اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يبحث داريوش شايغان في هذا المقال في العلاقة بين الأيديولوجيا والأسطورة والتقليد، ويكشف كيف أن التقليد، حين يدخل حلبة التنافس السياسي والفلسفي الحديث، يتبنى منطق الأيديولوجيا من حيث لا يدري. ينطلق النص من نقد الوعي الزائف والماركسية المبتذلة والتغريب اللاواعي، ليتحدث عن ضرورة مقاربة نقدية إزاء أدلجة الأفكار الدينية والتقليدية.

المؤلف: داريوش شايغان
المترجم: مهرداد مهربان
المصدر: كيان، السنة الرابعة، خرداد ۱۳۷۳، العدد ۱۹
إشارة:
لقد قيل وكُتب الكثير حول الثورة الإسلامية ومقدماتها ومقارناتها وتحولاتها، في حقل الفكر وميدان العمل. لكن من البديهي أن جميع هذه الكتابات ليست على مستوى واحد من حيث الغنى النظري والاستنارة؛ علاوة على ذلك، لا يوجد توافق وإجماع بين الأعمال التي نظرت إلى هذه المسألة بنظرة أعمق، وأحيانًا تكون الاختلافات في الرأي كبيرة لدرجة تجعل إقامة أي نوع من التوازن، على أي مستوى، أمرًا مستحيلًا. وهكذا، فإن تنوع وجهات النظر في هذا المجال يوفر الأساس اللازم للمشروعية لإثراء هذا النقاش.
إن «كيان»، دون ميل خاص نحو أي من هذه الآراء، تعتبر تنوع الآراء ممهدًا لنقاش مفيد وضروري، وترغب في تخصيص عدد من صفحاتها لتكون مجالًا لأقوال من هذا القبيل. وبهذا النهج، فإن الجدل حول تفاصيل هذه المباحث، ومنها النص أدناه، يتضاءل أمام فوائدها العامة ويفقد أهميته.
١. ما هي الأيديولوجيا؟
النقطة الأولى التي يمكن قولها هي أن الأيديولوجيات في العالم المعاصر تؤدي الدور نفسه الذي كانت تؤديه الأسطورة في العالم القديم؛ فهي من جهة تملأ وتُشبع روح أو ذهن جماعة ما بتصور مجتمع مغلق، ومن جهة أخرى تدّعي أنها علمية وبالتالي مطابقة للتجربة والواقع.
تحمل كل أيديولوجيا شحنة عاطفية كبيرة تجعلها قريبة من الحماسة والوجد (Pathos)، كما تمتلك جهازًا منطقيًا-عقلانيًا يضفي عليها مظهرًا علميًا وفلسفيًا؛ ومع ذلك، فالأيديولوجيا ليست علمًا ولا فلسفة ولا دينًا.
في الواقع، إذا كان العلم جهازًا دقيقًا ومحايدًا وقائمًا على التجربة، فإن الأيديولوجيا، في المقابل، تقوم على الدوغما ولا يهمها إن كانت افتراضاتها ومقدماتها تتمتع بدقة تجريبية أم لا، لأنها تقبلها كحقائق قبلية [أو ماقبلية = apriori]. بعبارة أخرى، لا تسعى الأيديولوجيا إلى إخضاع ما تعلنه للاختبار والفحص. وفي هذا السياق يقول جان لابيير: «يولي أهل العلم اهتمامًا خاصًا للتجارب التي يمكن أن تُظهر عدم صحة فرضياتهم، بينما لا تريد الأيديولوجيا أصلًا أن تعلم أن هناك شيئًا يمكن أن يُظهر عدم صحة دوغماتها.»
الأيديولوجيا ليست فلسفة أيضًا، لأن كل فلسفة أصيلة هي في الواقع تساؤل حول المسائل الأساسية للوجود وشروط وجود الإنسان. إن الأسئلة التي يطرحها الفلاسفة والأجوبة التي يحصلون عليها تُشكل المسار الجدلي لسير الفلسفة، سواء كان هذا المسار هو تحقق الروح أو الذهن تدريجيًا في التاريخ أم احتجابه. أما الأيديولوجيا فهي نظام مسدود ومنغلق من الداخل «يتكون جوهره المركزي من بضع أنصاف حقائق يتم التعريف بها كحقائق ذات قيمة واعتبار كلي ومطلق، وذلك على الرغم من كل الأدلة التي يمكن أن تثبت عكس ذلك.»
الأيديولوجيا ليست فكرًا جدليًا أيضًا، لأنها تخاف من النفي والسلب (negation) وهي سجينة في حدود المنطق الداخلي لأفكارها المسبقة الصنع واستنتاجاتها المنبثقة عنها. تقول حنة آرنت: «الأيديولوجيا هي بالضبط ما يدل عليه اسمها: منطق الأفكار... تعالج الأيديولوجيا تسلسل الوقائع كما لو أن هذا التسلسل يتبع نفس القانونية التي قدمها وعرضها فكرها.» وتقول آرنت في موضع آخر: «إن الموضوع الأساسي الذي تقبله الأيديولوجيات هو أنه، في النقاش الذي ينطلق من المقدمة، تكفي فكرة واحدة لتفسير كل شيء، لأن المسار المتماسك للاستنتاج المنطقي يحوي في ذاته كل شيء.»
على سبيل المثال، إذا كانت الفكرة الأساسية هي أن العرق الذي يجب أن يبقى على قيد الحياة هو العرق المتفوق فحسب، لأنه الأجدر طبيعيًا؛ أو أن الطبقة التي يجب أن تنتصر هي وحدها التي تمتلك رسالة تاريخية؛ أو أن الأشياء الوحيدة التي تمتلك الحقيقة هي تلك الواردة في النصوص المقدسة، ففي هذه الحال، واستنادًا إلى منطق الاختزال في الإيديولوجيات، يمكن الاستنتاج بأنه، في الحالة الأولى، يجب إبادة «الأعراق غير الجديرة» و«الدنيا»؛ وفي الحالة الثانية، يجب تدمير «الطبقات المنحلة»؛ وفي الحالة الثالثة، يجب تطهير صفحة الوجود من الكافرين.
على الرغم من أن الجهاز المنطقي للإيديولوجيا عقلاني، فإن المقدمات التي يقوم عليها غير عقلانية، وليست فقط ليست «أفكارًا بديهية وواضحة»، بل تنبع من التعصب (Fanatisme). بعبارة أخرى، رغم أن الإيديولوجيا تتبع المنطق الثنائي (logique binaire)، فإن قوتها المحركة ناشئة عن منطق الحلم؛ بمعنى أنه وإن كانت الإيديولوجيا في جانبها الظاهري تتبع مبدأ استبعاد الثالث المرفوع، فإن مقولات سحرية هي التي تشكل قوتها المحركة الداخلية. ومن هنا يأتي شبه الإيديولوجيا بالأسطورة، وهو ما سنتطرق إليه لاحقًا.
بهذا الشكل، نشهد في الإيديولوجيا تراكب نوعين من التفكير، يغير كل منهما قالبه الخاص ويتكيف مع الآخر.
وأخيرًا، الإيديولوجيا ليست دينًا أيضًا، لأنها تنفي التعالي (transcendance) وكل وحي وإلهام. يمكن تسمية الإيديولوجيا، بشكل ما، «الابن غير الشرعي لعصر التنوير».
ونتيجة لذلك، لا تستطيع الإيديولوجيا أن تبسط نفوذها في عالم تقدست تقاليده، ولا في عالم تسوده الفلسفة. تدخل الإيديولوجيا الميدان عندما يصل هذان العالمان إلى طريق مسدود؛ أي عندما يُنفى النفي، وتُقصى الفلسفة عن المركز المنعش للحياة الاجتماعية، وعندما تضعف قوة الدين. إن نجاح الإيديولوجيا وليد تلبية حاجتين أساسيتين وحيويتين للإنسان: الحاجة إلى الاعتقاد، والحاجة إلى شرح وتبرير هذا الاعتقاد.
ألف: الإيديولوجيا والوعي الزائف
جوزيف غابل هو باحث أمعن البحث والتعمق في مفهوم الإيديولوجيا وعلاقاتها بالوعي الزائف أكثر من غيره. وقد حاول، حسب قوله، أن يخلق في هذا المجال لوحة فكرية متماسكة. ولهذا الغرض، يستعين بماكس فيبر ونظريته حول النمذجة المثالية: «من خلال التأكيد الأحادي الجانب على وجهة نظر واحدة أو عدة وجهات نظر، ومن خلال إضفاء التسلسل على حشد من الظواهر غير المترابطة والمبعثرة والمبهمة التي توجد هنا وهناك بكثرة تارة وبندرة تارة أخرى (ولا توجد أبدًا في مكان واحد)، ومن خلال تنظيمها وفقًا لوجهات نظر تم انتقاؤها مسبقًا لخلق لوحة متماسكة، يمكن بناء نمط مثالي.»
يذكر جوزيف غابل، علاوة على ذلك، الطبيعة المُشَيِّئَة (nature réifiante) للإيديولوجيا، التي تتمثل مهمتها، في نظر فرانسوا شاتليه، في «إدامة الوضع القائم»؛ ثم يتناول طبيعتها المانوية التي تتمثل مهمتها، من وجهة نظر ماكسيم رودنسون، في مثلنة الجماعة الذاتية وشيطنة الجماعة المعارضة؛ وأخيرًا يتناول لوسيان غولدمان ويجد لديه جانبين آخرين يريان أنهما يؤديان دورًا أساسيًا في بناء نمط مثالي: الأول هو الرؤية المُفَكِّكَة للكلية (Vision détotalisante) وتحت الجدلية (Sous-dialectique)، والآخر هو التمركز حول الذات؛ إذن يمكن اعتبار الإيديولوجيا معبرة عن وهم المركزية. بهذا الشكل، يوجد تناظر لافت بين التشيؤ، ومثنلة الذات، والتمركز حول الذات، وتقويض وإضعاف الخاصية الجدلية.
يستنتج جوزيف غابل أن: «الإيديولوجيا هي نسق من الأفكار يرتبط، من وجهة نظر سوسيولوجية، بتجمع اقتصادي أو إثني أو حزبي، ويعبر، بشكل ما، عن مصالح المجموعة الواعية إلى حد ما، بشكل لا واعٍ، من خلال مقاومة التغيير أو تفكيك الأنساق. إذن، الإيديولوجيا هي التبلور النظري للوعي الزائف.»
لنقلها ببساطة ووضوح: إن اللاتاريخانية في الأيديولوجيا تفضي إلى «السياسة الإيلية» التي يلعب فيها التماثل والتوحيد دوراً جوهرياً. ويعتبر غابيل أيديولوجيا الستالينية نموذجاً ومثالاً في هذا المجال، فيكتب: «في عالم الفكر الستاليني، إن إضفاء مكانة مركزية ومتميزة على الحزب ـ أو لنقل بدقة أكبر، على ثلاثي الحزب والاتحاد السوفييتي وستالين ـ يستلزم رؤية مانوية للتاريخ؛ لأنه يفهم التاريخ بوصفه صراعاً بين مجموعتين متماسكتين ومتجانسيتين ومتحدتين؛ وهنا يكمن منبع النزوع إلى التماثل بين عناصر المجموعة الخارجية (outgroup) بعضها ببعض، وكذلك النزوع إلى تفسير التاريخ بوصفه انتصاراً لمؤامرة وتصنيف فوق تاريخي.»
ومع ذلك، فرغم أن التماثل والتوحيد إجراء تقني معتبر في الإبستمولوجيا، فإنه إجراء مضاد للديالكتيك أيضاً. وهكذا، فإن أساس الأيديولوجيا يقوم على فكر مضاد للديالكتيك في جوهره. [...]
من ناحية أخرى، فإن الأيديولوجيا، بسبب نزوعها إلى التوحيد، تشبه إلى حد مذهل مقولات الرؤية الأسطورية. وكما أن بنية هذه المقولات لا تشبه نسق الاستدلال والعقل الجدلي ـ إذ إن لمقولات المكان والزمان والعلية كيفيات مختلفة في هذين الساحتين ـ فإن للأيديولوجيا أيضاً مقولاتها المكانية والزمانية والعلية الخاصة بها. وللتعرف على مثال للتوحيد الأسطوري، نلجأ إلى إرنست كاسيرر. فهو يكتب: «لا يستطيع الإدراك العلمي أن يربط العناصر بعضها ببعض إلا بشرط أن يفصلها أولاً بحركة نقدية، في حين أن الأسطورة لا تقبل مبدئياً أي شيء يخل بوحدتها غير القابلة للتجزئة.» ويضيف كاسيرر: «المبدأ الوحيد الذي تستند إليه الرؤية الأسطورية هو أن الكل، بكل ساحة جوهره الأسطوري، يتجلى في الجزء.»
في الفكر الأيديولوجي أيضاً، يلعب التوحيد والتماثل دوراً مهماً. يقول غابيل عن الأيديولوجيا النازية: «اليهودي، الذي تبقى هويته يهودية دوماً، يتم التماثل بينه وبين الرأسمالي تارة، والاشتراكي تارة أخرى، والصهيوني تارة ثالثة؛ وهو على كل حال يُعتبر دوماً العلة الوحيدة فوق المكانية لكل ما هو سلبي يمكن العثور عليه في التاريخ.» وهذا يذكرنا بهبوطات فيشنو الذي يظهر طوراً في هيئة خنزير بري، وطوراً في شكل كريشنا، لكنه يحافظ على هويته دوماً في جميع قوالبه وحلولاته عبر الأدوار الكونية.
إن مقابلة المقولات الأيديولوجية بمقولات الرؤية الأسطورية يمكنها دون شك أن تظهر أن كليهما ينبعان من مصدر لا شعوري مشترك. ولكن إذا كان اللا شعور يمكن أن يكون في عالم الأسطورة أداة مناسبة للخروج إلى الخارج، عبر التجسد في إسقاطات (projections) رمزية [أو تمثيلية واستعارية] لذهن وروح البشر، فإن الأيديولوجيا، في المقابل، يمكن اعتبارها تجلياً لا عقلانياً، بل وجنونياً أحياناً، للا شعور مكبوت يظهر متعثراً وعبر طرق ملتوية، فيستحوذ على الذهن والروح ويخلق «وعياً زائفاً»؛ وعياً قائماً على الفصام (Schizophrénie) والتمركز حول الذات ومنقطعاً عن الواقع الخارجي.
بعبارة أخرى، تؤول الأيديولوجيا الواقع وتفسره ضمن حدودها المفهومية والرؤيوية الخاصة؛ حدود تحصل فيها «الماهيات بطريقة تمركزية حول الذات وتجد لنفسها مكانة منطقية متميزة بشكل دوغمائي.» وهكذا، فالأيديولوجيا فكر مغلق ودوغمائي يفر من محك التجربة. ولهذا السبب، فإن الفكر الأيديولوجي، بحسب جوزيف غابيل، فكر مضاد للديالكتيك ولا تاريخي، يصنع التماثل والتوحيد طبيعته. بعبارة أخرى، وكما يقول غابيل، فإن التمركز حول الذات في الأيديولوجيا يحول الزمان إلى بعد مكاني.
ب: الأيديولوجيا والأسطورة السياسية
يشرح كاسيرر، في معرض حديثه عن العلاقات بين السياسة والأيديولوجيا، أن الأساطير السياسية الجديدة أشياء غريبة ومتناقضة؛ لأننا نشهد فيها تجاورًا وتقاربًا بين قوتين تبدوان نافيتين إحداهما للأخرى. فعلى الإنسان السياسي الجديد أن يؤدي دورين مختلفين وغير متوافقين في آنٍ واحد؛ عليه أن يكون "الإنسان الصانع" (homo faber) و"الإنسان الساحر" (homo magus) معًا؛ وأن يكون واعظًا بدين جديد غير عقلاني، وأن يبشر بهذا الدين في الوقت ذاته بأسلوب منهجي. وبهذا، تصبح الأيديولوجيا نقطة التقاء أسطورة العقل وأسطورة الحياة - "لوغوس" و"بيوس" - حيث تتحد الأمور العقلانية والطبيعية وتصبح شيئًا واحدًا؛ ذلك أن أساطير العصر الحديث، مهما بلغت من عقلانية، تظل قائمة على مزيج من التصورات الأسطورية والتمثيلية التي تستمد مادتها من "لوغوس" - العقل - ومن "بيوس" - الحياة - معًا. وفيها يمكن للمرء دائمًا أن يلمح، إلى جانب العقل النفعي (raison utilitaire)، عنصرًا جوهريًا من طبيعانية متوحشة.
واستكمالًا للبحث، يمكن أن نضيف أن الأيديولوجيا تقع على الحد الفاصل بين اللاوعي والوعي؛ فمقولاتها السحرية وغير العقلانية ناتجة عن الدور الرمزي أو التمثيلي للاوعي، وأداء جهازها العقلاني هو تسخير الأدوات من قبل العقل.
وعليه، فإن القوة غير العقلانية للأيديولوجيا تنبع من كبت الإيحاءات والإسقاطات النفسية؛ أي من لاوعي فقد رموزه وتمثيلاته الطبيعية، وأصبح مستودعًا لشظايا المرايا المحطمة. ولكن، بما أنه "كلما فقد جزء مهم من الوعي قيمته واندثر نتيجة لذلك، ظهر بديل له في اللاوعي"، فإن هذه الخاصية التعويضية تجعل الأيديولوجيا تتمتع بشحنة عاطفية تكاد تعادل الإيمان. فالطبيعة والتاريخ، بفضل الشحنة الشعورية التي يضفيها عليهما اللاوعي، يكتسبان قدرة شبه مقدسة (puissance quasi numineuse). واللاوعي، بعد أن حُرم من قوته الإيحائية وقوته الرمزية والتمثيلية، بوسعه أن يضفي القداسة على أية فكرة خارجية لكي يتمكن من تلبية حاجته، حتى بالوسائل المنحرفة.
ولهذا السبب يدور الحديث اليوم عن الأساطير السياسية؛ أي عن الأيديولوجيات التي اكتسبت، بفعل قوتها وتأثيرها العاطفي، الهيبة المقدسة للأسطورة. ويمكن تقسيم هذه الأيديولوجيات أو الأساطير السياسية، كما يقول هرمان راوشنينغ، إلى ثلاث مجموعات: 1) تلك التي تستخدم العقل في صورته هذه، كأساطير للعدالة والحرية والمساواة والتقدم؛ 2) وتلك التي تتميز بأساطير حيوية، مثل أسطورة الخلق أو الشعب، والعرق، والبشر الأقوياء والأصحاء، وكذلك بأساطير قوة الحياة الحماسية؛ 3) وتلك التي تظهر كأداة لإضفاء الواقعية على فراغ وجودي، مثل أساطير الدولة، والثورة، والأغلبية، والاشتراكية، والشيوعية.
ويضيف راوشنينغ أن كل ما حدث في هذا السياق هو "تأليه الوسيلة" (die Mittel zu vergöttlichen) وصنع جوهر مطلق من كل شيء وسيط؛ فالآن أصبح النظام السياسي نفسه هو الذي يصنع من كل شيء نسبي شيئًا مطلقًا.
ج: الأيديولوجيا بوصفها بنية ذات وجهين واختزالية
استخدم كلمة أيديولوجيا لأول مرة دستوت دو تراسي، رائد الوضعية ووريث حسية كندياك، في عام 1796. وكان المقصود بالأيديولوجيا البحث في الأفكار بوصفها أشياء موضوعية ومستقلة عن أي صبغة ميتافيزيقية؛ نوعًا من العلم الطبيعي للأفكار، شأنه شأن علم النبات وعلم الحيوان، دراسة تجريبية ومنطقية في آنٍ واحد لأصلها وعلاقاتها بعضها ببعض.
الأيديولوجيا هي الوليد الطبيعي لانشقاق جوهري؛ انشقاق بين الإيمان والمعرفة، بين الدين والفلسفة؛ انشقاق يؤدي حتمًا، بوصفه قوة نفي، وبالتالي بوصفه قوة عدمية (نيهيلية)، إلى انهيار الرؤية الأنطولوجية للإنسان. ونتيجة لذلك، فالأيديولوجيا شكل من أشكال الفكر يسعى، في فضاء مختزل، إلى إشباع كل من القابلية على المحاكاة ومقتضيات العقل. وبهذا، فالأيديولوجيا، بوصفها إطارًا وقالبًا بنيويًا، هي فكر اختزالي في أساسه وقائم على تهذيب المادة الغريزية. والأيديولوجيا، التي هي في أساسها توحيدية (أحادية المبدأ)، تؤدي إلى المانوية أو الثنوية المحضة.
از راه تفریق و تضاد، در یک علیت عام (چه این علت «لیبیدو» یا غریزهٔ جنسی باشد، چه «خواست یا ارادهٔ معطوف به قدرت» و چه «شیوهٔ تولید») میتواند، به عنوان نمونه، در بافت روانکاوی تبدیل به دو چهرهٔ «من» و «من برتر» در آغاز دنیای ناخودآگاه شود و نزد مارکس شکل زیرساختهای اجتماعی-اقتصادی و روساختهای خاص خود را بگیرد. [...]
هستهٔ همهٔ ایدئولوژیها را باید توهم (illusion) در معنای فرویدیاش دانست. هنگامی که آنچه بر جهان چیره است، نه فلسفهٔ دیالکتیکی و نه زبان اسطورهها، بلکه اندیشههای ایدئولوژیک است، همهٔ تعبیرهایی که رشتههای گوناگون اندیشه در این زمینه به ما میدهند و همهٔ شیوههای سنجشگرانه و انتقادی در قبال روند ایدئولوژیک شدن، در نگرشهای خود معتبرند؛ زیرا همگی در آشکار کردن آن «آگاهی کاذب» که ساختار همهٔ صورتهای ایدئولوژی را تشکیل میدهد، به ما کمک میکنند.
هم از این رو، ژانین شاسگه-اسمیرگل حق دارد بنویسد: «من توهم را (به عنوان یک نوع) دقیقاً چنین تعریف میکنم: باور داشتن به امکان به هم رسیدن و بازیافت وحدت «من» و «آرمان»؛ امکان پس رفتن تا به باز رسیدن به کمال از دست رفته. به نظر من، در بطن همهٔ ایدئولوژیها توهماتی از این دست نهفته است: زمانه عوض خواهد شد، نیازهایمان برآورده خواهد شد، عطشهایمان سیراب خواهد شد، آریاییها برای همیشه بر جهانیان سروری خواهند کرد، سپیده برخواهد دمید، فردا پر سرود و ترانه خواهد بود و... و سرانجام جهان پر خواهد شد. پس هستهٔ مشترک همهٔ ایدئولوژیها چیزی نیست مگر توهم امکان بازیافتن کمال آغازین انسان.» همهٔ این نظرها درستاند، چرا که «من» و «من برتر» همواره شکلهای روبنایی یک نیروی غریزی (Id) بودهاند که همان توهم است؛ یعنی شکل ممتاز واقعیتیابی کتمان و سرکوب شدن. [...]
پس به درستی میتوان گفت که ایدئولوژی عبارت است از «نظامی از اندیشه که به ظاهر خردمندانه است، اما در حقیقت واقعیتیابی توهم را وعده میدهد.»
۲. پیامد دوم این است که ایدئولوژیها تنها در جهانی میتوانند پدیدار شوند و چنین نقشی را به عهده گیرند که در آن نظامهای فرهنگی (canons culturels) درهم شکسته باشند؛ جهانی که در آن هستندگان که باید بازتاب هستی باشند، تبدیل به آینههای درهمشکسته شده باشند و پیوند میان هستی و هستنده، پیوندی که یکی را مظهر دیگری میکند، از میان رفته و جایش را به هستندگان از هم پراکندهای داده باشد که جنبههای گوناگون هستی را جز از طریق منشورهای منحرفکنندهٔ ساختار هذیانیشان منعکس نمیتوانند کرد.
به این ترتیب، هرگونه کوشش ذهنی در رابطه با تمامیت، نتیجهای معکوس خواهد داد؛ یعنی به بینشی تمامیتشکن (فرودیالکتیکی) از حقیقت و، از آنجا، به یک آگاهی خودمرکزبینانه و بریده از واقعیت خواهد انجامید. اگر بخواهیم به زبان کارل گوستاو یونگ سخن بگوییم، ناخودآگاه جمعی ایدئولوژیها، ناخودآگاهی است که به دلیل پسراندهشدن شکلهای تمثیلی یا نمادینی که پیش از آن در ساختار عینی نظامهای فرهنگی متجسم میشدند، دیگر مابهازایی هستیشناختی در جهان ندارد؛ به گونهای که با محروم شدن از نمادهایش دوباره به اشیای عرفیشدهای چون طبقه، دولت، تاریخ و غیره روی میآورد؛ اشیایی که به دلیل همین رویآوری دوباره، باری کموبیش قدسی مییابند و به خدایانی دروغین تبدیل میشوند.
در این هنگام، هستندگان شکل اصلی خویش را باختهاند تا به سطح یک مطلق بالا کشیده شوند ـ آن هم مطلقی که تقدسی دوباره یافته است ـ و در شکلهای نهایی خود در اسطورههای تمامیتگرا یا توتالیتر که در آنها «وسیله، خدا شده» و «نسبی، مطلق گشته است» ادغام میشوند. به عبارت دیگر، ایدئولوژیها تکهای از هستی را میگیرند، به آن الوهیت میبخشند و در پی دست یافتن به بینشی تمامیتسازانهاند، اما به بینشی تمامیتشکسته (Sous-totalité)، بیگانهساز و هذیانی منتهی میشوند. [...]
اليوم، من وجهة نظر هابرماس، ما يضفي الشرعية على الهيمنة (السلطة) هو الإيديولوجيا التكنولوجية. ونتيجة لذلك، تبدو الإيديولوجيا كالحلقة الأخيرة من سلسلة الاستبدالات التاريخية التي أشار إليها نيتشه. يقول هابرماس: «لقد بلغنا درجة من التعميم بحيث يمكننا القول إن ما أسماه ماكس فيبر بالعلمنة، له ثلاثة مستويات مختلفة: لقد فقدت الرؤى الكونية التقليدية قوتها وقدرتها ١) كأسطورة، ودين رسمي، وطقوس عامة، وميتافيزيقا تبريرية، وتقليد محطم، وتحولت بدلاً من ذلك إلى: ٢) علم أخلاق ومعتقدات ذاتية تُرسّخ الطابع الإلزامي والخصوصي للتوجهات الجديدة بالقيم؛ وأخيراً، يتم التلاعب بهذه الرؤى الكونية وإعادة تأويلها وتفسيرها لتتحول إلى: ٣) بُنى ذات دور مزدوج، تبرر الهيمنة من جهة، وتُضعف محتويات التقليد من جهة أخرى، وتجعلها بهذه الطريقة قابلة للاستخدام نفسياً... عندئذ فقط تظهر الإيديولوجيات بالمعنى الضيق للكلمة. تضطلع الإيديولوجيات بدور إضفاء الشرعية على الهيمنة، لكنها في الوقت نفسه تتظاهر بأنها مناصرة للعلم والمعرفة الحديثة ومعارضة للإيديولوجيا، وبهذا الشكل تبرر نفسها.»
في غضون ذلك، يضيع استقلال المعرفة والعلم، ويحل محله تبعية العلم؛ بحيث يؤدي تحول العلم إلى تقنية إلى تحول كل معرفة إلى علم، وتزحف يوماً بعد يوم أكثر فأكثر على حقل الثقافة والعلوم الإنسانية. وبهذا، وفي التحليل النهائي، تصبح التكنولوجيا شرعية لكل من الأنظمة الرأسمالية ما بعد الصناعية (post-industriel) والأنظمة الاشتراكية. هذه هي عملية التقارب بين الشرق والغرب التي يشير إليها هابرماس بمصطلح «نظرية التقارب».
٣. لكن إذا كانت الإيديولوجيا، كما يقول ماكس فيبر بحق، وليدة العلمنة ونتيجة لأشكال جديدة من الاستبدال، فكيف يمكنها أن تكون نقطة التقاء ليس فقط بين الشرق والغرب (وفقاً لنظرية التقارب)، بل بين الغرب والعالم الثالث (كإيديولوجيا سياسية)؟ لأن الإيديولوجيا بقدر ما هي ضد الدين، هي ضد الفلسفة أيضاً، وهي بعيدة عن العرفان الشرقي بقدر بعدها عن ديناميكية الفكر الغربي الجدلية؛ وبما أنها تقع بين هذين، فإنها تحمل عيوب كليهما.
النتيجة الثالثة هي، كما يقول جول مونرو، «الإيديولوجيا فكرة ذات شحنة عاطفية يفسد فيها كل عنصر من العنصرين [العقل والعاطفة] الآخر.» بل ويمكن القول إنها فكرة هجينة يشل فيها العقل العاطفة بقدر ما تفسد العاطفة العقل وتنحرفه. وبالمثل، من الناحية التيبولوجية والأنثروبولوجية، هي النقطة التي يلتقي فيها، بلغة إرنست كاسيرر، الإنسان الساحر بالإنسان الصانع. وكما يغيب في هذا اللقاء الإنسان الذي يمتلك كلا الجانبين، يغيب أيضاً في البنية الاختزالية للإيديولوجيات، عالمٌ كحقيقة مستقلة ذاتياً ومستقلة عن الفكر. [...]
د: تحول العقل إلى أداة
السبب الرابع هو أنه على الرغم من أن الإيديولوجيا قد تبدو كخطاب استدلالي وعقلاني ومتماسك، فإن عقلها واستدلالها لا يشبهان العقل والاستدلال في الفلسفة؛ إنه ليس المُثُل الأفلاطونية، ولا اللوغوس، ولا العقل الفعال عند الحكماء الإلهيين (intelligence agente des théosophes)، ولا العقل الأول في السامكهيا (Mahat buddhi du Sâmkhya)؛ بل هو عقل أداتي، مُستَغبى، مُحرَّف، وبالتالي، ذاتي وصوري.
يقول هوركهايمر في هذا الصدد: «العقل الذي يفقد استقلاليته يصبح أداة، وفي جانبه الصوري كعقل ذاتي، الذي تعززه الوضعية أيضاً، يلفت الانتباه أكثر فأكثر غياب العلاقة مع مضمون موضوعي... من الآن فصاعداً، يخضع العقل كلياً لانقياد العملية الاجتماعية؛ ولم يعد معياره الوحيد سوى قيمته العملية ودوره في السيطرة على البشر وعلى الطبيعة.»
مع ذلك، فإن الأنظمة الفلسفية الكبرى (أفلاطون، أرسطو، الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى، المثالية الألمانية، إلخ...) كانت قد بُنيت على ما يسميه هوركهايمر بالتصور الموضوعي للعقل. كان هذا التصور يشكل كلاً منسجماً وهرمياً يشمل جميع الموجودات، وكان العقل الذاتي الكامن فيه يُعتبر في الواقع تعبيراً جزئياً ومحدوداً عن العقل الكلي، وكانت معاييره نابعة منه. ولهذا السبب، كان التركيز هناك على الغاية لا على الأداة والوسيلة.
وعليه، ينبغي فصل هذا العقل الذي هو جزء باطني من الواقع العقلي، وهو في الواقع متحد مع نظام وجود العالم، عن ذلك العقل الآخر؛ أي عن ذلك العقل الذي ليس سوى استعداد ذهني للروح الإنسانية في الحساب وفي «تنسيق الوسائل المناسبة للوصول إلى هدف معين»، أي عن العقل الذي «فقد الوجود».
يمكن العثور على هذا المفهوم للعقل في الماضي، في عصر النهضة (الرينيسانس)، لدى مفكرين مثل مكيافيلي وبودان؛ أي حينما كان البرجوازيون لتوهم يطيحون بالنظام الإقطاعي الذي كان يُدار بالإيمان واللوغوس، ويأتون بنظام أداتي أرادوا في غضون ذلك إيهام الناس بأن هذا المفهوم هو العقل الكلي والكوني. كما استخدم لوك وهيوم، المفكران الإنجليزيان، هذا المفهوم نفسه للعقل لاحقاً.
ومع ذلك، لا ينبغي الظن بأن العلاقة بين هذين النوعين من العقل كانت علاقة عدائية لا يمكن التوفيق بينها، إذ إن كلا الجانبين الذاتي والموضوعي كانا متكافئين منذ البداية، و«لكي تترسخ أولوية الأول، كان لا بد من تطور طويل.» بدأت الأزمة عندما أُفرغ الفكر من محتواه الميتافيزيقي ووصل إلى حد إنكارها ثم اعتبرها وهماً؛ بحيث تحولت المفاهيم الأساسية التي أُفرغت من المحتوى إلى قشور بسيطة وشكلية. العقل، في الوقت نفسه الذي يصبح فيه ذاتياً، يصبح شكلياً. هذا التحول إلى الشكلية يجعل العقل، الذي لم يعد يفرق بين أي محتوى وغاية وهدف خير أو شر، يتحول إلى عقل فتيشي (fétichiste).
العقل الذي كانت مهمته توجيه العلاقة بين الأهداف والوسائل، يصبح الآن غير مبالٍ بالأهداف، وبهذا يصبح هو نفسه هدفاً وغاية لذاته. وبالتالي، يمكن أن يصبح في خدمة أهداف لا إنسانية، وسلاحاً للقمع، وأن يُسرّع عملية السقوط في الهمجية. العقل الذي أُفرغ من محتواه يدمر نفسه و«بتدميره جميع المفاهيم، يدمر مفهومه هو أيضاً»؛ وبهذا، يصبح بأداته لا عقلانياً ويذعن لمصالح الجماعات الممتازة في المجتمع.
يعتقد هوركهايمر أن ممثلي عصر التنوير، بمهاجمتهم الدين باسم العقل، لم يهدموا الكنيسة فحسب، بل هدموا أيضاً المفهوم الموضوعي للعقل في الواقع. كل المُثُل العليا الكبرى، مثل العدالة والسعادة والتسامح والتيسير على المخالف (tolerance)، التي كان يُنظر إليها في الماضي كمكونات باطنية وحلولية للعقل، فقدت جذورها العقلانية. «إنها لا تزال بالطبع أهدافاً وغايات، لكن لم يعد هناك حَكَم عقلاني يمكنه تقييمها ووضعها في علاقة مع واقع موضوعي.» المرجعية الوحيدة الموجودة الآن هي العلم، الذي يُنظر إليه بدوره على أنه تصنيف للأمور وحساب للاحتمالات.
غير أن اعتلال العقل ينطوي على خطر آخر: فكلما فقد العقل اعتباره أكثر، أصبح أكثر حماقة وأداتية، وبالقدر نفسه يصبح أكثر اغتراباً عن جذوره ومنابعه، ويصبح أكثر عرضة للشتيمة والتلاعب من قبل الغرائز والنزعات المانوية للروح الإنسانية. بحيث يؤدي تقدم التنوير نفسه إلى أسطورة جديدة. «كل فكرة فلسفية، أو أخلاقية، أو سياسية، عندما تُقطع عن أفكارها ومنابعها التاريخية، يمكنها أن تتحول إلى نواة لأسطورة جديدة.» هذه هي النقطة التي تجعل تقدم التنوير يميل في بعض اللحظات إلى الارتداد نحو الخرافة واللا عقلانية (البارانويا).
هذه العلاقة الجدلية بين الأسطورة والعقل هي موضوع كتاب بعنوان «جدل التنوير» (Dialektik der Aufklärung) الذي ألفه هوركهايمر بالتعاون مع أدورنو.
هـ: جدل الأسطورة والعقل
إذا كان العقل، وقد صار أداة، ينزلق في مسار ارتدادي نحو الحالة الطبيعية ويجعل الطبيعة، انتقامًا منها ولو، تعيد العقل إلى العصور السابقة، فذلك لأن الأسطورة، منذ بداية عصر التنوير، هي في الواقع العقل نفسه. هاتان الأطروحتان، أي أن «الأسطورة هي عقل سلفًا والعقل يعود إلى الأسطورة»، قد شُرحتا في نقاش هوركهايمر وأدورنو.
في الأطروحة الأولى، يُفحص جدل الأسطورة والعقل في أوديسة هوميروس، لأن هذه الملحمة هي إحدى أولى الوثائق «المُعرّفة بالحضارة البرجوازية». أما الأطروحة الثانية فتتعلق بمفكرين مثل كانط وساد ونيتشه الذين أوصلوا العقل إلى نتائجه النهائية وجعلوا بذلك التدمير الذاتي للعقل ممكنًا؛ أي المسار الارتدادي للعقل في الحالة الطبيعية، وأخيرًا، تدميره الذاتي في الأنظمة الشمولية أو التوتاليتارية.
من وجهة نظر هوركهايمر وأدورنو، فإن أسطورة أوليس هي أول نقطة انطلاق للتنوير. في الواقع، فإن أوليس المحتال، بإفلاته من فخ السحر وشعوذة الروحانيين وفراره من قبضة الأسطورة، يتهرب من تقديم القربان، وإن كان لا يخضع له إلا في الظاهر. هذا الاحتيال إزاء قوى الطبيعة هو منشأ عقل التنوير. أوليس، بإظهاره لذاته وتأكيده على «أناه»، يتغلب على الأسطورة وينتصب في وجهها. لكن قصة هذا الانتصار هي أيضًا قصة تضحية هذا القربان. إذا كان الإنسان لا ينتصر على الأسطورة إلا بالتضحية بطبيعته وفقط بتأكيد «أناه» التي تنبثق منه كعقل تنويري، فإن الطبيعة أيضًا تثور على الإنسان وتنتقم منه وتحول عقله مجددًا إلى أسطورة وتصنع منه أداة في خدمة الغرائز والوسائل الخاصة؛ هدف لا يخرج عن مأزق العقل نفسه. وباختصار، تُخضعه لانقياد قوى الطبيعة اللاواعية. [...] كلما استخدم الإنسان الطبيعة أكثر، انزلق أكثر في مسار ارتدادي نحو الطبيعة.
وهكذا، فإن «طلسم التقدم المحتوم هو الارتداد المحتوم». كل محاولة لتحطيم قيود الطبيعة وقوتها الإلزامية تؤدي بلا شك إلى انقياد أكثر استبدادًا لنوع الطبيعة. وهكذا فإن «الحضارة الغربية قد ضلت الطريق». التجريد والانتزاع اللذان كانا أداة العقل، صارا الآن في مصير موضوع المعرفة (الأوبجيه) مصيرًا أزال العقل مفهومه بنفسه. هذا إجراء لا يمكن تسميته إلا تصفية حسابات وإبادة تامة (liquidation). البشر المتحررون، تحت سيطرة التجريد المساوي الذي يجعل كل شيء في الطبيعة قابلًا لإعادة الإنتاج، وتحت سيطرة الصناعة التي ينظم التجريد لها قابلية إعادة الإنتاج هذه، صاروا هم أنفسهم «قطيعًا» هو، بحسب هيغل، «نتاج العقل».
هذا التجريد المنظم يُضعف البشر؛ لأن الطبيعة، بتضحيتها بقوة التفكير لدى الإنسان وتجميدها وتشييئها لها على هيئة جهاز للحساب لا يهمه في خدمة أي هدف يُستخدم، تنتقم من الإنسان وتنزله أكثر فأكثر إلى مرتبة حيوان ضارٍ. علاوة على ذلك، كلما نسي الإنسان العقل أكثر، ثار العقل أكثر طلبًا للانتقام ممن نسيه: اكتمال العقل يتأخر أكثر فأكثر، لأنه لا يزدهر فحسب، بل يؤدي عند عتبة الزمن الجديد إلى أيديولوجيا تكنولوجية لا تعفي أي جزء من الحياة، حتى الجزء الخاص منها، من تدخلها؛ أي يؤدي إلى السقوط إلى أعماق الغرائز.
هكذا هو جدل عصر التنوير الذي يجعل الفكر النقدي في وضع كأنه يمر على الصراط؛ على الفكر أن يتجنب تماثلات المجتمعات الجديدة وأن يعلم أن «الجدل هو منهج صارم (rigoureuse) يقوم على اللامماثلة والهذا-لا-ذاك». وعليه، أن يمتنع عن أي تسوية للفرد بهذا الشكل الجمعي أو ذاك، مثل الكلية الهيغلية، والمجتمع اللاطبقي وما شابه ذلك، ومن جهة أخرى، أن يضمن كلية الفرد الإنساني بإطلاق انتباهًا إلى نوستالجيا ذلك. هنا تصبح قفزة كيركغورية ضرورية.
هوركهايمر أيضًا يصل في النهاية إلى هذا الحنين نفسه. ففي عام 1970، وعلى أعتاب الموت، كتب في مقالٍ يرسم فيه مسار النظرية النقدية عبر ما يقرب من خمسين عامًا: «علينا أن نتعلق بهذا الحنين إلى أن الظلم والوحشية السائدين في العالم ليسا الكلمة الأخيرة، بل إن ثمة آخرَ موجود؛ وهذا ما نقوله لأنفسنا عبر ما أسميناه دينًا.» ويخلص إلى القول: «إذن، فيمَ تكمن نبوءة أدورنو، التي أشارك أنا نفسي فيها؟ تكمن في أن على المرء، رغم كل هذا، أن يسعى لفعل ما يراه حقًا وصوابًا وأن يمنحه واقعًا؛ وفي هذا السياق، المبدأ هو: أن نكون يائسين على صعيد النظرية ومتفائلين على صعيد الممارسة.»
لكن بصرف النظر عن هذه النقطة، يبقى السؤال قائمًا: ما هو جدل الأسطورة والعقل في معتقدنا، وهل يمكننا تطبيق هذا الاستدلال نفسه على البنى الروحية والفكرية الكبرى للمجتمعات التقليدية؟
هذا العقل الذي يعود إلى الأسطورة ويستحيل منها إلى أيديولوجيا، يفترض مسبقًا انشطارًا في روح الإنسان وذهنه؛ انشطار هو في الواقع ذاك الصدع الذي تحدثنا عنه سابقًا؛ لأن هذا الصدع فصل الفلسفة عن الدين، والنفس (l'âme) عن الروح (l'esprit)، والمقولات الموضوعية عن الذاتية. في الواقع، كانت نقطة بدايته تفككًا أطلق عليه بعض مفكري عصر النهضة اسم فقدان البنية الأنطولوجية للإنسان، وبعبارة أخرى، إزالة الأسطرة. كل واحدة من هذه القطائع كانت في الواقع كسرًا وانتقاصًا من العالم، ومن الروح، ومن الذهن، وخلاصة من العالم الروحي-الديني للبشر. ولعل في هذا المعنى يجب النظر إلى إنكار الطبيعة أو التضحية التي يشير إليها هوركهايمر وأدورنو.
شمل هذا الانحطاط والكسور والانتقاصات أيضًا المَلَكات والقوى التمثيلية التي كانت في رؤية الإنسان العارف تمتلك واقعًا غير مجرد. المحتوى المثالي للزمان، الصور الجوهرية للطبيعة، المعرفة الحدسية والوجه التمثيلي للمعرفة في التمثّل والاشتغال على النموذج المثالي، الطبيعة الإلهية للإنسان، كلها آلت إلى الزوال والعدم. أدى هذا الأمر إلى أن الروح الفاقدة لكينونتها صارت في خدمة الغرائز، وانزلقت في نكوص نحو الطبيعة ذاتها التي أرادت إنكارها، لكنها توهمت أنها روضتها وأخضعتها. وانتقمت الطبيعة بدورها وأضفت الطابع الأيديولوجي على مقولاتها السحرية.
ما يمكننا قوله كخلاصة هو أن الأيديولوجيا، بما أنها تريح الذهن بتقديم تفسيرات تبسيطية للظواهر تحت قشرة عقلانية وتاريخية، وبما أنها فكر هجين، فقد أصبحت الشكل الوحيد من الفكر الغربي القابل للهضم في مجالات ثقافية أخرى، كالعالم الثالث، الذي لم يشارك في الطفرة الثانية لعصر العلم والتقنية. توضح هذه النقطة لماذا حظيت الأيديولوجيات اليسارية المفعمة باليوتوبيا بهذا القدر من الأنصار في العالم الثالث، ولماذا تتكيف الأسطورة، التي هي العلة الذاتية للأيديولوجيات، بسهولة مع الروح والذهن الديني لحضارات العالم الثالث.
لا يمكن لحضارات العالم الثالث أن تصبح علمانية إلا عبر الأَدْلَجة، لأنها لم تعبر عصر العلم والتقنية، وعصر التنوير، والمسار الحافل بالمغامرات لجدل العقل. الوعي النقدي الذي يمكنه في الغرب أن يمنع الإفراط في الدوغمائية، وهو في الواقع ترياق ضد عملية الأَدْلَجة، لا تأثير له فيها.
الهزات العنيفة التي أحدثتها الثورة الإيرانية، سواء في الفكر والقيم التي كانت عزيزة علينا أو في عاداتنا اليومية، يجب أن تكون مدعاة لأن نعيد النظر في العلاقات بين الحضارات. هذا لا يعني أن ننظر إلى هذه الحضارات وكأنها عالمان مختلفان يقفان متقابلين جغرافيًا ومتعارضين قطبيًا ثقافيًا. بل يجب أن نعتبرهما كوكبتين (constellation) تتداخل نجومهما باستمرار، تدخل إحداهما في الأخرى، وبهذا تخلقان مفاهيم تركيبية ومبهمة تكشف، في نظر الباحث الفطن، عن تناقض الأفكار الكامنة في أساس كل منهما.
غير أن تباين هذين العالمين يتجلى بشكل أكبر عندما ننظر إليهما في صورتهما النقية؛ أي عندما نزيح جانباً كل أوجه الشبه الزائفة التي غطت مفاهيمهما الأساسية. لكن هذه الصورة النقية لا يمكننا رؤيتها إلا في السياق التاريخي، وليس في الوضع الراهن لهاتين الحضارتين؛ فهنا، كثرة التصادمات عكرت الماء لدرجة أننا، لكي نتمكن من استخلاص النص الصريح والحقيقي للأفكار التي امتزجت معاً ونظهر عدم توافقها مع بعضها البعض، علينا أن نقلب كل شيء رأساً على عقب ونكشف النقاب عن كثير من الأسرار والرموز.
لنضرب مثلاً: ما معنى مصطلح «الثورة الإسلامية»؟ نحن هنا أمام كلمتين تبدوان للوهلة الأولى متوافقتين، لأن ظاهر الأمر يقتضي القول بأن الأفكار التي تحملها هاتان الكلمتان قد تجسدت في الواقع. هاتان الكلمتان لا تثيران استغراب الشرقيين الذين يتباهون بهما، ولا تستفزان الغربيين الذين يشبهونهما بمقولاتهم الذهنية الرائجة.
ولكن، ما معنى هاتين الكلمتين حقاً؟ إذا تأملنا كلمة «ثورة»، ينهمر فجأة على أذهاننا وابل من الأفكار: أفكار عصر التنوير التي مهدت لهذه الثورة، أصحاب الموسوعة، إعلان حقوق الإنسان؛ ثم، بلغة هيغل، نابليون بونابرت، هذا «الروح العالمي» الممتطي صهوة جواد أبيض؛ الضرورة التاريخية التي لا تتجاوز شيئاً ولا يصدها شيء؛ وأخيراً، بلغة كارل ماركس، الصراع الطبقي ومصير البروليتاريا التي هي منقذة البشرية. ومن منظور فلسفي، نتذكر قوة النفي: البنية الجدلية للعقل تترسخ في أذهاننا؛ عقل يتجاوز ذاته في نفي ذاته، ويؤدي، بفضل تركيبات عليا، إلى حرية الذهن، وإلى استقلال العقل الذاتي، وإلى الوعي بالذات.
أما من الإسلام - أي التسليم لإرادة الله - فماذا يتبادر إلى أذهاننا؟ نفكر في القرآن، في هذا الكلام المقدس، في الوحي والإلهام، في روح رسول الله، في سلسلة الأنبياء، من آدم، أول إنسان خُلق على صورة الله، إلى محمد خاتم الأنبياء؛ سلسلة كاملة هي المظهر التام وكمال الحقيقة المحمدية - اللوغوس - التي لم يكن الأنبياء السابقون إلا تجليات جزئية لها... وفي أساس هذه السلسلة، واقعة أزلية أو ميتاتاريخية: الصلة بالله، حمل الأمانة التي ألقيت على عاتق الإنسان منذ الأزل؛ أمانة يجدد الأنبياء العهد بها باستمرار حتى يأتي دور محمد فيختم السلسلة إلى الأبد.
وأخيراً، إذا كان الدين الذي يهمنا هو التشيع، نتذكر سلسلة الولاية التي تبدأ تماماً حين تنتهي سلسلة الأنبياء. في الولاية، تنتقل روح رسول الله من إمام إلى إمام حتى تصل إلى الإمام الثاني عشر؛ والغيبة الكبرى وعودته في المستقبل لإقامة العدل والقسط في العالم.
إذن، هذان المصطلحان، مع هذين العالمين - الثورة والإسلام - لا تربطهما أية قرابة أنطولوجية. كل منهما يقع في مجرة أخرى، نقاطهما المرجعية وكذلك المحور الذي يدوران حوله لهما لون ورائحة مختلفان ويتمتعان باستقلالية متباينة. إذا قارناهما، سنرى أن ما يجري في الأول هو مغامرة الذهن في الزمان؛ زمان له حضور كينوني ويعطي للتاريخ بنية تصبح فيها الثورة نتيجة مباشرة ولا رجعة فيها لسلبية (négativité) العقل؛ بينما الثاني، أي الإسلام، يتحرك خارج دائرة هموم التاريخ ويؤمن بقيم سرمدية (أزلية-أبدية)؛ قيم لا يمكن العثور عليها في رقعة جغرافية ولا في حقبة تاريخية.
بعبارة أخرى، إن سبب وجود الوقائع التي تشكل المكونات الوجودية للإسلام لا يكمن في ضرورة تاريخية، بل في أحداث تتخذ هنا شكلاً آخر وتكتسب حمولة معنوية باطنية؛ لأن أحداثها الحاسمة لم تقع في سياق الزمان التاريخي، بل في زمان روائي أو مثالي. فعلى سبيل المثال، ظهر جبرائيل في عالم الروح على محمد، وبهذه الطريقة الإعجازية أوحي القرآن إلى نبي الإسلام. في الواقع، إن اختلاف الإسلام والثورة ليس في اختلاف العقيدة والمنهج، بل هو اختلاف أكثر جوهرية بكثير بين مجرتين.
لكن يمكن أن نسأل: ما الذي حدث حتى لم يعد الفكر الغربي قانعاً بحدوده الجغرافية، أي أوروبا؛ بل صار يتوسع في كل اتجاه، ويتخطى الحدود واحداً تلو الآخر، ويتحول إلى فكر كوني شامل حاضر في كل مكان، في الحياة العامة وحتى الخاصة للناس؟ الجواب واضح: إنه عصر تصادم المجرات. لكن ثمة أسئلة ما زالت بلا إجابة: في مصطلح «الثورة الإسلامية»، أي الكلمتين أكثر فاعلية وحسماً؟ الثورة أم الإسلام؟ هل الدين هو الذي يغير الثورة ويضفي عليها حرمة؟ أم أن الثورة هي التي تضفي على الدين طابعاً دنيوياً، وتصنع منه ديناً سياسياً، وباختصار، تحوله إلى أيديولوجيا؟ الحقيقة مرة، لكن المنتصر النهائي على أية حال كان دوماً الفكر الكوكبي. إنه هو الذي يُخرج الآخر من مداره ويجذبه إلى مجال جاذبيته ويفرض عليه قوانينه الخاصة.
ليست الثورة هي التي تصطف في مسار المعاد أو الآخرة أو تكتسب صفة إسلامية، بل الإسلام هو الذي يتحول إلى أيديولوجيا ويدخل التاريخ كي يتمكن من القضاء على الكفار، أي أنصار الأيديولوجيات الأكثر تجهيزاً والأكثر توافقاً مع روح العصر على أية حال. لكنه بهذا الفعل، يقع هو نفسه في شرك «مكر العقل»: يريد أن يتصدى للغرب فيتغرب هو نفسه؛ يريد أن يضفي على العالم طابعاً معنوياً وروحياً فيكتسب هو نفسه طابعاً دنيوياً وعلمانياً؛ يريد أن ينفي التاريخ فينغمس هو نفسه في التاريخ حتى الأعماق.
لكن هل كان الأمر هكذا دوماً؟ لماذا اضطرت كل الثقافات التي كانت خارج العالم الغربي، في نهاية المطاف، إلى قبول قواعد اللعبة كما يحددها الغرب؟
٣. الماركسية العامية بصفتها «أيديولوجيا مستقرة في الفضاء»
قلنا إن قسماً كبيراً من البشرية بقي بمعزل عن التيار الثاني للطفرة الثقافية الذي بدأ مع عصر التقنية والعلم. هذا القسم لم يشهد اكتشاف العلوم الطبيعية، ولم يتعرف على التقدم، ولا على الأزمات الناجمة عن هذه التحولات، ولم ينل حظاً من مسارها التوعوي. فجأة انهارت عليه حركة التاريخ كالطوفان: أولاً عبر الاستعمار، ثم بموجة من التغرب الشامل والسطحي.
كل شيء يدل على أن جينيالوجيا (généalogie) الفكر وتسلسله التكويني ظل محجوباً عن هذا القسم من البشرية [أبناء العالم الثالث]. صحيح أنه نال شذرات من هذا التيار الفكري أو ذاك، من هذه المدرسة أو تلك، من هذه الحركة الرائجة أو تلك، لكنه لم يستطع أبداً المشاركة في الحركة التي تدفع هذا الفكر إلى الأمام. لقد خفي عنه كل من تلك القوة التي كانت تربط مراحل هذا التقدم المختلفة بعضها ببعض، وذلك الاستفهام الأنطولوجي الذي كان يحدد في كل طفرة إلى الأمام أن مجمل هذا الاستحالة الفكرية، من أفلاطون إلى هايدغر ومن هرقليطس إلى نيتشه، إنما هو سلسلة غير منقطعة من الفكر المتواصل.
بعبارة أخرى، الشيء الوحيد الذي استطاع هذا القسم من شعوب العالم أن يقيم علاقة معه هو الحلقات الأخيرة من هذه السلسلة؛ ونتيجة لذلك كان من المستحيل أن يتمكنوا في مسار حياتهم من تتبع ذيل هذه السلسلة حتى البداية، أي حتى فجر نشأة الفلسفة اليونانية، وأن يدركوا جينيالوجيا التقليد الفكري الغربي وتكوينه.
كان رد فعل الحضارات غير الغربية إزاء هذا التيار القسري هو انتهاج أسلوب المواجهة المتطرفة: فإما أن تفتتن بالعالم الغربي وتوله به إلى حد الاغتراب عن الذات وتقبله بالجملة دون قيد أو شرط؛ وإما أن ترفضه بالجملة وتنتكس إلى الحركات الشعبوية والدينية الرجعية عبر إحياء نوستالجيا الماضي. ورغم أنه يمكن رؤية تنوع لا نهائي من ردود الفعل المختلفة بين هذين القطبين المتطرفين، فلا شك أن الإطار الرؤيوي والمقولاتي لكل هذه التيارات يعبر عن تجانسها البنيوي في فهم المسائل.
إلى حد يمكن القول إن هذه البنية، التي هي جزء لا يتجزأ من الروحية الاجتماعية للعصر، هي بذاتها الأرضية الممهدة لكل فكر. بلغة أخرى، إنها الشكل أو القالب الذي وضع كل ردود الفعل هذه في إطاره؛ أي النظارة التي ننظر من خلالها إلى العالم الواقعي وندركه. وكما أن الزمان والمكان، بحسب كانط، مقولتان قبليتان (apriori) على كل إدراك، فإن هذه السمة الغالبة على روح العصر هي أيضاً شكل قبلي على رؤيتنا للعالم. كلما ثرنا أكثر على تيارات عصرنا، صرنا، دون أن ندري، أكثر ضحية لها.
ما يسود في المجتمعات بوصفه أفكار ماركس ليس في الواقع سوى ماركسية دوغمائية، شعبوية، مرت عبر مصفاة اللينينية ومشوهة؛ ماركسية لا تتجاوز في أفضل أحوالها حدود البيان الشيوعي؛ ماركسية تتمتع نبرتها النبوية في بيانها - «إن تاريخ كل مجتمع قائم حتى الآن هو تاريخ صراع طبقي» - بالبساطة والجاذبية، فتسحر المرء كما لو كانت مبدأ دينياً وتتحول إلى جهاز سحري لتفسير كل شيء.
لهذه الظاهرة عدة نتائج أيديولوجية مباشرة: شيطنة البرجوازي وتأليه البروليتاري - ناهيك عن أن البرجوازي والبروليتاري في هذه المجتمعات لا يوجدان إلا في شكل جنيني - وبالتالي، رؤية مانوية للعالم؛ رؤية تلعب فيها الرأسمالية، أي العالم الغربي برمته، دور القدر؛ حيث يتطابق الاستغلال مع الإثم؛ ويمثل البرجوازي قوى الشر، بينما البروليتاريا هي الملاك المخلص؛ والثورة هي القيامة الموعودة، والمجتمع اللاطبقي هو الفردوس المفقود والمستعاد.
وهكذا يكتسب كل أسلوب نضالي في هذه المجتمعات صبغة من الرومانسية الثورية. فعلى سبيل المثال، مقولة ماركس بأن الفلسفة لا يمكن أن تزول ما لم تتحقق، ولا يمكن أن تتحقق ما لم تزل، تؤجج كل أنواع الآمال والأماني. ويملأ الأجواء نوع من الماركسية المبتورة، بوصفها أيديولوجيا مستقرة: ماركسية تقتضي أولوية البراكسيس، والحنين إلى ثورات الماضي، والصراع الطبقي، واليقين بأن التقدم هو النتيجة الحتمية للانقلاب الاجتماعي، وتثبيت التاريخ كرب يدبر شؤون البشر.
هذه هي المكونات المختلفة لروح عصرنا، وبمعنى ما، بنيته التحتية؛ لأن هذا الإطار، الذي يمكنه بالطبع أن يتخذ شكلاً مختلفاً في سياق هذا المجتمع أو ذاك، يشكل الهيكل العظمي لجميع التيارات الدينية واللادينية التي تريد أن تستقر في النظام الاجتماعي-السياسي؛ تيارات إما أن تنهض باسم التقاليد وتحت راية التعاليم اليسارية ضد الغرب، أو تحت علم تقاليدها الدينية التي تتوهم أنها تستطيع أن تختصر التاريخ وتنشر العدل والقسط في العالم.
لكن هذه التقاليد، حالما تتخذ شكلاً سياسياً محدداً بل وفلسفياً، تصبح، رغماً عنها ودون أن تدري، جزءاً من المقولات السارية التي وصفناها. حينئذ، ومن خلال هذه العدسات السوسيولوجية بالذات، ترى القيم التي كانت في أساسها دوماً خارج نطاق تحولاتها الاجتماعية والاقتصادية وتعيد تفسيرها. وبهذه الطريقة، تشكل الثورة، وعلاقات الإنتاج، وغائية (téléologie) التاريخ، ويوطوبيا المجتمع المتجانس (اللاطبقي) إطاراً ثابتاً لا يتغير يمكن أن يتوافق مع أي مذهب وفكر.
المهم هو أنه حالما يصبح هذا المحتوى هو البنية التحتية الأيديولوجية لعصرنا، فإنه يغادر مجرته، وينزلق إلى مدار آخر، ويخضع لمنطق آخر، ويقترن بألوان وروائح وأفكار تتطابق مع مفهوم الثورة، لا مع الإطار الديني الذي كان هذا المحتوى ينتمي إليه في البداية. في هذا الإطار، يمكن للمحتوى التقليدي أن يحدث رنيناً جديداً، لكنه لن يخلق أبداً معنى وبنية جديدين. العناصر الداخلة فيه يمكن أن تكون بديعة بل وروحانية، لكنها لا تتجاوز حدود السرد المحلي لشكل كوني (Gestalt universelle)؛ شكل تعود كونيته، على وجه الخصوص، إلى كونه شكلاً من التغرب اللاواعي. ونتيجة هذه العملية هي دوماً شكل من أشكال الأيديولوجيا.
أسباب هذا الأمر كثيرة. نشير إلى ثلاثة أسباب:
١) أشكال الأفكار المفروضة لم تعد تمتلك صفاءها الأول، بل تظهر في أشكال غاية في الجمود والتطرف. فعلى سبيل المثال، إذا أصبحنا ماركسيين، فإن ماركسيتنا شعبوية وهي في أحسن الأحوال لينينية، ولا يمكننا أبداً أن ندرك مدى ماركس وأفكاره الإنسانية التي تشكلت في صلة بالمثالية الألمانية، وبالتالي، في صلة بكامل التراث الغربي.
٢) الأشكال المفروضة التي نتقبلها، تكون قد تحولت هي نفسها مسبقاً إلى بنى أيديولوجية؛ أي إلى فلسفات فقدت دمها، متحجرة، خائرة القوى، جافة وبلا حياة.
۳) هذه الأشكال التي تفتقر إلى أي إمكانية نقدية لـ«تقييم مواضعها المختلفة»، تتيح للمحتوى السحري أن يتحول في داخلها ويخلق وهمًا وكأنه قد أنتج حقًا شكلاً فلسفيًا جديدًا. وفي خضم عمليات التماثل هذه، ثمة سيرورة من التغريب اللاواعي، والأسوأ من ذلك أن أولئك الذين يثورون ضد هذه الأشكال المهيمنة هم أنفسهم من ينبهرون بها دون أي مقاومة، وبالتالي ينخدعون أكثر من أي شخص آخر، وبهذا يبطلون، دون أن يدروا، المبادئ التي يعتقدون أنهم يتبعونها.
والسبب في ذلك واضح أيضًا: إن تجاهل البحر ببريق السراب المزيف، وبعبارة أخرى رفض هذه الأفكار المؤدلجة، يتطلب مهمة جسيمة؛ أي إزالة الأسطرة، والتقويض الأنطولوجي، والنقد على جبهتين: الأولى في مجال الأفكار المستوردة، والأخرى في مجال الأفكار التي يريد البعض تعظيمها وصنع شبح منها لمنازلة عصرنا. ومن ناحية أخرى، فإن تأثير هذا الشكل من التغريب اللاواعي لا يحجب فقط رؤية المدى الحقيقي للفكر الغربي، بل علاوة على ذلك، وبجاذبيته المسحورة، يحجب أيضًا كل محتوى الأفكار التقليدية، بحيث إن إرث الماضي، في ارتباطه بشكل الرؤية السائد اليوم، لا يتحول إلا إلى ما يتحقق فعليًا، قبل كل شيء، في شكله المنحط.
فعلى سبيل المثال، الحرية والديمقراطية والجمهورية وحقوق الإنسان هي منجزات تحررية للحضارة الحديثة. ومع ذلك، فإن الفكر التقليدي، قبل أَدْلَجَتِهِ، يدّعي أيضًا أنه مساواتي بالقدر نفسه، ومناصر للحريات الفردية بالقدر نفسه، وساعٍ للعدل والإنصاف بالقدر نفسه، وأن الحلول التي يقترحها لا تحمل فقط علاجًا لكل آلام عصرنا، بل توفر علاوة على ذلك شروط نشوء إنسان جديد في مجتمع متحرر من الغضب والنزاع، في مجتمع «واحد»؛ وذلك «لسبب» بسيط هو أن كل شيء قد تم التنبؤ به وتدوينه في النصوص المقدسة. وبالتالي، فإن محتوى النصوص المقدسة لا يمكن تبريره إلا إذا لبى الاحتياجات المادية والروحية لعصرنا، أو على الأقل إذا أشبع هذه الاحتياجات بشكل أفضل من الأفكار المستوردة.
وهكذا، يريد التقليد منازلة الأفكار السائدة. لكنه حين ينهض لمنافستها، لا يجد بدًا من قبول منطقها، وحين يقبل المنطق نفسه، فإنه يضطر حتمًا إلى تغيير مجرته، ويخرج من ميدان معركة الإيديولوجيا ليصبح هو ذاته إيديولوجيا. بعبارة أخرى، إن الإيديولوجيات نفسها التي يدّعي التقليد التصدي لها هي، في التحليل النهائي، ما يبرر شكل التقليد وليس العكس. تسعى هذه الإيديولوجيات إلى تقديس الأفكار العرفية؛ وفي المقابل، تعمل الأديان التي تعتبر نفسها مناضلة على عرفنة الأفكار المقدسة.
ويمكن بسهولة اعتبار هذين الاتجاهين، اللذين هما وجهان لعملة واحدة، جزءًا من البنية الثنائية القيمة والمتناقضة للإيديولوجيات، لأن الإيديولوجيات بدورها يمكن أن تتوافق مع الرؤية السحرية – الدينية ومع العقلانية العلمية المزعومة على حد سواء.
وقد تنبأ هوركهايمر بهذا الخطر:
«يوجد حالياً نزوع عام يسعى إلى إحياء النظريات القديمة للعقل الموضوعي كيما يمنح نوعاً من الأساس الفلسفي لمراتب القيم المقبولة عموماً ـ وهي مراتب آخذة في التفسخ بسرعة. وما يُبرر تطبيقه الآن، أي في العصر الحديث، ليس فقط العلاجات الروحية شبه الدينية وشبه العلمية، واستحضار الأرواح، والتنجيم، والبدائل المزيفة والتافهة للفلسفات الموضوعية الكلاسيكية، بل أيضاً أنطولوجيات العصور الوسطى؛ لكن لا ينبغي أن ننسى أن الانتقال من العقل الموضوعي إلى العقل الذاتي لم يكن انتقالاً عفوياً [...]. إذا كان العقل الذاتي، في صيغته التنويرية، قد قوّض الأساس الفلسفي لمعتقدات شكلت جزءاً جوهرياً من الثقافة الغربية، فيجب أن ننتبه إلى أنه لم يتمكن من إنجاز ذلك إلا لأن هذا الأساس كان قد غدا شديد الوهن. وإذا كان هذا الأساس قد وهن، فما ذلك إلا لأن البشرية كانت قد حققت طفرة ثقافية كبرى قادتها إلى تسخير العالم عبر إنشاء شبكة واسعة من الاتصالات طوقت الكرة الأرضية برمتها؛ غير أن جدلية الأديان القديمة، في صلتها بولادة هذا الإنسان الجديد، لا يمكنها أن تكون سوى حوار هذا الإنسان مع ذاته. حين لا تكون نتيجة أي تشييء للعالم الديني سوى سقوط المقدسات في شرك التاريخ، فإن الخلاص لا يمكن بلوغه لا بسلوك الطرق المختصرة ولا بالرفض القاطع؛ السبيل الوحيد للنجاة هو انتهاج الأسلوب النقدي إزاء هذا الوعي الزائف؛ الزائف بشكل مضاعف: فهو يشوه ويغير شكل الأفكار المفروضة التي نتلقاها كرزم أيديولوجية، كما يشوه الأفكار التي تخصنا، لكننا نعيد تأويلها وتفسيرها جميعاً عبر منظور رؤية زائفة. إنها رؤية توجد فيها، في ترابط لا انفصام له، كل العيوب الجوهرية للأيديولوجيا، من أداتية العقل الذاتي إلى التمركز حول الذات وتشويه الوقائع. [...]»
ملاحظات
* هذا العمل هو ترجمة للقسمين الأولين من الفصل الخامس من كتاب «ما هي الثورة الدينية؟» بقلم داريوش شايغان، والذي كُتب ونُشر باللغة الفرنسية:
Daryush Shayegan: Qu’est-ce qu’une révolution religieuse?, Ed. Les presses d’aujourd’hui, Paris, 1982.

لإعداد القسمين المذكورين في شكل مقالة مستقلة، وبموافقة المؤلف، قمت بحذف أجزاء من النص ووضعت علامة [...] مكانها.
في عمل الترجمة، حاولت قدر استطاعتي أن أبقى وفياً للنص الأصلي. استخدمت المكافئات الفارسية المتداولة حيثما وجدتها مناسبة، وحيثما رأيتها قاصرة أو لم أجد لها مكافئاً، قمت بنحت مصطلح بنفسي.
ورغم أنني قبلت عدداً من التعديلات التي اقترحها المؤلف بعد قراءة الترجمة، إلا أن النص في مجموعه كُتب بأسلوبي وذائقتي الكتابية، وبالتالي فإن مسؤولية الأخطاء المحتملة فيه تقع على عاتقي، فمن الواضح أن المؤلف لو أراد بنفسه ترجمته إلى الفارسية أو إعادة كتابته، لسلك نهجه الكتابي الذي يفضله.
توضيحات المترجم، سواء في المتن أو في الملاحظات، ترد إما بين معقوفين [ ] أو موسومة بـ «م.».
۱. Jean-William Lapierre, “Qu’est-ce qu’une idéologie?”, in Les Idéologies dans le monde actuel, Paris, 1971, p. 11.
۲. Arthur Koestler, Le cheval dans la locomotive, trad. Georges Pradier, 1968, p. 217.
۳. Hannah Arendt, Le Système totalitaire, trad. J. L. Bourget, R. Davreu et P. Lévy, Paris, 1972, pp. 216-218.
۴. التعصب (Fanatisme) في الاصطلاح الديني هو نزوع يعد نفسه ملهاماً من وحي الله، وبالتالي النزوع الحق الوحيد. ـ م.
۵. في المنطق الثنائي (logique binaire)، تكون القضية إما صادقة وإما كاذبة، ويُستبعد أي احتمال ثالث. ـ م.
۶. Max Weber, “Essai sur la théorie de la Science”, cité par J. Gabel in “Idéologie”, Encyclopaedia Universalis, Vol. 8, Paris, 1968, p. 719.
حول الفصل بين المفهوم الخاص للأيديولوجيا ومفهومها العام عند مانهايم، انظر:
Ideology and Utopia, Harvest Book, New York.
۷. J. Gabel, “Idéologie”, in Encyclopaedia Universalis, p. 719.
۸. الإيلية Eleatisme وفقاً لفلسفة زينون وبارمنيدس الإيلي، الوجود كما هو، موجود وثابت. كان الإيليون يعتقدون أن التغير والحركة محالان، وأن التماثل والوحدة يسودان عالم الوجود برمته. ـ م.
۹. Ernst Cassirer, La philosophie des Formes Symboliques, trad. Jean Lacoste, Tome II, La pensée mythique, Paris, 1977, p. 88.
۱۰. Gabel, Idéologie, op. cit., pp. 65-66.
۱۱. Ibid., p. 287.
۱۲. Gabel, La fausse conscience, Paris, 1962, p. 71.
۱۳. Ernst Cassirer, The Myth of the State, New Haven, 1975, pp. 281-282.
۱۴. Herman Rauschning, Masken und Metamorphosen des Nihilismus, in Der Nihilismus als Phänomen der Geistesgeschichte, Darmstadt, 1974, pp. 108-109.
۱۵. C. G. Jung, Problèmes de l’âme moderne, Buchet/Chastel, Paris, 1960, p. 180.
۱۶. H. Rauschning, op. cit., p. 112.
۱۷. J. W. Lapierre, op. cit., p. 8.
۱۸. Janine Chasseguet-Smirgel, “Quelques réflexions d’un psychanalyste sur l’idéologie”, in Pouvoirs, no. 11, Paris, 1979, p. 35.
۱۹. Ibid., p. 39.
۲۰. Jürgen Habermas, La technique et la Science comme idéologie, trad. Jean-René Ladmiral, Paris, 1973, pp. 33-34.
۲۱. Cité Gabel, Idéologie, op. cit., p. 719.
انظر أيضاً:
Jules Monnerot, Sociologie de la révolution, Fayard, Paris, 1969, p. 178.
تنتج الأيديولوجيا من التوفيق بين «التفكير العرفاني» و«طريقة التفكير» و«المنطق والتجربة».
۲۲. Max Horkheimer, Éclipse de la raison, trad. Jacques Debouzy, Payot, Paris, 1974, p. 30. Theodor W. Adorno, La Dialectique de la raison, Paris, Gallimard, 1974, p. 18.
۲۳. Max Horkheimer.
۲۴. Adorno, Dialectique négative, Payot, Paris, 1978, p. 13.
۲۵. “La théorie critique hier et aujourd’hui”, in Théorie critique, Payot, Paris, 1978, p. 361.
۲۶. M. Horkheimer, Éclipse de la raison, trad. Jacques Debouzy, Paris, Ed. Payot, 1974, pp. 70-71.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.