اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الملل في عالم السرعة قدر محتوم؛ آرش نراقي يحلل جذور إثارة الملل في العالم من منظور العرفاء المسلمين والإنسان الحديث، ويتساءل: هل يمكن العثور على وجه متعالٍ فيه، وتجاوز ضيق العالم بالذاكرة والخيال؟

آرش نراقي: تجربة السأم وجه مهم من حياة البشر في هذا العالم. ولا سيما في عالم السرعة، أي العالم المتسارع الذي تكتسي فيه المستجدات ثوب العتق بعد قليل، تبدو تجربة السأم قدراً محتوماً. أود في هذا المقال أن أعرض ملاحظات حول ثلاثة أسئلة رئيسية:
(أولاً) ما هي جذور إثارة السأم في العالم وأساليب إزالة السأم عن حياة البشر من منظور العرفاء المسلمين؟ (ثانياً) ما التحولات التي طرأت على تصور الإنسان الحديث وتجربته لوضعية السأم الوجودية؟ (ثالثاً) ما هي أساليب إزالة السأم في العالم الجديد؟ وهل يمكن العثور على وجه متعالٍ في تجربة السأم؟
أود أن أوضح منذ البداية أن هذا النقاش هو طرح لبعض التأملات المتفرقة حول هذه الموضوعات، أكثر من كونه دراسة شاملة للأسئلة المذكورة أعلاه.
(١)
في النظرة العرفانية، الإنسان في هذا العالم مسافر، وكينونته سيرٌ يبدأ بتجربة الانفصال وألم الفراق. "ألم الفراق" أو "القلق الناشئ عن الانقطاع عن الأصل" هو نقطة انطلاق الحياة الروحية، وناره تُقلق روح الإنسان في هذا العالم. لكن نار الفراق لا تحرق فحسب، بل قد تمنح أحياناً نوراً ودفئاً، أي أنها تثير شوق الوصال، وتستخرج من قلب عاطفة سلبية ومدمرة دافعاً إيجابياً ومتعالياً. شوق الوصال يمكن أن يدفع المسافر الروحي إلى شدّ الرحال والانطلاق في رحلة أوديسية بحثاً عن أصله، وبالالتحام بذلك الأصل يستعيد كينونته الأصيلة. لذا، فإن حياة العارف السالك في هذا العالم ممتزجة بعاطفتين وجوديتين عميقتين: ألم الفراق وشوق الوصال. وفي خضم ذلك الألم وهذا الشوق تتشكل رحلته الروحية. لكن مفهوم "السفر" متلازم مع مفهوم "الوطن" أو "البيت". "البيت" يحوّل تجربة التيه إلى سفر – إلى سيرٍ موجّه نحو مقصدٍ مانحٍ للمعنى. "البيت" فضاء متميز، أي أنه من بين جميع الأماكن، البيت هو ما يمنح الفرد الأمن والسكينة، ويبدّل رهبة الاغتراب بالفضاءات الباردة والمخيفة إلى شعور بالألفة مع فضاء دافئ وآمن. الإنسان الذي ابتعد عن أصله، يجد نفسه غريباً في العالم ومع العالم. وفي صميم هذه الغرابة يجد العالم خاوياً من المعنى – جدران العالم تهديدٌ يضغط عليه في ضيقه ويثقل على صدره. منظر "البيت" في الأفق يمنح الفرد أملاً بأن رهبة الصحراء ستنتهي. في تجربة العارف، "البيت" هو اللحظة التي يُخصب فيها المقدس الخط الجاف للزمان والمكان، ويمنح بُعداً لساحة حياته الأحادية البعد. الترجمان الفيزيائي للحضور المقدس هو "اللاتجانس" – الفضاء يتقوس، والزمان ينتفخ – وسطح الوجود المثير للسأم يُخصب فجأة. انحناء أطراف ذلك الحضور يجعل الفضاء "محراباً"، وانحناء الزمان لحظة تجلي ذلك الحضور يحوّل الزمان إلى "وقت" واللحظة إلى "آن". تجربة لاتجانس الفضاء والزمان في لحظة تجلي المقدس ظاهرة مألوفة في صميم العيش الديني: يرى موسى رقصة لهب في قلب ظلام الصحراء فيسرع إليها لعله يجد في ضوئها سبيلاً، لكنه فجأة يجد الفضاء حول تلك الشجرة المشتعلة مختلفاً عن الفضاءات الأخرى. الفضاء الذي كان قبلاً جزءاً من الصحراء ومثل أي نقطة أخرى فيها، يصبح فجأة متميزاً ومتفرداً. الفضاء أمامه كان مُخصباً بحضور مقدس، ورداً على ذلك الفضاء اللامتجانس خلع موسى نعليه. لقد اختبر "الواقعة" في ملتقى "الوقت" (الزمان المُخصب) و"المحراب" (المكان المُخصب). لذلك، وإن كان العارف في هذا العالم مبتعداً عن أصله، إلا أنه يعيش في عالم تكون فيه "الواقعة" ممكنة – أي أن الله يكشف له عن ذاته أحياناً في انحناء الخط الجاف للزمان والمكان – يمنحه غمزة كي لا يبتلع سواد اليأس روح السالك. السالك المتعب المنهك يستريح قليلاً في قلب هذه البيوت الآمنة في منتصف الطريق، يلتقط أنفاسه، ويتزود بالأمل كي يستطيع إكمال الطريق إلى نهايته. إنه يرى في قلب "بيت الواقعة" الوجه الشرقي للعالم. أي أن العالم يصبح فجأة علامة تدل على ما وراءه. عيّ العالم يصبح ناطقاً، وما كان يبدو قبلاً مظلماً، مبهماً، وغير مفهوم يكتسب فجأة نوراً ويصبح غزلاً مُطرباً. لكن السالك ليس دائماً في النصف المضيء من العالم. أحياناً في هذه الرحلة يمر بالوجه الغربي للعالم – الهاوية السوداء المرعبة التي تنفتح فجأة وتبتلع كل ذرات الأمل والمعنى. وفجأة يصبح العالم صحراء رهبة تفضي من كل جانب إلى الظلام. يجد الفرد نفسه فجأة متروكاً، ويتجانس الفضاء والزمان – لا تختلف نقطة عن أخرى. إن لم يكن هناك بيت ينتظر في الأفق، فما الفرق بين هذا الطريق وذاك؟ في الطريق بلا مقصد يتحول "السفر" إلى "تيه". في الوجه الغربي للعالم، يصبح "البيت" "سجناً". نوافذ العالم التي كانت تنفتح أحياناً على بستان ما وراء المضيء، تُطمس، ويجد الفرد نفسه متروكاً في الظلام والضيق. في قلب جدران العالم الأربعة بلا نوافذ، تختبر روح السالك فجأة تجربة السأم بأعمق أشكالها. السأم هو تجربة الضيق والتناهي.
(٢)
يبدو أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تضيق به الدنيا. وكأن شيئاً في بنية الوجود الإنساني يجعله أوسع من العالم المحيط به ـ إلى درجة تبدو معها جدران العالم ضيّقة عليه. ولكن ما هي الخصائص التي تمنح الوجود الإنساني مثل هذه السعة؟ في نظري، هناك ثلاث خصائص على الأقل في بنية الوجود الإنساني توسّع وجوده وتمنحه حجماً:
الخاصية الأولى هي الذاكرة. الإنسان من بين الكائنات التي تمتلك ذاكرة قوية، ويستطيع من خلال ذاكرته أن يعيد اختبار الأزمنة الضائعة. الذاكرة تجلب الحدث الماضي إلى حاضر الفرد، وتتيح للإنسان فرصة إحياء تجاربه الماضية من جديد. الذاكرة تربط الوجود المحصور في سجن الحاضر بآفاق الماضي، وبذلك توسّع وجوده على خط الزمن باتجاه الماضي.
الخاصية الثانية هي القدرة على التحليل والاستنتاج. هذه القدرة تتيح للإنسان أن يرى آفاق المستقبل إلى حد ما ويتنبأ بها بناءً على الماضي والحاضر، وبذلك يلقي بكينونته نحو آفاق المستقبل ويعيد اختبار الزمن الذي لم يأتِ بعد في الحاضر (على الأقل إلى حد ما). هنا، المستقبل عبارة عن رؤية ما لم يحدث بعد ولكنه قادم نحونا مسبقاً. القدرة على التحليل والاستنتاج تضع أمام أعيننا عدة مستقبلات محتملة وتجعلها حاضرة في كينونتنا الراهنة.
الخاصية الثالثة هي قوة التخيّل. قوة التخيّل تنقلنا إلى ما وراء ساحة الواقع وتربطنا بآفاق الإمكان. عقل العالم يكتشف آفاق الإمكان في المستقبل ويتنبأ بها بناءً على قوانين الطبيعة والشروط الأولية، أما عقل الفنان المبدع فيخلق إمكانات جديدة من خلال قوة التخيّل. الفنان يبتعد أكثر عن آفاق الواقع ويحلّق في ارتفاع أعلى. معظم كائنات هذا العالم أسيرة الواقع، لكن البشر ربما هو الكائن الوحيد الذي يعيش أيضاً في إقليم الإمكان ـ أي ليس فقط في العالم الواقعي (العالم كما هو)، بل فوق ذلك في العوالم الممكنة (أي العالم كما يمكن أن يكون). والرأس الذي يعلو فوق غيوم الواقع، لا بد أن يشاهد آفاقاً أكثر انفتاحاً، ويكتسب عالمه الداخلي سعة أكبر.
في الثقافة والأدب العرفانيين، الله لا متناهٍ، أي أن وجوده وحضوره يتجاوزان حدود الواقع والإمكان. تجلّي الأمر اللامتناهي في المجالي المتناهية يضفي وجهاً آخر على تجربة كون الإنسان في هذا العالم. تجربة الأمر المقدّس تعني تماس الأمر المقدّس مع الزمان والمكان المألوفين اللذين يشكّلان بنية الواقع الإنساني القابل للاختبار. تجربة الأمر المقدّس تستلزم تماس الأمر المقدّس مع الإطار الذي يجعل التجربة ممكنة للبشر ـ هذا الإطار هو تركيب الزمان والمكان. في قالب الزمان والمكان يولد الأمر القابل للاختبار. لكن دخول الأمر اللامتناهي إلى قالب الزمان والمكان يحني القالب، يلوي الإطار ـ بتعبير مولانا، مثل جمل يدخل بيت عصفور ـ البيت إن لم يتهدّم، فإن أساسه على الأقل يرتجّ، وينحني تحت ثقل الحمل. تماس الأمر المقدّس مع إطار الزمان والمكان يثير فجأة موجة عاتية في ساحة التجارب الإنسانية الساكنة ـ تنتفخ اللحظة فجأة، وينحني الفضاء. وجاذبية هذا الانحناء تجذب كل شيء نحوها فجأة للحظة. الفضاء والمكان يصبحان غير متجانسين في تلك اللحظة. «الواقعة» تضرب كالصاعقة ـ يفتح بريقها فجأة مشهد آفاق تتجاوز حدّ قاب قوسين من عالم الخيال. الواقعة «آتية»، لكنها ليست من جنس المستقبل الذي يحسبه العقل المحلّل أو يتصوّره الخيال المبدع. الواقعة «مستقبل» لا يمكن التنبؤ به. إنه مستقبل جامح لا يروضه عقل ولا خيال. يضرب كالصاعقة بغتة، يبهر، وحتى طرفة عين يكون قد رحل ـ خيال غزالي شارد في قلب غابة كثيفة مظلمة. «الواقعة»، بالنسبة للعارف، هي انفتاح التناهي على ساحة اللامتناهي. عالم العارف له خلف، هو في أحضان الغيب. وهذا الانفتاح على عالم الغيب هو ما يزيل السأم من وجوده، ويجدّد يومه.
(۳)
لذا، فإن تجربة السأم هي اكتشاف لتناهي البشر في هذا العالم، إنها لمس الجدران التي تضغط كيانه وتُضيّق عليه الخناق. إنها الوضع الوجودي لإنسان سُدّت نوافذ جدران وجوده - وكأنه حُبس في زنزانة بلا نوافذ. الفضاء المغلق يفقد طرائفه بسرعة، وتصبح جدائده بالية، وتتآكل وجوهه المميزة. في فضاء صار فيه كل شيء متجانسًا ومتشابهًا، لا يفضُل اتجاه على آخر. فالذهاب في أي اتجاه هو في نهاية المطاف كالذهاب في أي اتجاه آخر. وكأن الحياة تصير بلا وجهة، ويبقى الفرد تائهًا حائرًا في الصحاري. السأم هو رد فعل النفس البشرية إزاء تجانس الاتجاهات وفقدان الحياة لوجهتها. بالنسبة للسالك الذي يرى هذا العالم في أحضان الغيب، فإن السأم هو حال عابرة، وهو وضع وجودي ناجم عن انغلاق نوافذ العالم (المؤقت) نحو الغيب. أما بالنسبة للإنسان الذي عالمه هو ما يظهر في حصار الواقع المألوف، فلا نوافذ في جدران العالم - فما وراء الستار هو الجدار. والسأم، الذي هو قدره، ليس حالًا عابرة، بل هو مقام دائم.
ولهذا السبب، فإن تجربة الإنسان الحديث للسأم تختلف جوهريًا عن تجربة السأم لدى السالك العارف. يعيش الإنسان الحديث في عالم مجرّد من الأسرار إلى حد كبير، تضاءلت فيه إمكانية وقوع 'الواقعة' - فالمكان يقل انحناؤه، والزمان يقل تبرّكه. العالم الحديث هو، إلى حد بعيد، عالم بلا واقعة - وكأن الله قد كسف فيه، وأرخى الستر على وجهه وأخفى نفسه عن البشر. في هذا العالم يصير السأم قدر البشر. رأى شوبنهاور أن وضع البشر الحديث هو تأرجح بندولي بين الألم والسأم: ما لم تُقضَ حاجاتنا نبقى في ألم، وحالما تُقضى حاجاتنا نصاب بالسأم.
وبالطبع، ينبغي التمييز بين نوعين من 'السأم': السأم الموقفي، والسأم الوجودي. 'السأم الموقفي' ناجم عن الحسرة على مطلوب معين غير متوفر الآن، ولكن يمكن الأمل في الحصول عليه بتغير المكان ومرور الزمان. للسأم الموقفي ترجمان فيزيائي، أي أنه يتجلى في جسد الإنسان. على سبيل المثال، تصور شخصًا يجلس في محاضرة مملة. هذا الشخص يتململ باستمرار في مكانه وينظر إلى ساعته. كل أمله أن يخرج سريعًا من هذا الموقف الخاص وينتقل إلى موقف آخر - كأن يخرج من قاعة المحاضرة ويستنشق هواءً نقيًا. سأمه ناجم عن هذا الموقف الخاص، وهو يعلم أنه إذا خرج من هذا الفضاء وذهب إلى الخارج، فإن الموقف الجديد سيزيل سأمه - لأن مطلوبه (أي التحرر من هذه المحاضرة المملة واستنشاق الهواء النقي) هو مطلوب في المتناول يتحقق بتغير الموقف. أما 'السأم الوجودي' فهو من طبيعة أخرى. السأم الوجودي ليس حسرة على مطلوب معين، بل هو حسرة ناجمة عن اللامطلوبية - لا شيء يثير شوق الفرد، وكل الخيارات المطروحة أمامه مملة بالقدر نفسه. الفرد السئم، في هذا الموقف، ليس عاطلًا عن العمل، بل على العكس، هو في كثير من الحالات مشغول جدًا. لكن لا شيء مما يفعله، ولا أيًا من الخيارات الواقعية والممكنة المطروحة أمامه، يمتلك أفضلية ذات معنى على الآخر - فكل الخيارات غير مرغوبة بالقدر نفسه وتفتقر إلى الإثارة. ولهذا السبب لا يجد السأم الوجودي ترجمانًا فيزيائيًا - فلا مفر من هذا الموقف، أي أن تغيير الموقف لا يؤدي إلى تغيير في حالة الأمور. عندما تكون كل الطرق سواء، ولا يُفترض أن يؤدي أي منها إلى مكان، يبقى الفرد في مكانه - ويفقد الشوق إلى الذهاب. السأم الوجودي ملازم للخمود.
«الملل الوجودي» هو قدر الإنسان الحديث- الإنسان الذي غابت عنه «الغاية» من تصوّره للعالَم، وقافلة وجوده لا تسير نحو وجهة محدّدة. لا رحلة في الأفق، الفرد يترسّب في مكانه، أو في أفضل الأحوال، يتسكّع بلا هدف في الدروب المنحرفة. ومن هنا، ترتبط تجربة الملل الوجودي بسؤال معنى الحياة. من أهم سمات الفكر العلمي الحديث، وفقاً لتحليل مؤرّخي العلم، التخلّي عن مفهوم «العلّة الغائية» في مقام فهم العالم وتفسيره. لقد آثر العلم الجديد النظر إلى العالم من منظور «العلّة الفاعلة» على النظر القائم على «العلّة الغائية». لكن برحيل «العلّة الغائية»، واجه البشر أزمة اللامعنى. «المعنى» بمعنىً من المعاني هو «الغاية» ذاتها. على سبيل المثال، افترض أن شخصاً يلوّح بيده لآخر، وأنت تسأل عن «معنى» ذلك الفعل. في هذه الحال، إذا أوضح الفرد غاية ذلك الفعل، فإنه في الواقع يكون قد شرح معناه. فقد يقول مثلاً إن ذلك الشخص لوّح بيده «لكي» يودّع صديقه. تلك الغاية هي معنى ذلك الفعل. إذا كان الفعل بلا غاية، فهو فاقد للمعنى. النظرة العلمية إلى العالم، إلى جانب ما جلبته للبشر من ثمار باهرة وقيّمة، أفرغت العالم من الغاية، وبالتالي من المعنى الملازم لها. في العالم الخالي من الغاية تتشابه كل الدروب، ويصبح العالم فجأة متجانساً، وهذا التجانس يؤجّج أزمة اللامعنى.
علاوة على ذلك، الملل هو تجربة بطء الزمان وثقله. في حالة الملل الوجودي يتباطأ الزمان، ويشعر الفرد بثقل حمله على كاهله. لكن لماذا يؤدّي بطء الزمان إلى ثقله؟ أحد أسباب ذلك أن البطء هو مقام التأمّل. في الحياة المتسارعة، يضطرّ الفرد إلى مراقبة ما حوله باستمرار، السرعة تجذب نظره من الداخل إلى الخارج. في السرعة العالية، إذا غفل الفرد عن الخارج، فقد يودي بحياته. السرعة تجعل الفرد منبسطاً، وتجعله، بمعنىً عميق، غافلاً عن ذاته. لكن في تجربة الملل يتباطأ الزمان فجأة، ويجد الفرد متّسعاً وأماناً ليرفع نظره عن الخارج، ويوجّهه نحو الداخل. يقع الفرد في موقع التأمّل- تسنح له الفرصة أن يبتعد عن ذاته وعن حياته اليومية وينظر إليها من الخارج. وهنا تصبح تجربة الملل مصدر رعب للكثيرين منا- فالكثيرون منا، حين ننظر إلى حياتنا من مسافة ومن الخارج ومن الأعلى، ونضطرّ إلى تقييمها، لا نجد حياتنا التي عشناها قيّمة بالقدر الكافي. الإدراك الحدسي لهذا التفاهة أو الضآلة يوقع الفرد في الرعب. ولهذا يفرّ معظمنا من الملل، لأننا لا نطيق أن نرى أنفسنا كما نحن عليه. الخوف من الملل هو خوف من الذات، والفرار من الملل هو فرار من الذات. ولهذا يفرّ الناس في العصر الحديث من الملل كما يفرّون من الموت.
(٤)
لكن كيف يسعى الإنسان الحديث إلى الفرار من الملل؟ بأيّ أساليب يحاول أن يجرّد حياته من الملل كي لا يحدّق في عيني ذاته؟
أحد أهم أساليب إزالة الملل في الحياة الحديثة هو السرعة. بين ذاكرة الإنسان والسرعة علاقة عكسية. حيثما يكون البطء، تعمل الذاكرة بكل قوّتها. البطء غالباً ما يكون عدوّ النسيان. لكن حيثما تكون السرعة، تضعف الذاكرة، ويفسح النسيان المجال. صناعة «التسلية» في العالم الجديد، التي تسعى عبر تغليظ حجب الغفلة، إلى جعل «جذب الحمل الثقيل» محتمَلاً للإنسان الحديث، تقوم أساساً على ثلاثة أركان: الجنس، والعنف، والسرعة. هذه العوامل الثلاثة تثير العواطف الحادّة والجامحة لدى الإنسان، وتُغشّي ذاكرته بالضباب، وتُسقطه في غيبوبة النسيان. في غيبوبة النسيان يثمل الفرد إلى درجة لا يعود معها قادراً على رؤية تفاصيل الأمور، أو تذكّرها، أو التأمّل فيها. السرعة، وكذلك تكثيف العواطف الحادّة والجامحة، هي من جملة طرق إزالة الملل في حياة الإنسان الحديث.
ثمة طريقة أخرى لإزالة السأم، وهي الانغماس في العمل. للعمل في العالم الجديد طابع مزدوج: فمن جهة، يُعد العمل، لا سيما بمعناه الحديث، أحد أهم جذور السأم في حياة الإنسان؛ ومن جهة أخرى، هو أحد أهم طرق إزالة السأم. في العصر الحديث، علاقة الإنسان بعمله معقدة وأزموية. في كثير من الحالات، يكون عمل الفرد ناشئاً عن ضرورات الحياة المفروضة عليه، لا عن شغفه. معظم الناس لا يكنون ارتباطاً عميقاً بأعمالهم، ويقضون جل أعمارهم في أعمال لا تثير شغفهم. العمل الخالي من الشغف يُخمد ذهن الفرد الخلاق، ويتعلم الفرد شيئاً فشيئاً أن يؤدي أعماله بشكل آلي دون تأمل خلاق. من جهة أخرى، لا يلعب نتاج عمل كثير من الناس دوراً مهماً في حياتهم وحياة المقربين والأعزاء عليهم – نتاج عملهم أشبه بطفل يُسلَّم إلى أسرة أخرى فور ولادته. الاغتراب عن العمل يؤدي إلى الاغتراب عن الذات. يجد الفرد مسافةً غير خلاقة وخامدة مع ذاته. «المسافة الخامدة» تختلف عن «المسافة الخلاقة». المسافة الخلاقة هي موقف تأمل، فبأخذ مسافة من ذاته يجد الفرد مجالاً للتأمل فيها، وهذا الوعي من الدرجة الثانية بالذات يمكن أن يكون منبعاً للإبداع ومنح المعنى. أما المسافة الخامدة فهي خمود محرك الذهن الفاعل. يمضي الفرد على وضع الحياد – متثاقلاً، مخموراً، مسلِّماً نفسه لتيار الحياة اليومية. مسافته مع ذاته تنبع من غيبوبة النسيان. خمار نسيان الذات يخلّص الفرد من رعب مواجهة ذاته. وفي هذه العملية يصبح الفرد شيئاً فشيئاً «آخرَ»، أي يفرغ من ذاته ويمتلئ بنظرة الآخرين، أي يصبح ما تطلبه منه نظرة الآخرين، ويتبنى من جملة ذلك تلك القيم التي أُنتجت في مصنع «الآخرين». إنه يفر من رعب السأم عبر فقدان ذاته، والتلون بلون الآخرين – وإن كان يتحسس أحياناً، في لحظات وعي نادرة، الجلد البارد للثقب الأسود في داخله.
العمل والتسلية يقصان أغصان السأم، لكنهما يبقيان على جذره. النسيان هو الأسلوب السلبي لمواجهة تجربة السأم. لكن السأم يمكن أن يكون موقفاً متميزاً لاستعلاء الحياة. كما أشرت سابقاً، في تجربة السأم يتباطأ الزمن، وهذا التباطؤ يخلق موقف تأمل. الفرد الذكي يستطيع، بدلاً من الهرب من هذا الموقف، أن يقتحم لبه. أي بدلاً من إزالة السأم، أن يواجه السأم وجهاً لوجه. يستطيع الفرد أن يستفيد من موقف التأمل الناشئ عن السأم لمعرفة أعمق بذاته. في مرور الزمن البطيء، يستطيع الفرد أن يقيم محتوى حياته بدقة، ويزن قيمة قيمه وأعماله، ويرى إلى أي مدى كانت حياته نابعة من اختياره وإبداعه الخلاق، وإلى أي مدى كانت تقليداً أعمى للآخرين. في هذه الحال، يمكن لتجربة السأم أن تقرب الفرد خطوة من الحياة المتأملة والأصيلة (أي الخلق الواعي لوحدة جمالية وأخلاقية من عناصر حياته). يستطيع الفرد، بدلاً من إنكار السأم، أن يعترف به، وبدلاً من الهرب منه، أن يحسن الاستفادة من المجال الذي انفتح له. السأم بالنسبة لسالك طريق التجربة هو عالم رمادي خالٍ من الحضور، وبالنسبة للإنسان الحديث هو تجربة عالم اكتسب زمانه ومكانه بنية متجانسة بالكامل. لكن في كلتا الحالتين، السأم موقف توعوي، يُعرِّف الفرد بحدوده، ويكشف له الطبيعة المأساوية للعالم الذي يعيش فيه، لا في قالب مفاهيم مجردة، بل في قالب عواطف ملموسة.
(٥)
يجلس السالك المعاصر على جانب الطريق في انتظار غودو – يترقب شخصًا آتٍ، شخصًا لا يشبه أحدًا. في نهاية الملل، يحدّق نحو الآفاق البعيدة منتظرًا «الحدث»، ويقول في نفسه إن لم يأتِ اليوم، فسيأتي غدًا. لكن «الحدث» لا يأتي بأمر أحد. يجلس السالك المعاصر على تخوم العدم والله – في إقليم العبقرية والبلاهة الضبابي. إن وقع «الحدث»، اكتسبت الحياة معنى، وإلا فلن تكون سوى مزحة مثقلة بالملل. تمضي حياة السالك المعاصر على حدود هذا الغموض المحفوف بالمخاطر: فهو إما بطل يتغلب في نهاية الطريق على ملل الوجود، ويستعيد في قلب الحدث وجوده الأصيل، وإما بطل وهمي يخوض، شأن دون كيشوت، حربًا ضد طواحين الهواء. لكن ربما ليست نتيجة المعركة ما يميز البطل عن الأحمق. ربما البطل الحقيقي هو ذلك الأحمق الذي، رغم كل الدلائل، لا يتخلى عن أمله ومثله الأعلى، ويعود غدًا إلى جانب الطريق ويجلس منتظرًا – منتظرًا شخصًا آتٍ، شخصًا لا يشبه أحدًا. وربما «هكذا يموت أحد ويبقى آخر.»
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
بنام خدا انشاالله اگر خدا بخواهدسحرساحران باطل است ولی باید صدقات سنگین داد ڃون جادوگران به دلیل ناتوانی دربرابر اهل علم ومصلحان برای افراد کلیدی دراول ماه سحرسنگین میبندد وبخصوص اول ماه ممکن دڃار ناامیدی واندوه بی دلیل گردید .گفتمت پیداوپنهان نیز هم.بخوانیم ای قادر برفتنه یا قادر یا قادر...
مطلب بسیار خوبی بود. با تشکر از دکتر نراقی و سایت صدانت. نقد بالا هم عمدتا بی ربط و ناشی از بدفهمی بود.
نقد سخنرانی از خود سخنرانی آقای نراقی مهم تر بود
با سلام به آقای نراقی و پذیرش این که ایشان متفکرند و جویا و پویایند و این که نوشته ایشان دربردارنده نکات و دقایقی "کلی"از واقعیات "زندگی مدرن" است موارد زیر را در عتراض به کلی بافی و کلی گویی ایشان که رسمی و عادتی ایرانی است ـ و به غایت خطاست ـ می نویسم. 1. گفته می شود: "ظاهراً انسان تنها موجودی است که جهان بر او تنگ می شود." نه چنین نیست. افسردگی فعل و انفعال بیوشیمیایی مغز است که می توان آن را به حیوانات نیز تزریق کرد و اثر آن را مورد لحاظ قرار داد. غرض من این که ملال یا افسردگی وضعیتی است که مغز دچار آن می شود. 2. گفته می شود: "گویی چیزی در ساختار وجود انسان است که او را فراخ تر از جهان پیراموناش می کند ..." در این گونه موارد بهتر است گفته شود -: گویی در وجود من یا فلان کس یافلان کسان نوعی فراخی درک می شود که من اکنون در مقام شرح آنم. در غیر این صورت میتوان پرسید: منظور شما کدام انسان است؟ انسان عبارت است از میلیون ها کودک. میلیون ها خردسال. میلیون ها تین ایج. میلیون ها دختر. میلیون ها پسر. میلیون ها مادر. میلیون ها پدر. میلیون ها پیر. میلیون ها جوان. میلیون ها گرسنه. میلیون ها سیر. میلیون ها مهاجر. میلیون ها بیکار و این ها در گرو ه های سنی متفاوت اند و هر گروه سنی را مقتضیاتی است و ... 3. گفته می شود: "ویژگی نخست انسان حافظه است." این حرف کلی است. آلزایمر از جمله بیماری های رایج در "دنیای مدرن" ی است که شمااز جمله در مقام وصف آنید. 4. گفته می شود: "ویژگی دوّم، قدرت تحلیل و استنتاج است." نه چنین نیست. من در جامعه ای زندگی می کنم که آموزش کودکان در دوره کودکستان تا پایان دوره راهنمایی اجباری است و جامعه میلیون ها خرج می کند تا این ویژگی را در عناصر انسانی جامعهخودایجاد یا بیدار و نیز راهنمایی کند. بدون این خرج و مخارج آدمی دارای یک چنین ویژگی نمی شود. 5. گفته می شود: "ویژگی سوّم عبارتست از قوّه تخیّل." مورد چهار شامل این گزاره نیز می شود. اساساً فرق جامعه مدرن و غیر مدرن در این است که همه عناصر جامعه مدرن را ـ اعم از ذی حیات و غیر آن را ـ می سازند. جامعه مدرن یک دادۀ طبیعی نیست و ساختگی است. طراحی می شود و ساخته می شود و مورد رسیدگی و مراقبت قرار می گیرد. 6. گفته می شود: "سرعت فرد را برون گرا می کند". چنین نیست. در جامعه ای که من در ان بسر می برم برون گرا بار آوردن عناصر انسانی این جامعه یک اصل تعلسماتی است و جزو آموزش در کودکستان هاو مدارس است. نظر سنجی اخیر نشان می دهد که برخی انسان ها غیر برون گرای بالطبع اند. 7. گفته می شود: "یکی از مهمترین شیوههای ملال زدایی در زندگی مدرن سرعت است." این زندگی مدرن در کجاست؟ درست این است که گفته شود: من این حرف ها را در جامعه ایکس ملاحظه و جمع بندی کرده ام. در جامعه مدرنی که من ـ راقم این سطور ـ در آن بسر می برم چنین نیست که شما می گویید. 8. گفته می شود: "بشر جدید چگونه می کوشد تا از ملال بگریزد؟" تعریف این "بشر جدید" چیست؟ کجاست؟ در کدام موقعیت سنی ؟ در کدام موقعیت اجتماعی؟ کدام سطح درآمد و ... بهتر نیست بگویید: من به عنوان مهاجر درگیر روحیاتی هستم که دارای چنین مختصاتی است ... و ضمناً این حرف ها شامل همه عرفا هم نیست. شمس تبریزی مصداق کسی است که می گوید: دیگران در راهند اما من رسیده ام. سپهری می گوید: غم اشاره محوی به رد وحدت اشیاست. با احترام وافر نیکو احسان