اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نسبةُ التنوير الديني إلى العرفان غيرُ صحيحة، فالمذهبان متباعدان جوهراً. والتقاربُ الأخير بينهما استراتيجيةٌ لتجاوز الشريعة واستقطاب الشباب نحو روحانياتٍ علمانية، لا تُثمر إلا انحطاطاً ونفوراً من الدين.

لقد كتب أحد الكتّاب المحترمين (رضا بابايي في مقاله الفقه والتصوف والتنوير الديني)، مؤخراً أن «إذا أمكن العثور على نسب موثّق للتنوير الديني في تاريخ المسلمين، فإني أعتقد أنه العرفان والتصوف» وأضاف: «إذا ما انتُزع العطار والسنائي والرومي ومحيي الدين من صفوف المتنورين دينياً، فكأنما تُرك شاب أعزل في أرض صخرية موحشة». هذه الكتابة بالطبع خُطّت لكشف زيف مؤتمر التصوف، ويبدو أنهم يريدون تنبيه القائمين على المؤتمر إلى أهمية عمل الصوفية وضرورة اتباع المتنورين لهم، وتحذير الفقهاء من أنه لا سبيل في العالم الجديد سوى الانضمام إلى ائتلاف الصوفية والمتنورين، وقبل فوات الأوان، عليهم أن يلوذوا بمعسكرهم لإنقاذ أنفسهم والتدين! هذه الكتابة تثير الدهشة الشديدة وتُظهر أن دراسة التيارات والبحث العلمي التاريخي لا يزالان يعانيان من الوهن والظلم بيننا، وأن الأفراد يظنون أن بإمكانهم أن يصدروا أوامرهم على التاريخ كيفما شاؤوا، وأن يسطروا مصير الماضي بخيالهم المستقبلي:
1) لحسن الحظ، تشكلت أول خطوة علمية في مجال الدراسات النقدية للتصوف مع «المؤتمر الوطني للتصوف؛ الخصائص والنقد»، ومع المتابعة المستمرة لبرامجه البحثية في المستقبل القريب، سيتم إنتاج أدبيات علمية مناسبة في هذا الشأن، ويُؤمل أن يفسح السوق المضطرب للأحكام المتحيزة والتصورات التبسيطية المجال بعد ذلك لوجهات نظر دقيقة وواقعية.
2) يمكن دراسة مدى انتساب التنوير أو التنوير الديني إلى التصوف في شقين: وصفي وتوجيهي. سأعرض هذين الشقين بإيجاز، وآمل أن يتم تناول هذا الموضوع بشكل موثق ومنهجي في الأبحاث المستقبلية.
3) كان هناك تباين كبير بين التصوف - بوصفه منظومة فكرية وعملية - والتنوير الديني - في بعده الفكري والسلوكي - من وجوه عديدة: ? من منظور تاريخي، لا يمكن إثبات هذا النسب، كما أن مؤسسي التنوير الديني لم يقبلوا «شجرة النسب» هذه، بل غالباً ما أنكروها وتبرؤوا منها. إن إيصال نسب نخشب وبازركان وسحابي وسامي وبيمان وشريعتي إلى أدهم وبايزيد والعطار والحلاج، يتطلب تكلفاً علمياً ويحمل تبعات قانونية. ? لا توجد أيضاً صلة بين «خطاب» و«مصطلحات» هاتين المجموعتين. ما العلاقة بين الدوال المركزية والكلمات المفتاحية مثل العزلة والخلوة، الذكر والفكر، المرشد والمريد، السالك والواصل، الخلسة والوجد، المحو والصحو، الفقر الاختياري والفناء في الذات والصفات... وبين الديمقراطية، التقدم، النهضة الإسلامية، حقوق المرأة، مناهضة الاستعمار، النزعة العلمية، العقلانية، المطالبة بالعدالة، الحريات الاجتماعية، الجهاد، الهجرة، الشهادة، الإدارة العلمية، وبرامج التنمية...؟! ? فيما يتعلق بـ«المُثُل» و«الأدوات»، لا يوجد أيضاً تداخل واضح بين التيارين. فبينما كان الصوفية يسعون إلى فناء النفس في الحق المحض، ويرون ظلمة العالم بسبب البعد عن اللاهوت والملكوت، ويعتبرون طريق الخلاص في الداخل وتحرر الروح من الجسد والدنيا الدنية، كان المتنورون دينياً يسعون إلى بناء عالم أفضل للعيش والخروج من الانحطاط والتخلف، ويبحثون عن طريق التحرر في مكافحة الفقر والفساد والخرافة واللاعقلانية. ? ربما بسبب هذه الفجوة العميقة بين التصوف والتنوير، لم يستفد المتنورون دينياً المعاصرون - باستثناء أشخاص مثل عبد الكريم سروش لأسباب سأذكرها لاحقاً - من التراث الصوفي، وتجنبوا الانتساب إلى هذا التيار.
4) في العقود الأخيرة، نشأ نوع من «القرابة السببية» بين التنوير الديني والتصوف التقليدي من ثلاثة أوجه:
أولاً، اتجه التنوير الديني بعد الثورة إلى نقد الدين والفقه والحكومة الإسلامية، وجعل من الدين الشخصي، والنسبوية، والنزعة الروحانية العلمانية جسوراً للعبور من الشريعة، واللاهوت، والمصادر الوحيانية، ونظام المرجعية ورجال الدين. في هذا الفضاء، لا شك أن الإرث الصوفي كان يمكن أن يكون مادة جيدة لتحطيم الحرمات الشرعية والأعراف الاجتماعية وتجاوز قواعد فهم الدين وضوابط العيش المؤمن. نعم، كان التهرب من الشريعة، والتأويلية، واللاإيمان بالعقل، والنزعة الباطنية، والشطحات، أفضل ذريعة للمتنورين دينياً لاستقطاب الشباب الحائرين والتائهين في عصر ما بعد الثورة، وقد استغل شخص كسروش كل الطاقات والإمكانيات في هذا الميدان ببراعة، وأحال الدين إلى وادي القلب، والمعرفة الدينية إلى أحضان القبض والبسط، والوحي إلى رؤيا الرسل [الصوفية].
ثانيًا، الشعار الآخر للتنوير في العقدين الماضيين كان التسامح المطلق والتحرر من القيود والتعبد بنكهة من العيش الهنيء واللامبالاة والأحكام الذوقية، وهو أمر استمده إلى حد ما من منطق ابن الوقت، وآداب القلندرية والملامتية، ويستقر في نفس المتلقي مع الشعر والوجد والعذوبة في التعبير.
ثالثًا، لقد أثبتت التجربة أن المجتمع الشيعي والإنسان الإيراني لا يمكن فصلهما عن الروحانية، والأخلاق الباطنية، والمناسك والشعائر. والتصوف تجربة بديلة ومناسبة لملء هذا الفراغ، وذريعة مناسبة لنقل هذا الطفل من صدر الآداب الفقهية، والأخلاق الشرعية والمراسم الدينية والتقليدية، إلى أحضان مجالس الذكر والسماع، ولإرواء ظمأ أرواحهم بقراءة المولوي والإنشاد الحافظي. هذه أمور تتوافق مع عناصر الفكر الحديث وما بعد الحديث، ولا تجر عمل المتنورين إلى التصادم مع التدين.
5) من هذه الزاوية، يمكن تفهم التوافق والتقارب بين بعض المتنورين والمتصوفة، وهذا الارتباط قد أثمر بلا شك ثمارًا يمكن رؤية نماذجها بوضوح بين الأكاديميين والحوزويين. بالطبع، أنجب التصوف على مر التاريخ أبناءً شرعيين وغير شرعيين، وارتبط بالغلو وعبادة الشيطان، والسلفية وعداء التشيع، والبابية وتنشئة البهائية، وعشرات المسالك والمذاهب، وليس من المستبعد أن يتجذر هذا أيضًا ويؤتي أكله. خاصة في عصر العقل المجزأ ما بعد الحداثي، وفي عالم شبه الأديان الجديدة والميول نحو الأديان الخاصة والمصنوعة يدويًا، فإن ظهور مثل هذا المولود المختل ليس أمرًا غير متوقع على الإطلاق.
6) دون أن أرغب في الحديث عن زوايا هذا المشروع الناشئ، أو مناقشة مشروعيته أو عدم مشروعيته، أتوقع أمرين: أولاً) ستؤدي هذه الحركة إلى انحطاط مشروع التنوير الديني وعزلته، وإلى إفراغ التصوف من تراثه الروحي، وستضع بين أيدي أصحابها "خنثى مشكلة" لا تنفع أيًا من الطرفين، إلا إذا كان المتصوفة قد عجزوا عن جذب المريدين المتيمين ورضوا بالمتنورين الفضوليين، وكان المتنورون قد بلغوا نهايتهم ويئسوا من الإصلاح وبناء المجتمع، فأرادوا أن يستريحوا لحظة في غيبوبة وخيال، ويسكنوا أرواحهم القلقة بالشعر والوجد أو بالعزف والنغم. ثانيًا) هذا المشروع، إن لم تكن له أي نتيجة أخرى، فهو فعال للغاية في فصل الجيل الشاب عن راية الدين والفقه، وتسليمهم إلى العاصفة الهوجاء للطوائف المستحوذ عليها الروحانيات، أو الجماعات الاجتماعية والسياسية المحبطة. على ما أعتقد، لا يمكن بأي طريق آخر تسليم الطلاب الساخطين على الثورة واليائسين من الأوضاع إلى الحلقات الصوفية، ومن هناك إلى الدكاكين متعددة المنافذ التي يتزايد عددها كل يوم. لهذين التوقعين أعلاه، يمكن إقامة أدلة نظرية، كما يمكن الاستناد إلى شواهد كثيرة جمعها الباحثون خلال السنوات الأخيرة. إذا سنحت الفرصة، سأقدم هذا الجزء أيضًا لأصحاب الرأي والعمل.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
جالب بود