اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان أن «التدين التعقلي» هو فهم للدين يجمع بين الحق والمصلحة لإنسان اليوم؛ نقاشٌ خارج-ديني يتسم باثنتي عشرة سمة، أولها مطالبة الدين بـ«فلسفة حياة جامعة».

بعد التحية والسلام لجميع الأخوات والإخوة الكرام، سأعرض في هاتين الجلستين اللتين سأكون فيهما في خدمة السادة والأصدقاء الأعزاء، حول «التدين التعقلي» أو «التدين العقلاني» ما وصل إليه عقلي القاصر من ملاحظات. لكنني سأذكر في البداية ثلاث ملاحظات تمهيدية:
.
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد التحية والسلام لجميع الأخوات والإخوة الكرام، سأعرض في هاتين الجلستين اللتين سأكون فيهما في خدمة السادة والأصدقاء الأعزاء، حول «التدين التعقلي» أو «التدين العقلاني» ما وصل إليه عقلي القاصر من ملاحظات. لكنني سأذكر في البداية ثلاث ملاحظات تمهيدية:
الملاحظة الأولى أنني طرحت في السنوات الخمس الماضية [۱] بحثاً تحت عنوان «العقلانية والمعنوية»، وكان الادعاء الرئيس لهذا البحث هو أن الشيء الوحيد الذي نحتاج إليه هو الجمع بين «العقلانية» [۲] و«المعنوية» [۳]، وأن جميع الأفراد والمجتمعات والحضارات التي ضحت بالعقلانية من أجل المعنوية أو ضحت بالمعنوية من أجل العقلانية، لم تبلغ هدفها لا فردياً ولا جمعياً، ولكي يحيا الفرد حياة سليمة وينتظم المجتمع والنوع البشري انتظاماً صحيحاً، لا مناص من أن نسعى إلى الجمع بين العقلانية والمعنوية، وأن نحاول فردياً وجمعياً ألا نفرط في أي منهما ذرة واحدة، وألا نتراجع خطوة واحدة في أي من هذين الاتجاهين؛
في كل هذه المدة، بطبيعة الحال، اقتضى الأمر طرح هذا البحث حول ما معنى العقلانية بذاتها؟ وما معنى المعنوية بذاتها؟ وقد تحدثتُ مراراً في أماكن مختلفة حول حدود وثغور العقلانية، على الأقل العقلانية التي أقصدها أنا، وكذلك أجريت مباحث حول حدود وثغور ومقومات المعنوية؛ وبخاصة فيما يتعلق بالمعنوية، فقد أجريت مباحث كثيرة في جلسات مختلفة خلال العام الأخير تقريباً. ولا أنوي هنا مطلقاً تكرار أيٍّ من تلك المباحث، بل أريد فقط أن ننظر إلى المعنوية من منظور آخر، وعندما ننظر إلى المعنوية من هذا المنظور الجديد أيضاً، ربما نستعيد ملاحظات جديدة أو ملاحظات أكثر تنظيماً مقارنة بالملاحظات السابقة. لذلك فإن اهتمامي ينصب على الحديث عن المعنوية في هذه الجلسة والجلسة القادمة وليلة الغد، ولكن من وجهة النظر هذه القائلة بأن المعنوية ليست سوى «التعقل المتدين»؛ والكلام الذي سأقوله في هاتين الليلتين، لا شيء منه – في ظني، على الأقل – ينقض ما قلته سابقاً؛ لكنه بالطبع يلقي ضوءاً جديداً على ذلك الكلام، وربما يدفع أيضاً بعض الإبهامات التي شابت كلامي السابق، ومع ذلك لا أدعي الكمال ولا حتى الشمول، ولذا فأنا متقبل تماماً لأن تصلني إشكالات وانتقادات من قِبَل الأصدقاء، وأن أرى إن كان لقولهم دليل فأقبله. مقدمة ثانية في هاتين الجلستين، كما أوضحت، أنا أتناول المعنوية بمعنى «التدين المتعقل»، «التدين العقلاني»، تدين صار عقلانياً، أو بتعبير أفضل، فهم للدين هو فهم عقلاني، هذا الفهم للدين الذي هو فهم عقلاني للدين، في ظني، هو «حق» وهو في «مصلحتنا» معاً؛ أولاً هو حق لأنه أكثر تصور واستنباط يمكن الدفاع عنه منطقياً من الدين، وهو في المصلحة أيضاً لأن الإنسان الحديث اليوم لم يعد بإمكانه قبول سائر الروايات الأخرى؛ فكل الروايات الأخرى التي تُطرح عن الدين، أياً كان الاسم الذي نطلقه على تلك الروايات، مثلاً «الرواية الأصولية» أو «الرواية التقليدية»، أو «رواية الدين السياسي»، أو «رواية الدين الإيديولوجي» أو أية رواية وبأي اسم آخر، ليست مما يستحسنه إنسان اليوم؛ لا يعني هذا أننا نلزم أنفسنا بأن نقول كلاماً يستحسنه إنسان اليوم، كلا، ليس الأمر كذلك مطلقاً؛ فقد أوضحت في الجزء الأول أن هذا التصور «حق» أيضاً ونحن نؤكد على حقيته، وحقيته بمعنى أننا نستطيع أن نقيم عليه الاستدلال ونمتلك القدرة على الدفاع عنه وهو منطقي. لكنه مع ذلك في «المصلحة» أيضاً، أي أن هذه الذهنية [4]، وطريقة التلقي والنظرة لدى إنسان اليوم تتقبل هذا، و«تتقبل هذا» تعني أنها تفهم هذا التلقي للدين وتستطيع، قليلاً أو كثيراً، أن تقبل هذا التلقي، ففهم هذا التلقي للدين وقبوله المحتمل، أيسر على هضم إنسان اليوم من فهم وقبول أيٍّ من الروايات الأخرى التي تُروى عن الدين.
المقدمة الثالثة هناك ملاحظة تمهيدية أخرى أود أن أذكرها هنا، وهي أن حديثي هنا عن الدين لا يقتصر على الإسلام فحسب، أي أنني لو كنت بصدد الحديث عن المسيحية أو عن الديانة الهندوسية، لكنت أكرر الكلام نفسه بعينه، وبالتالي فإنني لا أعني الإسلام وحده، بل أي دين كان، ولهذا السبب فإن ملاحظتي التمهيدية الثالثة هي أن بحثي هذا هو بحث خارج-ديني، وليس بحثاً داخل-دينياً، فأنا لا أريد البتة أن أسوق أدلة من القرآن والروايات على مدعياتي. ليس لدي مثل هذا القصد على الإطلاق، ولكن إذا رأيتموني قد استندت في موضع ما إلى آية من القرآن أو رواية، فإنما أفعل ذلك من باب الاستشهاد لا الاستدلال، أي أن أدلتي لا تتوقف إطلاقاً على هذه الآيات أو الروايات، ولكن بما أن مخاطبيّ هم من المسلمين وكثير منهم ممن يتقبلون الكلام على نحو أفضل إذا ما أُيِّد بتأييد من القرآن أو السنة النبوية أو غير النبوية، فمن هذه الجهة قد أستند إلى آية أو رواية، غير أن بحثي ليس بحثاً داخل-دينياً على الإطلاق، وعليه فإن كل ما نحيل فيه المخاطبين إلى القرآن والروايات في هذا الحديث هو من باب الاستشهاد فحسب، ولكن ينبغي أن يُعلم أنه ليس من باب الاستدلال، أي لا ينبغي أن تعتبروا هذه الأمور مندرجة في مقدمات استدلالي. برأيي يمكن القول إنه يمكن إحصاء اثنتي عشرة سمة لـ «الدين العقلاني» أو لـ «التعقل المتدين»، وهذه السمات بالطبع عامة جداً جداً، ولأنها عامة فبطبيعة الحال يمكنكم أن تدرجوا تحت كل واحدة من هذه السمات سمات فرعية أكثر، وليس الأمر أن السمات المقصودة هي فقط هذه السمات الاثنتا عشرة، فمن كل سمة من هذه السمات تنبثق وتتولد سمات فرعية أخرى، وتلك السمات الفرعية قد لا أصرح بها، وإن كنت سأشير أحياناً إلى أهم تلك السمات الفرعية؛ جميع هذه السمات قابلة للاندراج في تقسيم كبير تحت اثنتي عشرة سمة، وسأحاول أن أعرض عليكم هذه السمات الاثنتي عشرة بتسلسل منطقي، أي ألا يكون فهم السمة التي أذكرها متوقفاً على سمة أذكرها لاحقاً. سأحاول أن تجد كل سمة أذكرها متوقفة فقط على السمات السابقة، وألا تكون متوقفة على السمات اللاحقة، ليكون الأمر أيسر وأسرع تلقياً من جهة إدراك المخاطبين.
١. المتدين العاقل يطلب من الدين «فلسفة حياة جامعة»: أولى سمات الدين العقلاني هي أن المتدين العاقل يطلب من الدين «فلسفة حياة جامعة»، «فلسفة حياة شاملة»، «فلسفة حياة ممتدة الأرجاء بالكامل»، أي أن المتدين لا يريد أن تكون حياته كلها كحياة غير المتدينين، وأن تختلف حجرة واحدة فقط من حجرات حياته، غرفة واحدة فقط من غرف حياته عن الآخرين؛ المتدين العاقل يريد أن يتغلغل تدينه في كامل حياته.في الواقع، الأديان غير العقلانية هي أديان لا يختلف فيها إلا حجرة واحدة، أو غرفة واحدة، أو قسم واحد من حياة الشخص المتدين عن الآخرين، أما بقية الحجرات، وبقية الغرف، وبقية الأقسام من حياة المتدين فلا تختلف عن حياة غير المتدينين؛ دعوني أضرب مثالاً بسيطاً جداً، إذا كان الفرق بيني وبين غير المتدينين يقتصر على أنني أقوم في أزمنة معينة، وفي أمكنة معينة، وفي أحوال وظروف معينة، بأعمال لا يقوم بها غير المتدينين، ولكن عندما نغض الطرف عن هذه الأوقات والأمكنة والأحوال، نجد أن بقية حياتي تشبه حياة غير المتدينين، فهذه ظاهرة تُخرج التدين من دائرة العقلانية؛ وعادة ما يعبّر علماء نفس الدين عن هذا بمصطلح Compartment، أي النظر إلى الدين نظرة تجزيئية كشقق سكنية، والنظر إليه كغرف منفصلة، بمعنى أنك إذا رأيت أن فرقي عن شخص آخر لا يدين بأي دين يقتصر على أنني في أزمنة معينة، مثلاً في أوقات الصلوات الخمس، أو في شهر رمضان، أو في أيام الحج، أو في أمكنة معينة، أو في ظروف وأحوال خاصة، أقوم بأعمال معينة، ولكن حالما أخرج من ذلك الزمان أو المكان أو الحال الخاص، تصبح بقية حياتي مثل حياة غير المتدينين، أي مثلاً عندما أكون في مكان عملي لا أختلف عن غير المتدينين، وعندما أكون في حال التنزه أو السفر أو التدريس أو التعلّم أو في بيئة عملي أو مع أصدقائي وأعدائي ومرؤوسي ورؤسائي، وبشكل عام في سائر أحوال وظروف الحياة لا أختلف عن غير المتدينين، ويكون فرقي الوحيد هو أثناء أوقات الصلوات الخمس أو أثناء شهر رمضان، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فمعناه أن التدين ليس كالأكسجين الذي يلامس حياتي كلها، ليس كالأكسجين الذي يتعامل مع كل خلية من خلايا جسد كل إنسان، بل يشبه الطعام الذي يتعامل مع المعدة فقط ولا شأن له بسائر أجزاء الجسد؛ التدين العقلاني هو تدين يكون، شأنه شأن الأكسجين الذي يتعامل مع جميع خلايا الجسد، متعاملاً مع جميع خلايا حياة الشخص، وأن يكون "فلسفة حياة شاملة"، لكن "فلسفة الحياة الشاملة" هذه لا تعني أن التدين العقلاني هو تدين يصدر الأمر والنهي لأدق الحركات والسكنات، لا أريد أن أقول هذا، بل أريد أن أقول إن التدين العقلاني هو تدين يضفي معنى حتى على أدق الحركات، لا أريد أن أقول إنه أصدر الأمر والنهي لأدق الحركات والسكنات، هذا بالطبع موجود في الأديان كثيرة الشريعة، مثلاً في الديانة اليهودية، وإلى حد ما في الدين الإسلامي، حيث قيل لأدق الحركات والسكنات إن هذا الفعل الذي قمت به، أو ذاك الذي لم تقم به، كان إما واجباً أو مستحباً أو مكروهاً أو حراماً وأمثال ذلك؛ فلا توجد في النهاية حركة أو سكنة إلا ويعتريها أحد الأحكام الخمسة، لكن هذا ليس ما أقصده، لا أريد أن أقول إن الدين العاقل، الدين العقلاني هو دين أحصى علينا كل حركاتنا وسكناتنا وأصدر فيها الأمر والنهي، كلا، ولكن الدين العاقل هو دين يضفي معنى على كل حركاتي وسكناتي، أي أن حياتي كلها - بتعبير ذلك العارف المعروف - تكون سجدة طويلة، "حياتي كلها سجدة طويلة" يعني أن حياتي كلها تصب في اتجاه هدف واحد، لا أن تجعلني مختلفاً عن غير المتدينين فقط وحسب في أزمنة وأمكنة وأحوال خاصة؛ فعندما أتعامل مع أستاذي، وكذلك عندما أتعامل مع تلميذي، أو زميلي، أو صديقي، أو حتى عدوي، ينبغي أن يختلف أسلوب تعاملي عن أولئك الذين ليسوا بمتدينين؛ فإذا كان الأمر كذلك، تصبح حياتي كلها ذات معنى واحد، وتصبح لحياتي كلها فلسفة واحدة، لا أن تكون لقطع صغيرة من حياتي فلسفة خاصة، وتكون لسائر أجزاء حياتي فلسفة أو فلسفات أخرى، هذه نقطة، ومن هذا المنطلق ترون أن الذين ينمون في التدين، تزداد حياتهم كلها انسجاماً يوماً بعد يوم، وتزداد حياتهم كلها توافقاً وتناغماً، أو بتعبير رياضي تقارباً، بمعنى أنه لو كان عمله في يوم ما مختلفاً جداً عن ترويحه، وكان ترويحه مختلفاً جداً عن وقت عبادته، فإنه يرى اليوم، كلا، فعمله صار يشبه ترويحه، وترويحه صار يشبه وقت عبادته، وكأن حياته كلها تكتسب صبغة واحدة، وتصبح ذات لون واحد، بتعبير القرآن: «صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» وكأن الصبغة الإلهية تعم الحياة كلها، وتلون الحياة كلها، لا أن يتلون منها جزء فقط؛ هذه نقطة، وفي معرض حديثي عن النقطة الأولى سأحاول عندما أشرح النقطتين التاسعة والعاشرة، وآمل أن أعود إلى هذه النقطة الأولى مرة أخرى بالمناسبة. لكن ما أريد بيانه حالاً هو أن "التدين فلسفه حیات کامل است»، إذا لم تكن الفلسفة حياة كاملة، فلا عقلانية لها، ولماذا لا عقلانية لها، سأشرح لكم هذا «لماذا لا عقلانية لها» إن شاء الله لاحقًا.
۲. التدين العقلي بمعنى "طالب الحقيقة" لا "مالك الحقيقة":
السمة الثانية للتدين العقلي هي أن المتدينين الذين لديهم تدين عقلاني لا يعتبرون تدينهم بمعنى "مالك الحقيقة" بل بمعنى "طالب الحقيقة"، فهم لا يتخذون التدين بمعنى امتلاك الحقيقة، بل بمعنى بدء طلب، بدء سير وسلوك للعثور على الحقيقة. فعندما يعتمد مسيحي، أو عندما ينطق مسلم بالشهادتين، فهذا لا يعني أن التعميد أو النطق بالشهادتين هو ذاته امتلاك الحقيقة كلها. فبالنطق بالشهادتين لا يمتلك المسلم الحقيقة كلها، وبالتعميد لا يمتلك المسيحي الحقيقة كلها. الحقيقة لا تُنال بمجرد النطق بجملة، أو بأداء عمل معين، فلو كانت الحقيقة بهذه السهولة وبهذه السرعة في المنال، لما احتاجت كل هذا الكفاح.
عندما ننطق بالشهادتين فإننا لا نمتلك الحقيقة، وعندما نتعمّد لا نمتلك الحقيقة، بل إن ذلك هو بداية طلبنا للحقيقة، النطق بالشهادتين هو بداية كوننا طلاباً للحقيقة، بمعنى أننا وضعنا أقدامنا على الطريق، لا بمعنى أننا بلغنا المقصد، فعندما أنطق بالشهادتين فهذا يعني أنني وضعت قدمي على طريق اكتشاف الحقيقة لا أنني بلغت المقصد ومن هذا المنطلق قلت مراراً إنه ينبغي لنا أن نجعل نظرتنا إلى التدين أشبه بـ"السباحة" لا أشبه بـ"ركوب السفينة"؛ ثمة فرق كبير بين من ينظر إلى الدين بعين السباحة ومن ينظر إليه بعين ركوب السفينة، فأنتم حين تركبون السفينة تختلفون كثيراً عن حين تكونون في حال سباحة، تأملوا الفروق: أولاً، أنتم حين تركبون السفينة تكونون على يقين من أنكم نجوتم من الموج، وتكونون على يقين من أنه لا خطر يهددكم، وتكونون على يقين من أنكم ستصلون حتماً إلى المقصد، قد تصلون أبكر أو أبعد، لكنكم ستصلون حتماً إلى المقصد، وتكونون على يقين من أنكم لستم بغارقين، وهذا اليقين حين تركبون السفينة يكون راسخاً لديكم إلى درجة أنه لم يعد يهمكم ما تفعلون في السفينة، إن استلقيتم في السفينة تصلون إلى المقصد وإن جلستم تصلون إلى المقصد أيضاً، وإن تمشيتم تصلون إلى المقصد، إن بقيتم مستيقظين تصلون إلى المقصد وإن نمتم تصلون إلى المقصد، إن قرأتم الجريدة تصلون إلى المقصد وإن استمعتم إلى الراديو أو شاهدتم التلفاز تصلون إلى المقصد، إن تكلمتم طوال الوقت تصلون إلى المقصد وإن التزمتم الصمت طوال الوقت تصلون إلى المقصد أيضاً، لا يهم البتة ما تفعلون، المهم أنكم ركبتم شيئاً (السفينة) قد ضمن لكم أن يوصلكم إلى المقصد؛ أما حين تكونون سبّاحاً فالوضع ليس على هذا المنوال، لا شيء مضمون، فطالما أنتم تسبحون وتسبحون جيداً، فأنتم ناجون من الخطر، وبمجرد أن تكفوا عن السباحة أو تسيئوا السباحة ولا تسبحوا وفق أصول السباحة، فأنتم معرضون للهلاك والغرق؛ وليس الأمر أن تقولوا: كما أن ركاب السفينة، على أي حال وهيئة كانوا، يصلون في النهاية إلى المقصد، فأنا السبّاح أيضاً، كيفما كنت، سأصل في النهاية إلى المقصد، كلا، أنت أيها السبّاح لا يمكنك أن تبلغ بنفسك الساحل إلا وفق ضوابط خاصة، وبأنشطة خاصة، وبطريقة خاصة من تلك الأنشطة، وإلا فإن توانيت قليلاً ولم تسبح وفق الأصول، فإن كلاً من التواني وعدم السباحة وفق الأصول معناه أنك هالك، هذا فارق جوهري، لكن ثمة فارق ثانٍ أيضاً، وهذا الفارق الثاني هو أنك حين تكون من ركاب السفينة، ترى راكبي السفينة مختلفين عن الذين ليسوا براكبي السفينة، فتقول: نحن نصل إلى المقصد يقيناً ووصولنا إلى المقصد يقيني، أما هؤلاء الذين يسبحون في البحر، فمن شبه اليقين أنهم لا يصلون إلى المقصد، وإن وصلوا فهو استثناء؛ أما حين تكون أنت نفسك سبّاحاً، فلا يمكنك أن تصدر أي حكم بشأن السبّاحين الآخرين، وستقول: كل واحد منا معشر السبّاحين إن سبح على الوجه الصحيح يصل إلى المقصد، وكل واحد إن لم يسبح على الوجه الصحيح لا يصل إلى المقصد، أي أنك لا تحكم على السبّاحين بشكل عام، بل تقول: بعض السبّاحين بشروط يصلون إلى المقصد، وبعضهم الآخر حين تنتفي تلك الشروط لا يصلون إلى المقصد. والآن ينبغي أن نسأل: أي هذين هو التدين؟ هل التدين هو ركوب السفينة أم السباحة؟ التدين ليس ركوب السفينة، التدين هو السباحة، وعليه فإن توانيتم في السباحة ذرة، فلن تبلغوا المقصد؛ لا شك أنكم سمعتم بهذا الكلام – وهو منقول بالطبع ولا أعلم مدى صحة هذا النقل، لكنه ورد في كتبنا الروائية – أن أحد أصحاب الإمام السجاد (ع) رآه ذات ليلة عند الكعبة وهو في حال ابتهال ودعاء ومناجاة وإظهار للندم وبكاء وتضرع، حتى أغمي على الإمام، فيقول هذا الصحابي: لم أكن أعلم من هذا، فلما اقتربت أكثر رأيته علي بن الحسين (ع)، فأحضرت ماء وأفقت الإمام وقلت له: أنت – بتعبيري أنا طبعاً – مضمون أنك من أهل النجاة، فلماذا ترهق نفسك هذا الإرهاق؟
نقل است که حضرت پاسخ داد: «خلق الله النار لمن اسائه و لو کان سیدا قریشا و خلق الله الجنه لمن اطاعه و لو کان غلاماً حبشیاً» خدا جهنم را برای عاصیان آفریده است ولو آن عاصی مثل من (اما سجاد) سید قریشی باشد - که تو فکر میکنی من سید قریشی هستم و دیگر مصون و تضمین شده هستم - و از آن سو هم خدا بهشت را برای مطیعان آفریده است، ولو آن مطیع یک غلام سیاه پوست حبشی باشد؛ این به چه معنایی است؟ معنایش این است که اصلاً بحث بر سر این نیست که ما وارد راه نجاتی شدهایم که همه چیز در تضمین و تامین شده است، درواقع ما وقتی وارد دین میشویم، طلب حقیقت را آغاز میکنیم و آنچه در قرآن و روایات، و آنچه در کتب مقدس ادیان و مذاهب مختلف میآید، دست مایهای است که به طالب حقیقت دادهاند تا با این دست مایه کارش را آغاز کند؛ وقتی کسی مثل مولانا میگوید که : ما ز قرآن مغز را برداشتیم پوست را بهر خران بگذاشتیم این معنایش این است که قرآن پوستی دارد که برای خران مناسب است! یعنی چه؟ مگر چه کسی میتواند با پوست قرآن خر شود؟ کسی که فکر میکند که این چیزی که به او دادهاند دیگر در واقع نعمتی به او دادهاند که هرکس که قرآن را به او ندادهاند، از آن نعمت محرومش کردهاند؛ و قرآن این تلقی را نادرست میداند و مولوی هم این تلقی را نادرست میشمارد؛ مولانا میگوید که ما این را دست مایه کردهایم، بعد آن را واشکافتیم - که اتفاقاً در باب همین واشکافی در قسمت سوم سخن خواهم گفت - پوستها را کنار زدیم و به لُب رسیدهایم و لُب را برداشتهایم، اما شما فکر میکنید که فقط و فقط با داشتن این ظاهر، فقط و فقط با اینکه من حافظ قرآن هستم، من قرآن را با تجوید میخوانم و من اهل ترتیل قرآن هستم و با همین چیزهایی که دیدهاید و دیدهایم. با این، شما دلتان را خوش میکنید و فکر میکنید که این چیزی است که در اختیار تو نهادهاند و دیگران را از آن محروم کردهاند؛ خیر اینگونه نیست، این دست مایهای است که به تو دادهاند، این درست مثل این میماند که پدر و مادری به فرزند خودشان دستمایه سفری بدهند و بگویند میخواهیم تو با این - پول یا آذوقه - خودت را به سر منزل مقصود برسانی، بعد این پسر هم همانجا بنشیند و آرام بگیرد و دلش را خوش کند که من پول دارم، آذوقه دارم؛ ما درواقع همین کار را کردهایم، ما درواقع فکر میکنیم این را به ما دادهاند و گفتهاند این را داشته باش و تا این را داری غم نداری و در خطر نیستی، درست مثل تعویذهایی که در قدیم به بچهها میآویختند و میگفتند تا این به گردن بچه من آویخته است، اذیت نمیشود؛ ما هم فکر میکنیم تا قرآن و روایات را به گردن خودمان آویختهایم، ما دیگر مامون هستیم و بعد میگوییم بدا به حال کسانی که شناگر هستند، یعنی بدا به حال کسانی که این قرآن و روایات را در اختیار ندارند و به گردن خودشان آویزان نکردهاند؛ این تلقی، تلقی عقلانیای نیست، زیرا این تلقی اولاً به لحاظ الهیاتی با عدل الهی منافات دارد، با عدل الهی منافات دارد که یک چیزی را در اختیار شما بگذارند و در اختیار دیگران نگذارند، تو را به کشتیای سوار کنند و بقیه را به امواج مواج دریا بسپارند؛ و ثانیاً این منافات دارد با اینکه خود شما میگویید و همه کسانی که در فلسفه دین کار میکنند این را میپذیرند که استکمال انسان فقط در گرو اعمال ارادی - اختیاری اوست، عمل غیر ارادی - اختیاری که استکمال نمیدهد.ذلك الذي يمنحنا الاستكمال هو ما نقوم به عن إرادة واختيار، هو الموقف الذي نتخذه عن إرادة واختيار، لا ما أُعطيناه هكذا دون أن نكون قد أردناه واخترناه بأنفسنا، ومن هذا المنطلق أريد أن أعبّر عن أن: كل أولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم إما شعب الله المختار، أو الأمة المرحومة الإلهية، أو أبناء الله، أو أولياء الله، كل هؤلاء لديهم هذا التفكير والتصور الخاطئ نفسه، ففي الواقع إن "الشعب المختار" أو "الأمة المرحومة" ليست سوى تسلية خاطر واهية لمن لا يدركون أصلاً أن استكمال الإنسان رهين بأعماله الإرادية والاختيارية فحسب، وحين أقول "الأعمال" فأنا أعنيها بمعناها العام، لا أنني أعني أعمال الجوارح والبدن فحسب، بل الأعمال التي تؤدى بالبدن، والأعمال التي تؤدى بالذهن، والأعمال التي تؤدى باللفظ، كل هذه الأعمال الإرادية والاختيارية هي التي تنميني؛ هذه هي الأشياء التي أُعطيت لي وعُلّقت عليّ، وهذا أيضاً تصور ومعناه أنه لم يعد بالإمكان مطلقاً القول إن ديني أسمى من دينك، أو أن ديني أكمل من دينك، بل ينبغي القول إن تديني أفضل أو أسوأ من تدينك، ليس "الدين" بل "التدين"، أي ما أقوم به أنا شخصياً، قد يكون تديني بالمقارنة مع تدينكم أنقص أو أكمل، أعمّ أو غير أعمّ، في شأن التدين يمكن إصدار الأحكام، أما في شأن الدين فلا يمكن إصدار الأحكام، في شأن أي دين لا يمكن القول إن هذا الدين بذاته أكمل، أو هذا بذاته أعمّ، أو هذا الدين بذاته أفضل أو أسمى، لا يوجد شيء من هذا، إنما أنت الذي تسبح، وبحسب نوع وكيفية سباحتك إما تبلغ المقصد وإما لا تبلغه؛ وعليه، ينبغي لنا في الواقع أن نقول "تدين حسين أكمل أو أنقص، أعمّ أو غير أعمّ من تدين حسن، أو تدين برويز من تدين هوشنغ"، وأمثال ذلك. هذه النقطة القائلة إن ديننا في الواقع ليس موهبة، وليس شيئاً وُهب لنا ومُنع الآخرون من هذه الهبة، هي نقطة بالغة الأهمية، ومعناها أن أي ادعاء تزعمونه في شأن دينكم، فهذا أيضاً هو أحد معتقداتكم أنتم، وعليكم أن تأتوا بالدليل حتى على هذا المعتقد؛ فإذا قلت أنا "إن مجموع معتقداتي أو كامل منظومتي الاعتقادية أصوب من مجموع معتقداتكم أو كامل منظومتكم الاعتقادية"، فهذا نفسه هو أيضاً أحد معتقداتي، ولا ينبغي لنا حين نضيف معتقداً إلى معتقداتنا السابقة أن نُعفي تلك المعتقدات السابقة من طلب الدليل، وكثيرون لديهم هذا الظن الباطل، ويحسبون أنهم إذا أضافوا معتقداً إلى كل معتقداتهم، فإنهم بذلك قد أعفوا كل معتقداتهم من الإتيان بالدليل. ما هو هذا المعتقد؟ إنه "أن كل معتقداتي أكمل من معتقداتكم"، يحسبون أنهم إذا أضافوا هذا المعتقد إلى مجموع معتقداتهم، فقد استثنوا عندئذ كل المعتقدات من تقديم الاستدلال؛ والحال أن هذا قد صار بدوره معتقداً جديداً، وانضم إلى معتقداتكم الأخرى، وهو أيضاً بحاجة إلى دليل. لقد شهدنا في جميع الأديان والمذاهب العالمية بشراً بلغوا بفضل تدينهم الطمأنينة والأمل والبهجة، ثم شهدنا أيضاً في جميع الأديان والمذاهب العالمية أناساً لم يبلغوا من طريق دينهم ومذهبهم الطمأنينة والبهجة والأمل، وهذا يدل على أننا لا نستطيع أن نصدر حكماً في حد ذاته، إنما أولئك الذين بلغوا المقصد - في أي دين ومذهب كانوا - يتضح أنهم أحسنوا السباحة، وأولئك الذين لم يبلغوا، يتضح أنهم لم يحسنوا السباحة. إن أصول السباحة وقواعدها هي أصول وقواعد واحدة، ومراعاة هذه الأصول والقواعد أو عدم مراعاتها هو الذي يمكن أن يوصلنا إلى المقصد أو لا يمكن أن يوصلنا إليه، أو يدعنا نبلغ المقصد أو لا يدعنا نبلغه؛ هذه النقطة هي نقطة بالغة الأهمية وجديرة بالاعتبار، فإذا لم تنتبهوا إلى هذه النقطة، وظننتم أن وضعنا في الواقع يختلف عن الآخرين، وأنه على خلاف سائر الناس قد مُنحنا استثناءً التفاتة خاصة، إذا اعتقدتم بشيء من هذا القبيل، فأقول لكم عندئذ: أولاً، هذا الادعاء نفسه بحاجة إلى دليل، وثانياً، إذا لم تأتوا أنتم أنفسكم بالدليل على ادعائكم، فإن بوسعنا نحن أن نقيم أدلة على خلاف ما تدّعون؛ وكل من آل بهم الأمر في دينهم إلى التعصب والتحجر، فما ذلك إلا لأنهم يحسبون أنهم "مالكو الحقيقة"، ولا يعلمون أنهم إن كان لهم من فضل، فهو أن يكونوا "طالبي الحقيقة" لا شيئاً آخر.۳. التدين العقلاني هو تدين يقترن بـ«التفكير النقدي [5]»: عندما نتصور السمة الثانية على النحو الذي وُصفت به، تنشأ بطبيعة الحال سمة ثالثة، وهي أنه إذا كان الدين نوعًا من طلب الحقيقة، فإن التدين يتناسب تمامًا مع النقد والفهم العميق الذي يستلزمه النقد، أي أن التدين لا يعني أن أستسلم استسلامًا أعمى، وأن أذعن بلا دليل وبصورة عمياء لسلسلة من المعتقدات والعبادات والمناسك والشعائر والأخلاقيات. ينبغي لي في الواقع أن أحافظ تمامًا على الحالة النقدية حتى في ديني نفسه، والنقد لا يعني الانتقاد، بل يعني أنني إزاء هذه المجموعة التي سُلِّمت إليّ باسم الدين والمذهب، ينبغي أن أبدي رأيي فيها؛ أولاً يجب أن أتنبه إلى أنني إذا رأيت تعارضًا ظاهريًا في هذه المجموعة، فعليّ أن أفهم أنه لا بد من وجود مرحلة أعمق تزول فيها هذه التعارضات، وأي كتاب مقدس ديني ومذهبي يخلو من التعارض الظاهري؟ التعارضات الظاهرية موجودة في جميع الكتب المقدسة الدينية والمذهبية، فما من كتاب ديني ومذهبي إلا وهو مليء بالتعارضات الظاهرية، أي مليء بقضايا تبدو في ظاهرها غير منسجمة مع بعضها البعض. إذا أردتم أن تتبنوا هذه النظرة التي طُرحت في السمة الثانية، أي ذلك التصور والنظرة القائلة بأنكم «مالكو الحقيقة» لا «طالبو الحقيقة»، فستقولون إن كل هذا صحيح ولن تقولوا شيئًا مثل: كيف يمكن أن يكون كل هذا صحيحًا في حين أن بعضه لا ينسجم مع بعضه الآخر؟ أما إذا كانت لديكم نظرة نقدية فستقولون: لعله إذا كان كل هذا صحيحًا، فهو صحيح في مرتبة أعمق، لأنه في هذه المرحلة والطبقة السطحية أرى أنها غير منسجمة مع بعضها، إذن لا بد لي من أن أنقب في الطبقات المختلفة وأرى ما هو هذا المعنى الأعمق، حينها تصلون من المعنى السطحي إلى معنى أعمق. ولكنكم حتى عندما تصلون إلى المعنى الأعمق، قد تجدون أحيانًا مشكلات جديدة لم تكن موجودة في المرتبة السابقة، ولكي تحلوا هذه المشكلات الجديدة عليكم أن تبلغوا مرحلة أعمق، وهكذا تسيرون من المراحل والطبقات الأقل عمقًا إلى المراحل والطبقات الأعمق، وهذا الانتقال برمته من المراحل السطحية إلى المراحل الأعمق والأكثر باطنية، إنما هو لكي يصبح ديني هذا عقلانيًا، وعقلنته تكمن في ثلاثة أمور: 1- أولاً ألا تعود فيه تعارضات ظاهرية، فأنا لا أستطيع أن أرى عدم انسجام وتعارض بين صدر كتابي المقدس والمذهبي وذيله؛ أنتم إذا قبلتم عدم انسجام واحد في حياتكم، فلن تجدوا بدًا من قبول أي أمر آخر، وسيكون عليكم أن تقبلوا أي أمر آخر، تمامًا كما بيّن واستدل بعض فلاسفة المنطق وبعض فلاسفة العلم [6] على أنه إذا قبل الإنسان تناقضًا واحدًا في حياته، فلن يستطيع بعد ذلك أن يمتنع عن قبول أي عقيدة، لأن قبول تناقض واحد يؤدي إلى أن نُقبلَكم بكل غث وسمين، حسنًا، نحن لا نستطيع أن نقبل شيئًا كهذا، لكننا نرى في ظواهر كتابنا المقدس - أيًا كان هذا الكتاب، سواء كنا مسيحيين أو هندوسًا أو مسلمين - وجود عدم انسجام، لذلك لا مناص لنا من أن نقول: إذن يتضح أن هناك مرتبة باطنية أعمق، والأمر بسيط جدًا، دعوني أطرح عليكم مثالاً: إذا كنتم تثقون كثيرًا في المراتب العلمية لأستاذ ما في الجامعة، ولنفترض أن هناك أستاذًا تعتبرونه حقًا حاذقًا ومقتدرًا في عمله، وعندما تذهبون إلى المحاضرة، ترون أن الأستاذ الذي تثقون به، في كلامه مثلاً، جملة قالها في الدقيقة الثالثة من حديثه لا تنسجم مع جملة قالها في الدقيقة الثامنة والثلاثين، متى لا تلتفتون إلى عدم الانسجام هذا؟ في حالتين لا تلتفتون أبدًا إلى عدم الانسجام هذا، الأولى عندما تكونون مريدين متعصبين لهذا الأستاذ، مغمضي العينين والأذنين، ولأنكم عطلتم عقلكم، بل أوقفتم عقلكم وضحيتم به عند قدمي هذا الأستاذ، حينها تقولون: أنا لا أفهم ولا أقبل هذا الكلام الذي تقولونه عن أن أستاذكم قد تناقض في حديثه، لا يوجد تعارض وتناقض، كل ما يقوله الأستاذ صحيح؛ هذه حالة، وهناك حالة ثانية، وهي عندما تكونون فاقدي الثقة تمامًا بهذا الأستاذ، فعندما تكونون فاقدي الثقة تمامًا تقولون: يا سيدي، أنت فقط رأيت تناقضًا في كلامه في الدقيقة 3 و38!
كل كلامه تناقض، فالدقيقة 3 و38 ليست لها خصوصية بعينها؛ ومرة أخرى لا تلتفتون إلى أنه ينبغي تدبير أمر الجملة التي قيلت في الدقيقة الثالثة والجملة التي قيلت في الدقيقة الثامنة والثلاثين والتفكير في حل لها؛
الإنسان عندما يكون عدواً بلا دليل لأحد أو صديقاً بلا دليل لأحد، أو مريداً بلا دليل لأحد أو خصماً بلا دليل لآخر، لا يلتفت أبداً إلى تعارضات كلامه، ولكن متى تلتفتون إلى تعارض كلامه؟ عندما لا ترونه محقاً مئة بالمئة ولا مبطلاً مئة بالمئة، فلا تقولون إن هذا الأستاذ تجسّم للحق، ولا تقولون إن الأستاذ تجسّم للباطل، ولأنكم لا ترونه تجسيداً للحق ولا تجسيداً للباطل، حينئذٍ تعيرون كلامه عناية وتقولون: إذن لنرَ كيف يمكن رفع التعارض عن هذا الكلام.
لرفع التعارض لا حيلة لكم سوى أن تذهبوا بالضرورة إلى مرتبة أعمق، وعندما تسألون الأستاذ نفسه: أيها الأستاذ، هذه الجملة منك كانت غير منسجمة مع هذه الجملة، إذا دققتم فإنه لرفع التعارض يلفتكم إلى معنى أعمق لإحدى الجملتين أو لكلتيهما، وعندما تبلغون ذلك المعنى الأعمق، تدركون حينئذٍ أنه لا تعارض في الأمر؛ وعليه، فليس لنا من حيلة لرفع التعارض بين نصوصنا الدينية والمذهبية المقدسة سوى هذا.
2- ولكن ثمة مطلب ثانٍ أيضاً، وهو أنه ينبغي ألا يكون هناك عدم انسجام بين نصوصنا الدينية والمذهبية المقدسة وبين المكتشفات البشرية، فأنا لا أستطيع أن أعتقد بشيء يعتقد به -كما قال بعض مؤرخي الفلسفة- ابن رشد، فقد نسب بعض الفلاسفة الغربيين وكثير من مؤرخي الفلسفة نظرية إلى ابن رشد، وإن كان بعضهم يعتقد أن ابن رشد نفسه لم يكن معتقداً بها حقاً، لكن جميع أتباع ابن رشد في أوروبا اليوم يعتقدون بهذه النظرية، التي تسمى «نظرية الحقيقة المزدوجة» [7]،
مؤدى نظرية الحقيقة المزدوجة هو: أن ابن رشد قال إن الإنسان حينما يدخل في الدين ينبغي أن يقبل كل ما يقوله الدين، ثم بعد أن يخرج من حيّز الدين ويدخل في نطاق العلوم التجريبية، والعلوم العقلية والفلسفة، ويدخل في العلوم التاريخية، ويدخل في العلوم الشهودية، هناك أيضاً ينبغي أن يقبل كل ما يجده، وإذا تعارضت مع بعضها فليقل لا بأس، توجد حقيقة مزدوجة؛ لكن هذا الرأي لا يمكن الدفاع عنه،
فأنا لا أستطيع أن أحمل في داخلي اعتقادين في آنٍ واحد، حينما يكون أحد اعتقاداتك مأخوذاً من الكتاب المقدس فلا بأس، وتكون اعتقاداتك مأخوذة أيضاً من طرق أخرى، ينبغي أن تتوافق المعطيات الوحيانية مع المعطيات الإنسانية، وإذا أريد للمعطيات الوحيانية أن تكون غير منسجمة مع المكتشفات الإنسانية، فأنا لا أستطيع أن أحمل في داخلي اعتقادين متعارضين معاً في آنٍ واحد، فلا أستطيع أن أجمع بين النقيضين؛ وعليه، فهناك عمل ثانٍ ينبغي أن أقوم به، وهو أن أوائم بشكل من الأشكال بين هذه المعطيات الوحيانية والمكتشفات الإنسانية.
3- ولكن هناك توافقًا ثالثًا يجب أن أضعه في الاعتبار، وهو أنه طالما أن هذه النصوص الدينية والمذهبية المقدسة تدّعي أنها باقية لنا، فيجب أن تكون جميع التطورات في الأزمنة المختلفة قادرة على تنظيم نفسها والتوافق معها. فلو قال كتاب مقدس إنني خاص بقوم معينين، كقوم بني إسرائيل مثلاً، أو قال إنني خاص بحقبة زمنية محددة، لربما كان النقاش مختلفًا. ولكن إذا كان دين ما، كالمسيحية أو الإسلام أو الهندوسية، يدّعي الخلود والعالمية، فإن معنى هذا الخلود والعالمية هو أن يكون قادرًا على الحركة بعكس جميع الموجات المعرفية، وهذا يعني أنه في كل حقبة، يجب أن تتمكن مجموعة العلوم والمعارف البشرية في تلك الحقبة من إظهار نوع من الانسجام والتوافق معه. حسنًا، لكي تتحقق هذه الأغراض الثلاثة، أي أولاً: إزالة التعارضات الظاهرية بين النصوص الدينية والمذهبية المقدسة نفسها، وثانيًا: ألا تجد تنافرًا مع العلوم والمعارف البشرية، وثالثًا: أن تتمكن من الحفاظ على فاعليتها في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال والظروف المختلفة، فلا مناص لنا من الرجوع إلى عمق النصوص المقدسة. فظاهر النصوص والكتب المقدسة لا يمتلك أيًا من هذه المهارات الثلاث المذكورة أعلاه، ولكي نتمكن من الرجوع إلى العمق، يجب أن نمتلك تفكيرًا نقديًا. ولهذا فإن التدين العقلاني هو تدين مقترن بالتفكير النقدي. والمقصود بالتفكير النقدي ليس التفكير الانتقادي ولا التفكير العيبي، بل التفكير النقدي هو تفكير خلاصة قوله إن مقدار التزامي بأي عقيدة يتناسب طرديًا مع مقدار قوة الشواهد التي تؤيد هذه العقيدة، ولا يعتمد على أي شيء آخر. والشخص الذي يمتلك تفكيرًا نقديًا، يقول في الواقع بلسان حاله: إذا كنتم تطلبون مني التزامًا، فليكن متناسبًا مع الالتزام الذي تطلبونه مني، وقدموا دليلاً قويًا لصالح دعواكم. بالنسبة لي، يرى المتدين العاقل دائمًا أن مقدار الالتزام بعقيدة ما يتناسب طرديًا مع مقدار قوة الشواهد التي أقيمت لصالح هذه العقيدة. فكلما رأيت هذه الشواهد أضعف، قل تعلقي بتلك العقيدة، وفي المقابل، كلما رأيت الشواهد أقوى، زاد تعلقي بهذه العقيدة. ومعنى هذا الكلام هو أننا نعتبر نوعًا من التقييم النقدي للدين ضروريًا. إن "القراءات المختلفة للدين" هي أحد وجوه التفكير النقدي في الدين، وليست وجهه الوحيد. فنحن في الواقع، إذا امتلكنا تفكيرًا نقديًا تجاه الدين، فيجب بالطبع أن نسمح لكل من يقوم بعمل ديني وبحث في الدين بصدق وجدية أن يعبر عن قراءاته المختلفة. ولكن القراءات المختلفة للدين ليست سوى مرحلة من العمل، فغرضنا لا يتحقق بمجرد أن نعلم أن قراءات مختلفة للدين قد نشأت. ثم كيف ينبغي لنا أن نقيم هذه القراءات المختلفة؟ يجب أن يخضع مقدار قرب وبعد هذه القراءات المختلفة من النصوص المقدسة ومن مراد الذين جاءوا بهذه النصوص المقدسة للتقييم، كما يجب أن يخضع مقدار قرب وبعد القراءات المختلفة من مراد مؤسسي الأديان والمذاهب للتقييم أيضًا. ولكن على أية حال، فإن خلاصة النقطة والخاصية الثالثة هي أنه لا ينبغي لنا أن نرث الدين من آبائنا وأمهاتنا مثل لون العين، وطول القامة، والسمنة والنحافة، ولون الشعر... إلخ. فالدين الموروث ليس دينًا عقلانيًا. وإذا أردنا القول بأن الدين الموروث هو دين عقلاني، فإن لازم ذلك أن نقبل أمرين: أولاً، يجب أن نقبل أن أي ترّهات وخزعبلات لقنها وأوحاها آباء وأمهات آخرون في أي ركن من أركان العالم لأطفالهم في طفولتهم، فإن لهؤلاء الأطفال كل الحق في أن يظلوا ملتزمين بها حتى آخر العمر، لأننا نحن أيضًا نقوم بالعمل نفسه. والنقطة الثانية هي أنه إذا كان الأمر كذلك حقًا، فلن يكون الدين بعد ذلك أي مسعى شريف، بل سيكون الدين مجرد تسلم للعادات والتقاليد. فكما تسلمتم العادات والتقاليد، وكما أخذتم خصائصكم البدنية غالبًا عن آبائكم وأمهاتكم، وورثتم خصائصكم الذهنية والنفسانية عن آبائكم وأمهاتكم، فقد ورثتم دينكم أيضًا بهذه الطريقة. وبالإنصاف، الأمر كذلك حقًا. أليس صحيحًا أنكم جميعًا، إن كنتم مسلمين شيعة، فذلك لأن آباءكم وأمهاتكم كانوا مسلمين شيعة؟ وإن كنتم مسلمين سنة، أليس ذلك لأن آباءكم وأمهاتكم كانوا مسلمين سنة؟ أليس الأمر كذلك؟ حسنًا، لو كان آباؤكم وأمهاتكم مسيحيين أيضًا، لكنتم الآن مسيحيين بالتأكيد، فهل قمتم بعمل إضافي يتجاوز ما تلقيتموه من آبائكم وأمهاتكم حتى صرتم مسلمين؟
اضافه بر آن که کاری نکردهاید، خوب اگر پدر و مادرتان مسیحی بودند یقین داشته باشید که الان حتماً مسیحی میبودید و بنابر این باید همه دعای مسلمان بودن خود را به پدر و مادرتان بکنید و حتی باید بگویم آن طرفتر؛ یادم میآید چند سال پیش در یک جلسهای بودم، یک آقایی بود که دفاع شدید از صفویه میکرد و به دکتر شریعتی حمله میکرد که گفته است «تشیع علوی و تشیع صفوی» و از صفویه دفاع میکرد و دکتر شریعتی را تخطئه میکرد، استدلالش هم این بود که اگر صفویه نبودند آیا اصلاً ما الان شیعه بودیم؟ اگر صفویه نبودند الان همه ما سنی بودیم؛ من گفتم خوب اگر اینطور است یک کار دیگر بکن، شبانه روز به عُمَر دعا کن، چون اگر عُمَر نبود که اصلاً ما مسلمان نبودیم، درست است؟ این که معنا ندارد، عُمَر هیچ کاری برای ما نکرد، صفویه هم هیچ کاری نکردند، چون عُمَر و صفویه هر دو یک چیزی را به صورت موروثی در اختیار ما گذاردند، چیز موروثی که ارزشمند نیست، بنابراین نه باید به کسی نفرین کرد و نه باید به کسی آفرین گفت، چنین چیزی که ارزش ندارد که به خاطرش کسی را نفرین کنیم یا به کسی آفرین بگوییم، آن چیزی که ما به خودمان با این تفکر نقادانه به دست میآوریم، این است که مهم است. اگر شما این دید سوم را نداشته باشید، یعنی به مولفه سوم قائل نباشید، در آن صورت دینتان اول ویژگیای که پیدا میکند این است که «دین جادوگرانه» میشود؛ چرا «جادوگرانه» [8] میشود؟ بسیاری از روانشناسان دینی گفتهاند که باید اکثر تودههای متدینان جهان را قائل به جادوگری [9] دانست، در استدلالشان هم چنین گفتهاند: ببینید جادوگر چه میکند؟ جادوگر میگوید که «اجی مجی لاترجی» هیچکس از شما هم نمیداند که «اجی مجی لاترجی» یعنی چه، اما بعد از این که جادوگر این کار را کرد یک چیزی - مثلاً یک کلم، خرگوش یا پرندهای - ظاهر میشود؛ اکثر متدینان هم تمام عمرشان دارند «اجی مجی لاترجی» میگویند که خودشان معنایش را نمیفهمند، اما میگویند که یک چیزی دارد در بهشت برای ما آماده میشود، وقتی «اجی مجی لاترجی» اینجا را میگوییم در آن جهان یک چیزی در حال آماده شدن و ساخته شدن برای ما است، چرا؟ چون اگر بپرسم اینهایی که داری در نماز میگویی یعنی چه؟ میگوید نمیدانم، برای چه روزه میگیری؟ آن را هم نمیدانم؛ برای چه به حج میروی؟ نمیدانم، پس همه اینها برای این است که پدر و مادرانمان گفتهاند، خوب یعنی داریم «اجی مجی لاترجی» میگوییم، اما خوب دیگر کلم و خرگوشش در اینجا ظاهر نمیشود، کلم و خرگوشش در آن دنیا ظاهر میشود؛ و از این نظر هم دیدهاید که گاهی وقتها به زبان هم میآورند و میگویند آنجا فرشتگان دارند قصر سازی میکنند مثل اینکه کاخ اول را تحویل دادهاند و دارند کاخ دوم را میسازند، جدول بندیهای کاخ سوم را هم دارند انجام میدهند و ... این دین، دین جادوگرانه است، دینی که تو نمیفهمی اصلاً چه داری بر زبان میآوری؛ خوب البته شخص هندو هم دارد «اجی مجی لاترجی» خودش را میگوید، فرقی نمیکند مسیحی هم دارد «اجی مجی لاترجی» خودش را میگوید ولی بالاخره همه اینها دین جادوگرانه است، دین جادوگرانه یعنی دینی که در آن دین متدین از عالم فهم فاصله گرفته است و همه کسانی که در دین خود از فهم فاصله میگیرند در واقع به دین جادوگرانه قائل هستند؛ خوب این نوع تلقی، علاوه بر اینکه دین ما را جادوگرانه میکند ویژگیهای دیگری هم ایجاد میکند، مثلاً دین ما را بسیار «احساساتی» [10] میکند، یک سلسله هیجانات و عواطف است و چیزی بیش از این نیست. انصافاً شما – من نمیخواهم در صداقت و پاکطینتی مردم هیچگونه شک و شبههای کنم، دارم بحث آگاهی را مطرح میکنم - از اکثریت افرادی که در ایام عاشورا و تاسوعا بیرون میآیند، بپرسید چرا بیرون میآیید؟ چه میتوانند بگویند، یا در شبهای قدر بیرون میآیند، میآیند در محافل و مجالس دعا، چه میتوانند بگویند؟ چیزی نمیتوانند بگویند، اینها احساسات و عواطفشان برانگیخته شده است، این احساسات و عواطف را در واقع پدران و مادران با یک تعلیم و تربیت خیلی موفقی، راسخ کردهاند و این عواطف و احساسات هم تا آخر عمر با ما است، اما خودمان هم نمیدانیم واقعاً داریم چه کار میکنیم، هیچ استدلالی پشت کارمان نیست، نمیفهمیم این برای خود من در ساحت ذهن چه آثار و نتایجی دارد؟في ساحتي النفسية ما هي الآثار والنتائج المترتبة؛ في معتقداتي، في مشاعري وعواطفي، في رغباتي وحاجاتي، ما هي نتائج هذا النوع من طرق التلقي؟ عندما يريد الإنسان أن يطبق هذه الميزة الثالثة التي ذكرتها، أي أن يجد فهماً عميقاً للدين، فإنه بالطبع سيتعامل مع مسائل كثيرة، هناك مسائل كثيرة يجب أن يستطيع حلها لنفسه بطريقة ما، ولن أخوض في تلك المباحث، في الواقع يمكنني فقط أن أقول إنه من بين هذه المسائل، ربما يمكن القول إن ثلاث مسائل هي الأهم على الإطلاق، ولا يمكن لأي متدين متعقل أن يستمر في تدينه ما لم يحل هذه المسائل الثلاث لنفسه بطريقة ما: إحداها «مسألة الشر» [11]، كيف يمكن لإله خيِّر، عليم، وقدير على الإطلاق، كيف يمكن مع وجود إله له العلم المطلق، والقدرة المطلقة، والخيرية المطلقة، كيف لا يزال الشر موجوداً في العالم؟ هذه مشكلة، فالمتدين، ما لم يحل هذه المسألة لنفسه، ليس متديناً حقيقياً، إذا لم تكن قد حللت هذه المسألة وما زلت تظن أنك متدين، فأنت في الواقع لست متديناً، وإلا فليس هناك أوضح من هذه المسألة: إذا كان الله لا يعلم بوجود الشر في العالم، فهو إذن ليس عليماً مطلقاً، وإذا كان يعلم لكنه لا يقدر على استئصال هذا الشر، فهو إذن ليس ذا قدرة مطلقة، وإذا كان يعلم ويقدر لكنه لا يريد استئصال الشر، فهو في هذه الحالة ليس خيِّراً على الإطلاق، لكننا نعتبر الله عليماً، وقديراً، وخيِّراً مطلقاً، حسناً، عليك أن تحل هذه المسألة بطريقة ما، وإلا فأنت إنسان متدين لكنك لست متعقلاً على الإطلاق. والمسألة الأخرى هي «مسألة الجبر»؛ كيف يبقى للإنسان اختيار في عالم لا يتحرك فيه شيء إلا بعلم الله وإرادته؟ هذه المسألة يجب أن تكون قد حللتها بطريقة ما [12]؛ ولكن إذا رأيت أنك تتعامل مع هذه المسائل بطريقة ملتوية ومتهاونة، فهذا معناه أنك إما متدين بلا تعقل، وإما من الجانب الآخر متعقل بلا تدين. وإلا فكيف يمكن أن يكون المرء متديناً ومتعقلاً في آنٍ واحد ويترك هذه المسألة دون حل؟٤. المتدين المتعقل يرى نظام العالم نظامًا أخلاقيًا، ومن ثم يشعر بالأمان: السمة الرابعة الموجودة في التدين المتعقل هي أن من يمتلك تدينًا متعقلًا، لا بد أن يرى أن للعالم نظامًا أخلاقيًا؛ ورؤية العالم ذا نظام أخلاقي تعني ببساطة أن نعتقد أنه حتى ذرة من خير أو شر لا تضيع في هذا العالم؛ حينما يقولون إن نظام العالم نظام أخلاقي، فمعنى ذلك أن العالم صُنع على نحو يجعله أولاً يدرك ما إذا كنا نحن البشر نفعل «خيرًا» أم «شرًا»، نقوم بعمل «صواب» أم «خطأ»، نفعل ما «ينبغي» فعله أم نرتكب ما «لا ينبغي» فعله، نتحلى «بالفضيلة» أم «بالرذيلة»، نؤدي «واجبنا» أم لا، ننتبه إلى «مسؤوليتنا» أم لا - فهذه المفاهيم المذكورة كلها مفاهيم أخلاقية - فالعالم مصنوع على نحو يجعله يدرك هذه الأمور؛ فالعالم أولاً يدرك هذه الأمور، وثانيًا يُظهر رد فعل يتناسب مع هذا الإدراك؛ فإذا كنت تعتقد بهذين الادعاءين، حينئذ يقال إنك تعتقد بأن نظام العالم نظام أخلاقي، أي أنه يمتلك وعيًا بالخير والشر الأخلاقيين، ويُظهر رد فعل متناسبًا تجاه الخير والشر الأخلاقيين، وهذا هو تعبير القرآن: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (الزلزلة/ ٧ و٨) إن فعلتم خيرًا بمقدار وزن ذرة من غبار الهواء فسترونه، وإن فعلتم شرًا بمقدار وزن ذرة من غبار الهواء فسترونه أيضًا؛ هذا يعني أن نظام العالم نظام أخلاقي، نظام العالم نظام أخلاقي بمعنى أنه يُصوَّر للعالم علم وإدراك، ويُعتبر له إرادة متناسبة مع ذلك العلم، فالعالم يفهم الفرق بين الصدق والكذب، والتواضع والتكبر، والخدمة والخيانة، والأمانة وعدم الأمانة، ويُظهر رد فعل متناسبًا مع هذا الفهم؛ أما كيف يُظهر رد الفعل هذا، فهذا بحث آخر؛ هل يُظهر رد الفعل في هذه الدنيا أم في العالم بعد الموت؟ أم يُظهر رد الفعل هنا وهناك معًا على صورة معاد؟ أم يُظهر رد فعله على صورة تناسخ [13]؟ بأي صورة كانت، فهو يُظهره في النهاية، «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» (البقرة/ ٢٨٦) قليل من الخير يذهب إلى جيبكم، وقليل من الشر يذهب من جيبكم؛ من لديه مثل هذه الصورة عن نظام العالم، فإن نظرته إلى العالم حينئذ تكون أنه يشعر بالأمان المطلق في العالم، يشعر بالأمان، كلما كنا متدينين بشكل متعقل أكثر، شعرنا بالأمان أكثر، لماذا؟ لأن الإنسان لا يشعر بالأمان في عالم إما لا يراه عالمًا بالخير والشر، أو يقول إن هذا العالم وإن كان يدرك الخير والشر، لكنه لا يُظهر رد فعل متناسبًا مع ذلك الخير والشر؛ ولكن إذا اعتقدنا أن العالم يدرك أنني فعلت خيرًا أم شرًا، خدمت أم خنت، ويُظهر رد فعل متناسبًا مع خدمتي وخيانتي هذه، ولا يقبل في إظهار رد الفعل هذا ذرة استثناء، ولا يُظهر رد فعل أقل أو أكثر من المقدار المتناسب بمقدار ذرة، ففي هذه الحال سيشعر «بالأمان»، وهنا كان فيتغنشتاين يقول: في رأيي تعريف التدين هو الشعور بالأمان في العالم، المتدين هو من يشعر بالأمان في العالم، وبتعبير آخر المتدين هو من يصرخ دائمًا بأنه مهما حدث فلن يصيبني ضرر «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» (المائدة/ ١٠٥) لا يستطيع أحد أن يلحق بكم ضررًا، هذا الشعور بالأمان هو علامة تدين يكون هذا التدين متعقلًا.
لا تخلطوا بين هذا «الشعور بالأمان» وخاصية أخرى سأذكرها لاحقاً، سأقول لاحقاً في إحدى الخصائص إن «الدين العقلاني هو دين يعيش فيه الإنسان في ظل اللايقين»، فلا تخلطوا بين «اللايقين» و«الشعور بالأمان»، الإنسان المتدين يشعر بالأمان لكنه لا يشعر باليقين، وهذان أمران مختلفان وسأوضح ذلك بتفصيل أكثر لاحقاً، لذلك متى ما استطعتم أن تقولوا: «أيها العالم، كيفما درت فلن أتضرر، كيفما درت فلن يصيبني أذى، لأنني متدين» فذلك لأنكم إن كنتم قد أدركتم حقاً أن نظام العالم نظام أخلاقي، فإذا رأيتم أنكم حين تقدمون خدمة تنتظرون العوض أو تنتظرون الشكر، حينها يتبين أنكم لا تملكون ذلك الشعور بالأمان، فالإنسان المتدين بالتعبير القرآني لا ينتظر ثواباً ولا شكراً ولا أجراً «لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (الإنسان/9) وهو تعبير ورد في القرآن ويبدو أنه في حق الإمام علي بن أبي طالب (ع) وأسرته. من يرى أن نظام العالم نظام أخلاقي ويقول إن البذرة التي أبذرها لست أنا من يضمن إثمارها؛ فهو لا يحمل هم النتيجة، لأنه مدرك تماماً أن العالم كيان، من الضخامة والعظمة بحيث إنه ليس فيه سوى ترس ومسمار تافه، ولكي تثمر أعمال الفرد، لا بد أن يتضافر النظام كله، وإن لم يتضافر فلن تصل الثمرة، لكنه مع ذلك لا يفقد شعوره بالأمان، لأنه كان عليه أن يؤدي العمل، ولم يكن عليه أن يضمن النتيجة، ومن هذا المنطلق فإن المتدينين الذين يفكرون بعقلانية يملكون طمأنينة القلب حتى لو لم يثمر أحد مشاريعهم، فقد كانوا حين يقومون بكل المشاريع يظنون بالطبع أنها ستثمر، لكنهم بعد أن أنجزوها ترتاح قلوبهم، وبتعبير آخر، حين يؤدون العمل فإنهم يقصون خيط ارتباطهم العاطفي بالعمل، وحين لا تقصون ارتباطكم بالعمل تكون النتيجة أن تفقدوا طمأنينة القلب، لماذا؟ لأنكم تنتظرون النتيجة ثم ترون أن النتيجة وقعت في دوامات، وأن النتيجة أصابها مد وجزر، وأن النتيجة وقعت في أيدي عوامل يبدو أنها تريد أن تحبط تعبكم، ولأنكم تحملون هم النتيجة فلن تملكوا طمأنينة القلب؛ فالإنسان العقلاني إذ يعلم أن للعالم نظاماً أخلاقياً، فإن له خاصية أن فعله بلا طلب، لكن الفعل بلا طلب ليس دليلاً على انعدام الأمن. هذه الخصائص الأربع التي تم بيانها حتى الآن، جميعها تتوقف على «الرؤية الدينية»، ذلك أن الخصائص الأخرى التي سأذكرها بعضها يتوقف على «النزعة الدينية» وبعضها على «الموقف الديني»، لكن القاسم المشترك بين الخصائص الأربع المذكورة هو أنها تتوقف على الرؤية الدينية، أي أنها تتوقف على ما يعرفه المتدين عن العالم، تتوقف على معتقدات المتدين حول العالم، وبالتالي فإن المتدين العقلاني لديه في الواقع أربعة «اعتقادات» تجاه العالم، وهذه الاعتقادات الأربع هي الأمور الأربعة التي تم بيانها حتى الآن؛ والآن إن استطعنا فسأقول في الجلسة القادمة إنه قد يبدو للوهلة الأولى أن بعض الخصائص التي سأذكرها في قسم الموقف الديني وبعض الخصائص التي سأذكرها في قسم النزعة الدينية قد تكون غير منسجمة مع هذه الخصائص الأربع التي ذكرتها، وآمل أن أتمكن من إزالة هذا التعارض..
.
[۱] . (تاريخ المحاضرة كانون الأول/ديسمبر ۲۰۰۱) [2]. العقلانية [3]. الروحانية [4]. الذهنية [5]. التفكير النقدي [6]. للاطلاع على الاستدلال المطروح في هذا الباب يمكن مراجعة كتاب منطق الاكتشاف العلمي لكارل بوبر ترجمة أحمد آرام. [7]. مذهب "الحقيقة المزدوجة" [8]. سحري [9]. السحر [10]. عاطفي [11]. مشكلة الشر [12]. المسألة الثالثة لم يطرحها الأستاذ. [13]. التناسخ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.