اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى كارل بوبر في كتابه «منابع المعرفة والجهل» أن الإيمان بمصدرٍ قطعي للحقيقة هو أصل النزعة الاستبدادية، ويقترح بديلاً عنها العقلانية النقدية. وهو بدلاً من البحث عن منبع المعرفة، يشدد على اكتشاف الخطأ وتصحيحه.

كارل ريموند بوبر (Karl Raimund Popper 1902-1994) هو فيلسوف معاصر شهير من أصل نمساوي، ذاعت نظرياته لا سيما في مجال فلسفة العلم، مما جعله يُصنف ضمن فلاسفة العلم من الطراز الأول. كتاباه الرئيسيان «منطق الكشف العلمي» و«المجتمع المفتوح وأعداؤه» يُعدان من أرفع الكتب البحثية في مجاليهما. و«منابع المعرفة والجهل» هو إحدى الرسائل القصيرة المنشورة له، وهو في الأصل نص محاضرة أُلقيت في الأكاديمية البريطانية عام 1960. وعلى الرغم من أن حجم الكتاب صغير جداً، ولأنه ذو طابع محاضراتي فقد عُبِّر عنه بلغة أبسط، إلا أنه يحتوي على نقاط مهمة حول نظرياته. يحمل رأي بوبر في هذا الكتاب رسالة معرفية بالغة الأهمية يمكن أن تمتد على نطاق أوسع لتشمل أسلوب ممارسة السياسة والحكم. في الواقع، تشكل فكرة أن نظرتنا إلى موضوع نظرية المعرفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستبداد والمفاهيم الشمولية (التوتاليتارية) النواة الأساسية للكتاب.
يتناول بوبر في هذا الكتاب بدايةً دراسة التعارض بين مدرستين كبيرتين في فلسفة العلم. الأولى مدرسة التجريبية الكلاسيكية التي يمثلها بيكون، ولوك، وبركلي، وهيوم، وستيوارت مل، والثانية مدرسة العقلانية الكلاسيكية التي يُعد ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتس من منظّريها. آمن كل من التجريبيين والعقلانيين بمبدأ أصيل واحد، ألا وهو خاصية «انكشاف الحقيقة». فالحقيقة في زعمهم جوهرة مختبئة وراء حجاب، وبقليل من البحث يمكن إظهار وجه هذا الصنم المحتال (نظرية المعرفة التفاؤلية). رأى التجريبيون أن الملاحظة ومحك التجربة هما وسيلة إظهار الحقيقة، بينما رأى العقلانيون، في المقابل، أن العقل والاستنباطات الذهنية هي كاشفها. يوضح بوبر أن اعتقاد كلا الفريقين يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة. فمن وجهة نظر ممثلي هاتين المدرستين، إذا بذل الفرد الباحث جهداً كافياً، فسيصل حتماً إلى الحقيقة. ونتيجة لذلك، إذا كان شخص ما لا يستطيع أن ينال شيئاً من الحقيقة، فمن المحتمل أنه واقع في أسر الشيطان، أو أن حواسه وعقله أسيرة لمخالب الباطل. لكن ثمة مجموعة أخرى دافعت عبر التاريخ عن نوع من نظرية المعرفة التشاؤمية. أفلاطون وسقراط هما الممثلان الرئيسيان لهذه المجموعة. في هذه المدرسة، تنكشف الحقيقة للإنسان عندما يصل الفرد الباحث بروحه إلى روح الآلهة وينتقل بنفسه من العالم المادي إلى عالم المُثُل. في هذا التوجه، العالم ليس سوى مظهر من مظاهر الحقيقة، وللوصول إلى أصلها يجب على المرء أن يتصل بقوة أسمى. عُبِّر عن هذه النظرية لاحقاً بأن الحقيقة بأكملها كامنة في داخلنا، ونحن بحاجة إلى نوع من «التوليد» لاستخراجها من داخلنا. يرى بوبر أن نظرية المعرفة التفاؤلية والتشاؤمية تشتركان في مبدأ واحد، وهو كونهما استبداديتين. فعلى سبيل المثال، يعتقد بيكون بصفته ممثلاً أصيلاً للتجريبيين -وبالتوافق مع أفلاطون وسقراط- بنوع من التوليد، مع فارق أن الطبيعة في فلسفته حلت محل الإله، وكما في السابق، يجب على البشر تنقية أنفسهم كي لا ينخدعوا ويتمكنوا من كشف الحقيقة عبر ملاحظة الطبيعة. ومن هنا، فإن المذاهب الثلاثة المذكورة تعاني من «النزوع نحو مصدر واحد للسلطة». بحث أفلاطون وسقراط عن هذا المصدر في السماء، وبحثت عنه التجريبية في الحواس، والعقلانية في الوعي. وبهذا التوجه، لم تُلغَ الاستبدادية في فلسفة بيكون وديكارت، بل تغير مرجعها وانتقل من الإله إلى الإنسان. هذه الفلسفة، لأنها تسلّم سلطة الحقيقة للبشر، وفي الواقع لمجموعة من البشر، تعاني من مفاسد يمكن ملاحظة أمثلتها بوضوح على مر التاريخ.
لكن يبقى هذا السؤال بلا إجابة: إذن ما هي منابع المعرفة الإنسانية؟ يجيب بوبر عن هذا السؤال على النحو التالي: هذه المنابع متنوعة ولكن لا يشكل أي منها مرجعية للصلاحية. فالتجربة والاستدلال كلاهما يمكن أن يساعدا الإنسان في عملية المعرفة، لكن لا يُعتبر أي منهما منبعًا نهائيًا. في الواقع، تجيب منظومات الإبستمولوجيا الكلاسيكية عن سؤال ما هو منبع المعرفة، لكنها لا تشكك أبدًا في مشروعية هذا السؤال نفسه. من وجهة نظر بوبر، فإن أصل هذا النوع من الأسئلة له جذور استبدادية. ثمة أسئلة مماثلة تجري في السياسة أيضًا، مثلًا: من يجب أن يحكم؟ يمكن تقديم إجابات استبدادية عن هذا السؤال أيضًا، مثل: الأفضلون، أو الأكثر حكمة، أو الأغلبية... إلخ. بينما يرى بوبر أن أصل هذا السؤال معيب. يجب إرجاع هذا السؤال إلى أسئلة من قبيل: «كيف ينبغي تنظيم المؤسسات السياسية بحيث تُحد من الأعمال الضارة للقادة السيئين أو غير الأكفاء قدر الإمكان؟». من وجهة نظر بوبر، وكما لا توجد حكومات مثالية، لا توجد منابع مثالية للمعرفة، وجميع المنابع قد تقودنا إلى الخطأ. كما ينبغي أن نستبدل هذا النوع من الأسئلة الاستبدادية بنوع آخر، مثل: «كيف يمكننا اكتشاف الخطأ وإزالته؟». بناءً على ذلك، لا يوجد منبع قطعي ونقي لا تشوبه شائبة في العالم. يسمي بوبر إبستمولوجيته «العقلانية النقدية» ويعتقد أن النظريات والفرضيات يجب أن تخضع للنقد والتهذيب والتصحيح المستمر. تسعى النظريات الاستبدادية إلى إيجاد نسب وأصل لصلاحية الحقيقة، مثل معرفة نبيلة طاهرة الأصل أو، إن أمكن، الله، أما في العقلانية النقدية فلا أهمية لمنشأ الرأي، بل أهمية الفرضية تكمن في المقاومة والتطور اللذين يمكن أن تبديهما في مواجهة هجمة الانتقادات. يجب أن تخضع جميع الفرضيات للاختبار. لا ينبغي البحث عن منبع الحقيقة، بل يجب أن توضع الحلول المقترحة للوصول إلى الحقيقة على المحك باستمرار كي نقترب من الحقيقة أكثر فأكثر. بهذا الادعاء المتواضع، يجعل بوبر الحقيقة رهينة بالخطاب النقدي للفرضيات المختلفة، ويبين أن الفرضية الأكثر حظًا من الحقيقة هي التي تستطيع أن تتطور عبر النقد والتهذيب والتصحيح بواسطة أدوات مختلفة كالتقليد والملاحظة والعقل. ومن ثم، فإن حل كل مشكلة يؤدي بذاته إلى نشوء مشكلات جديدة. وستستمر هذه الدورة على هذا النحو.
بتعبير بوبر، كلما تعلمنا أكثر عن العالم وكلما كانت هذه المعرفة أعمق، تشكلت معرفتنا بما لا نعرفه –معرفة جهلنا– بشكل أكبر وازدادت دقتها ووضوحها. في الواقع، يكمن «المنبع الأكبر للجهل» في أن معرفتنا محدودة قطعًا، بينما جهلنا لا نهائي بالضرورة. وهو يعتقد: حتى لو لم نتعلم شيئًا من هذا الطريق سوى اتساع نطاق معرفتنا الصغير، فلا يزال من الجدير بنا أن نسعى للوصول إلى معرفة العالم. هذا الجهل العلمي يمكنه أن يزيل العديد من المشكلات. كما يجدر بنا ألا ننسى أنه إذا كانت ضروب المعرفة الصغيرة المتنوعة التي نمتلكها تميزنا عن بعضنا البعض كثيرًا، فإننا جميعًا متساوون في جهلنا اللامتناهي.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٥ تعليق
انصافا جامعه باز کتاب به شدت غیر علمی و ضد فلسفه است. پوپر به هر رطب و یابسی متوسل شده تا از شأن افلاطون حکیم و هگل بزرگ بکاهد. بقول دکتر داوری این کتاب در خود بریتانیا ناشر معتبری پیدا نمیکرد تا آن را چاپ کند. حجم مغالطات و دروغ پردازی ها درباره افلاطون از حد گذشته و به نفرت از او رسیده. لذا تعجب است که میگویید از بهترین کتابها ست
سلام و عرض ادب لطفا اگر امکان داره کتابی رو برای آشنایی با فلسفه معرفی کنید. سپاسگزارم
سلام و درود به این مطلب در کانال تلگرامی صدانت توجه کنید: t.me/sedanet/4347
با سلام بیش از یک سالی هست که با این وبسایت آشنا شدم. واقعا مطالب مفید و بسیار جدیدی در این وبسایت منتشر میشه به همین خاطر میخوام قلبا از همه دست اندرکاران این مجموعه تشکر کنم. تندرست و شادکام باشید.
سلام و درود ممنون از نظر لطف شما