اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يشدد مصطفى ملكيان، في مراجعته لكتاب «على حد السكين»، على ضرورة مطالعة كتب معلم «فن الحياة»، ومن خلال طرحه لمفهوم «صورة الحياة»، يحلل الفرق بين الحياة الناجحة القائمة على المقارنة والحياة المُرضية.

في أحد الأيام الأخيرة من شهر خرداد عام 1395 هـ.ش، وبعد قراءة كتاب «حد الشفرة» لسومرست موم، عقدنا لقاءً مع الأستاذ مصطفى ملكيان برفقة أعضاء مجموعة القراءة في جمعية أفراز الثقافية، وبعد أن أدلى أعضاء المجموعة بآرائهم، ألقى كلمةً نضعها بين يدي القراء الأعزاء فيما يلي. ويشير الأستاذ ملكيان في كلمته إلى أنواع القراءة وأهمية النوع الثالث (الكتب التي تُعلّمنا فن الحياة) استناداً إلى كتب مثل حد الشفرة، والتائه في طريق الحق، وأزهار المعرفة وغيرها... ويتناول الصور والأساليب وطرق الحياة وضرورة الانتباه لهذه النقاط في إطار دراسة هادفة، ويدعو القراء إلى التأمل في فلسفة الحياة.
.
تقول «سيمون فايل»: إن أول ما يتوقعه كل شخص من الآخر هو الانتباه. القبول أمر مزاجي، أما الانتباه فشيء آخر. أطلب من الأصدقاء أن ينتبهوا إلى حديثي، لكني لا أطلب القبول، إذ لا يمكن توقع أن يُخلق البشر متشابهين. أعتقد أن لدينا ثلاثة أنواع من قراءة الكتب في الحياة. النوع الأول، نقرأ لضرورة المعاش. أي أننا نحتاج إلى دخل لاستمرار الحياة والتمتع بالاستقلال، لكي تستمر حياتنا من الناحية الكمية، وتحولنا من الناحية الأخلاقية إلى بشر مستقلين. أحتاج إلى وظيفة ومهنة من أجل الدخل، ولأجل الوظيفة والمهنة يجب أن أتخصص في علم أو تقنية أو فن حتى أحصل على وظيفة ومهنة. ولأجل هذا التخصص، عليّ دراسة الكتب المتعلقة به. لا مفر من هذا النوع من القراءة، وهو دارج بكثرة في بلدنا أيضاً. من المؤكد أن هذا النوع من الكتب لا يُقرأ في مجموعات القراءة بسبب تنوع الوظائف والمهن، والنوعان الثاني والثالث هما ما يميز البلدان من حيث معدل المطالعة. النوع الثاني: الكتب التي تُقرأ من أجل المتعة. يسعى الإنسان في الحياة وراء المتعة. فكلما أُشبعت إحدى رغبات الإنسان، شعر بالمتعة. وإحدى هذه الرغبات هي حب الاستطلاع. ومن أنواع حب الاستطلاع، الفضول العلمي. يمكن أن يكون الفضول العلمي في موضوع التاريخ أو الفلك أو مواضيع أخرى. وبناءً على عوامل مختلفة تشكل شخصيتي وطبعي، تختلف كتب هذا النوع الثاني بين الأفراد. الجينات، والتربية والتعليم، والعمر، والتجارب الذهنية، والنمط النفسي، هي ما يصنع شخصيتي وطبعي، وهذا ما يجعل موضوع فضول الأفراد مختلفاً. وهذا النوع من القراءة موجود أيضاً، قليلاً أو كثيراً، في حياةنا نحن الإيرانيين، ولكن ليس بمستوى كتب النوع الأول. النوع الثالث هو الكتب التي أرى أن النقص وعدم الانتباه الأكبر من حيث القراءة يكمن فيها، وهي لا تدر عليّ دخلاً ولا تمنحني متعة، بل تُعلّم فن الحياة. ذلك أن فن الحياة فن بالغ التعقيد. نحن نقر بضرورة التعليم لكل فن كالعزف على آلة موسيقية، ولكن كيف لا نقر بضرورة التعليم لفن الحياة! بتعلم فن الحياة، نستطيع أن نتحمل نحن ألماً ومعاناة أقل، ومن جهة أخرى، أن نُحمل الآخرين ألماً ومعاناة أقل. دراسة هذه الكتب آخذة في الرواج أكثر في الغرب منذ ستينيات القرن العشرين الميلادي فصاعداً، وتُطلق عليها تعابير مختلفة. تُسمى أحياناً الفلسفة العملية، وأحياناً فلسفة الحياة، وأحياناً الفلسفة في الحياة، وأحياناً الفلسفة من أجل الحياة، وأحياناً كتب الحكمة والرزانة. «العيش برزانة» يعني أن نحيا بحيث تبلغ فائدة العيش أقصى حد ممكن، وتصل كلفته إلى أدنى حد ممكن.
لبه تیغفي باب «فن الحياة» ثمة الكثير مما يُقرأ ويُسمع، وأولى نقاطه هي: ما هي «صورتك» عن الحياة. لقد امتلكنا حتى اليوم في التاريخ العالمي 25 صورة عن الحياة. الصورة تعني أي استعارة تراها أنسب استعارة لحياتك وترى الحياة من خلالها. حينئذٍ تخلق صورتك أسئلة تختلف عن استعارة شخص آخر لحياته. مثلاً، استعارة شخص ما للحياة هي اللعبة. فمن يرى الحياة لعبةً يكون كل سعيه أن يعيش بطريقة تزيد احتمالات فوزه في الحياة وتقل احتمالات خسارته، وتدور كل أسئلته عن الحياة حول هذه الاحتمالات. وشخص آخر يرى الحياة لغزاً، وهذا الفرد تختلف أسئلته قطعاً عن الشخص السابق، وأسئلته عن الحياة هي: ما هي الأدلة الموجودة في الحياة التي يمكن باستخدامها حل هذا اللغز. وشخص آخر يرى الحياة سفراً. إنه ينتبه إلى أي وسيلة يسير بها في الحياة وأي طرق يسلكها، وأين نُصبت علامات إرشاد الحياة، وأي مرشدين كانوا مرشدين جيدين في هذا السفر وأيهم لم يكونوا مرشدين جيدين. وصورة أخرى هي أن الحياة جحيم، وعليه كيف أعيش لأعاني عذاباً أقل. يعلم الكتّاب في هذا المجال طرق التخدير كي نعاني بتخدرنا عذاباً أقل، ويعلم آخرون طرق الابتعاد عن هذا الجحيم. وآخرون يرون الحياة سباقاً ويهتمون بمنافسيهم ليفوزوا في السباق. وآخرون يرون الحياة أرجوحةً يجب أن ينزل فيها شخص ما كي يرتفع آخر أكثر. وفرد آخر يرى الحياة مسرحاً وأسئلته عن الحياة هي كيف يمكنه أن يؤدي دوره بأكثر صورة إقناعاً بحيث يستنتج مشاهدو حياته أنه يعيش حقاً حياة طيبة. إذن، كل واحدة من هذه الصور تخلق أسئلة مختلفة عن الحياة. هناك أناس يعنون الحياة حقاً بالمقارنة النظرية والسباق العملي. أي أنهم يظنون طوال الحياة أن عليهم دائماً مقارنة أنفسهم بالآخرين وأن يكونوا في سباق معهم. وهنا يسعون وراء طرق زيادة الثروة، والسلطة السياسية، والحيثية الاجتماعية، والجاه والمقام، والشهرة والمحبوبية. في كتاب «حد الشفرة»، في الواقع، ما يهم إيزابيل هو ما يعتقده الآخرون عنها، وأن يرى الآخرون نجاحها في اكتساب المزيد من الثروة والسلطة والجاه والمقام والقوة الاجتماعية. هذا ما يسمى بالحياة لأجل المزيد من النجاح. في المقابل، يرى لاري الحياة في المزيد من الرضا. فالشهرة والثروة والعلم الأكاديمي... لا تهمه. على كل شخص أن يحدد صورته بنفسه، ولا يمكن لأي كتاب أو قائد أن يحدد لي أي صورة أتجه إليها. السؤال الأهم هو أن علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد حياة ناجحة أم حياة مرضية؟ الحياة الناجحة هي أن نتقدم على الآخرين في واحد أو أكثر من المطالب الاجتماعية السبعة. هذه المطالب السبعة هي: الثروة، والسلطة السياسية، والحيثية الاجتماعية، والجاه والمقام، والشهرة، والمحبوبية، والعلم الأكاديمي. أولئك الذين يسعون وراء النجاح - ولست أقصد ذمهم - يرون أنفسهم دوماً في حال مقارنة مع الآخر. لهذه الحياة فوائد ولها تكاليف أيضاً. لذا يجب الانشغال دوماً بموازنة تكلفة وفائدة هذا النوع من الحياة لئلا تسبق التكلفة الفائدة. في هذه الطريقة، ينبغي أولاً ألا نسلك طريقاً تزيد فيه التكلفة على الفائدة، وإذا دخلنا هذا الطريق اضطراراً وأدركنا في منتصفه أن التكلفة تزيد على الفائدة، فعلينا أن نبدأ بالعمل لإصلاح ذلك. لكن الفرد في الحياة القائمة على الرضا ينسى السباق مع الآخر ويهتم فقط بأن يكون هو نفسه راضياً عن وضعه، لا بمعنى الحياة المترهلة طبعاً. في هذه الحياة على الإنسان أن يتصالح مع نفسه ويكون في رفقة معها، وأن يستبدل معادلة «التنافس مع الآخر» بـ «التصالح مع الذات».
ثمة نوع آخر من الحياة تناوله فرنسوا الأسيزي في كتابه «تائه على درب الحق». إنه ينظر إلى الحياة بوصفها مسرحية ينبغي لي أن أؤدي فيها دوراً. عليّ أن أرى ما الذي يريده مني كاتب المسرحية. يرى فرنسوا أن كاتب المسرحية هو الله، ولأنه يعتبر المسيح ابن الله، والمسيح حمل الصليب على كتفه طوال حياته، فقد كان يقول إن عليّ أن أكون كذلك، وألا أنعم بأي لذة في الحياة، وأن أحيا بالألم والمعاناة. أشرب الماء لأبقى حياً، لكني أشرب الماء الفاتر كي لا أتلذذ، لأن الله يريد أن يعبر بنا من قلب الألم والمعاناة. وقد أشار الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين إلى هذا الأسلوب أيضاً. كان يقول إن الله طلب مني أن أستمر في الحياة زمنياً، لذا عليّ أن آكل الطعام، لكن ليس طعاماً أتلذذ به ويسبب أنسي بهذا العالم. كان الغزالي يقول إن الله أراد لي ألا آنس بهذه الدنيا، بينما كان فرنسوا يقول إن الله أراد لي أن أحيا بالألم والمعاناة. هذه أيضاً صورة من صور الحياة. بالطبع، قد تبدو لنا تكاليف حياة فرنسوا باهظة، لكنه في غاية البهجة حتى أن مشيته مقرونة بالرقص، وهذه إحدى فوائد حياته. إنه يأكل الرماد، لكنه ليس مثلنا، فرغم أننا لا ننثر الرماد على طعامنا، إلا أننا ما إن نسمع صوت موسيقى حتى تترقرق الدموع في أعيننا. ترقرق الدموع في العين علامة على مشكلة في الحياة، يختلف سببها من شخص لآخر. هناك صورة أخرى في الحياة تقول إن الإنسان قد جاء إلى الدنيا ليكون مجرد مرشد للخلاص. مثل هؤلاء الأشخاص يسعون دوماً لبناء مجتمع تسوده العدالة والحرية والأمن والرفاه. وكما قلت، فإننا بقراءة بعض الكتب نتعرف على صور مختلفة، مثل الكتب التي ذكرتها. وبالطبع، هناك كتب تمنحنا المتعة أيضاً، رغم أنها تعرفنا بفن الحياة. أنا شخصياً أؤمن بمبدأ «الحياة الأصيلة»، لذا أعتقد أنه ينبغي لي التعرف على أنواع شتى من الحياة، ومن ثم اختيار طريقي. كما أنصح الأصدقاء بقراءة هذه الكتب. أحدها كتاب «زهور المعرفة» لإريك إيمانويل شميت، الذي تصف قصته الأولى حياة الزهد والتقشف. وتدور أحداث القصة الثانية في الدين الإسلامي، والقصة الثالثة (أوسكار والسيدة ذات الرداء الزهري) تدور في الدين المسيحي، وأنصح الأصدقاء بشدة بقراءة القصة الثالثة. توصيتي التالية هي قصة إيمانويل الخيّر (الشهيد) من كتاب هابيل وعدة قصص أخرى لميغيل دي أونامونو. وفي الختام، أود أن أذكر هذه النقطة، وهي أن كل شخص لديه في حياته غموض ومشكلات يدركها هو نفسه، لكنه لا يستطيع معالجتها بالانخراط في تيار الحياة اليومية. الأمر أشبه بأن يكون الإنسان يقود سيارته ويسمع صوتاً يصدر منها، لكنه لا يستطيع إصلاحها أثناء القيادة. عليه أن ينعطف إلى جانب الطريق، ويتوقف، ويشرع في إصلاح سيارته. قد يتمكن شخص ما، بتوقف لمدة أسبوع، من العثور على مسار حياته، وشخص آخر بتوقف لعشر سنوات. كما أنه ليس هناك أي ضمان بأن تبقى صورتي عن الحياة واحدة طوال عمري. فصورتي وأنا في الخامسة والعشرين تختلف عنها وأنا في الخمسين. المهم هو أن أكون سعيداً وراضياً بصورتي في كل مرحلة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الأدب
الفن
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.