اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى مصطفى ملكيان، في مراجعته لكتاب شمس التبريزي، أنه قبل تقديم أي مفكر لا بد من تحديد نمطه: هل هو فيلسوف أم عارف أم إلهي أم عالم أم حكيم، كما ينبغي حسم منهج مقاربة أفكاره بين التأريخ لها والتطبيق العملي.

في البداية، وقبل التطرق إلى كتاب شمس التبريزي من تأليف السيد سالاري نسب، أُشير إلى ملاحظة موجزة مفادها أن الطريقة المألوفة في إيران لتعريف المفكرين والتعريف بهم لا تبدو متوافقة مع آخر منجزات كتابة تاريخ الفكر، وبما أن الخوض في هذا الأمر لا يتسع له هذا المقام، فإنني أتجاوزه.
فيما يخص كتابات السيد سالاري نسب، بحسب ظني، فإن كل من يمعن النظر في كتابه يتصور له مستقبلاً مشرقاً من حيث الأدب، وخصوصاً الأدب العرفاني. وفيما يتعلق بكتاب شمس التبريزي، ثمة عدة نقاط تستحق التأمل. هذه النقاط وإن كانت عامة، إلا أن عموميتها، في رأيي، لا تقلل من وضوحها، وهي نقاط شديدة الوضوح.
النقطة الأولى التي ينبغي مراعاتها هي أنه عند دراسة مفكر ما، يجب أولاً تحديد نوع المفكر. في الواقع، واستناداً إلى تقسيم عام يشمل خمس فئات، فإن جميع الأفراد الذين قالوا قولاً أو تركوا أثراً على مدى تاريخ الثقافة البشرية (مفكر) يندرجون في إحدى هذه الفئات الخمس التي سأشرحها؛ لذا من المهم أن نعرف إلى أي فئة من هذه الفئات الخمس ينتمي المفكر الذي نحن بصدد التعريف به، وفي أي فئة يندرج؛ لأننا بناءً على هذا التقسيم نستطيع أن نفهم كلام المفكر بشكل أفضل، وأن ندرك مقدماته الضمنية، وأن نحمّله لوازم كلامه.
تصنيف المفكرين هو على النحو التالي: بعض مفكري العالم يندرجون عموماً في زمرة الفلاسفة. ينبغي للفلاسفة أن يتكلموا بمنهجية فلسفية، وأن يثبتوا دعاواهم بمنهجية فلسفية، وبالطبع ينبغي لنا نحن أيضاً أن نتوقع منهم نتائج ولوازم فلسفية، وعند نقدهم يجب أن ندخل معهم بالمنهج الفلسفي. الفئة الأخرى هم مفكرون نعبر عنهم بالعرفاء؛ والعرفاء أيضاً، مثل الفلاسفة، لديهم منهجية ومبادئ ومقدمات ضمنية خاصة، ويمكن استنتاج آثار ولوازم معينة من أفكار العرفاء. الإلهيون يحتلون الفئة الثالثة من هذا التقسيم؛ وهم الذين، بحسب ادعائهم، يشرحون النصوص المقدسة ويبينونها، ويدافعون عنها، ويمثلون ديناً ومذهباً ويكونون الناطقين باسمه. في ثقافتنا، يُعتبر المتكلمون والفقهاء أيضاً من فئة الإلهيين. الفئة الرابعة من المفكرين هم العلماء؛ سواء أولئك الذين يعملون في العلم التجريبي، أو في علوم أخرى كالعلم الرياضي-المنطقي أو العلوم التاريخية. اهتمام هذه الفئة من المفكرين وتوجههم هو إلى العالم الخارجي، أي الطبيعة وما يمكن أخذه واقتباسه منها. العلماء أيضاً، مثل الفلاسفة والعرفاء والإلهيين، لديهم منهجيتهم ومبادئهم الخاصة التي تختلف عن الفئات الأخرى. الطبقة الأخيرة هم الحكماء؛ الحكماء، من حيث كونهم حكماء، ليسوا بالضرورة فلاسفة، وليسوا بالضرورة عرفاء أو إلهيين أو علماء. الحكماء، الذين قلّت مصاديقهم في زماننا هذا، هم أشخاص لديهم نوع من الحدس فوق الشخصي بالأمور، ويتلقون الحياة على نحو حدسي. حدس الحكماء يختلف عن كشف العرفاء وشهودهم. هذا التقسيم هو تقسيم استقرائي، وقد تُضاف إليه أقسام أخرى، وإن كان قد بقي على هذه الأقسام الخمسة حتى الآن.
لذا عندما نتناول التعريف بشمس بصفته مفكراً، ينبغي لنا في البداية أن نحدد في أي فئة يندرج شمس وما هو نوع المفكر الذي يمثله. لا يمكن لمفكر أن ينتمي إلى فئتين في آنٍ واحد، لأن أسس وافتراضات كل فئة من المفكرين تختلف عن الفئات الأخرى ولا تتوافق معها؛ ففي الفلسفة مثلاً يستند الفلاسفة إلى العقل، بينما تمكن العرفاء من بلوغ أمر يفوق العقل، كما أن الإلهيين يعتمدون على نصوص مؤسسي الأديان والمذاهب، وهو ما يختلف عن العقل والكشف والشهود. يبدو أنه في هذا الكتاب لم يتم إحراز نوع المفكر؛ بل توجد أحياناً بعض الهفوات؛ فعلى سبيل المثال، ذُكر في عنوان الكتاب في المجلد الأول: المنظومة الحكمية والفنية لشمس. هل المقصود بالحكمية أن شمساً كان حكيماً وفيلسوفاً، أم أن المراد بالحكمية هو كونه فلسفياً؟ أياً كان قصد المؤلف؛ فهو غير مقبول؛ لأنه يبدو أنه لا يمكن تصور شمس في مقام الحكيم، ولا يمكن اعتباره فيلسوفاً. وفي الوقت نفسه، يبدو أن شمساً يُعرَّف في الكتاب بأكمله بصفته عارفاً؛ لكن المسألة هي: ما هو الأساس الذي يستند إليه كون شمس عارفاً؟ هل هو بسبب استخدام شمس للمصطلحات العرفانية، أم أن الأساس هو امتلاكه تجربة عرفانية (في مقالات شمس لم تُذكر أي تجربة عرفانية)، أم إذا كان الأساس هو أن العارف ينبغي أن يمتلك سلوكاً وشخصية معينة، فاستناداً إلى أي مكون في شخصية شمس تُعرّفونه بأنه عارف؟ في الواقع، ينبغي أن نبين بشكل استدلالي أي نوع من المفكرين نعتبر شمساً. إن رسم الحدود والفصل بين مجالات الفكر وإحراز نوع المفكر بناءً على التصنيف الخماسي أمر بالغ الأهمية، ولا يمكن التساهل بشأنه، ويجب أن نحدد في أي فئة من هذه الفئات الخمس يقع مفكرنا المعني؛ ولكن في هذا الأثر، وعلى الرغم من كونه كتاباً قيماً للغاية، فقد تم إهمال هذه النقطة بشكل عام، ولم يُراعَ هذا الإحراز، ولم يُحدد نوع المفكر.
النقطة الثانية التي أتطرق إليها هي أنه عند مواجهة أي مفكر والتعريف به في أثر ما، يمكن أن تكون هناك مقاربتان ومواجهتان، ويمكن التعريف بالشخصية من منظورين، وينبغي على المؤلف أن يحدد موقفه إزاء هذه النقطة: من أي منظور يتناول التعريف بالشخصية. (كل من هذين المنظورين قابل للتقسيم إلى منظورات فرعية). سأشرح المقاربة الأولى بمثال. لنفترض أننا نعتزم التعريف بابن سينا في أثر ما. في هذا الأثر، وبصفتنا مؤرخين للفلسفة، نعتبره أحد فلاسفة الثقافة الإسلامية ونتناول أحوال ابن سينا وأفكاره. أو مثلاً، بصفتنا باحثين في تاريخ الرياضيات في الثقافة الإسلامية، نتناول سيرة الخوارزمي ونعرّف به بصفته أحد رياضيي الثقافة الإسلامية. في هذا المنظور، نكون قد تناولنا التعريف بالشخصية من خلال رواية التاريخ العلمي، حيث تُعتبر تلك الشخصية مفكراً ورجلاً لذلك العلم، ونكون في الواقع قد روينا تاريخ ذلك العلم؛ فمثلاً، بالتعريف بابن سينا نكون قد روينا تاريخ علم الفلسفة، وبالتعريف بالخوارزمي نكون قد روينا تاريخ علم الرياضيات في الثقافة الإسلامية. هذا النوع من المقاربة، الذي هو بيان لتاريخ كل علم، هو مقاربة واقعية وتحظى بمكانتها القيمة.
أما الرؤية الثانية فهي الرؤية البراغماتية؛ وفي هذه الرؤية نقدم المفكر من منظور تأثير تعاليمه وتجلياتها في حياتنا العملية. بعبارة أخرى، عندما ندرس شخصيةً ما، فإن السؤال المطروح أمامنا هو: ما الذي تطرحه تعاليم تلك الشخصية على إنسان اليوم، فرداً ومجتمعاً، وما هي العقد التي تحلها هذه التعاليم من حياة الإنسان المادية والمعنوية والنفسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين. في هذا المنهج، نطرح أقوال المفكر بناءً على كفاءتها وقابليتها للتطبيق في حياة الإنسان؛ ونتعامل مع تلك الأفكار الصحيحة التي تقدم، إلى جانب صحتها، حلولاً عملية للإنسان. أما تعاليم المفكر التي لا تطبيق لها في حياة إنسان اليوم، رغم صحتها، فتُستبعد ولا يكون لها مكان في مواجهتنا للمفكر. على سبيل المثال، عندما ندرس ابن سينا، لا ننشغل بكونه أحد فلاسفة الثقافة الإسلامية ونسرد تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ بل المعيار هو مدى ارتباط أقوال ابن سينا بإنسان اليوم وهواجسه وتحدياته. في الواقع، عند مواجهة ابن سينا، نقسم أقواله إلى قسمين: أقوال صحيحة وأخرى غير صحيحة؛ نتجاوز الأقوال غير الصحيحة لابن سينا، أما أقواله الصحيحة فلا تستحق الاهتمام والعناية إلا إذا كانت ذات صلة بحياة الإنسان المعاصر وتخفف من آلامه؛ فمثلاً، أقوال ابن سينا حول كيفية إصلاح محاور العربات والكارتات، رغم صحتها، لا تهمنا لأن العربات والكارتات لم تعد تُستخدم في حياتنا؛ لكن أقواله حول الأسنان جديرة بالعناية والدراسة، لأن مسألة الأسنان مسألة مرتبطة بالإنسان المعاصر؛ وهكذا، في الرؤية البراغماتية، نتعامل مع الأقوال الصحيحة المرتبطة بقضايا واحتياجات وهواجس إنسان اليوم. في رأيي، نظراً لأن عمر الإنسان وموارده الداخلية والخارجية ليست غير محدودة ليتمكن من كشف جميع مجهولات العالم وإيضاحها، فمن المهم أن نتحلى بالشفقة على الإنسان، وفي زمن يغرق فيه البشر في القلق والاكتئاب والوحدة، أن نبحث عن التعاليم والأفكار التي تحل عقد الإنسان المعاصر المثقل بالتحديات. وبتعبير النبي (ص): نعوذ بالله من علم لا ينفع. وبالطبع، فالعلم الذي لا ينفع هو علم أيضاً وليس جهلاً، وهو مطابق للواقع، لكنه لا فائدة منه لإنسان اليوم؛ فمثلاً، في الماضي، وقعت في الثقافة الإسلامية مذابح لإثبات أو نفي حدوث القرآن أو قدمه؛ لكن هذه المسألة فقدت أهميتها بالنسبة لإنسان اليوم وفقدت كفاءتها؛ وبالتالي، فإن الخوض فيها ليس بالأولوية.
الرؤيتان الواقعية والبراغماتية لا تتناقضان ولا يمكن تخطئتهما؛ لكن على الكاتب أن يوضح موقفه منهما. في كتاب شمس التبريزي أيضاً، على الكاتب أن يحدد ما إذا كان ينوي سرد حياة وأحوال شمس بوصفه أحد عرفاء العالم الإسلامي وهو مؤرخ للعرفان الإسلامي، أم أن منهجه منهج براغماتي؛ أي أنه يتناول تلك التعاليم والأقوال لشمس التي تنفع الحياة العملية للإنسان المعاصر، وتساعد في جعل حياته ذات معنى ورفاه وسعادة، وتزيل أو تخفف من تحدياته وقلقه وانعدام المعنى ووحدته. في الرؤية البراغماتية، تتجلى ثقافة «وما شأني بالحكمة». «وما شأني بالحكمة» التي تُطرح في سياق العلوم لا الأعمال؛ أي أن ننشغل فقط بتعلم العلوم التي تنفع حياة الإنسان العملية وتحل مشكلة من مشكلاته. إذا طبقنا معيار «وما شأني بالحكمة» في مواجهة أقوال شمس، فبالصدفة نجد أن شمساً نفسه هو أحد أكبر دعاة ثقافة «وما شأني بالحكمة». يروي شمس التبريزي في المجموعة التي جُمعت باسم «مقالات شمس التبريزي» أن أحدهم قيل له إنهم يحملون خوانات (صواني طعام). فأجاب: وما شأني؟ فقيل له: إنهم يحملون هذه الخوانات إلى بيتك. فأجاب مجدداً: وما شأنكم إذن؟
يبدو أن هذين الشأنين الواقعي والبراغماتي محفوظان في كتاب شمس التبريزي، لكن هناك تأرجح وتذبذب بينهما. في بعض المواضع، يُقدم شمس وكأنه رجل من رجال تاريخ الثقافة، وفي أحيان أخرى تكتسب تعاليمه طابعاً عملياً وتطبيقياً، لذا ينبغي الفصل بين هذين الموقفين في الكتاب؛ وفي الوقت نفسه، فإن كتاب السيد سالاري نسب، بوصفه كتاباً أكاديمياً، قيّم للغاية ويحمل ملاحظات تطبيقية تنفع الحياة العملية للإنسان.
نقطة أخرى ينبغي أن أتطرق إليها، هي أنه عند دراسة أقوال شمس يجب أن نأخذ في الاعتبار سياق كلامه (context)، أي يجب أن نلاحظ في أي موقف وظروف قال شمس كلامه. هذه الحساسية تجاه كلام شمس نابعة من أن لغته إشارية (indexical)؛ أي لغة يكثر فيها استخدام الضمير واسم الإشارة وصفة الإشارة، والجمل التي تكون على هذا النحو تُعد جملة واحدة من الناحية الصرفية؛ لكنها من الناحية المنطقية مليارات من القضايا؛ أي أن إمكانية صدقها على حالات متعددة قائمة. فمثلاً جملة "الأرض كروية"؛ هي جملة من الناحية النحوية جملة واحدة، ومن الناحية المنطقية أيضاً، ليست أكثر من قضية واحدة؛ لأنها تتعلق فقط بكوكب الأرض، أو جملة مثل "إيران تقع في آسيا"؛ أما جملة مثل "هذا الرجل أبي"، ففي حين أنها من الناحية النحوية جملة واحدة، فهي من الناحية المنطقية مليارات القضايا؛ لأن عدداً لا يحصى من البشر يمكنهم أن ينسبوا هذه الجملة إلى أنفسهم، وهي قابلة للحمل على عدد لا يحصى من البشر، وبالطبع فإن صدق أو كذب هذه الجملة يعتمد على من يقول هذه الجملة وفيما يتعلق بمن يقولها؛ فمثلاً لو كان أبي حاضراً في هذا الجمع، وأشرت إليه أنا مصطفى ملكيان وقلت "هذا الرجل أبي"، فهذه الجملة صادقة؛ أما إذا أشار السيد سالاري نسب إلى أبي وقال "هذا الرجل أبي"، فهذه الجملة كاذبة؛ لذلك، عند مواجهة كلام شمس وتعاليمه، يجب مراعاة الاحتياط اللازم وإظهار الحساسية تجاه سياق كلامه؛ لأن كلام شمس مليء بالضمائر وأسماء الإشارة وصفات الإشارة، ولا يمكن بسهولة استنباط حكم كلي وتعميمه على الجميع، على عكس كلام ابن سينا مثلاً في "الإشارات والتنبيهات" الذي يخلو من الضمائر وأسماء الإشارة ولا يهم في أي ظروف وأحوال قيل. بالنظر إلى هذه النقطة المطروحة، يبدو أن السيد سالاري نسب في كتاب "شمس تبريز" قد اجتهد كثيراً فيما يتعلق بهذه المسألة وطبق الدقة اللازمة، وفي حالات قليلة يبدو أن هذا الاحتياط لم يُراعَ وتم استنباط حكم كلي لا يمكن نسبته إلى شمس بسهولة.
نقطة أخرى أتطرق إليها تتعلق بموضوع النقد، فعند مواجهة أثرٍ ما، يُتوقع من مؤلفه ألا يكون فقط في مقام الحاكي والراوي لكلام المفكر، بل أن يعبر عن موقفه وانتقاداته فيما يتعلق بتعاليمه أيضاً. لا ينبغي أن نكون مصداقاً لأمة تقول دائماً "قيل"، بل يجب أن نكون من أمة يقول كل فرد فيها "أنا أقول"، وبتعبير أحد العارفين: لا تكن كاتب حكاية، بل كن بحيث تُروى عنك الحكاية. ونظراً لأهمية هذه النقطة، ففيما يتعلق بكتاب "شمس تبريز"، يُتوقع من السيد سالاري نسب أن يُظهر موقفه النقدي تجاه كلام شمس وأن يحافظ على مكانة النقد في مواجهة شمس؛ لأن شمس ليس معصوماً ومنزهاً عن الخطأ والزلل، ولذا يجب أن يُظهر ما إذا كان هناك تناقض بين صدر كلام شمس وذيله، أو ما إذا كان كلام شمس يتطابق مع الواقع، وما هي الأدلة التي يقيمها شمس على تعاليمه، وهل كلامه مدلل أم لا؟ بالطبع، بناءً على التصنيف الذي نضع شمس فيه من بين الفلاسفة والعارفين والعلماء أو المتكلمين والحكماء، فإننا نتوقع منه الدليل بما يتناسب مع تلك المكانة، فمثلاً إذا عرّفنا شمس بأنه فيلسوف، فيجب أن يكون كلامه عقلياً، وإذا كان متكلماً، فيجب أن تكون تعاليمه مستندة إلى الدين والمذهب. في كتاب "شمس تبريز"، وعلى الرغم من المعلومات الجيدة وقدرة السيد سالاري نسب الفكرية العالية وفهمه العميق؛ فإن هذه النقطة لم تُراعَ، ووجه النقد غير موجود في الكتاب.
النقطة الأخيرة التي أتناولها هي تعريف مفهوم الشعر، والإشارة إلى أن الشعر عند القدماء له تعريف يختلف عن تعريفه في عصرنا المعاصر. أول من طرح مسألة الشعر في الثقافة الغربية وأشار إليه هو أرسطو. لاحظ أرسطو أن الكلام يمكن النظر إليه من جهتين: أحياناً من جهة المضمون، وأحياناً من جهة الشكل والصورة. ينقسم الكلام من جهة الشكل إلى قسمين: النظم والنثر، فإذا كان الكلام موزوناً، بغض النظر عن وجود القافية والرديف، سُمِّيَ نظماً، وإذا لم يكن الكلام موزوناً سُمِّيَ نثراً. في النظم والنثر، لا أهمية لمضمون الكلام، وشكل الكلام وحده هو معيار التقسيم. أما التقسيم الآخر للكلام فيتعلق بمضمونه، وينقسم المضمون إلى خمسة أقسام: البرهان، والجدل، والخطابة، والمغالطة، والشعر. في تعريف القدماء، الشعر يتعلق بمضمون الكلام، فإذا كان الكلام خيالياً وتخللته المخيلة، عُدَّ ذلك الكلام شعراً، ولم يعد برهاناً ولا جدلاً ولا مغالطة ولا خطابة. وطبقاً لهذا التعريف، يمكن أن يكون الشعر منظوماً أو منثوراً. كما يمكن للبرهان والخطابة والجدل والمغالطة أن تكون منظومة أو منثورة؛ إذن، كون الكلام مخيِّلاً وخيالياً هو ما يجعله شعراً، لا قالب النظم أو النثر، ويمكن أن يكون الكلام منظوماً لكنه ليس شعراً. إذا نظرنا إلى كلام شمس من هذا المنظور، فإن كلامه لا يُعتبر شعراً؛ لأن أساس كون الكلام شعراً هو كونه خيالياً؛ ولكن، باستثناء حالات نادرة، لا توجد مخيلة في كلام شمس، وكلامه هو تعبير عن سلسلة من الحقائق النفسية والميتافيزيقية والأنثروبولوجية والمعرفية. إشارتي إلى هذه النقطة هي لأبيِّن أن ما قصده السيد سالاري نسب من تعبير الشعر في الدفتر الثاني باعتباره أشعار شمس، هو الشعر بالمعنى والمفهوم المعاصر؛ لأن الشعر بالمعنى المفهوم اليوم يختلف عن معنى الشعر عند القدماء، ومن منظور الشعر اليوم، وإن كان مفهوماً قابلاً للنقاش، يمكن اعتبار كلام شمس شعراً.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الفلسفة
الأدب
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.