اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى ملكيان أن مقومات التدين العقلاني الأربعة تنتمي إلى السعي الديني لا إلى البصيرة؛ سعيٌ يتطلب رياضةً مدى الحياة. وهو يعتبر ضبط النفس سمة المتدين العاقل الذي لا يستسلم للرغبات الآنية، ويُحسِب حساب المصالح بعيدة المدى.

بسلام وتحية إلى حضرة جميع الأخوات والإخوة الكرام، سأبدأ بعرض مختصر وملخص من نقاشات الجلسة السابقة: كانت الجلسة السابقة تتناول المكونات «للتدين العقلاني» وتبين أن التدين العقلاني يبدو أنه الطريقة الوحيدة للتدين التي تقبل أولاً الخطاب المنطقي وثانياً تستحق قبول عقلية الإنسان الحديث. لقد عددت مكونات هذا التدين العقلاني بعقلي القاصر إلى اثني عشر مكوناً، وقد ذكرنا أربعة منها في الجلسة السابقة. .
بسم الله الرحمن الرحيم. بسلام وتحية إلى حضرة جميع الأخوات والإخوة الكرام، سأبدأ بعرض مختصر وملخص من نقاشات الجلسة السابقة: كانت الجلسة السابقة تتناول المكونات «للتدين العقلاني» وتبين أن التدين العقلاني يبدو أنه الطريقة الوحيدة للتدين التي تقبل أولاً الخطاب المنطقي وثانياً تستحق قبول عقلية الإنسان الحديث. لقد عددت مكونات هذا التدين العقلاني بعقلي القاصر إلى اثني عشر مكوناً، وقد ذكرنا أربعة منها في الجلسة السابقة.
المكون الأول كان أن التدين العقلاني هو تدين تنبثق عنه فلسفة حياة شاملة وجامعة لحياتي كلها، بدلاً من أن يكون جزء من حياتي فقط مختلفاً عن غير المتدينين، وتكون خطتي في الحياة كخطة من لا دين لهم.
المكون الثاني كان أن التدين العقلاني يعتبر الدين طلباً للحقيقة لا امتلاكاً للحقيقة، والمتدين الذي نما في التدين العقلاني لا يعتبر نفسه إلا طالباً للحقيقة، لا مالكاً لها. بالتالي، تختلف طريقة تعامله مع جميع من يتصورون دينهم ملكاً لهم.
المكون الثالث الذي تم عرضه كان أنه في التدين العقلاني، يوجد نوع من التفكير النقدي الحي والجاري، وهذا التفكير النقدي حي حتى في مواجهة النصوص المقدسة الدينية والمذهبية. لكن بالطبع التفكير النقدي لا يعني التفكير الطاعن. التفكير لا يمكن أن يكون طاعناً أصلاً. التفكير يكون تفكيراً عندما ينتبه في الوقت ذاته إلى المؤيدات، وينتبه أيضاً إلى المصادرات؛ بالتالي التفكير ليس طاعناً أصلاً، لكن على أي حال، الاستسلام المحض، الاستسلام العمي بدون دليل وبرهان، محظور في التفكير النقدي، حتى نسبة إلى النصوص المقدسة الدينية والأسطورية، يجب أيضاً هناك أن نسأل وفي الإجابة على الأسئلة نتأمل ونتعمق، وبعد التأمل والتعمق في إجابات الأسئلة، ستظهر أسئلة جديدة أيضاً، يجب أن نسأل تلك الأسئلة من جديد، بهذه الطريقة ينشأ جدل من السؤال والجواب، جدل يزيد كلما تقدم، من عمق فهم الدين عند الشخص المتدين.
المكون الرابع الذي تم عرضه، كان أنه في التدين العقلاني، يشعر الشخص المتدين بالأمان، بمعنى أنه يرى أنه لا شيء يضره.
هذه المكونات الأربعة التي تم عرضها كانت لها خاصية مشتركة، وهي أن جميعها تتعلق «بالمعتقد والرؤية الدينية». في هذه الجلسة سأتطرق إلى مكونات أخرى، وهذه المكونات بدورها تنقسم إلى مجموعتين من أربعة مكونات أخرى، وسأسعى بتفصيل أن أشرحها بطريقة تمكنني من إكمال النقاش.
بعد تلك المكونات الأربعة التي تتعلق بالرؤية الدينية، يبدو أن هناك أربعة مكونات أخرى لا تتعلق بالرؤية الدينية، بل تتعلق «بالسعي الديني»، لم أستخدم بشأن هذه المكونات الأربعة الثانية تعبير «الفعل الديني»، لسبب سيتضح لاحقاً؛ كان يمكن أن أقول «الفعل الديني»، أي السلوك الديني، لكن بدلاً من تعبير «الفعل» أو «السلوك»، استخدمت تعبير «السعي» لأبين أن - وستشهدون هذا لاحقاً في السياق - هذه ليست سلوكيات بسيطة، بل هي سلوكيات يجب أن يمارسها الفرد مع نفسه مدى الحياة، وهي نوع من الممارسة [1] وبما أنها ممارسة، فإن تعبير السلوك عنها تعبير بلا تكافح وحركة وليس تعبيراً مناسباً. المكونات الأربعة التي ستطرح، تشترك في هذا الجانب بأنها جميعاً أشياء تتطلب ممارسة مدى الحياة، تتطلب نوعاً من التدريب المستمر.
الخاصية الخامسة: المتدين العقلاني هو متدين يؤمن تماماً بضبط النفس والانضباط الشخصي:
المقصود بضبط النفس أو الانضباط الشخصي بالضبط هو: «عدم الاستسلام للرغبات الآنية والعابرة»، إذا كنت أراعي ما يتصور لي من منافع وأضرار، وهذه المنافع والأضرار يمكن تقسيمها إلى ثماني فئات:
1. المنافع والأضرار الدنيوية.
2. سلسلة من المنافع والأضرار الأخروية (فرضنا أننا نتعامل مع متدين ويعتقد بالآخرة، بأي صورة كانت).
3. المنافع والأضرار المادية
4. المنافع والأضرار المعنوية
5. المنافع والأضرار قصيرة المدى
6. المنافع والأضرار طويلة المدى
7. منافع وأضرار يتصور أنها موجودة فقط في الخلوة وفي الحياة بالمعنى الدقيق للكلمة، أي الخصوصية.
8. منافع وأضرار يتصور أنها موجودة في العلانية والحياة العامة والمجال الجماعي.
ثماني فئات من المنافع والأضرار المتصورة تندرج ضمن أربع ثنائيات. دون أن أقصد بسط الحديث، في التدين العقلاني، إذا اقتصرت في حساباتك على المنافع والأضرار قصيرة المدى والمنافع والأضرار المادية فقط، فإنك تكون قد أضعت الطريق بيديك، المتدين العاقل ليس من يستسلم لمنافعه ورغباته وميوله الزائلة، أو بتعبير أفضل الآنية والعابرة، بل يسيطر عليه نوع من الزهد وضبط النفس والانضباط الشخصي، وهذا الانضباط الشخصي ليس سوى حساب عقلاني تماماً، هذا الحساب الذي يقول: «كثيرة هي اللذات قصيرة المدى يتبعها ألم طويل الأمد» و«كثيرة هي الآلام قصيرة المدى يتبعها لذة طويلة الأمد»، إذا قبلنا هاتين القضيتين فقط، فإن لازمة ذلك أن يقول الشخص العاقل: فمجرد أن تكون هناك لذة قصيرة الأمد، لا يجب أن يدفعني ذلك للإقبال عليها، ومجرد أن يكون هناك ألم قصير الأمد، لا يجب أن يدفعني ذلك للفرار منه، فقد تكون هناك آلام قصيرة الأمد يجب أن نرغبها، وقد تكون هناك لذات قصيرة الأمد يجب أن نفر منها، ما يهم هو الحساب النهائي، ما يعود علي على المدى الطويل.
من يقوم بمثل هذا الحساب، فطبعاً يكتسب الزهد، أي طبعاً كثير من الأشياء التي تبدو في النظرة الأولى جميلة للفرد، لكنه يعرض عنها، وكثير من الأشياء التي تبدو في النظرة الأولى قبيحة للمتدين، لكنه لا يفر منها، بل يستقبلها؛ «وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ» (البقرة/216) كل هذا ممكن، وليس اختصاصاً بالإسلام، فديانة بوذا التي ينحصر كل اهتمامها في مسألة المعاناة، وكل دينها - بتعبير بوذا نفسه - ينحصر في طرق التحرر من المعاناة، وبهذا المعنى فهي ديانة قائمة بالكامل على أساس المعاناة، وفي نفس تلك الديانة أيضاً يؤكد كثيراً على ذلك، فقد شدد عليه في إحدى الكتب البوذية في إحدى عشرة موضعاً على أن «تحمل المعاناة القصيرة الأمد» ومن جهة أخرى أيضاً «ابتعد عن اللذات قصيرة الأمد». لا يعني هذا أنه الآن بما أن المقصود أن أتحرر من المعاناة، يجب أن أتحرر من كل معاناة؛ والآن بما أنني سأحاول أن أحصل على نوع من الراحة واللذة في حياتي، يجب أن أستقبل كل راحة ولذة. في حساب المعاناة والراحة يجب أن تراعى جميع تلك التقسيمات الثمانية المذكورة أعلاه وتؤخذ بعين الاعتبار.
هذا الزهد يجعل الشخص المتدين يعيش حالتين مستمرتين في حياته؛ حالة أسميها «التطهر» [2] وحالة ثانية أسميها «الرياضة» [3]:
التطهر: ما أقصده بالتطهر ليس ذلك التطهر الذي قد يتبادر إلى ذهن البعض، وكما أن قصدي بالرياضة ليس رياضة قد تتبادر إلى ذهن البعض. من يمتلك الزهد، فإنه أولاً يفكر في التطهر، والتطهر يعني إزالة كل شيء يتنافى مع نموي الروحي من الطريق، وتنقية وتطهير حياتي من كل الأشياء التي تشكل نوعاً من الإزعاج ونوعاً من العائق أمام نموي الروحي؛ هذا ما نسميه التطهر، أي التنقية والتطهير والتصفية، لا يعني أن نقول «كل ما يأتي يرحب به»، كثير من الأشياء التي تأتي لا يجب أن تأتي، وبالتالي فإننا لا نرحب بقدومها، ومن جهة أخرى، كثير من الأشياء التي لا تأتي، يجب أن نحاول أن تأتي،
الخلوص يعني تطهير الطريق لتيسيره، وكلما طهرنا الطريق من الأشياء التي عطلتها، فإننا في الحقيقة نسعى إلى الخلوص؛ نحن نيسر نموّنا الروحي. بالطبع هذا الخلوص نفسه أيضاً له شعب عديدة، وإذا أردت الدخول في تلك الشعب العديدة، انحرفت عن صلب الموضوع. لكن الخلوص أمر مهم جداً، فالعيش بطريقة خالصة يعني النظر إلى كل شيء بالمعيار التالي: هل هذا نافع لنموي الروحي أم ضار؟ إذا كان ضاراً فيجب أن يخرج من مسرح حياتي، بالطبع إخراج شيء من مسرح الحياة في الواقع يعني إخراجه من مسرح حياتي الداخلية، فنحن لا نستطيع دائماً أن نطهر المسرح الخارجي لحياتنا عندما نشاء، ما يهمنا هو تطهير المسرح الداخلي لحياتنا من كل شيء يسبب لنا الإزعاج. نسمي هذا الخلوص.
المجاهدة: الشخص الذي يملك ضبط النفس، بالإضافة إلى أنه يعيش عيشة خالصة، يعيش أيضاً حياة مصحوبة بالمجاهدة. فماذا تعني المجاهدة بالضبط؟ المجاهدة تعني أنني في مجال العمل، في مجال هذه الممارسة الداخلية التي أمارسها، يجب أن أكون دائماً منتبهاً لهذا الأمر وأظهره في الممارسة والتدريب بأن لا أحد يصل إلى مكان ما بدون عناء. بتعبير سبينوزا [4] «إن أشرف الأشياء في العالم هي أمرّ الأشياء في العالم»، لكن الأمر في العملية هو أنه لا يمكن الحصول على شيء شريف بدون مرارة،
لا توجد أي شريفة تُنال بكل سهولة، وما قيل بأن «الحق مر» - الحق مرّ - ليس هذا مختصاً بالحق فحسب، بل تقريباً كل شيء شريف، وبما في ذلك نيل الحق وتحصيل الحق وتحقيق الحق في الحياة، ليس أمراً سهلاً وبسيطاً، المجاهدة تعني قبول أن الأشياء الشريفة تُنال بصعوبة ومرارة. قبول هذه الحقيقة في العالم بأن لا شيء شريفاً يُنال بدون تضحية. العالم في جوهره هو عالم التضحية [5]، أي أنك لا تستطيع في العالم أن تعطي شيئاً دون أن تأخذ شيئاً، بل يجب أن تعطي لكي تأخذ.
المسألة تتعلق فقط بما هي الأشياء التي يجب أن تعطيها لكي تأخذ ما تريد، هذا وحده ما يهم، وإلا فإنك ما لم تعط شيئاً، بتعبير نيما يوشيج، لن تأخذ شيئاً، العالم هكذا بحيث أنك ما لم يأخذوا منك أشياء، لن يعطوك شيئاً، وفي هذا السياق كلما كان الشيء الذي تريده أشرف، كانت الأشياء التي يجب أن تعطيها أكثر، وبالتالي فإن المجاهدة تعني عدم النظر إلى الحياة كرفاهية، بل النظر إليها كضرورة. عندما أشعر بأن كل شيء يجب أن أعطيه، يجب أن أعطيه لأجل تحصيل أمر ضروري وليس لأجل تحصيل أمر ترفي - وعندما أقول «ترفي»، لا أقصد الترفيات الخارجية - فإن كل شيء أعطيه، وكل شيء أضحيه، وكل شيء أفديه، يجب أن أفديه لأجل شيء يشكل ضرورة في حياتي، وليس لأجل شيء إذا لم يكن موجوداً، فلن أشعر بأي نقص أو حاجة في حياتي.
المجاهدة تعني قبول أن الأشياء الشريفة لا تُنال إلا بمرارة وتعب، وفي رأس الأشياء الشريفة التي تُنال بمرارة، ثلاثة أمور عظيمة: 1- الحقيقة، 2- الخير، 3- الجمال، جميع الذين يسعون إلى الحقيقة والخير والجمال، يعيشون حياة مريرة وتعبة، وقد قيل بأن العيش بالشكل الصحيح - بتعبير سومرست مام - هو السير على حافة السيف (إشارة إلى رواية «حافة السيف» لسومرست مام)، لماذا السير على حافة السيف؟ لأنه حتى في بعض تعابيرنا الدينية ورد أن «الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف»، وكثير من عرفائنا فسروا هذه الجملة وقالوا إن معناها أن كل من يريد أن يصل إلى المقصد، يجب أن يسير في طريق من هذا النوع، طريق ضيق جداً وبالتالي يسلب من الإنسان فرصة المناورة والحركة، وهو أيضاً طريق خطير جداً، أي أنك إذا لم تضع قدمك بالطريقة التي يجب أن تضعها، فستؤذي قدمك.
لذا فالرياضة تعني قبول أنني لن أصل بسهولة إلى مكان شريف، وإذا كنت ستتحرك بطريقة متعرجة أو دورانية، فبالطبع يمكنك أن تعيش بسهولة، لكنك لن تملك حياة متقدمة موجهة نحو الأمام؛ جميع الذين تحركوا بطريقة متعرجة أو دورانية استطاعوا أن يعيشوا حياة ملتوية ومريضة، لكن جميع الذين عاشوا بجد هم أولئك الذين أرادوا حياة لا تكون متعرجة ولا دورانية، بل حياة متقدمة موجهة نحو الأمام.
جاء في نهج البلاغة أن علي بن أبي طالب (ع) قال: «لو أحبني جبل لتهافت» لو أحبني جبل لتفتت؛ أفهم هذا على الأقل بهذا المعنى: أن من أحب العدل والإحسان والمحبة والحقيقة بالطريقة التي كان علي (ع) يحبها، فحينئذ بالطبع لن يكون هناك سوى التفتت.
وفي تفسير تلك الآية التي جاءت في القرآن عن موسى (ع): «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَاعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (الأعراف / 143) قال موسى (ع): يا إلهي أرني بنفسي! قال الله: لن تستطيع أن تراني، وفي نفس الوقت انظر إلى الجبل، إذا رأيت الجبل ثابتاً في مكانه، فسوف تراني أيضاً، وعندما تجلى الله للجبل، تفتت الجبل وأغمي على موسى (ع)،
قال كثير من عرفاؤنا، بما فيهم محيي الدين العربي، إن معنى هذه الآية ليس أنه بالفعل إذا تجلى الله للجبل يتفتت الجبل، الله دائماً في حالة تجلٍ، لكن الجبل لا يتفتت، معنى الآية أنه إذا أردت أن تحصل على تشبه بالله، أي أن تتخلق بأخلاق الله، فستتفتت، إلا أنه تفتت لديك رضا درجة ثانية عنه، تفتت تستمتع به أنت بنفسك؛ وعلى أي حال لا أريد أن أطرح بحث الرضا من الدرجة الأولى والثانية، لكن من المهم جداً أن الفيزياء الحياة للأرواح الروحانيين من منظور ناظر قد تكون حياة مرة وقاسية جداً جداً، لكن هؤلاء الأرواح الروحانيين لديهم رضا من الدرجة الثانية عن هذه الحياة المرة والقاسية، ويستمتعون بها بأنفسهم.
حياة مليئة بالألم والمشقة، لكن في الوقت ذاته هي موضع رضاهم. هذا الرضا من الدرجة الثانية أمر مهم جداً جداً، وكل العرفاء وكل أولئك الذين مارسوا السير والسلوك الروحاني كانوا ينتبهون إلى أنك تستطيع أن تعيش حياة صعبة لكن الرضا الذي لديك عن هذه الحياة أكثر من أولئك الذين لا يعيشون هذه الحياة الصعبة ويعيشون في نوع من الرفاهية والترف.
على أي حال الرياضة تعني قبول أنني لا أستطيع أن أصل إلى مكان شريف إلا إذا مهدت لنفسي بعض المرارات؛ هذه الرياضة هي في الحقيقة نوع من التضحية، وما يثير الاهتمام أنه في اللغة الإنجليزية وبعض اللغات الأوروبية الأخرى، بما فيها الفرنسية والألمانية - بالطبع بقدر ما أعرفه من خلال اللغة الإنجليزية - التضحية تُعبَّر عنها بكلمة تحتوي على معنى القداسة أيضاً؛ فمثلاً في اللغة الإنجليزية "التضحية" (Sacrifice) مرتبطة عائلياً بـ "المقدس" (Sacred)، أي أن المقدسات يمكن الحصول عليها بالتضحية، لا يمكننا أن نحصل على الأمر المقدس إلا إذا اضطررنا إلى التضحية وفداء شيء ما، وبهذا المعنى قال البعض إن العرفاء يمكن اعتبارهم كأشخاص يكونون دائماً على المذبح، دائماً في حالة تضحية بشيء ما حتى يصلوا إلى أمرهم المقدس. هذا الأمر المقدس بالطبع يمكن أن يكون "الحقيقة"، يمكن أن يكون "الخير" ويمكن أن يكون أيضاً "الجمال" والعرفاء يسعون وراء المسائل الثلاث، لكن في النهاية هذا الأمر المقدس مهما كان، فإنه يتطلب هذه التضحية.
حاصل هذا كف النفس ثلاثة أمور التي أذكرها فقط لكي أكمل هيكل بحثي، وهي أن الذين يكفون أنفسهم ويخضعون للرياضة، يحصلون في حياتهم على ثلاث مزايا وخصائص تمييز عن الآخرين:
الخصيصة الأولى؛ «الصلابة الرحيمة»: الميزة الأولى التي يكتسبها هؤلاء الأشخاص في الحياة هي نوع من «الصلابة» و«الاستقامة»، يحققون في الحياة نوعاً من الاستقرار لا يتزعزعون معه لكل ريح، يقول مثل أمريكي معروف أن فلاناً قوي لأنه صادق، وهذا تعبير دقيق؛ فلان يملك قوة مائة رجل لأنه صادق؛ هؤلاء الأشخاص يحققون قوة مائة رجل،
أو بتعبير الديانة البوذية، ينحنون لكن لا ينكسرون، وفي الديانة البوذية الجملة المشهورة للبوذا أنه يقول، «كن مثل حقل القمح» حيث تنحني أشد الرياح سنابل القمح، لكنها لا تنكسر، وما إن تمر الريح حتى تستقيم من جديد؛ الأشخاص الذين لديهم حظ نفس لا ينحنون أبداً أمام الشدائد، ولديهم نوع من الصلابة - بالطبع صلابة رحيمة - أو بتعبير آخر استُخدم في أحد كتب البوذيين، صلابتهم هي صلابة فيها مرونة، وليست صلابة فيها جمود؛ صلابة الماء لا تنكسر، لكن صلابة الحجر تنكسر. الحجر مهما كان صلباً، في النهاية ثمة معدة تستطيع أن تحطمه. لكن لا شيء يستطيع أن يحطم صلابة الماء، ولذلك تغلب صلابة الماء على صلابة الحجر.
الخصيصة الثانية؛ «التفرد» [6]: الخصيصة الثانية للذين يكرسون أنفسهم للرياضة الروحية - الرياضة بالمعنى الذي شرحته - ويقبلونها ويحققون هذه الممارسة بالكامل في حياتهم، هي أن هؤلاء الأفراد يكتسبون نوعاً من التفرد. أي أنهم يختلفون عن الآخرين، تزول منهم «المواسطة» أو «الوسطية» [7] في الحياة؛ إذا لاحظتم، نحن عادة وسطيون ولا نملك تفرداً، لكي أوضح قصدي بشكل جيد، أضرب مثالاً، عندما تشتري ثلاثة أنواع من الفواكه، مثلاً تفاحة وبرتقالة وبطيخة وتأخذها إلى البيت، إذا لاحظت فالتفاح يصدر رائحة التفاح تماماً، لا أي فاكهة أخرى، والبرتقال يصدر رائحة البرتقال تماماً، والبطيخ يصدر رائحته الخاصة. ثم إذا تركت هذه الفواكه في الثلاجة بجانب بعضها لعدة أيام، عندما تخرجها بعد ذلك، تصدر التفاحة رائحة الفواكه الثلاث جميعاً، والبرتقالة أيضاً تصدر رائحة الثلاث، والبطيخ أيضاً يصدر رائحة الثلاث، ولا واحد منها يصدر رائحته الخاصة.
مثل هذه الحالة هي حالة المواسطة والوسطية، أي حالة ننا جميعاً نصدر رائحة بعضنا جميعاً ولا واحد منا يصدر رائحته الخاصة، هذا يعني «عدم امتلاك التفرد»، لكن الشخص الذي يكرس نفسه للرياضة الروحية، يكتسب التفرد، أي أنه ليس مثل الجميع يصدر رائحة الجميع، بل يصدر فقط رائحته الخاصة، الوسطية بالتعبير الذي يستخدمه نيتشه [8] - هذا الفيلسوف فعلاً عميق التفكير وجدير بالحب - يعني أننا نملك حاصل تقسيم جميع المجموعات، إذا لاحظت في المثال الذي طرحته، كل واحد من الفواكه الثلاث بعد البقاء في الثلاجة تصدر رائحة، لكن لا واحد منها يملك رائحته بشكل نقي.
نحن جميعاً مثل هذه الفواكه متشابهة، والسبب في ذلك أيضاً أنك ترى أن حياتنا متطابقة وليست مختلفة، نسعى جميعاً باتجاه شيء واحد، لنا جميعاً نفس الميل، وإذا خرج شخص من هذه الوسطية، يبدو لنا تماماً «غير تقليدي» [9]، لأنه يصدر فقط رائحته الخاصة، من وجهة نظرنا فعلاً غير عادي، الآن قد نتعامل بوقاحة ونقول أنه مجنون وأحمق، وقد لا نتعامل بوقاحة، نقول أن هذا كائن غريب، «غريب» يعني أنه يصدر فقط رائحته الخاصة، يملك فقط مواصفاته الخاصة.
الرياضة الروحية توصل الإنسان إلى هذه الحالة بحيث تهبه تفرداً، أي أنني أنا فقط أنا وهذا «أنا فقط أنا» يعني أنني لا أصدر رائحة الجميع، فقط ورائط رائحتي الخاصة، الأشخاص الذين يصدرون رائحتهم الخاصة - بالتعبير الذي شرحته - كلما تقدموا أكثر على سلم الرياضة الروحية، اقتربوا أكثر من هذه الحالة، لكن بالتأكيد سأقول في إحدى الخصائص الأخرى أن هذا لا يخلق لمثل هؤلاء الأشخاص أي نوع من التفوق.
الخصيصة الثالثة؛ «العمق البصير»: أما الأثر الثالث للرياضة فهو أنها تمنح الإنسان عمقاً لا يملكه الإنسان العادي، الرياضة تجعل الشخص عميق النظر؛ لسهراب سپهري قصيدة طريفة، يقول فيها إنك عندما لا تملك حذاءً، تشعر بالحجارة وارتفاعات وانخفاضات الطريق بشكل أفضل، القدم الحافية تدرك أن هنا رمل، كل من يعاني في الحياة، يصبح فهمه للعالم بأسره أعمق وأكثر اتساعاً وعمقاً بالنسبة إلى كل العالم.
الخصيصة السادسة: المتدين العاقل يصل تدريجياً إلى مرحلة «الحاكمية الذاتية» [10]:
أما الخصيصة التالية، وهذه أيضاً بصيغة تمرين يجب أن نجده في أنفسنا، فهي أن المتدين العاقل يجب أن يصل تدريجياً إلى مرحلة الحاكمية الذاتية، وليس أن يبقى إلى الأبد في مرحلة «الحاكمية الأخرى» [11]؛ ومرة أخرى لكي أشرح المسألة بسهولة، أضرب مثلاً: لاحظ أنك عندما لم تدرس الطب على الإطلاق وليس لديك أي معلومات عن الطبابة، في هذه الحالة تمرض، ثم تذهب إلى الطبيب وتتبع وصفته، وطالما تبقى في هذه الحالة من الجهل والغفلة بشأن الطبابة، من يسألك - طالما يبقى جهلك بالطبابة - لماذا تتبع هذه الوصفة؟ تقول، لأن السيد أو السيدة الدكتور قال ذلك، في الواقع أنت تظهر نفسك مطيعاً ومنقاداً «للسيد أو السيدة الدكتور» وبالطبع لا مانع من ذلك؛ إن ظللت على هذه الحالة إلى نهاية حياتك، أي إلى نهاية حياتك لم تكتسب أي معرفة طبية، فإنك حتى نهاية حياتك كلما تبعت الوصفة، يجب أن تقول ذلك، يجب أن تقول أنني أتبع الوصفة لأن «السيد الدكتور» أو «السيدة الدكتور» قال ذلك؛ طالما أنت في هذه المرحلة تعيش وفقاً لتعبير تيليش [12] في نوع من «الحاكمية الأخرى»، شخص آخر يأمرك، وفي هذا المثال ذلك الآخر هو الطبيب، وبالطبع لا عيب في ذلك؛ لكن متى تطرأ هذه المسألة؟
عندما تريد أن تستمر هذه العملية إلى الأبد، لكن إن حدث أثناء مرضك أن أصبحت معجباً بالطب تدريجياً وذهبت وتعلمت الطب، فعندئذ يأتي يوم تشعر فيه أنه من الآن فصاعداً، أنا أتبع هذه الوصفة التي كتبها الطبيب، لكن لا لأن الطبيب كتبها، من الآن فصاعداً أنا أيضاً أفهم أن هذه الوصفة هي الوصفة الصحيحة؛ أنا أيضاً أفهم أن العلاج الأكثر فائدة لمرضي هو هذا؛ من الآن فصاعداً قد تتبع نفس الوصفة لكنك لن تقول «لأن الطبيب كتبها»، بل تقول أنا بالمعرفة الطبية التي أملكها أعلم أن هذه الوصفة هي الوصفة الوحيدة والفريدة لمرضي. من هذه اللحظة فصاعداً أنت لم تعد «محكوماً من آخر»، بل أنت تحكم نفسك بنفسك، التدين في مرحلته الأولى لا شك أنه «حاكمية أخرى»، أي أنه في المرحلة الأولى كل من يصبح متدياً يأخذ الأوامر من شخص يسمى «الله»، يأخذ الأوامر من شخص يسمى «الشارع»، الكتاب المقدس والمذهب بالنسبة له يأدي دور الوصفة التي كتبها طبيب، والطبيب لأنه كتب هذه الوصفة يتبعها، لكن يجب أن يسعى تدريجياً ويكتسب عمقاً دينياً بحيث يقول، حتى لو لم يقل الله ذلك، كان هذا هو الصحيح؛ أغلبنا لا يصل إلى هذه المرحلة إلى نهاية حياتنا، لأننا لا نملك ديناً عقلانياً، نبقى إلى نهاية حياتنا في نفس حالة الحاكمية الأخرى، أثر الحاكمية الأخرى أنه وفقاً لتعبير آخر يستخدمه هيغل [14] وماركس [15]، الإنسان يصبح غريباً عن نفسه،
الإنسان الذي لم يعد مأموراً من الخارج هو غريب عن ذاته، لا يصالح نفسه، لأنه يرى دائماً نفسه منفصلة عن موجود آخر، هذا الموجود الآخر إن قال افعل يفعل، وإن قال لا تفعل لا يفعل، لكن الإنسان الذي يصل إلى مرحلة «تحكم ذاته»، يبدأ ببطء في أن يقول: لا، حتى لو لم يقل الله ذلك ما كان هناك سبيل آخر. تجد العرفاء عادة في جميع الأديان والمذاهب، من مرحلة معينة فصاعداً، يظهرون نوعاً من تحكم ذاتهم، وبالطبع هذا لا يعني أنهم لا يتقبلون أو لا يطيقون النصوص الواردة في دينهم، ليس الأمر هكذا، بل أنهم لا يلتزمون بهذه النصوص لمجرد أن مؤسس الدين أو المذهب قالها، بل التزامهم يكون بسبب فهمهم الشخصي لها؛ العارف الإيراني كان يقول: إلى متى تقولون «حدثني فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن فلان» حتى تصلون إلى رسول الله(ص) - لأن هكذا هو الحال في كتب الحديث عندنا، نقول «حدثني» أي أخبرني فلان بأنه نقل عن فلان وهو نقل عن آخر وهو نقل عن آخر حتى نصل إلى رسول الله(ص) - عندئذ كان عارفنا يقول: أنتم إلى متى تقولون «حدثني فلان عن فلان عن فلان» حتى تصلون إلى رسول الله(ص)؟ أنا أقول «حدثني قلبي عن ربي»، قلبي سمع من الله مباشرة بدون واسطة؛ «قلبي سمع من الله» لا يعني التمرد، بل يعني أنني فهمت الآن أن هذا هو الحق، فهمت أن ما قاله الله هو الحق، وبالتالي فإن التزامي بالدين من بعد ليس لمجرد أن الله قاله، بل لأنني فهمته بنفسي أيضاً.
هذه الحالة تظهر عند الإنسان المتدين المثقف، لكن بالنسبة لي ولأمثالي قد لا تحدث مثل هذه الحالة حتى نهاية العمر، وبالتالي يجب أن يقولوا لنا دائماً «قال الباقر(ع)» و«قال الصادق(ع)». إنهم لا يخطئون، إنهم يفهمون، لكن مخاطبيهم لا يقبلون حتى يقال لهم «قال الباقر(ع)» و«قال الصادق(ع)»؛ إنها لا تزال نقلاً، لا تزال سماعاً، لم يصل بعد إلى شيء بنفسه، وإلا فلن تكون بحاجة إلى أن تقولوا هكذا من قال، من قال، بل حين تعرضون الكلام، الإنسان الذي مر بمثل هذه التجربة كان يقول: هذا الكلام حق، لا حاجة إلى أن تقولوا من قاله، من أراد أن يقوله فقد قاله، ومن لم يرد فلم يقله، هذا الكلام صحيح! وهذه حالة أخرى لها آثار ونتائج خاصة بها أيضاً.
الخاصية السابعة: المتدين العاقل يعيش في عدم اليقين والقلق وفي نفس الوقت في الاطمئنان:
أما الخاصية السابعة التي يجب أن نعاملل أنفسنا بها فهي أن نعيش في عدم اليقين، ما معنى العيش في عدم اليقين؟ في الجلسة السابقة بُيِّن أن الإنسان المتدين العاقل يعيش في نوع من الاطمئنان، لكنني قلت في نفس الوقت أنني سأذكر في الجلسة القادمة خاصية لا تظنوا أنها متنافرة مع هذه الخاصية التي أقولها الآن؛ هذه الخاصية التي أقولها الآن هي الخاصية التي تبين أن الإنسان المتدين يعيش في عدم اليقين، بمعنى أنه إذا كان الحال أنه يجب إقامة برهان على المدعيات الدينية والمذهبية، فحتى في صالح مدعاة دينية ومذهبية لا يوجد برهان عقلي لا يمكن الطعن فيه، أي بالطريقة التي أستطيع أن أثبت لكم أن «مجموع زوايا المثلث 180 درجة»، و«زاوية السقوط تساوي زاوية الانعكاس»، و«الصيغة الجزيئية للماء H2O»، و«حاصل ضرب الضغط والحجم للغاز يساوي ثابتاً»، لا أستطيع بنفس الطريقة أن أثبت لكم أن «الله موجود»، ولا أستطيع أبداً أن أثبت أن «الحياة الآخرة موجودة»، أبداً، لا يوجد أي دليل لا يستطيع أي مفكر أن يطعن فيه، ولا يستطيع أي مفكر دقيق أن يشكك في مقدمة من مقدماته، لا يوجد على المدعيات الدينية، أي أن المدعيات الدينية وإن لم تكن «معادية للعقل» فإنها «تتجاوز العقل».
الادّعاءات الدينية، بخلاف قول من يعتقد أنهم عقلانيون، ليست عقلانية، لكن بخلاف قول من قالوا إنها «معقولة»، فهي ليست معقولة أيضاً، لا هي معقولة ولا عقلانية، بل هي غير معقولة، وكلها بلا استثناء غير معقولة؛ القضية المعقولة تعني قضية يستطيع العقل وحده أن يثبت صحتها؛ والقضية العقلانية هي قضية يستطيع العقل وحده أن يثبت زيفها؛ أما القضية غير المعقولة فهي قضية لا يستطيع العقل وحده أن يثبت أنها صحيحة، ولا أن يثبت أنها زائفة؛ قال البعض إن القضايا الدينية والمذهبية عقلانية تماماً، أي أن العقل يستطيع أن يثبت زيفها، ويبدو أن هذا الادعاء غير صحيح.
من جهة أخرى، يعتقد كثير من علماء الكلام والفلاسفة، خاصة في الأديان الإلهية وخاصة في الإسلام، أن القضايا الدينية والمذهبية معقولة، أي أن العقل يستطيع أن يثبت صحتها، وهذا أيضاً غير صحيح، فالعقل وحده لا يستطيع أن يثبت صحة القضايا الدينية. نحن نعيش في فضاء وأجواء وحالة يكون فيها جميع القضايا غير معقولة، أي لا يمكن إقامة الدليل العقلي لصالحها ولا ضدها، لا لصحتها ولا لزيفها، وبالتالي فإن هذه القضايا، إذا وفقط إذا كانت المسألة مسألة إثبات عقلي، فهي من الناحية المعرفية متساوية في الكفة مع نقائضها، ولا تتفوق واحدة على الأخرى من حيث الاستدلال العقلي الخالص.
حسناً، إذا كان الحال كذلك، فإن المتدين يعيش في حالة عدم يقين، في حالة عدم طمأنينة، لكن القصة الرائعة للتدين العقلاني تكمن في أن الإنسان المتدين العاقل غير متيقن لكنه مطمئن، لا يملك الاطمئنان لكنه يملك السكينة؛ دعني أعطيك مثالاً جميلاً جداً على عدم الاطمئنان وفي الوقت ذاته السكينة، كيركيغور [16] المفكر والعارف الدنماركي القيم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لفت انتباه جميع المفكرين للمرة الأولى إلى نقطة في دفاع سقراط - دفاع سقراط، أي عندما حضر سقراط محاكمته في المحكمة، تجميع الكلام الذي ألقاه سقراط، قام طالبه (أفلاطون) بتنظيمه في رسالة وكتاب، ويمكن أن يقال إن هذا الكتاب هو أهم وأشهر كتاب لأفلاطون وهو يسمى «الدفاع» - لاحظ كيركيغور نقطة في هذا الدفاع وهي أنه يقول:
إذا تأملنا في هذا الدفاع، نجد أن سقراط يؤكد في كل مرة أن «إذا حدثت حياة بعد الموت»، أي أنه لا يتيقن من الحياة بعد الموت، لكنه يقول انظروا، مع أنه لا يتيقن من الحياة بعد الموت، واجه الموت بشجاعة لم يكن لها نظير في التاريخ، لم يحدث في داخله أي خوف أو فشل أو اضطراب أو قلق، قَبِلَ حكم موته بكل شجاعة، وحتى بعد ذلك كان يستطيع بأبسط طريقة أن يهرب من السجن وينجو، لكنه لم يقبل أي من العروض للإفلات من السجن، بل استقبل الموت بكل شجاعة. لذلك كان سقراط شخصاً لم يكن متيقناً من الحياة بعد الموت لكنه استقبل الموت مع السكينة، السكينة في عدم اليقين، ثم يقول كيركيغور إنه كم عدد الفلاسفة الذين ظهروا في التاريخ كانوا يعتقدون أنهم يثبتون الحياة بعد الموت بأدلة لا تقبل الطعن، لكنهم أنفسهم كانوا يخافون من اسم الموت! معنى ذلك أنهم كانوا يعتقدون من وجهة نظرهم أن الحياة بعد الموت موجودة، لكن الاطمئنان لم يعطهم السكينة، وسقراط لم يكن متيقناً لكنه كان مطمئناً، كان هادئاً لكنه لم يكن متيقناً؛ المؤمن الديني أي المتدين في حياته كلها يكون هكذا، لا يملك اليقين لكنه يملك السكينة، لا يملك الاطمئنان لكنه يملك السكينة.
إذا تأملت، ترى أن القرآن ورد فيه مثلاً بشأن النبي(ص) «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا» (الإسراء / 79) «عسى»، أي «ربما»، لا يقين في الأمر، والإمام السجاد(ع) في الصحيفة السجادية يقول «إلهي لسنا نتكل في نجاتنا على أعمالنا بل بفضلك علينا» يا إلهي لا نملك أي اتكال على أعمالنا في النجاة، بل اتكالنا على فضلك في حقنا؛ يا إلهي نحن لا نملك أي اطمئنان، أي أنني في عدم اطمئنان، لكنني أحافظ على سكينتي،
هذا ناشئ عن أن المتدين العقلاني، لا المتدين التقليدي، لا المتدين الذي ورث الدين، يفهم أنه لا يستطيع أن يقدم برهاناً عقلياً لا تشوبه شائبة لأي من الدعاوى الدينية. الشخص الصادق يعترف بهذا أيضاً، إذا كنت صادقاً فإنني أعترف بأنني في الوقت الذي أكون فيه متديناً وأملك التزامات روحية، إلا أنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أثبت بإثبات عقلاني لا تشوبه شائبة أي من مدعياتي الدينية، لكن عدم هذا الإثبات العقلاني لا ينزع عني اطمئناني، إنني أملك الاطمئنان بعد. هذه نقطة، نقطة قيمة جداً جداً، وأنقل لكم مرة أخرى بتعبير أخذته من الكاردينال نيومن [17] - نيومن هو واحد من أعظم الكاردينالات في تاريخ المسيحية الكاثوليكية - وله جملة مشهورة جداً تُنقل أحياناً في كتب فلسفة الدين وعلم الفكر الديني، حيث كان يقول إن هناك شيئين يجتمع فيهما عدم التيقن مع الاطمئنان:
أحدهما «الإيمان الديني»، والآخر «الحب»؛ تصوروا عاشقاً قد زيّن نفسه بالكامل، طهّر نفسه تماماً من كل جهة، وافترضوا أنه أخذ هدية، باقة من الزهور في يده، وذاهب نحو منزل معشوقه، لكنه ليس لديه أي تيقن بأن المعشوق سيفتح له الباب ويقبله، ليس لديه أي تيقن، لكن بينما ليس لديه أي تيقن، وليس يستبعد أن المعشوق قد لا يفتح الباب في وجهه على الإطلاق، إلا أنه بعد كل هذه التحضيرات والمقدمات والتمهيدات، هو غير ساخط وهو راضٍ. وإذا قلنا له الآن هل أنت متيقن بأنه بعد كل هذا الجهد الذي بذلته سيفتح معشوقك الباب؟ يقول، لا، أنا لست متيقناً لكن مع هذا أنا راضٍ، إنه «عاشق راضٍ».
الآن افترضوا أن عاشقاً لديه نفس هذه الحالة، ثم يقول بكل قطعية وتمام، أنا متيقن بأنهم سيفتحون الباب لي، أنا متيقن بأنهم سيقبلونني، أنهم لن يرفضونني؟ هذا مستحيل!! لا نسمي هذا العاشق عاشقاً راضياً، بل يجب أن نسميه «عاشقاً راضياً عن نفسه»؛ بينما المتدين العقلاني هو عاشق راضٍ، لا عاشق راضٍ عن نفسه، إنه يقول أنا لست متيقناً لكن مع هذا لست نادماً على الإطلاق. المتدينون العقلانيون يعيشون على أساس مبدأ ما، يكتشفون يوماً بعد يوم في هذا المجال صحة هذه المبادئ، لكنهم ليسوا راضين عن أنفسهم.
إذا قلنا إن إلهك موجود حتماً كما تتصوره، هذا غير صحيح؛ من يقول أنا أعرف شوارع الآخرة زقاقاً زقاقاً، هو عاشق راضٍ عن نفسه؛ أنا لا أعرف على الإطلاق «ما يُفعَل بي غداً»، أنا لا أستطيع أن أقول ماذا سيكون غدي، فكيف إذاً أعرف شوارع الآخرة زقاقاً زقاقاً؟ أنا حتى لا أنا متيقناً من أصل الآخرة، «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم» يظنون أنهم سيلقون ربهم، لديهم ظن وتخمين لا يقين، وأنا قلت مراراً أن الأصدقاء مرة واحدة انظروا إلى القرآن من هذه الزاوية، القرآن كلما يتعلق بالغيب يعبر عنه بألفاظ مثل «ظن»، «لعل»، «عسى»، «الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون» (البقرة/ 46) وهؤلاء المتدينون التقليديون هم الذين راضون عن أنفسهم، عاشقون راضون عن أنفسهم، لكن المتدين العقلاني فقط يقول نحن في الواقع لا نملك تيقناً، لكن في الوقت نفسه نحافظ على اطمئناننا، نحن غير ساخطين على الإطلاق على هذه الحالة التي حصلت.
أن تستطيعوا أن تعيشوا في الحب مثل الإيمان وفي الإيمان مثل الحب، الحب والإيمان هما عدما تيقن واثنان من الاطمئنان، عدم التيقن في عين الاطمئنان، إذا استطعتم أن تحافظوا على هذا، يمكن القول إنكم في الحقيقة متدينون عقلانيون، ديتريش بونهوفر [18] - المفكر البروتستانتي المشهور الذي قُتل في سجون النازيين، وهو واحد من أعظم اللاهوتيين البروتستانتيين، ومجموعة رسائله التي كتبها من السجن نُشرت تحت عنوان «رسائل السجين» - يقول إن الإنسان الناضج، هو الإنسان الذي يعيش في عدم التيقن وفي الوقت نفسه مع الاطمئنان، الإنسان غير الناضج إما أن يملك التيقن والاطمئنان معاً أو لا يملك أياً منهما، الإنسان الناضج، هو الإنسان الذي في الوقت الذي يملك فيه الاطمئنان، إلا أنه لا يملك التيقن.
الخاصية الثامنة: المتدين العقلاني يخدم نوعه - فقط من جهة أنه نوعه - خدمة إنسانية:
أما السمة الثامنة فهي أن المتدين العاقل يؤدي الخدمة الإنسانية لبني جنسه، فقط من حيث أنه إنسان وليس من أي اعتبار آخر، لا من حيث أن دينه هو نفس دينه، ولا من حيث أن عقيدته هي عقيدته، ولا من حيث أنه يشاركه في الجنسية أو القومية أو اللون والعرق والمصالح والعقائد، بل الخدمة الإنسانية لجميع البشر من حيث أنهم بشر فحسب،
وبتعبير ورد أيضاً في أحاديثنا: «الناس عيال الله، أنفعهم إليهم أحبهم إلي» أو كما جاء في الحديث القدسي: «الناس عيالي، أنفعهم إليهم أحبهم إلي»، أي الناس نساء وأطفالي، من كان أكثر نفعاً لهم كان أحب إليّ؛ هذا النظر الذي يقول «أنا عاشق لكل العالم لأن العالم كله منه»؛ أما الأديان التقليدية فتقول: عندي المتدينون بديني معتبرون وليس المختلفون؛ القرآن يقول النبي «رحمة للعالمين»، لكن لو أطاعنا الأمر لقلنا: لا، بل «رحمة للمسلمين» فقط، بل فقط للمسلمين الشيعة، بل فقط للشيعة الإمامية الاثني عشرية، أما الإمامية الثمانية والإسماعيلية والكيسانية والزيدية وغيرهم فلا، فقط الشيعة الاثنا عشرية، ولو أطاعنا الأمر مرة أخرى لقلنا: لا، يجب أن يزوروا مسجد جمكران أيضاً ويفعلوا أشياء أخرى أضيفت حديثاً بعد الثورة؛ لو فعلتم هذا فلن يبقى إلا علي وحوضه، لن يبقى أحد؛
لكن الشخص الذي يملك فعلاً ديناً عقلانياً يقول: الإنسان محترم من حيث أنه إنسان، وعليّ من حيث أنه إنسان أن أؤدي الخدمة الإنسانية له. ويليام جيمس [19] عالم النفس والفيلسوف الأمريكي الشهير، في كتابه الشهير «أنواع الخبرة الدينية» [20] يصف خصائص الأشخاص القديسين - بتعبيره هو - وفيه يذكر من بين خصائص مختلفة أنه يقول: لم أشهد طوال التاريخ قديساً واحداً سأل أحداً: «ما دينك؟» أو «ما مذهبك؟» أو قال لمسكين: «هل تؤدي عباداتك أم لا؟»؛ أي أن الذين هم قديسون يملكون نوعاً من الرحمة والمحبة والشفقة تجاه جميع البشر من حيث أنهم بشر، لا من حيث أنهم ينتمون لدين ومذهب خاصين؛
هذه الشفقة والرحمة تتحقق عندما تستطيعون أن تبعدوا ثلاثة أشياء من عقلكم وضميركم عند مواجهتكم لأي إنسان: أولاها أنكم عندما تواجهون إنساناً، تستطيعون أن تنسوا ماضيه؛ معظمنا لا يستطيع أن يتعامل مع جميع الناس بطريقة عاطفية مناسبة، وذلك لأننا لا نستطيع أن لا نستحضر ماضي الإنسان الذي هو محاطبنا والذي نواجهه؛ عندما نستحضر الماضي، عندها نذهب إلى حد أن نقول: «يا سيد! هذا الشعب شعب آباؤهم هاجموا بلادنا قبل سبعمائة سنة، انظروا إلى أين وصلنا!! ... [21]
روى عن سليمان عليه السلام قصة حيث أنه عندما كان يملك القوة والثروة قال: يا إلهي دعني يوماً واحداً أكون مسؤولاً عن رزق المخلوقات وفي هذه القصة عدة نقاط لا أقصد أن أطرحها جميعاً الآن، لكن هناك نقطة واحدة وهي أن سليمان عندما كان يقابل أحداً كان يسأله عن معتقداته ويرفضه ويطرده؛ ثم قيل أن الله قال له: إني كنت أرزق هذا الشخص طوال عمره، لكن لم أسأله أبداً: هل تقبل الله أم لا؟
حقاً لسوء الحظ هذا الفهم قد ترسخ فينا، وهو أننا يجب أن نحسن فقط إلى الذين يشبهوننا، وبعد ذلك عندما نحاول أن نتدقيق في هذا التشابه، نرى تدريجياً أنه لا أحد يبقى يمكن أن يكون محل إحساننا. أما الشخص الذي يملك ديناً عقلانياً فيقول: كل هؤلاء آثار الإله و«من أحب شيئاً أحب آثاره» - من أحب موجوداً أحب آثاره أيضاً. هذا الفهم لا يوجد بيننا.
المتصوفون والعارفون كانوا دائماً يقولون إننا أحياناً نهدي الآخرين إلى الطريق الصحيحة عندما نتصرف على خلاف تطلعاتهم وآمالهم. تخيل أنك ضربتني، وأصبح لدي الآن القوة لكي أثأر منك، فإن أعظم عامل للتحول فيك هو أن أتصرف على خلاف ما تتوقعه. أنت تتوقع مني الانتقام، لكنني أتصرف على خلاف توقعاتك. بتعبير ميشيل فوكو [22] المفكر العارف المشهور: «بدلاً من أن تعترض على الناس، اعترض على توقعاتهم، عندئذ تصبح محبوباً لديهم.» إذا كانوا يتوقعون منك الانتقام، فلا تنتقم، وهذا هو الإكسير الذي يحول الآخرين.
المكونات الرابعة إلى الثامنة هي أربعة مكونات من «الجهد الديني»، وعلينا أن نقوم بهذا الجهد الأربعي لكي نستطيع أن ندعي بأن لدينا تديناً عاقلاً. لكن هناك أيضاً أربعة مكونات أخرى، وهي أننا يجب أن نملك أربع «نزعات دينية» خاصة، «نزعة»، «طريقة تلقٍ»، «طريقة نظر إلى المجتمع»، يجب أن ننظر إلى العالم بأربع طرق خاصة، هذه الطرق الخاصة في النظر إلى العالم، بهذه العين التي ننظر بها إلى العالم، بالطبع تؤثر على معتقداتنا ورؤيتنا وتؤثر أيضاً على جهودنا، وبالتالي تؤثر كما في القسمين السابقين، لكن على أي حال فإنها بنفسها ليست من نوع «الجهد»، وليست من نوع «الرؤية» أيضاً، بل هي نوع من «النزعة»، نوع من «الاتجاه»، نوع من «طريقة التلقي».
الخاصية التاسعة: المتدين العاقل يمتلك نظرة واقعية عن ذاته:
النزعة الأولى هي أن المتدين العاقل يستطيع أن ينظر إلى ذاته نظرة واقعية، تماماً كما أستطيع أن أنظر إليك نظرة واقعية؛ إذا امتلكت يوماً القدرة على أن أنظر إلى ذاتي بواقعية، أي أن أستطيع أن أواجه روحي العارية بدون أي ستار، فعندئذ أستطيع أن أجد نقاط قوتي وضعفي، أستطيع أن أجد أخطائي وصوابي. هل لاحظت أنه في جميع الأديان يُشجع على «التوبة»، التوبة هي النظر العينية [23] والواقعية إلى الذات، من لا ينظر إلى ذاته نظرة عينية لا يستطيع أن يتوب. من يستطيع أن ينظر إلى ذاته كما ينظر إلى الآخرين، مثل هذا الشخص يستطيع أن يتوب؛ لأنه إذا لم ينظر أحد إلى ذاته نظرة عينية، لم يستطع أن يرى عيوبه. من ينظر إلى ذاته بصورة عينية، يستطيع أن يتوب. في الواقع التوبة هي نظرة محايدة عن الذات. الشخص الذي يتوب قد نظر إلى ذاته نظرة محايدة؛ وبما أنه نظر إلى ذاته بمحايدة وليس بانحياز، رأى سيئاته. أن أستطيع أن أرى ذاتي كما يراها الآخرون، بل حتى أن تكون لدي نظرة أشد تشدداً من نظرة الآخرين لي، هذه هي نظرة عاقلة. هذه هي طريقة تلقٍ صحيحة، سعدي قال:
مرني شخص عالم مرشد شهاب برّ دو موعظة على سطح الماء
الأولى أن لا تكن معجباً بنفسك والأخرى أن لا تكن متحاملاً على الغير
في سفينة أستاذي أسدى لي موعظتين، «لا تكن معجباً بذاتك» و«لا تكن متحاملاً على الآخرين»؛ نحن في الواقع نفعل العكس تماماً، نحن معجبون بأنفسنا لكننا متحاملون على الآخرين؛ أن أستطيع أن أنظر إلى ذاتي كما أنظر إلى الآخرين، بل حتى بتشدد أكثر، بتعبير أبي سعيد الخراز «أن أكون جلاد طبيعتي»، أن أضرب طبيعتي بالسوط بنفسي، هذا النوع من النظرة هو نظرة المتدينين العاقلين. المتدينون العاقلون يكونون الأكثر تحاملاً على أنفسهم؛ معجبون بالآخرين ومتحاملون على أنفسهم، يحبون الآخرين ومتحاملون على أنفسهم؛ لكن المتدينين الذين ورثوا التدين يملكون إعجاباً تاماً بأنفسهم - وبنفس الطريقة التي شرحتها في الجلسة السابقة - ومتحاملون على الآخرين.
المتدينون العقلانيون أفراد يرون أنفسهم في الحاضر ويقولون إنني الآن هكذا، مهما كنت في الماضي، فقد مضى الماضي، والآن أنا هكذا، وثانياً يعلمون أنهم لا يستطيعون الفرار من تأثير ماضيهم، فلا أحد يستطيع الهرب من ماضيه بغض النظر عمن يحاول الفرار منه، وثالثاً أنهم يرون قدراتهم الخاصة لا بأكثر مما هي عليه ولا بأقل مما هي عليه؛ تقريباً يرجع نصف الصفات الأخلاقية الدينية إلى هذه الحالات، بمعنى أن المتدينين العقلانيين هم أبناء طريقة هذا التصور والنظر التي تقول أولاً انظروا إلى أنفسكم في الحال، ثانياً اعلموا أن الماضي عبء على أكتافكم وليس بوسع الإنسان أن يضع عبء الماضي عن كتفه على الأرض، وثالثاً ألا يبالغوا في تقييم قدراتهم ولا ينقصوا من شأنها.
الخاصية العاشرة: المتدين العقلاني يحب جميع الناس مع كل النقائص التي يحملونها.
الخاصية العاشرة والنظرة الثانية نظرة يحملها المتدينون العقلانيون تجاه العالم؛ المتدين العقلاني يقبل في العالم نقاط الضعف في جميع الناس؛ وأريد أن أؤكد على هذه النقطة قليلاً، متى تستطيع أن تقبل نقاط الضعف في جميع الناس؟ إن كنت تحمل أي رأي عن الناس، هل تتحمل نقاط ضعفهم جميعاً؟ لا نستطيع أن نتحمل نقاط ضعف الناس لأننا ننظر إلى كل إنسان لا كعملية بل كمنتج؛ حين تنظر إلى أي إنسان - بما في ذلك نفسك - كمنتج نهائي، لا تستطيع أن تحب الناس الذين ترى فيهم نقاط ضعف.
هل لاحظت من قبل أنه كلما نظرت إلى أي ظاهرة - أي ظاهرة كانت - كعملية، بمعنى كشيء جار وسائل، تستطيع أن تحبها، لكن إن نظرت إليها كمنتج ومحصول، لا تستطيع أن تحبها. خذ مثالاً على ذلك مزارعاً يريد أن تكون البطيخات التي تنتجها حقله على الأقل خمسة كيلوغرامات، أو أن تكون بلون وشكل معين وموافق، باختصار هناك تصور عن البطيخة المثالية في ذهنه ويريد أن تكون بطيخات حقله مطابقة لهذا التصور؛ طوال الفترة التي تكون فيها هذه البطيخات في نمو وتطور، حين ينظر إليها المزارع، لا واحدة منها تكون البطيخة التي يريدها، لكنه لا ينزعج لأنه يقول إن هذه لم تنتهِ بعد، هذه لا تزال في حالة "الصيرورة" وبما أنها لا تزال في حالة "الصيرورة"، فأنا أحبها. لو لم يفكر المزارع يوماً ما أن هذه البطيخات قد تكون غداً أكبر وأحمر من هذا، غداً قد تأخذ شكلاً وهيئة أفضل وأكثر موافقة، لما رآها حتى قطعها وقال إنها لا تفيدني؛ لماذا لم يعرض عن هذه البطيخات طوال هذه الثلاثة أو الأربعة أشهر التي يراها على هذه الأغصان، ولديه اهتمام وحب لها؟ يقول لأنني أعرف أنها ليست بعد البطيخة التي أريد، لكنني أعرف أيضاً أن نموها لم يتوقف بعد.
لا ينظر إليها كمنتج ومحصول بل ينظر إليها كعملية وعملية وسيرورة وحين ينظر إليها كعملية، في كل قطاع وشريحة من هذه العملية ينظر إليها أيضاً، فلا ينزعج ويقول هذا لا يزال طبيعياً لأنه لا يزال للمستقبل آفاق. الآن إن نظرت إلى الناس بهذه العين، فأقول إن فلاناً هو كاذب وقح، لكن لديه مستقبل، ويمكن ويجوز أن يتخلص يوماً من الكذب؛ وإن كان الشخص متعجرفاً، لكن يمكن أن يصبح متواضعاً يوماً ما، إنه في طور عملية ولم تنته هذه العملية بعد؛ وإن كان عنده برأيي أفكار إلحادية الآن، لكن قد تتحول هذه الأفكار الإلحادية يوماً إلى أفكار إلهية؛ وإن لم يكن يتفق معي الآن، فقد يتفق معي يوماً ما؛ انظر إليه كعملية، حين تنظر إليه كعملية، حينئذ تجد أنه يمكن أن تحبه؛ عمله لم ينته بعد؛
قرأت قبل سنوات في كتاب - لا أتذكر الآن أي كتاب كان - أنه في أحد السجون في أمريكا - وبما أن هذه السجون عادة ما تستقدم أحياناً كاهناً ليوعظ الشباب والمراهقين وينصحهم - كتبوا على الباب العبارة التالية: «أيها الكاهن الصبور، لم تنته بعد قضايانا مع الله»، هل تظن أننا ارتكبنا جريمة ما والآن انتهت قضيتنا مع الله؟ لا، قضيتنا مع الله لا تزال مفتوحة، لا تزال لدينا تقلبات وتحديات في حياتنا؛
«كن صبوراً، لم تنته بعد قضايانا مع الله»، إذا كنتم تحملون هذه الرؤية، فستنظرون إلى الجميع برؤية أن قضاياهم لم تُغلق بعد، وعندما تكون القضية لم تُغلق بعد، يمكنني أن أحبهم، خاصة إذا انتبهتم إلى أن التحولات تحدث أحياناً داخل الشخص، فمن يشهد تحولاً في قلبه البارحة لا يخرج غداً في أرجاء العالم صارخاً: يا أيها الناس! لقد تغيرت وتحولت؛ فربما قد تحول أمس بالفعل،
«أيها الواعظ كن صبوراً، فنحن لا نزال ومع هذا الإله ديننا ومذهبك لنا تقلبات»، لنا لا تزال تقلبات مع هذا الإله الذي تؤمن به أنت، هل تظن أننا تبنينا موقفاً ما وقلنا «لا إله»، وانتهى كل شيء؟! لا، لا نزال لنا علاقة مع الله، مرة يضعنا الله أرضاً، ومرة نحن نضعه أرضاً، لا نزال نرافق الله، لا نزال لنا تقلبات مع إلهك؛ هل تظن أننا الآن وقد رفضنا الله بحجة ما وقلنا إنه غير موجود، انتهى كل شيء؟! حاشا أن يكون الأمر كذلك.
هذا النظر إلى العملية والنظر للإنسان من زاوية العملية والتطور أمر مهم جداً، وينبغي أن تحملوا هذه الرؤية تجاه أنفسكم أيضاً، ومن هنا قال ويليام جيمس - عالم النفس الشهير - إن من أبرز خصائص القديسين أنهم يتحلون برحمة وعفو تجاه الجميع، وتجاه أنفسهم أيضاً من بينهم. يقولون: أنا أيضاً لم تُغلق قضيتي بعد، يمكنني أن أكون أفضل من هذا؛ يسامحون أنفسهم وهذا العفو والمسامحة يشمل ذواتهم أيضاً.
عندما ننظر إلى الشخصية كعملية وتطور وليس كظاهرة أو منتج نهائي، عندئذ يمكننا أن ننظر إلى الجميع برؤية كهذه، والنتيجة أننا نحب الإنسان رغم كل نقائصه، وقد بينت مراراً أنه إذا كان شرطنا أن نحب شخصاً عندما يكون بلا نقص، فحينئذ لا يوجد مثل هذا الإنسان أصلاً وستضطرون لتحبوا فقط المعصومين - إن كنتم تعتقدون بوجود معصوم. لكن الفن يكمن في أن نحب الإنسان مع كل الكمالات والنقائص التي يحملها، لا عندما يكون إنساناً طاهراً ومصفى وكاملاً من كل جانب، فهذا الحب في الحقيقة ليس حباً مهماً في الواقع. هذه حالة الحب بالطريقة التي وصفتها، والتي تنتج عن رؤية حياة الشخص كعملية، تخلق في الشخص ثلاث خصائص سأقتصر على ذكرها فقط:
الخصيصة الأولى، «الصبر والتحمل»: نكتسب «الصبر والتحمل» تجاه كل الناس وتجاه أنفسنا.
الخصيصة الثانية، «العفو العام»: أن نكتسب نوعاً من «العفو العام» تجاه جميع الناس وهذا أيضاً بنظري مهم جداً.
الخصيصة الثالثة، «النفاذ إلى أعماق الناس»: ثالثاً أنه إذا اكتسبنا هذه الحالة، يمكننا تدريجياً أن نخترق أعماق الناس؛ إذا لاحظتم فإن اختراقنا للناس يتم فقط من خلال أفعالهم وأقوالهم ولا يمكننا أن نخترق أعماقهم الحقيقية، لذا يمكننا باستعانتنا برؤية وتفهم كهذا أن نصل إلى عمق فهم داخلي بحيث نستطيع أن نخترق أعماق الناس.
الخصيصة الحادية عشرة: المتدين العاقل، رغم أي معارضات قد تحدث لأصوله، يحافظ على أصوله:
هناك صفة أخرى يجب أن نكتسبها بنوع من النظر والميل، وهي أننا يجب أن نتمكن، رغم المعارضات التي تحدث في حياتنا ضد معاييرنا [25]، وآرائنا وفرضياتنا ومبادئنا، من الحفاظ على مبادئنا؛ المتدين العاقل هو من يتمكن، رغم كل المعارضات التي تحدث ضد قواعده، أي رغم أن العالم ليس عالماً يطابق قواعده، من المضي قدماً في حياته على أساس القواعد دون سحقها أو تدميرها.
يجب ألا نتوقع أن تستقيم المجتمعات حتى نستقيم نحن، لهذا الرأي مشكلتان، إحداهما منطقية والأخرى تتعلق بالواقع [26]؛ إذا قال أحد يوماً ما ستستقيم المجتمعات حتى أستقيم أنا، فهناك أولاً مشكلة منطقية، وهي أن المجتمع ليس سوى مجموع الأفراد، فإذا قلت إن المجتمع لن يستقيم فلا يمكنني أن أتبع المسار الصحيح؛ حسناً، من هم الآن في المجتمع؟! أنتم أنتم، فإذا قال كل واحد منكم إن المجتمع لن يستقيم فلا يمكنني أن أستقيم وقال الآخرون الشيء ذاته، في هذه الحالة على من يجب أن ننتظر؟! إذاً هذا فيه مشكلة منطقية، أي أنه في الواقع يجب على الجميع أن ينتظروا لا أحداً وبما أن لا أحد لا أحد فطبعاً لن يأتي وبما أنه لن يأتي فالجميع سيبقون في حالة انتظار.
أما المشكلة المتعلقة بالواقع فهي أن تعلموا أنه لن يظهر قط مجتمع مثالي على وجه الأرض. لن يظهر قط لكي تقولوا إنني أنتظر حتى يظهر حتى أستقيم. ما من دين ولا مذهب - رغم كل ما قيل وخاصة ما سمعتموه في هذه السنوات - قال إن مجتمعاً مثالياً سيظهر على الأرض؛ بل قال إن عليكم أن تسعوا لتحسين المجتمع، أن تسعوا لجعل مجتمعكم اليوم أفضل من أمسه وغده أفضل من اليوم، لكنه قال في الوقت ذاته كونوا واقعيين، المجتمع المثالي لن يظهر على الأرض، حسّنوا المجتمعات، لكن لا تسعوا وراء مجتمع مثالي.
كل من أراد إحداث مجتمع مثالي قد دمّر حتى المجتمع الناقص والمعيب الذي كان لديه؛ كل من يملك فكراً ثورياً لديهم هذه المشكلة ذاتها، سواء الثوريون الدينيون أو الثوريون غير الدينيون، كل من يقولون هيا لنهدم كل شيء وننشئ مجتمعاً مثالياً، يهدمون كل شيء ولا يتمكنون من إنشاء المجتمع المثالي - وإن كان لدي الوقت كنت سأقول لماذا هذا التصور تصور لا يرتدي ثوب التنفيذ - مشكلتنا أن كل الثوريين، الدينيين وغير الدينيين، بالاستناد إلى جمل قليلة في نصوصهم، يعتقدون أنهم يستطيعون الوعد بتشكيل مجتمع مثالي؛
لكن ما من كتاب مقدس قال إنه يمكن إنشاء مجتمع مثالي على الأرض يوماً ما، بل قال إن عليكم أن تسعوا لتحسين المجتمع؛ بل قال بعض المفكرين إن ما يخالف هذا كثير أيضاً في نصوص الأديان والمذاهب المقدسة؛ حين قيل «اهبطوا منها جميعاً» (البقرة / 38) أي حين قيل لكم اخرجوا من الجنة، أي أنه لا توجد هنا على الأرض جنة بعد الآن، لكن طبعاً يمكنكم أن تحسنوا وضعكم ووضع مجتمعكم؛ «إما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» (البقرة / 38) حين يأتيكم هدى مني فاقبلوه، لكنكم قد خرجتم من الجنة، الجنة لا يمكن تحقيقها هنا وكل من يريد تحقيق الجنة على الأرض فإنما يحقق الجحيم فقط، والتاريخ يثبت هذا، جربوا مائة مرة أخرى، النتيجة واحدة.
من قال سيدي هيا لنهدم كل شيء لننشئ كل شيء من جديد، فهو لا يستطيع أبداً أن ينشئ شيئاً من جديد، بل سيدمر حتى ما كان قد استقام بالفعل. وبناء عليه، لا يمكننا أن نفعل مثل هذا الشيء، بل يمكننا فقط أن نسير وراء مبادئنا الأخلاقية والروحية رغم كل معارضة المجتمع لها. في الواقع يجب أن يكون تصورنا عن المجتمع وعن أنفسنا تصوراً للشيء الذي يجب أن نسير فيه رغم عدم التوافق.
لقد أوضحت هذا الأمر مرات عديدة في أماكن مختلفة: عندما نفسّر أنه في الديانة الهندوسية وحتى في ديانة بوذا، عندما يريدون دخول المعبد، يستحبّ عادة - بتعبيرنا نحن المسلمين - أن يحملوا زهرة زنبق في أيديهم أو يضعوها على ملابسهم قبل دخول المعبد، قال راداكريشنان [27] - وهو الباحث الهندي الشهير الذي يعتبر من أعظم مفسّري الديانة الهندوسية في القرن العشرين - في كتابه الشهير جداً «The Hindu View of Life» [28] - وهو في تفسير الديانة الهندوسية - قال: هل تعرفون لماذا قالوا في الديانة الهندوسية أن تحملوا زهرة زنبق وتدخلوا المعبد؟ لأن الزنبق هي زهرة، بكل جمالها رغم ذلك، تنمو فقط في الأماكن الآسنة والمستنقعات والمناطق الموحلة والأماكن الفاسدة، عندما يقولون احملوا زهرة زنبق في أيديكم وادخلوا المعبد، فهذا يعني أن
يا إلهي! أنت الذي لديك القدرة على أن تخرج من مكان آسن، من مستنقع، من مكان فاسد، زهرة مثل هذه، فأنا أطلب منك أن تخرج من تعفّن المجتمع زهرة تكون هذه الزهرة أنا؛ أنا أعلم أن هذا المجتمع لا يمكن أن يكون بلا مستنقع أبداً، المجتمع به مستنقع أكثر أو أقل، لكنك تستطيع أن تخرج من المستنقع زهرة زنبق، وأنا أريد أن أكون زهرة زنبق هذا المجتمع.
هذه الرؤية والتلقي هي رؤية واقعية، الإنسان يمكنه أن يحافظ على ثباته واستقراره في مجتمع ما رغم كل الظروف غير المواتية والسلوكيات المنحرفة التي يبديها المجتمع تجاه مبادئه الأخلاقية، لكن لا ينبغي له أن ينتظر أن يصبح المجتمع مواتياً يوماً ما حتى يستقيم هو، لأنه في هذه الحالة سيواجه نفس المشاكل المذكورة آنفاً. هذا يعني أن الإنسان يجب أن يحافظ على ضمير أخلاقي يقظ، ضمير أخلاقي لا تُرقده تهاليل المجتمع الفاسدة، لأن تهاليل المجتمع عادة ما تكون لإرقاد ضميرنا الأخلاقي.
المجتمع يريد أن نكون وسطيين، المجتمع يريد أن نكون جميعاً متشابهين، كل الأفراد الوسطيين في المجتمع يتمنون أن يصبح أولئك الذين لم يصبحوا وسطيين مثلهم، لكن الشخص الذي لديه تدين عقلاني يقول: إذا كان حالي أن تكون هذه مبادئي، فيجب أن أحافظ على مبادئي. معنى هذا بالطبع هو أولاً أنه لا يأخذ القيم من المجتمع بطريقة تقليدية، بل يستقبل مبادئه بناءً على فهمه هو، وبهذا المعنى يحيا حياة أصيلة؛ وثانياً أن معارضات المجتمع لا تدفعه بأي حال من الأحوال للإعراض والارتداد عن قيمه.
الخاصية الثانية عشرة: المتدين العقلاني يعرض تماماً عن أي شكل من أشكال الوثنية، وليس لديه أي نظرة وثنية إلى العالم:
وأما آخر خاصية فهي أن المؤمن العقلاني هو مؤمن يعرض تماماً عن أي شكل من أشكال الوثنية، أي أنه لا ينظر للعالم بنظرة وثنية. لكن ماذا تعني الوثنية؟ الوثنية تعني اعتبار أمور ما أنها آلهة وهي ليست بآلهة، أو بتعبير فلسفي أدق: اعتبار الأمور «النسبية» «مطلقة»؛ أي أمر نسبي، إذا اعتُبر مطلقاً، فأنت في الواقع قد جعلت من هذا الأمر النسبي - الذي اعتبرته مطلقاً - إلهاً، قد جعلت منه وثناً وفي الحقيقة أنت تسجد له؛
إذا أردت أن أتحدث بلسان الدين الإسلامي، يجب أن أقول إنكم في الإسلام تقولون من جهة «لا إله إلا الله» وهذا من الشعارات المهمة في الإسلام وأحد الشهادتين، قيل من جهة أخرى إنه لا معبود غير «الله»، أي أنه لا يوجد موجود غير الله يستحق أن يكون وثننا، يستحق أن نسجد له. إذن فقط «الله» يستحق السجود والعبادة.
ومن جهة أخرى فإن إحدى الخصائص التي لا ينكرها أي مسلم هي أن الله لا يُرى، «لا يُدرِكُهُ الأبصار» (الأنعام / 103) لذا أولاً إذا كان المقرر أن نسجد لله وحده فقط وثانياً الله لا يُرى، فالنتيجة هي أن «لا يجب أن تسجدوا لأي شيء مرئي»؛ لكن ألا نسجد لأشياء مرئية؟! يمكننا إلى ما شاء الله أن نسجد لأمر مرئي، يمكننا أن نسجد للثروة والقوة والشهرة والشهرة والمكانة الاجتماعية، يمكننا أن نسجد للنجاحات التي نحققها في إطار المجتمع،
لكن هناك ما هو أرقّ من ذلك أيضاً: يمكننا أن نعبد الإنسان، يمكننا أن نعبد الشخصيات، يمكننا أن نعبد آراءنا الخاصة ويمكننا أن نعبد ديننا، والدين ليس إلهاً وبالتالي لا ينبغي أن نعبد الدين، والنبي ليس إلهاً ولا يجب أن نعبده، الكبار ومؤسسو الدين وقادة الدين، هؤلاء كلهم ليسوا آلهة ولا ينبغي أن نعبدهم. لا ينبغي أن نعبد الدين نفسه أيضاً، فالدين ليس إلهاً، بل هو موحى به من قبل الله، فاعبدوا الله لا الدين.
الآن، كيف نفهم من أي شيء نعبده فعلاً وأي شيء لا نعبده؟ في هذا الشأن هناك تحليلان، وكلا التحليلين قد أكد عليهما علماء نفس الدين؛ إذا أردنا أن نرى أي شيء نحن في الحياة نكون في حالة عبادة له، فهناك تحليلان وأيّاً من الطريقين اللذين نسلكهما، فإننا لم نضيع:
التحليل الأول هو أن ذلك الشيء الذي نحن مستعدون لأن نضحي به بكل شيء، لكننا لا نستعد أن نضحي به في سبيل شيء آخر، ذلك هو صنمنا وإلهنا، أيّاً كان. قال أحد الشعراء العرب في القرن الثالث الهجري أن سفينة كانت تتحرك في البحر، فجأة اضطرب البحر وارتفعت أمواج عالية هددت أرواحهم بالخطر والهلاك، فرأوا أن لا سبيل إلا بتخفيف السفينة، فقالوا لأهل السفينة أن ألقوا بكل ما تستطيعون في البحر، فألقى الناس أولاً الأشياء التي كانوا يحبونها أقل، فقالوا لم تنفع، يجب أن تكون السفينة أخف وزناً، فعادوا وألقوا بأشياء أخرى في الماء، وهكذا استمر الحال، يقول ألاحظوا إلى أي حد وصل الوضع حتى أن عالماً ألقى بكتبه في الماء! هذا يعني أن الكتب كانت عنده أقيم قيمة من كل شيء، لأن آخر ما ألقى به في الماء كانت كتبه.
الآن، إذا قدّر لنا يوماً أن نتخلى عن أشيائنا وتعلقاتنا وننبذها، ففي الحقيقة عن أي شيء لا نستطيع التخلي عنه ونقول كلا، بأي حال يجب أن نحتفظ بهذا؟ ذلك هو إلهنا. من هذه الناحية كثيرون هم الناس الذين إلههم ليس إله الدين والمذهب. شيء آخر هو ما يضحون به كل شيء. لا إله الدين والمذهب الذي يوجد في عقيدتهم الخاصة - أياً كانت تلك العقيدة - بل شيء آخر؛ إذاً هذه طريقة واحدة: ما الشيء الذي نحن مستعدون أن ننبذه وما الشيء الذي لا ننبذه بأي ثمن.
التحليل الثاني: لكن هناك طريقة ثانية أيضاً وهي أن ما الشيء الذي نستسلم له بدون سؤال أو جدل، بدون بحث؟ الآن انظروا، فيمّ أنتم فعلاً مستسلمون بدون أن تبحثوا عنه، ذلك هو إلهكم. يمكن أن تكون الشخصيات هكذا، يمكن أن يكون رجال الدين هكذا. يقول القرآن إن اليهود والنصارى كانوا هكذا: «اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون» (التوبة / 31) يقول القرآن إن اليهود والنصارى كانوا يعبدون علماء دينهم، إذاً يمكن أن يحدث تقديس رجال الدين. تقديس رجال الدين هو نوع من عبادة الأصنام أيضاً. كل شيء يمكن أن يُعبد.
الآن، إذا كان المقصود أن لا تكون لديكم نظرة وثنية إلى العالم، فمعنى ذلك أن تعتبروا فقط ما هو فعلاً مطلق مطلقاً، لا الأشياء النسبية. كلما اعتبرنا شيئاً نسبياً مطلقاً، أولاً نضحي بكل شيء آخر من أجله وثانياً لا نستعد أن نبحث عنه أو ننقده. لا نستعد أن نسمع شيئاً مخالفاً عنه. كل شيء سيكون في الحقيقة بصيغة «كن أعمى وكن أصم»، قد احتفظنا بإلهنا في حافظة ما ونقول انظروا إليه من بعيد ولا تلمسوه.
هذا الإطلاق للأمر غير المطلق - بتعبير تيليتش - يعتبر أكبر مشكلة تعاني منها بعض المجتمعات اليوم وكذلك مجتمعنا؛ فكل واحد منا اتخذ شيئاً ما - غير إله الدين والمذهب - بمثابة صنم نسجد له ونعبده. وبالمناسبة، بخصوص هذه الآية «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله»، يسأل الإمام الباقر(ع) أو الإمام الصادق(ع) أحد الصحابة: هل كان علماء اليهود والنصارى يقولون فعلاً لشعبهم أن يسجدوا لهم؟ فيقسم الإمام ويقول: «لا والله» - لا والله لم يكن الحال كذلك. لم يكن علماؤهم يقولون لهم أسجدوا لنا، وحتى لو قالوا ذلك لما كانوا سيقبلون أن يسجدوا لعلمائهم. فيسأل الصحابي: إذاً ما المقصود؟ القرآن يقول إنهم كانوا يسجدون لعلمائهم!
عندئذ يرد الإمام قائلاً: ما يعنيه القرآن بقوله إنهم كانوا يسجدون لعلمائهم بدلاً من الله أو بالإضافة إلى الله، هو أنهم كانوا يتعاملون مع علمائهم بطريقة لا يجوز أن يتعاملوا إلا مع الله بها. ثم يوضح فيقول: إن الله وحده هو الذي يجب أن يُسمع أمره ويُقبل بدون تساؤل أو نقاش. كانوا يتعاملون مع علمائهم بنفس هذه الطريقة، دون أن يسألوا: لماذا؟ يقولون: لأن عالم الدين قال هذا، فيجب أن نقبله. لا يجوز أن تتعامل مع عالم دين بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع الله، لأن الله وحده هو الذي «لا يُسأل عما يفعل» - الله وحده لا يخضع للمساءلة. فإن تعاملت مع أي أمر أو شخص آخر بهذه الطريقة، فأنت تسجد له وتعبده.
إذاً، إذا كنت أريد أن أتعامل مع القوة والثروة والمكانة الاجتماعية والنجاح الاجتماعي والشهرة والدولة والحكومة والعالم الديني والدين نفسه وعقائدي الخاصة ورأيك فيّ - إذا أردت أن أتعامل مع كل هذا بطريقة أريد فيها الحفاظ عليها بأي ثمن، فأنا في الواقع عابد أصنام. المفكر العاقل دائماً يقوم بتنظيف غابة حياته من الآلهة الكاذبة. هذا التعبير جميل جداً عند دانتي [29]: «تنظيف غابة الحياة من الآلهة الكاذبة». لماذا يفعل المفكر هذا؟ لأنه عاقل. والإنسان المتدين العاقل يقول: بناءً على هذا، أنا خاضع لموجود واحد فقط - سواء أسميته «الله» أو «روح الوجود» أو «العقل المطلق» أو «العقل اللانهائي»، أياً كان التعبير الذي تختاره، لا فرق - أنا خاضع لشيء واحد فقط، وليس خاضعاً لمائة إله.
يقول القرآن الكريم: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سِلْماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (الزمر / 29). يضرب الله لكم مثلاً، فتأملوا المقارنة بين عبد له عدة أسياد يختلفون فيما بينهم وعبد لسيد واحد فقط. العبد الذي له عدة أسياد وأوامر - هؤلاء الأسياد أنفسهم يتشاجرون فيما بينهم. لو لم يكن الأسياد أنفسهم يختلفون، كان كل واحد منهم يقول: اجلس! فيجلس. يقول: انهض! فينهض. لكن الأسياد أنفسهم يتشاجرون. يقول واحد: اجلس! ويقول آخر: تحدث! ما أبعد هذا عن حال «رجل سلم لرجل»! ألا يختلف اختلافاً جذرياً من يكون عبداً لرجل واحد فقط عن من يكون عبداً لأسياد متعددين؟ ولأن القرآن يشعر أن الجميع سيوافقون على أنهم يختلفان، فإنه يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» - فالحمد لله على هذا الفرق. ألسنا جميعاً بهذه الحال؟!
لقد ملأنا جميعاً غابة أنفسنا الداخلية بآلهة كاذبة. عبادة الشخص ليست عبادة لله، بل هي وثنية. وللأسف هذه الوثنية موجودة في حياتنا وليست مقتصرة على العلماء الدينيين. حتى لو عبدت أستاذك، فلا فرق. نحن منعنا من العبادة، ليس من عبادة معينة، بل من كل عبادة. يجب أن نملك معبوداً واحداً فقط. بالطبع، إن كنا متدينين. خلال هاتين الجلستين كنت أتحدث ضمن السياق الديني، بمعنى أنني كنت أفترض أنني أتحدث مع متدين. وإلا، إذا قال قائل إن حكاية التدين هي حكاية الاغتراب الخالص، أو أن التدين مجرد خرافة، أو أن التدين نوع من التخدير، فهذه بالطبع لها نقاشها الخاص، وأنا لا أريد الدخول فيه الآن.
إلهي اجعل العاقبة حسنة فترضى أنت وننجو نحن
.
.
[1]. الممارسة
[2]. الطهارة
[3]. الصرامة
[4]. بنديكت دي سبينوزا
[5]. التضحية
[6]. التفرد
[7]. الوسطية
[8]. فريدريش فيلهلم نيتشه
[9]. الغير اعتيادي
[10]. الاستقلالية
[11]. الاستتباعية
[12]. بول تيليش (1886-1965)
[13]. المستقل
[14]. جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831)
[15]. كارل ماركس (1818-83)
[16]. سورن آبي كيركغارد (1813-55)
[17]. جون هنري نيومان (1801-90)
[18]. ديتريش بونهوفر (1906-45)
[19]. وليم جيمس (1842-1910)
[20]. James. William (1902) The Varieties of Religious Experience, New York; Collier Books
[21]. للأسف، بسبب انتهاء الشريط، لم يتم تسجيل جزء من هذه المناقشة.
[22]. ميشيل فوكو (1926-84)
[23]. الموضوعي
[24]. العملية
[25]. المعايير
[26]. الواقعي
[27]. سارفيبالي راداكريشنان
[28]. Radhakrishnan, S. (1927) The Hindu View of Life, London; Allen & Unwin
[29]. داnte أليغيري (1265-1321)
.
.
.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام علیکم . ضمن عرض خسته نباشید .و قبولی طاعات . در جایی اقای دکتر ملکیان درخصوص هفت شرط راجع به قر ض دادن صبحت کرده اند . شما فایل صوتی آنرا ندارید ؟ در میان یکی از دروس کلام ایشان بود .