اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يُثير مصطلح «التنوير الديني» جدلاً بين العلمانيين والتقليديين؛ فما الفارق بين «المفكر المجدد» و«المتنور»؟ يتتبع المقال جذور المفهوم في الحداثة، حيث يُعرّف بأنه «العالم الواعي بالألم المؤمن بالعقل» الذي يضطلع بمسؤولية اجتماعية لتخفيف معاناة البشر.

بتعبير الأصدقاء الأعزاء الذين كُتبت هذه المقالة بلطفهم واقتراحهم، كان ينبغي أن أركز على موضوع "إمكانيات وآفاق التجديد الديني في إيران"، وهو موضوع يثير تركيبه المفهومي الأساسي جدلاً: "التجديد الديني"! هل "التجديد" هو نفسه "التنوير" أم أنه يتميز عنه؟ هل يدل هذان المصطلحان على معنيين مختلفين؟ إذا كان الجواب نعم، فما هو ذلك الفرق، وإذا كان لا، فما هو هاجس المفارقين ودوافعهم لهذا الفصل؟ ذات يوم، في حلقة من الأصدقاء ذوي الميول الدينية والتنويرية، كان من المقرر إعداد بطاقة دعوة ثنائية اللغة. وضع المترجم بسهولة مقابل عبارة "النساء المسلمات المجددات" تعبير "Intellectual Muslim Woman". وبملاحظة ذلك المعادل الإنجليزي، نشب نقاش: Intellectual هو المعادل الإنجليزي لكلمة "متنور"، ولكن ما هي الترجمة الإنجليزية التي ينبغي اعتمادها لكلمة "مجدد"؟
مقدمة
بتعبير الأصدقاء الأعزاء الذين كُتبت هذه المقالة بلطفهم واقتراحهم، كان ينبغي أن أركز على موضوع "إمكانيات وآفاق التجديد الديني في إيران"، وهو موضوع يثير تركيبه المفهومي الأساسي جدلاً: "التجديد الديني"! هل "التجديد" هو نفسه "التنوير" أم أنه يتميز عنه؟ هل يدل هذان المصطلحان على معنيين مختلفين؟ إذا كان الجواب نعم، فما هو ذلك الفرق، وإذا كان لا، فما هو هاجس المفارقين ودوافعهم لهذا الفصل؟ ذات يوم، في حلقة من الأصدقاء ذوي الميول الدينية والتنويرية، كان من المقرر إعداد بطاقة دعوة ثنائية اللغة. وضع المترجم بسهولة مقابل عبارة "النساء المسلمات المجددات" تعبير "Intellectual Muslim Woman". وبملاحظة ذلك المعادل الإنجليزي، نشب نقاش: Intellectual هو المعادل الإنجليزي لكلمة "متنور"، ولكن ما هي الترجمة الإنجليزية التي ينبغي اعتمادها لكلمة "مجدد"؟
قد يكون من الممكن اعتبار مفهومي "المجدد" و"المتنور" مترادفين، واسمين لمسمى واحد، لكن البعض يفرق بينهما. من منظور المفارقين، يبدو أن "المتنور" هو المعادل لـ Intellectual، وبالتالي فهو ابن الحداثة الغربية؛ أما "المجدد" فهو تعبير مناسب لمن يكون فكره، وإن كان متجذراً في التقليد، إلا أنه لا يفكر بطريقة قديمة جداً، بل ينظّر بطريقة مبتكرة وخلاقة، وهو في الوقت نفسه ليس غربياً. ربما يبدو أن "المجدد"، مع تمتعه بنظرة جديدة، محصن من كوارث الحداثة!
بخصوص كلمة "متنور"، تتفاقم المشكلة حين تضاف إليها صفة "ديني"، ويتشكل تركيب "التنوير الديني". لقد أُبديت معارضات مضاعفة تجاه هذا التركيب، من جانب المتنورين العلمانيين والمتدينين التقليديين على حد سواء، وفي السنوات الأخيرة، وبشكل لافت للنظر، من جانب أشخاص كانت أسماؤهم تُدرج هم أنفسهم يوماً ما ضمن قائمة "المتنورين الدينيين". وكأن تعبير المتنور الديني متناقض، وعلى حد تعبيرهم، يجمع بين الأضداد.
نظراً لهذه الخلافات اللفظية، وقبل أن يُطرح موضوع الأفق أمام هذا التيار الفكري للنقاش، يجدر بنا أن نمعن النظر في عنوان البحث. سنسعى في هذه المقالة، من خلال التدقيق في ألفاظ التنوير والتجديد، وباستعراض أصل المفهوم المعني، إلى فتح باب لمزيد من التأملات حول السؤال الرئيسي، أي الآفاق أمام هذا التيار.
١. تأمل في أصل مفهوم التنوير
من هو المثقف؟ وما الذي يميزه عن العالِم/المستخدم المحترف للعلم؟ وما علاقته بالدين من جهة وبالحداثة من جهة أخرى؟ وأخيراً، ما الفرق بين "المثقف" و"المفكر الجديد"؟ لعل لا خلاف في أن مفهوم المثقف متجذر في الحداثة. قد نعثر، هنا وهناك، على عناصر من صفات المثقف لدى أفراد من البشر في العصر ما قبل الحديث، لكن نجم المثقف سطع، بشكل متميز ومحدد، في فضاء الحداثة. في اعتقادي، يمكن تعريف المثقف بأوجز عبارة على النحو التالي: «العالم الواعي بالألم المؤمن بالعقل». "علمه" يميزه عن العامة؛ و"وعيه بالألم" هو وجه تميز المثقف عن العالِم الذي ينصبّ همه على زيادة المعلومات وتوسيع حدود المعرفة لا على تخفيف ألم الآخرين ومعاناتهم، بينما يريد المثقف العلمَ في خدمة جلب الخير للبشر وتقليل الشر في حياتهم؛ وأخيراً، "إيمانه بالعقل" يميز المثقف عن المصلح الاجتماعي التقليدي، بمعنى أن الفصل الخطاب لدى المثقف هو "العقل القائم بذاته"، لا شيء من قبيل حدس أناسٍ مخصوصين.
في العصر ما قبل الحديث، كان يمكن أن نجد عالماً يصفرّ وجهه من همّ البائسين، أي يجمع بين العلم والوعي بالألم، لكنه لا يُسمى مثقفاً لأنه لا ينظر إلى العالم والإنسان من زاوية نظر الإنسان الحديث، ومن منظور العقل المحض القائم بذاته وقوانين الطبيعة وحقوق الإنسان. إن امتلاك مثل هذا المنظور هو ما يضع الشخص في عداد المثقفين بالمعنى الدقيق للكلمة.
مفهوم التنوير (الاستنارة) المنبثق من سياق الحداثة الأوروبية، تجلى بدايةً في تميزه عن "التقليد"، لكن أُضيفت إليه تدريجياً خصائص أخرى. في البداية، كان المثقف هو من يفهم العالم لا في ضوء ما يُسمى الوحي وأوامر المقدس، بل في ضوء العقل المحض؛ لكن شيئاً من قبيل "المسؤولية الاجتماعية" و"الرسالة التاريخية" انضم إليه تدريجياً، فنشأ تمييز بين "المثقف" الحديث و"العالِم" الحديث. في التقليد، كان ظل الفهم المقدس للوجود ممتداً في كل مكان، فهماً مقدساً يمكن أن يكون في كثير من الحالات "متحايداً على العقل" وفي حالات حتى "معادياً للعقل". كان المثقف هو من يريد ألا يسير في الغموض، بل أن ينظر إلى الكون في ضوء العقل؛ مع الإقرار، طبعاً، بكل محدوديات العقل! إن رؤية هذه "الميزة" و"المحدودية" للعقل الحديث القائم بذاته معاً أمر بالغ الأهمية. أشهر من صاغ مفهوم المثقف (التنويري) هو إيمانويل كانط، الذي ألّف كتاباً عظيماً مثل "نقد العقل المحض" وكتب أيضاً مقالاً عن ماهية التنوير. في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، حين يسأل مواطن ألماني عن ضرورة الزواج الديني في العصر المسمى بعصر التنوير، يُفتح باب للتأمل في ماهية "التنوير". جواب كانط على هذا السؤال هو تلك العبارة الشهيرة:
"التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه؛ والقصور هو عجز الإنسان عن استخدام فهمه الخاص دون إرشاد من آخر". [كانط، ما التنوير؟ (what is enlightenment)]
قد يشمل هذا المعنى للتنوير كل المعرفة الحديثة، حتى المعرفة العلمية (scientific knowledge)؛ بمعنى أن المثقف يفهم الطبيعة والإنسان والعالم في ضوء العلم والمعارف الجديدة، لا التعاليم التي هي نتاج تفسير النصوص المقدسة. حتى هذه النقطة، لم يكن العالِم والمثقف مفهومين منفصلين، لكن ظهر تدريجياً تمييز بين مفهومي «العالِم» و«المثقف». ما أُضيف في المرحلة الثانية لتعيّن مفهوم المثقف وفصله عن «العالِم» الحديث هو المسؤولية الاجتماعية والاهتمام بالتغيير في علاقات القوة والثروة، بما لا يؤثر فقط على نوع نظرة البشر، بل على طريقة حياتهم. باختصار، وجه الاشتراك بين مفهومي العالِم والمثقف هو ارتكاز كليهما على «العقل القائم بذاته» وابتعادهما عن هيمنة الفهم التقليدي للعالم. أما افتراق هذين المفهومين فهو أن العالِم موسع لحدود المعرفة ومنظّر في خدمة بسط العلم؛ بينما يُطلق لقب المثقف على الفاعل الذي يكون موضوع نشاطه الحياة الملموسة للبشر. المثقف حسّاس إزاء التمييز، والهيمنة غير المشروعة، والظلم الفادح، وانعدام العدالة، وتنظيره موجه نحو بسط الحرية والعدالة. ولبلوغ الغاية، يسعى من خلال إزالة ما يُسمى بالخرافة إلى فتح أعين البشر على حقيقة الوجود وحقوقهم وواجباتهم. لا يؤدي نتاج نشاط المثقف إلى توسيع حدود المعرفة العلمية، بل إلى تعميم الأخلاق وإصلاح نظرة الإنسان إلى الوجود وإصلاح المؤسسات الاجتماعية.
تدل دراسة تاريخ الفعل المثقف في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين في العالم على أن هذا التيار الفكري الاجتماعي، كلما ابتعد عن نقطة البداية، ارتبط أكثر بالخطاب اليساري الاشتراكي-الماركسي. إذا كان جوهر الفكر المثقف عند إيمانويل كانط أقرب إلى النزعات الليبرالية وممتزجاً بالمعتقدات الأخلاقية المسيحية-البروتستانتية، فإن غرامشي وسارتر وفانون يميلون إلى التيار اليساري الفكري ويبتعدون نسبياً عن التراث الديني.
٢. استعراض للمثقف في إيران
قبل قرن من الزمان، في مواجهة الإيرانيين للمفهوم الجديد للمثقف (intellectual) الغربي، تُرجمت هذه الكلمة أولاً إلى «منورالفكر» ثم إلى «روشنفكر». كان المثقف الإيراني فرداً مطّلعاً على مظاهر العالم الجديد. كان على علم بعلاقات وارتباطات جديدة، غير التقاليد المعتادة من الماضي، وكان مبشراً بتغيير لم تكن نتائجه واضحة للجميع على وجه الدقة. كان المثقف على علم بالعلم الحديث والنظم الإنسانية والحقوقية والاجتماعية الجديدة التي لم يكن معلوماً إن كانت زلزالاً لم تُقدّر بعد درجة شدته ومقدار خسائره، أم ريحاً مواتية يُرجى أن تقود السفينة المنكوبة المتأثرة بالفقر والمجاعة والطاعون والظلم والاستبداد إلى ساحل النجاة! وهكذا كان «منورالفكر» يتضمن أحياناً مفهوماً إيجابياً وأحياناً أخرى وصفاً سلبياً. هذا التصور المزدوج هو ما تجلى في عنوان كتاب لجلال آل أحمد: «في خدمة وخيانة المثقفين»!
نادى المثقف الإيراني في البداية بـ«التغرب من الرأس إلى أخمص القدمين»، الغرب بمعناه الأعم؛ ولكن ما هو هذا الغرب؟ هل كان كله نظاماً وحرية ورفاهاً وعلماً وتقدماً، أم أن لهذه العملة وجهاً آخر؟ بين المفكرين الإيرانيين، بعد النداء الأول للتغرب، ظهرت فئتان معارضتان للغرب، إحداهما من علماء الحوزة المنتمين إلى إرث التراث، والأخرى من خريجي الجامعات، وبعضهم ممن درسوا في أوروبا، والذين في تقابل التراث والحداثة، أو ثنائية الشرق (/آسيا) في مقابل الغرب، أرادوا أن يتركوا جانب الغرب، ويدركوا ذاتهم، ويمنعوا، كما يُقال، الاغتراب عن الذات. بالنسبة لرجل الدين المناهض للغرب، كانت الأوروبية مرادفة للإباحية والإلحاد، ولم تكن مظاهر تلك الثقافة قابلة للجمع مع الإسلاميات بأي وجه؛ وبالنسبة لنحلة من الأكاديميين المناهضين للغرب، كانت كلمة «الغرب» تدل على شيء مثل غروب الروحانية وتغلب النفسانية وأرض للعب النظام الرأسمالي، الذي كان يحدد علاقته بالمجتمعات الشرقية على أساس الارتباط الاستعماري.
برأيي، وإن لم تكن تساؤلات المناهضين للغرب حول بعض مظاهر الحداثة والتحديث في الغرب الجديد خالية من الوجاهة كلياً، إلا أنها بسبب افتقادها للنظرة النقدية ونوع من الاختزالية الكلّية، وإلى جانب الجوانب الضارة للتغريب، أنتجت إهمالاً لمكتسبات الغرب في هذا الهجوم عليه. تمثلت تلك المكتسبات في: حقوق الإنسان الحديثة، ونظرية المعرفة والمنهجية وعلم الكونيات الحديث، والمؤسسات الاجتماعية الحديثة الفاعلة التي كانت تفتح طريقاً للإنسان الإيراني التوّاق للتقدم والمنشد لوضع أفضل، نحو بلوغ المثل العليا للإنسان.
كان النائيني استثناءً بين رجال الدين. فرغم أن فكر النائيني متجذر في الإرث الوحياني والتقليد الإسلامي، ولا يمكن اعتباره مثقفاً وليد الحداثة، إلا أنه كان من جملة العلماء الدينيين الذين لم يغضوا الطرف عن منح العالم المتجدد. لقد كان يسعى لإعادة قراءة مفاهيم كالحرية من داخل التقليد الديني، وإن عبّر عنها بـ«الحريّة». لعل واضعي مصطلح «التجديد الديني» كانوا يرون لهذا المصطلح دلالة متميزة، بالنظر إلى تميز أفكار أمثال النائيني والمطهري والمنتظري وكديور عن تيارين آخرين؛ الأول هو التيار «التقليدي» المنتمي إلى الحوزات العلمية الذي لا يعتبر صحيحاً إلا إرث «السلف الصالح» ولا يعترف بمقتضيات العصر الجديد، والآخر هو تيار «التنوير» الذي يستمد مادته من الحداثة القائمة على العقل القائم بذاته والمنفصل عن التقليد والتعاليم القدسية.
حتى هنا، يمكننا تعداد أربعة تيارات مؤثرة في الفضاء الفكري للسنوات الأولى من القرن الأخير في إيران على النحو التالي: أولاً) التيار التقليدي الغريب عن مظاهر الحداثة ومكتسباتها؛ ثانياً) العلماء الدينيون المجددون الملتزمون بالأسس الدينية لكنهم يلقون نظرة أيضاً على مكتسبات التحديث، ويسعون من خلال التأويلية الموسعة إلى إظهار التعارض بين الدين والحداثة على أنه ضئيل، وإن ثبت تعارض ما، فلن يتخلوا عن جانب الدين؛ ثالثاً) تيار المثقفين الذين نادوا بـ«التغرب من قمة الرأس إلى أخمص القدمين»؛
رابعاً) تيار المثقفين المناهضين للغرب، الذين وإن كانوا أولاً على دراية بأسس التحديث الفكرية ومظاهر الغرب الحديث، وثانياً ليسوا أبناء التقليد الحوزوي، إلا أنهم يولون أهمية لذات متميزة عن الحضارة المتجددة، ويتخذون موقفاً عدائياً في مواجهة الغرب والحداثة.
برأيي، فإن التيار المعروف بـ«التنوير الديني» هو تيار خامس، ذو ديناميكية وتأثير لافتين، وكان في العقود الثلاثة الأخيرة، وربما بقوة تفوق التيارات الأربعة الأخرى، مصدر أثر في المجتمع الإيراني.
٣. التنوير الديني
من بين التيارات الأربعة المذكورة، يقف المفكرون المنتمون إلى تيار التنوير غير الديني، خاصة في النصف الأول من الطريق، غالباً على طرفي طيف واحد في علاقتهم بالغرب: طرف «الافتتان» والإقبال، والطرف الثاني «التقابل» والإدبار. من ملكم خان إلى مثقفي اليسار في العقود من الثلاثينيات إلى الخمسينيات الشمسية، يمكن إدراجهم في طرفي هذا الطيف. أما العلماء الدينيون التقليديون فلم يكونوا يعرفون الغرب أساساً، ولم يولوه اهتماماً كافياً. والمفكرون الدينيون الموسومون بالتجديد، والذين لم يغضوا الطرف عن مكتسبات العالم المتجدد، كانت أسسهم المعرفية تتغذى أساساً من منبع التقليد. لا يبدو أن اهتمام هذا التيار أثمر أكثر بكثير من منتجات «الفقه الديناميكي». لقد سعى المفكرون المنتمون إلى هذا التيار، عبر التوسل بالاجتهاد، إلى استخراج إجابة من صميم التقليد للأسئلة الجديدة. وكأن في خزانة التقليد الديني، توجد إجابة جاهزة بالقوة لأسئلة البشر في كل الأزمنة والأمكنة، ويكفي أن يشرع فقيه بارع ومتمكن من النص، وفي الوقت نفسه ملم بمقتضيات الزمان والمكان، في العمل لاستنباط واستخراج تلك الإجابات الموجودة مسبقاً.
بطبيعة الحال، فإن جهد الفقهاء الديناميكيين يستحق التقدير في موضعه، لكن الحاجات المعرفية والكونية والاجتماعية لإنسان اليوم أضخم بكثير من أن يمكن الإجابة عليها فقط في إطار الفقه، حتى لو كان ديناميكياً. الأسئلة الحادة التي لا يجيب عنها التيار المذكور بما يكفي هي: إذا حصل تعارض بين التعاليم الصريحة للنص، ومكتسبات العلم الطبيعي والعلوم الإنسانية وحقوق الإنسان الجديدة، فأي جانب ينبغي ترجيحه؟ هل أن جميع مقتضيات العالم الجديد، حتى بسلاح الاجتهاد الديناميكي، قابلة للاستخراج من بستر التقليد الديني، أم أننا، مع احترامنا لعطاءات الفقه الديناميكي، نحتاج، أبعد من سعة الفقه وعلم الكلام التقليديين، إلى فهم حديث للوجود ومناسبات المجتمع الجديد وبسط أمور كالأخلاق العالمية؟
التنوير الديني بالطبع يشمل طيفًا متنوعًا. بعض المجموعات الفرعية ضمن هذا الطيف تُقبل أكثر على التراث، وتأمل أكثر في ديناميكية الفقه، وبعضها الآخر أقل. لكن ما يجمع المتنورين دينيًا تحت مظلة واحدة هو أنهم أولاً قبلوا بأن الحداثة لا يمكن إنكارها/ لا يمكن اجتنابها، وثانيًا أنه في الوقت نفسه لم يُقام جدار عظيم بين التراث والحداثة رغم وجود تمييز جوهري بينهما. يمكن فتح نافذة بين التراث والحداثة، وأن يكون المرء حديثًا لكنه يشتغل بإعادة قراءة التراث قراءة نقدية. كما أن ميراث الحداثة هو الآخر يقتضي في موضعه إعادة قراءة نقدية.
لكن هل يستلزم هذا الميل المزدوج للتنوير الديني نوعًا من المفارقة وعدم الانسجام؟ المتنور الديني بحكم انتمائه إلى الحداثة لا يستطيع أن يترك جانب العلم الجديد، لكنه بحكم الوصف الديني يجب عليه بطبيعة الحال أن يحفظ حرمة الدين أيضًا، كيف يمكن حل هذه الثنائية؟ ما هي المواهب التي تُنال من خلال التنوير الديني مما يبرر الحفاظ عليه؟
أهم فرق بين المتنور الديني والعالم الديني الحداثي هو أن العقل الحديث عند المتنور الديني ليس قابلاً للحذف ولا للتجاهل. وأهم فرق بين المتنور الديني والمتنور غير الديني هو أن المتنور الديني، رغم قبوله ببعض التعارضات بين الدين والعلم الجديد، ورغم اعتباره المعرفة الحديثة أمرًا لا يمكن اجتنابه، يجد في لباب وجوهر التعاليم الدينية مواهب ليس مستعدًا للتنازل عنها بسهولة. في تعاليم الأديان جواهر خالصة، وإن كانت محفوفة بأعراض لها تاريخ صلاحية، كامنة. عمل المتنور الديني هو إعادة قراءة الدين، واستخراج تلك الجواهر، وإزالة غبار تلك الأعراض بغية خدمة إنسان اليوم.
وهكذا فإن المتنور الديني، مع انتمائه إلى العقل الحديث القائم على ذاته، ينظر بتفاؤل إلى جوهر التعاليم الدينية ويسعى إلى التقريب بين هذين الاثنين. هذه النظرة التركيبية والابتكارية تستند إلى نوع من الإبستمولوجيا الحديثة. المتنور الديني يفهم حريات البشر وحقوقهم الأساسية كما تجلت في حقوق الإنسان الحديثة. لذلك يسعى من خلال نشر الوعي إلى تحقيق هذا الوجه من الحداثة قدر الإمكان، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الإنسان لكي يعيش حياة طيبة وينال السعادة، يحتاج أيضًا إلى «نسق معنوي» لينظم علاقته بالوجود وكذلك مناسباته الاجتماعية والأخلاقية. في ظن المتنورين دينيًا، فإن إعادة قراءة التراث الديني هي أمر مغتنم وواجب للإجابة على هذا الوجه من حاجات الإنسان الحديث.
المتنور الديني يحمل بيده كشاف العقل الحديث. هو يقر بأنه بدون هذا الكشاف لا يُرى العالم كما هو، لكن هذا الإقرار يتضمن نقطتين أساسيتين أيضًا: الأولى هي أن هذا الكشاف، مع كونه لا يمكن اجتنابه، له محدوديات ولا يخلو من نقص، لكن ما العمل إذ لا بديل له ولا حيلة إلا النقد المستمر والسعي لاستكماله تدريجيًا. النقطة الأساسية الثانية هي أن ذلك الكشاف هو أداة للإحصاء والنظر، لكن النظر يحتاج إلى متعلق، ومتعلق هذا النظر إن كان في ساحة هو «الطبيعة»، فهو في ساحة أخرى «الثقافة»، والأديان هي خزانات لا يمكن اجتنابها للثقافة البشرية.
المتنور الديني متنور لأنه أدرك أنه من منظور فلك وطب وفيزياء نيوتن وكبلر وآينشتاين وباستور يمكن فهم الطبيعة بشكل أفضل من زاوية رؤية أمبادوقليس وأبقراط وجالينوس وبطليموس، ثم طب وفيزياء ابن سينا والبيروني والرازي. لكنه في الوقت نفسه يدرك أن في لب رسالة موسى وعيسى وبوذا ومحمد رسالة للعيش بسعادة، وأن اجتنابها قلة ذوق ويستلزم تحمل الحرمان. وبالمثل فإن إبستمولوجيا كانت وأنثروبولوجيته ولسانيات فتغنشتاين وفهم رولز للعدالة والاقتصاد، مع كل ما في هذه المذاهب من قابلية للنقد، تفتح نافذة للمتنور في النظر إلى الوجود والإنسان ومناسبات المجتمعات الإنسانية لا يمكن إدراكها وفي الوقت نفسه تجاهلها. لكن أيضًا التوسل بهذه النظرة لا يقتضي أن تُغفل أنقى رسائل العدالة والسماحة في الخطبة ٢٠٦ و ٢١٦ من نهج البلاغة، وألا تُغتنم تعاليم رسالة علي إلى مالك، وأن يمكن غض البصر عن لطائف ملحمة الفردوسي وعشقيات النظامي والسعدي، وترك عرفانيات العطار والمولوي.
إن إقامة حوار خلاق بين الإبستمولوجيا الحديثة والذخائر الثقافية النقية الموروثة من التقليد، تستلزم معرفة ومهارات في القراءة النقدية لإرث التقليد والحداثة، وهذا العمل من اختصاص من يمسكون بالإسطرلاب الحديث، فيجدون، متجاوزين المرتفعات الأرضية، أن أجرام السماء الروحية جديرة بالرصد هم كذلك. هؤلاء يُسمَّون بالمثقف الديني.
٤. نافذة على الأسئلة والآفاق المقبلة
إذا كان بالإمكان، بناءً على ما سبق، إعفاء "التنوير الديني" من التناقض الداخلي، واعتباره تعبيراً يفيد معنى خاصاً ويكون مجدياً في إفادة المراد، فهناك الآن سؤال آخر يُطرح في مواجهته: هل بلغ هذا التيار نهايته؟ يعتقد البعض أن التنوير الديني كانت له طاقة ورسالة أنجزها وانتهى، وبتعبير أحد المفكرين الذي كان ينتمي إلى هذا التيار يوماً، ولا يزال، في اعتقادي، يندرج تحت هذا العنوان: "إن نجاح التنوير الديني في الممارسة يؤدي إلى نفي التنوير الديني ومحوه"[1]. إن بحث هذا القول يحتاج إلى مجال مناسب ولا يتسع له المقام هنا. في تقديرنا، إن تقليد التنوير الديني، بموجاته وخطاباته المتعددة، من أفكار السيد جمال الدين الأسدآبادي إلى آراء المفكرين المتأخرين والمعاصرين لنا، وعلى الرغم من كل الانتقادات الموجهة إليها، لا يزال حياً، ويمتلك طاقة معتداً بها للإجابة عن أسئلة كثيرة.
إن الحوار بين التقليد والحداثة ليس مشروعاً يبلغ نهايته بهذه السهولة. ففي التقليد وجوه نقية يجب استخراجها، ووجوه غير سليمة يجب غربلتها أو إعادة بنائها. إن علماء الدين المجددين، الذين يُشار إليهم أحياناً بعنوان محيي الدين، يخدمون بقدرهم ويساعدون في استخراج الوجوه المرغوبة والمكنونة في التقليد الديني، لكن هذا الأمر لا ينفي رسالة المثقفين الدينيين، وذلك لأن الإبستمولوجيا ومناهج العقل الحديث شرط لازم لهذا النوع من إعادة القراءة المبتكرة. وإذا كان المفكر المجدد حسن حنفي (مواليد ١٩٣٥ - أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة) يرى، بقصد إحياء ما يسميه "اليسار الإسلامي"، أن الرجوع إلى أفكار السيد جمال فرصة ثمينة بل ضرورية، فإن هذا يحكي عن طاقة هذا التيار.[2] وللإجابة عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بنسبة "الدين والحداثة" و"توقعات البشر من الدين" و"معنى وإمكانية تحقيق ما يُسمى بالحداثة المحلية (الإيرانية-الإسلامية)"، لا يبدو أنه يمكن ترك آراء المثقفين الدينيين جانباً.
ومن نماذج الأسئلة الراهنة التي نعتقد أن الإجابة عنها تستلزم مقاربة قائمة على التنوير الديني ما يلي:
الأفق أمام التنوير الديني هو الأفق أمام مجتمع يريد _أو هو مضطر_ أن يكون حديثًا وفي الوقت نفسه مستفيدًا من معطيات التراث الديني. تجاوز التطرف الديني، واحترام الآخر، والحفاظ على البيئة، تستلزم حوار التراث-الحداثة وحوار الأمس-اليوم. هذا الأمر المهم مرهون بالتمكن من إمكانيات العقل النقدي وفي الوقت نفسه الإلمام الكافي بالتراث الديني، وهذه رسالة على عاتق التنوير الديني، رسالة لا يبدو أنها ستنتهي قريبًا.
[1] . آرش نراقي، مجلة راه نو، العدد ۹، ۱۳۷۷؛ أُعيد نشره الآن في: سنت و افقهای گشوده (التراث والآفاق المنفتحة)، نشر نگاه معاصر، طهران، ۱۳۹۵، ص: ۸۱.
[2] . راجع كتاب: نقد گفتمان دینی (نقد الخطاب الديني)، نصر حامد أبو زيد، ترجمة حسن يوسفي أشكوري ومحمد جواهر كلام، نشر يادآران، ۱۳۸۳، ص ۱۸۴.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.