اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
لم يكن داريوش شايغان يرى في الديمقراطية المثل الأعلى النهائي، بل أقل أساليب السياسة ضرراً القائمة على التعددية. وإذ نأى بنفسه عن التقليديين، رأى أن الانتقال من ذهنية الرعية إلى المواطنة والمصالحة بين الحداثة والتراث شرطان ضروريان لتحقيقها.

حسن سلامي: حلل شايغان في كتاباته الديمقراطية من منظور الفلسفة السياسية عبر تناوله لقيمة "الحرية" ونطاقها. وقد أظهر ميله إلى الديمقراطية بالاستناد إلى جانبها التعددي، إذ يقول: «أنا أؤمن بالديمقراطية لأنني لا أعرف طريقاً أو حلاً آخر غيرها. إضافة إلى ذلك، ولأنني شخص متعدد الآراء (تعددي)، فأنا أحب الآراء والتنوع في الديمقراطية. الحزب الواحد بالنسبة لي كالروح السياسية الواحدة التي، مهما كانت سامية وجليلة، تثير فيّ الخوف والرعدة».(1)
شايغان، رغم اختياره الديمقراطية كواحدة من أفضل الأساليب والإجراءات السياسية، لا يخفي أنها ليست بالنسبة له الغاية المثلى والمثال الأعلى، ويعبر عن وعيه بالانتقادات الموجهة للديمقراطية في الغرب على هذا النحو:
«أعلم أن الديمقراطية ليست الحل الأفضل، لكن ضررها أقل من البقية. كما أعلم أنه يصعب نقل الديمقراطية إلى مكان ما (كبلد آخر مثلاً)، لأنها تحتاج إلى التمتع بثقافة مدنية واجتماعية تفتقر إليها بلدان كثيرة لأنها لم تمر بنفس المسار التاريخي. وأعلم أيضاً أن الديمقراطية فقدت جاذبيتها الأولى، أليس هناك حديث هذه الأيام عن الاكتئاب الديمقراطي؟ نعم، معظم هذه الأقوال وجيهة. لكنني، وبالتحديد لأن العبء الطوباوي للديمقراطية خفيف ويكاد يكون معدوماً، ولأن الديمقراطية أشبه بأرضية محايدة تتجلى فيها النزعات الأخرى وتنمو وتترعرع، لهذا السبب أنا مؤمن بالديمقراطية». (2)
يرى شايغان أن الديمقراطية هي نتاج التنوير والنظرة النقدية، وهي أكثر انسجاماً مع "الإنسان الاجتماعي". إنه ينقل الديمقراطية إلى حقل أو ساحة "التحليل الثقافي" ويقول إن الديمقراطية تتطلب تغييراً في الروح الثقافية والذهنية الإجرائية:
«أعني بذلك روح التسامح، وقبول الآخر، والنظام التعددي متعدد الأحزاب الذي يكون قد ترسخ في سلوك وتصرفات البشر. كما يجب أن يخرج الإنسان من حالة التبعية (الرعية) ويتحول إلى ذات – أنا. أن يتحول من تلك "الأنا" الجمعية المنحلة في كتلة الجمهور غير المتشكلة إلى مواطن مستقل وصاحب حق». (3)
بعد الثورة الإسلامية، انفصل شايغان عن طريق التقليديين أمثال أحمد فريد وسيد حسين نصر الذين كانوا ينفون الغرب والحداثة وإنجازاتهما بما فيها الديمقراطية، وراجع العديد من آرائه في كتابه "آسيا في مواجهة الغرب".
وبإقراره بمرونة الثقافات والحضارات، أعلن أنه ليس من أنصار الرأي القائل بأن الغرب والحداثة وإنجازاتهما في حالة انحطاط ويجب التخلي عنها. وبدلاً من ذلك، توصل إلى الاعتقاد بأن "مشكلات الغرب اليوم لم تعد مقتصرة على الغرب وحده، بل تحولت إلى مشكلات كوكب الأرض؛ إنها مشكلاتنا نحن أيضاً، وهذه المشكلات لن تُحل إلا بتقارب الجهود من جميع الجوانب".(4)
ويقول في موضع آخر بشأن قضايا ومشكلات العالم الإسلامي: «تكمن مشكلة العالم الإسلامي في ردود أفعاله الدفاعية، وفي انغلاقاته أو انسداده الفكري، وقبل كل شيء في هذا الادعاء بأنه يمتلك أجوبة حاضرة وجاهزة لكل مشكلات العالم. علينا أن نتعلم قليلاً من التواضع، وقليلاً من فهم نسبية القيم». (5) سعى شايغان طيلة سنوات عمره العلمي إلى التوفيق بين التجدد والحداثة وإنجازاتهما، ومنها الديمقراطية، وبين الدين والتقليد، وإلى وصل النظرة الكونية الأسطورية الشرقية بالعالم العقلاني العميق الغربي.
.
1. داريوش شايغان، تحت سماوات العالم، ترجمة نازي عظيما، طهران، نشر فروزان، 1376، ص 46
2 و 3و 4. المصدر السابق، ص ص 47 و 130 و 289
5. حوار رامين جهانبغلو مع داريوش شايغان، مجلة كلك، العدد 53، سنة 1373، ص ص 271-303 .
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.