اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى رضا بابائي، في رده على «صدانت»، أن وظيفة التنوير الديني تكمن في تخفيف تكاليف عبور المجتمع الديني. وهو يعتقد أن «المسألة الأساسية» في إيران هي اغتراب التراث والحداثة في ميدان اللغة، وأن المثقف التنويري الديني يقيم حواراً بينهما.

صدانت: يُنظر عادةً إلى الفترة الممتدة من منتصف ثمانينيات القرن الماضي وحتى أواخر تسعينياته، والتي بدأت مع ازدهار مجلة "كيهان فرهنگي" وانتهت بتوقف مجلة "كيان"، على أنها ذروة ازدهار التنوير الديني ونضجه. بلغ توزيع مجلة "كيان" أكثر من 20 ألف نسخة، وكانت التقديرات تشير إلى أن كل عدد منها كان يقرؤه حوالي مئة ألف شخص. إلى جانب "كيان"، كانت تُنشر صحف ومجلات أخرى، وكان كل مقال يُثير ضجة في المجتمع ويفتح باباً لنقاش وحوار جديدين. ومع ذلك، فمنذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدا وكأن دور التنوير الديني في المجتمع قد تضاءل تدريجياً، ولم تعد الطروحات التي يقدمها هذا التيار تُشعل مصباحاً أو تُثير حماسة. من ناحية أخرى، يبدو أن المثقفين الدينيين لم يعودوا يمتلكون ذلك النضج والإشعاع اللذين كانا لهم قبل عقدين؛ فقد تجاوز البعض التنوير الديني، واعتبره آخرون ذا تناقض داخلي، بينما بقي آخرون يتعثرون في هذا الميدان. نحن، في مجموعة صدانت الثقافية، نعتقد أن مجموعة من العلل والأسباب قد تضافرت لتجعل التنوير الديني يخبو بهذا الشكل. والآن، وبناءً على اقتراح بعض الأفاضل، أعددنا استفتاءً لنطلب منكم، أيها الخبراء الكرام، أن تكتبوا لنا في مذكرة مختصرة: ما هو التنوير الديني؟ وماذا حدث له؟ ولماذا حدث ما حدث؟ وما هو المستقبل المتصور له؟
ينبغي النظر إلى التنوير الديني من زاويتين والحكم عليه من خلالهما: الأولى من منظور ماهيته ومنطقه الداخلي، والثانية من منظور الوظيفية.
من المنظور الأول، فإن التنوير الديني مليء بالتحديات النظرية والخطابية؛ من بينها: عدم التوافق بين العقل القائم بذاته أو العقلانية الحديثة وبعض المُسلّمات الدينية المعرفية لدى المثقفين الدينيين، وهو أمر لا يمكن التغاضي عنه بسهولة؛ وإن كان هذا التعارض يقع في الغالب في ساحة "التوصية" و"الإيجاب"، لا في ميدان النقد والنظرة السلبية التي هي ماهية التنوير وخاصيته (سواء أكان دينياً أم علمانياً).
أما النظرة الثانية، فهي من منظور الوظيفة والقدرة على حل المشكلات النظرية للمجتمع في المرحلة الانتقالية. عندما ننظر إلى وظائف التنوير الديني في هذا الميدان وهذه المرحلة، فإننا لا نجد بديلاً عنه؛ حتى لو لم نستطع تبرير أو معالجة بعض تناقضاته ومفارقاته. إن المجتمع الديني، لكي يعبر من الوضع الراهن نحو الوضع المنشود، تقف أمامه مضايق كثيرة، لا يكون فيها خطاب آخر غير التنوير الديني فعالاً وطريقاً للحل؛ كما أن التنوير الديني استطاع حتى الآن أن يقلل من تكاليف المرحلة الانتقالية ويُقصّر زمنها.
للوقوف على فن التنوير الديني، ينبغي أولاً أن نتحدث عن "المسألة الرئيسية". ما هي مسألتنا الرئيسية في إيران؟ على أي مشكلة ينبغي لنخب البلاد أن يصرفوا جُلّ قواهم ودوافعهم ورؤوس أموالهم الذهنية لحلها أو صياغتها؟ صراع التراث والحداثة؟ معوقات التنمية؟ السلطة الذهنية والموضوعية للتراث؟ أي طريق يوصلنا بأقل تكلفة وفي أقصر وقت إلى مكان يستطيع فيه المجتمع الإيراني أن يستخدم رؤوس أمواله المادية والمعنوية الاستخدام الأمثل؟
في اعتقادي، إن مسألة إيران اليوم هي اغتراب التراث والحداثة في ساحة اللغة، مما جعل الحوار مستحيلاً. من ناحية أخرى، فإن الإمكانات المادية والمعنوية للتراث في إيران عظيمة وضخمة لدرجة أنها تنظر إلى الحداثة بعين الاحتقار ولا تقبل الحوار معها بسهولة. إن التحديث في مجتمع يمتلك فيه التراث معظم الإمكانات والرؤوس الأموال والعواطف والدوافع، يبقى حبيساً في أكثر طبقات الحداثة سطحية، ولن يبلغ مقاماً أرفع من أن يكون وكيلاً للتراث في ميدان إنتاج المنتجات الصناعية. إن مقومات مثل العقلانية الحديثة، والنزعة الإنسانية، والحقوق المتساوية، وخلق الفرص المتوازن، وقبول الفرديات، التي هي أسس الحداثة، تُعتبر بمثابة تقويض للتراث.
من ناحية أخرى، فإن الحداثة، بسبب ما أحرزته من قوة في العالم، تضغط على التقاليد المحلية وتطالبها بالانضمام إلى العالم الحديث. وهكذا، فإن الحداثة لا تحمل للتراث هدية سوى التقويض، ولهذا السبب لا يجلس التراث إلى طاولة المفاوضات مع الحداثة إلا بعد بناء الثقة والحصول على ضمانات كثيرة. في مثل هذا الوضع المعقد والصعب، يمد المجتمع يد الحاجة نحو مؤسسات ليست لها صورة تقويضية ولا دافع للتوقف في المحطات التاريخية. إن الحديث عن الماهية العلمية والعقلية لهذه المؤسسات ليس بالأولوية على الإطلاق؛ لأن قيمتها تكمن في قدرتها على التفسير والاستجابة للحاجات الملحة والفورية للمجتمع.
عاجلاً أم آجلاً، ستجتاح الحداثة إيران أيضاً. وكل الحديث يدور حول «أقل تكلفة» و«أقصر زمن». ولكي تبني الحداثة مؤسساتها في إيران، عليها أولاً أن تتعلم لغة الحوار مع التراث، والمصدر الروحي للتراث في إيران، أو أحد مصادره المهمة، هو القراءة الرسمية للدين، التي كان نقدها المتعاطف تمهيداً ومنطلقاً للتنوير الديني. وإذا كانت أهم وأثقل مهمة للتنوير هي الدعوة الملحّة للتراث والحداثة كي يجلسا إلى طاولة المفاوضات، ففي هذه المفاوضات الصعبة والمستهلكة للوقت، يستطيع المتنورون الدينيون أحياناً أن يترجموا خطاب التراث للحداثة وخطاب الحداثة للتراث بشكل أفضل، وأن يصلوا بهما إلى تفاهم حول بعض التغييرات؛ لأن التراث في إيران ممتزج بالدين إلى حد أن أي تغيير فيه متوقف على تقديم فهم جديد للدين، وهو ما يقع أيضاً على عاتق التنوير الديني.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.