اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى داريوش شايغان في الأبواب البالية المتقشّفة في صور عباس كيارستمي تجسيدًا لتواضع خالص وشواهدَ صامتة على مرور الزمن، تقودنا إلى تشرّفٍ في الخفاء وتأمّل مناظرَ بقدم ذاكرة العالم.

داريوش شايغان:
الأبواب التي التقطها عباس كيارستمي في صوره، كسائر أعماله، تدعونا إلى مشاهدةٍ تخالف المألوف. كيارستمي في صوره لا يعمد إلى التفسير، بل هو لا يُفصح حتى عن النية التي يحملها. إنه يكتفي بالعرض. وبنفس ذلك التكتم اللطيف الذي نعهده فيه، يرشدنا إلى تَشَرُّفٍ في الخفاء والخلوة. الأبواب التي يُريها لنا كيارستمي خلوٌ من ذلك الفيض من العناصر الذي نجده في الفن المتعاظم المهيب للقرن الثامن عشر الفرنسي. لا أثر على هذه الأبواب لتلك الأقنعة والنقوش البارزة، ولا لتلك الأكاليل من الزهور. لا يظهر على عتباتها نقش رأس الأسد، ولا تبدو عليها الحفريات المتكلفة البارعة والكائنات الأسطورية. أبواب كيارستمي كلها أبواب عتيقة، أبواب متعَبة خربة، أنهكها الزمن وأبلاها مر السنين، باهتة الألوان، منتفخة ومتقرحة، متقشرة عن ألف شرارة خفية. أبواب بألواح مهلهلة، وجرح من مسامير خشنة غليظة. بعضها مقيد بالسلاسل، وكأنه حظر كل دخول إلى الأبد. وباب آخر بحلقات من حديد الزهر متدلية من زاوية تمثال نصفي راهب، كأنه شاخص بانتظار طرق زائر شريد على الباب. كلها بلا ادعاء ولا تكلف، بلا بهرج ولا زخرف، ببساطة لا تُصدق، تجسيد لتواضع خالص يسمو إلى مقام الحرية الرفيع. ليست من تلك الأبواب الثرثارة التي تعلن عن بهو القصور الأرستقراطية المترفة، بل صامتة كلوح كتابة غامض ولوحة منحوتة مطمورة، مثقلة بغبار مرور الزمن الصبور.

هذه الأبواب، ساقطة في غفلة الأزمان، مستسلمة حتى مرتبة العدم، صابرة على صيحات الحوادث[1]، كأنها تفشي بالمصائب البعيدة الطويلة التي حلت بها من كل صوب. هذه الأبواب، شهود صامتون على ما جرى في حضرتها: خطوات مترددة تسكعت حولها دون جرأة يقين يدفعها لعبور العتبة؛ خطوات من تسللوا إلى الخلوة ونالوا من غصن عشق كان ينشده منذ الأزل بختاً[2]؛ خطوات تآكلت على أعتاب انتظارها بالشوق والصبر ثم عادت، لكنها تركت شيئاً من روحها هناك؛ خطوات أولئك الذين اقترنوا بالسعادة خلف هذه الأبواب، وقضوا عمراً أبلى منهم السنين والشهور[3] ثم رحلوا؛ وأولئك الذين ظلوا في معتكف السر محدقين في منظر خيالات فاتنة. أليست هذه الأبواب حكماً بين عالمين متضادين يتبادلان المواقع بحسب الطبع المتغير للحظة؟ عالم الخارج والداخل، وعالم الخلوة والجماعة. من يدري، لعل خلف هذه الأبواب أناساً شهدوا تفتق فضاءات سحرية، تلك الفضاءات التي تنفتح على جنائن الأسطورة، والتي يمكن للمرء فيها بعين التأمل أن يجلس متفرجاً على مناظر بقِدَمِ ذاكرة العالم.
[1]) مقتبس من شعر لحافظ: إن لم يبدد خمر غم القلب من ذكرنا / فإن صيحة الحادثة تقوض بنياننا من أساسه. [2]) مقتبس من شعر لحافظ: أيها الغصن اليانع هنيئاً لك البخت. [3]) مقتبس من شعر لحافظ: لست أنا العجوز في السنين والشهور، بل الرفيق هو الخائن / عليّ كما يمضي العمر صرت عجوزاً من ذلك
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.