قوله تعالى: (وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) يعني هذا تماماً. أي أن الذين يجعلون من آياتٍ مبانيَ ومحاورَ وقواعدَ لا تنسجم مع الروح الرحمانية للدين، هم ظالمون وحصيلة عملهم خسارة. كلما ازدادوا عملاً بالقرآن، ازدادوا خسارة. أنا أفهم هذه الآية بهذا الشكل. أي أن خسارتهم ليست ناشئة عن الإعراض عن القرآن، بل على العكس، هي ناتجة عن مواجهتهم غير الأخلاقية مع القرآن.
دعني أقولها بشكل أوضح. لقد أُوصينا بأن نتّبع أفضل أبعاد القرآن والكتب المقدسة: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» في هذه الآية، يرى الكثيرون أن المقصود بـ «القول» هو القرآن. وأنا أوافق على هذا الرأي. في مواضع أخرى أيضاً يسمّي الله القرآن «القول». (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) وفي آية أخرى بخصوص التوراة، يقول الله مخاطباً موسى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها: «وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا» إذن يتّضح أنه ينبغي لنا في الكتب المقدسة أيضاً أن نكون انتقائيين ونبحث عن أحسن المضامين. وما هو أحسن الكتاب المقدس، يعتمد على حسّنا الأخلاقي ورقة نظرتنا. أحد موارد ابتلاء البشر وامتحانهم هو أيّ فئة من الآيات والمضامين يتّجهون إليها في مواجهتهم للكتب المقدسة.
إن نموذج التديّن الخلّاق هو النحلة. يقول القرآن إن الله يوحي إلى النحل أيضاً. أن اذهبي وتناولي من كل الثمرات واسلكي سبل ربك ذللاً. لكن النحلة خلّاقة. حصيلة هذا الوحي تصير شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس. (وَ أَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). هل يمكننا نحن أيضاً أن نتعامل مع النص المقدس كالنحلة، ونصنع من صميم ما في القرآن شهداً وشراباً شافياً بشكل خلّاق؟ ما دامت النحلة تستطيع، فلماذا لا نستطيع نحن؟
لننظر أساساً إلى مفهوم خلافة الله في الأرض. الإنسان خليفة الله، ومن مهامه إعمار الأرض (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). فهو مثلاً يستخرج المواد الخام الأولية التي وهبها الله، ويصنع منها أشياء أفضل وأكثر فاعلية. أليس هذا الإنسان الخلّاق، الذي يتعامل بإبداع مع المواهب والعطايا الإلهية، أفضل من ذاك الذي يكتفي بها فحسب ولا يضيف شيئاً؟ أعتقد أن الله يحب أكثر أولئك العباد الذين يصنعون من مواد الدين الخام، وبشكل خلّاق، أشياء جميلة ونافعة.
أعتقد أن ما قام به العرفاء أو الفقهاء هو هذا بالضبط. انظر مثلاً إلى مقولة المحبة التي لها إشارات مقتضبة وعابرة في القرآن، حين تقع بين يدي العارف الخلّاق تتحول إلى ملاحم عشق آسرة... انظر مثلاً كم يفيض الإبداع في تدين مولانا؟
قد تقول إننا نُهينا عن الابتداع في الدين. (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ). نعم، أوافقك. لكن الحديث يقول: ما ليس منه. أي ما لا يتناسب مع أصل الدين وسرّه. وإلا فأنت تعلم بنفسك كم تشكلت في زمن الخلفاء الراشدين من إبداعات وابتكارات وبدائع، ولأنها لم تكن مغايرة لسرّ الدين وروحه، فقد حظيت بالقبول. ألم يقل النبي (ص): سعوا إلى خلق سنن حسنة وطرائق جميلة؟ (مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ). يقول: من سنّ في «الإسلام» سنة حسنة وجميلة، فهو مأجور. مع الأسف، لقد تجاهلنا تقريباً تشجيع النبي وتوصيته هذه بسوء فهمنا لمقولة البدعة. لقد دعانا النبي إلى الإبداع وابتكار الطرائق الحسنة في الدين.
حسناً، قد تسأل كيف يمكن أن يكون لنا تدين خلّاق؟ برأيي، إن أحد أهم لوازم الإبداع على الأقل هو أن تنظر إلى سائر المعارف البشرية والإنجازات الإنسانية بعين العناية. كلما كانت نوافذ وعيك وعواطفك مفتوحة أكثر على الأهواء الجديدة، كان إمكان أن تنسج من ألياف الدين ثوباً قيّماً أكبر.
حقاً، هناك نقطة أخرى وهي: إذا كان التدين الجيد هو التدين الخلّاق، فعلينا إذن ألا تكون نظرتنا سلبية إلى الإبداعات التي حدثت في الدين عبر هذه القرون. ما عدا تلك التلاعبات الغريبة عن روح الدين وسرّه بالطبع. علينا أن ننتبه إلى كل ما أبدعه المسلمون الخلّاقون خلال هذه القرون، ونتعلم منهم الطرائق. شعار العودة إلى القرآن والسنة، إن كان يعني تجاهل كل هذه القرون من التنمية الخلّاقة للمسلمين، فهو شعار خاطئ ذو آثار مدمرة. إنه يشبه أن ترغب في قطع شجرة وتقول الأصل هو ذلك الجذر، أو ألا تدع برعماً ينمو ويصير شجرة.
تعال أساساً لأضرب لك مثلاً. شخص يعطيك بضعة مواد أولية لتطبخ طعاماً. إن لم تكن خلّاقاً، يصبح طعامك مالحاً جداً أو حاراً جداً وينفر منه القلب. أعتقد أن علينا أن نتعلم كيف نكون طباخين جيدين. لقد ضرب القرآن مثلاً أجمل: المطر حين يهطل من السماء، إن كانت التربة طيبة وخلّاقة تنبت نباتات ملونة، وإن كانت الأرض رديئة كان نباتها عديم الفائدة وقليلاً. (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا). وبتعبير سعدي: «باران که در لطافت طبعش خلاف نیست / در باغ لاله روید و در شورهبوم، خس»
يقول في موضع آخر: ننزل من السماء ماءً فتسيل الأودية بقدرها. (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا). أي أن من المهم جداً كم هو مقدار وسعك.
قد تقول: حين يكون مقرراً أن نواجه النصوص الدينية بهذا القدر من التنمية والإبداع، أفليس الأفضل أساساً أن نبدأ من الصفر بأنفسنا؟ حسب اعتقادي، تؤيد التجارب التاريخية أن تربة الدين تملك ذلك الغنى والخصوبة. انظر كم من إنسان شريف ومتفتح ومؤثر في العالم قد نما في أحضان الدين وبلغ آفاقاً عالية. التقاليد الدينية تملك من الغنى ما يمكننا معه، عبر حفريات جديدة، أن نبلغ ينابيع جديدة، أو عبر غوص أعمق، أن نجد جواهر أكثر.
حقاً، كلمة أخرى! في المواجهة الخلّاقة مع الدين، لا يكون التدين مستعاراً، بل أصيلاً. جذور الفرد مغروسة في تربة تقليد ديني، لكن أزهار شجرته وثمارها لها طعمها ورائحتها الخاصة. أليس هذا تشبيهاً جميلاً؟ تصور شجرتين كلتاهما جذورهما في تربة واحدة، لكن لكل منهما أغصانها وأوراقها وثمارها الخاصة. شمس التبريزي مثلاً! لقد ترعرع في أحضان التقليد الإسلامي، لكن تدينه تجربة أصيلة وخاصة به. انظر إلى كلمات شمس هذه:
«قوم مقلدون للقلب، وقوم مقلدون للصفاء، وقوم مقلدون للمصطفى، وقوم مقلدون لله، يروون عن الله. وقوم لا يكونون مقلدين لله، لا يروون عن الله، بل يقولون من عند أنفسهم.» «قالوا: اصنع لنا تفسيراً للقرآن. قلت: تفسيرنا كما تعلمون. لا عن محمد! ولا عن الله!» «لا تنفعني رسالة محمد رسول الله، بل تنفعني رسالتي أنا. لو قرأت ألف رسالة لأزداد ظلمة.»
لهذه الكلمات ظاهر ينم عن الكفر، لكنها في ظني علامة على أصالة تدين شمس التبريزي، وأفضل شاهد على إمكانية المواجهة الخلّاقة مع الدين.
قد تظن أن هذا النهج خيانة لدين الله أو تقويض له. لكنني أعتقد أن المواجهة الخلّاقة مع الدين تؤدي إلى بقائه وغناه. أولئك الذين يقبلون على الدين بخلّاقية، وبالانتقاء واختيار «أحسن الآيات»، يقدمون فهماً جميلاً ولطيفاً للدين، هم أنصار الله ودينه. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ)
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
با احترام به نظر نویسنده محترم البته هر کس با توجه به روحیات شخصی خودش با برخی آیات ارتباط بیشتری پیدا می کند اما باید به این نکته هم توجه کرد که در قرآن اختلاف وجود ندارد ، به این معنی که برخی آیات برخی دیگر را رد یا نفی کنند. از برخی مطالب مقاله بالا چنین نظری استخراج میشد
فهمیدن دقیقتر دین و شناخت کاملتر موضوعات دینی نیاز به تخصص و توان تحقیق و آگاهی از منابع اصیل دینی دارد. این کاملا با گزینش های سلیقه ای و تفسیر به رای متفاوت است ، چه رسد به اینکه اهداف دیگری در کار باشد. واضح است که تخصص به تنهایی هم شرط کافی نیست. برای کسانی که در پی آیمان و تقوا هستند راهنمایی ها انجام گردیده و الگو ها مشخص شده اند و حجت بر همه تمام است. اگر باب انتخاب های سلیقه آی باز شود ، این فقط گل آلود نمودن آب است . اولویت ها را خود دین تعیین نموده است و ما حق تعیین اولویت ها در دین را نداریم.
دوست گرامی دین باید به هر قیمتی پویا باشد. دینی که در منابع اصیل آن کلمه ای از خودرو و تلفن همراه وجود ندارد و 50 درصد زندگی همه ما با این دو وسیله می گذرد نمی دانم به چه درد این زمان و این دوران می خورد. هدف تفسیر به میل نیست، بلکه تطبیق مدرنیته و دین است. لطفا کمی روشن فکر باشید