اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
في تذييل على مقالة علي زمانيان، يُبحث عن أفول التنوير الديني لا في السياسة بل في «أزمة المنهج»؛ ويتمحور هذا النص حول الانتقال من إصلاح الممارسة إلى المباحث المعرفية وعلم الوحي، وخيبة أمل المفكرين الجدد من التوفيق بين التراث والحداثة.

السيد زمانيان في مواجهته لسؤال أسباب أفول التنوير في إيران ومستقبله المتصور، قد تحلى بالروية والتأمل عن حق، وبدلاً من محاولة الإجابة سعى إلى توضيح صورة المسألة وطرح أربعة معانٍ للمقصود من أفول التنوير الديني. من وجهة نظره، فإن المعنى الأول والأعمق لانحسار التنوير الديني هو أزمة المقاربة، بمعنى أن هذا التيار قد أصيب في أساسه بتناقض، وكأنه توصل إلى نتيجة مفادها أن محاولة التوفيق بين الدين والعالم المعاصر هي محاولة عبثية. ويطلق على هذا المعنى من انحسار التنوير اسم {أزمة المقاربة}.
لم يدخل السيد زمانيان في تتمة مقاله في نقاش حول المعاني الأربعة المذكورة لأفول التنوير الديني، وبإشارته إلى دور الضائقة السياسية في أفول التنوير الديني، يعتبر السياسة العامل الرئيسي، وكأنه لا يأخذ المعنيين الثاني والثالث للأفول على محمل الجد.
لست في هذه المقالة بصدد نقد السيد زمانيان على الإطلاق، بل على العكس، أعتبر مقالته نصاً جيداً وتنويرياً للغاية. ما أود عرضه بإيجاز في هذه المقالة هو التأمل في المعنى الأول لأفول وانحسار التنوير الديني.
أعتقد أنه إن لم نستطع القول بأن هذا المعنى من الأفول صحيح بشكل مطلق، فهو صحيح بشكل جزئي. بمعنى أن تيار التنوير الديني في البداية كان يرى مهمة التوفيق بين الدين والعالم المعاصر مهمة سهلة. وكما أوضحت في مقالة أخرى، فقد تم تصور المسألة في البداية ببساطة شديدة لدرجة أن الحل كان يتضاءل إلى حد اللجوء إلى المبادئ الأخلاقية، وكان المجددون الأوائل يعتقدون أن الخطوة الأساسية للإصلاح هي إصلاح أعمال المسلمين.
ولكن كلما تقدم هذا المشروع الفكري-الاجتماعي وظهرت المسألة بشكل أكثر جدية، كانوا يتوصلون إلى نتيجة مفادها أنهم يواجهون مسألة صعبة، وأن الإصلاح مسألة أعمق بكثير وأطول زمناً مما كان يعتقده المجددون الأوائل، ولا يمكن توقع الوصول إلى النتائج المرجوة بتغييرات سريعة وسطحية. على عكس المجددين الأوائل الذين كانوا يعتقدون أن الخطوة الأساسية للإصلاح هي إصلاح أعمال المسلمين، يرى المجددون المتأخرون أن الخطوة الأساسية هي إصلاح فكر ونظرة المسلمين وتقليص الفجوة التاريخية بين المجتمعات المسلمة والحداثة والعلوم الحديثة.
لذلك، قام المجددون في العقود الأخيرة بتغيير فضاء نقاشاتهم من المقاربة البراغماتية إلى المقاربة الإبستمولوجية، وأصبحت المباحث المعرفية والفكرية شغلهم الشاغل. لم يعودوا يرون أن منشأ الأعمال الخاطئة للمسلمين (أو الأعمال المتعارضة مع روح وثقافة الحداثة) يقتصر على البدع وقلة الاهتمام بأصول وتعاليم الدين فحسب، بل من وجهة نظرهم، منشأ أعمال المسلمين هو نوع النظرة وزاوية الرؤية للمسلمين إلى الدين، والتي هي في تعارض جدي مع الحداثة والعلوم الحديثة؛ لذا لم يعودوا يرون طريق الإصلاح في محاربة البدعة والتبشير بالإسلام بأساليب جديدة وبلغة العصر.
لقد توصل المجددون في أعماق وعيهم ولاوعيهم إلى نتيجة مفادها أن طريق الإصلاح الديني وإزالة الاحتكاك بين التراث والحداثة لم يعد يكمن في تقديم أجوبة علمية وعصرية على الشبهات، أو التسامح والتساهل، أو التبرير والتأويل، بل يجب الابتعاد عن المنهج الفكري والخطاب التقليدي. واللجوء إلى حلول مثل الاهتمام بالفتاوى الشاذة، والاجتهاد في الأصول والمبادئ، والتمييز بين جوهر الدين وقشوره، والاهتمام بتاريخيات الدين.
لقد ذهب تدريجياً إلى أبعد من هذه الخطوات وخلص إلى أن الطريق الأكثر جوهرية لتغيير الخطاب التقليدي هو تغيير نظرة المسلمين إلى مسألة الوحي وفهم النصوص الدينية، وأن أي إصلاح دون ذلك ليس سوى إصلاحات متفرقة، غير مترابطة، وبلا قاعدة أو قانون ثابت، ولا يمكنه أبداً أن يحقق ما يصبو إليه المفكرون الجدد؛ لأن أساس تصورات واستنباطات وفهم عموم المسلمين الحالي هو نظرتهم الخاصة إلى القرآن والسنة، وما دامت هذه النظرة هي السائدة على العلماء والباحثين وعامة الناس، فلا ينبغي لنا أن نتوقع إصلاحاً جاداً في سلوك المسلمين وأفكارهم. وسبيل تغيير هذه التصورات وهذا النمط من الفهم هو تغيير النظرة إلى ماهية النصوص الدينية ووظيفتها. في الواقع، إن المعرفة العميقة بالحداثة أوصلت المفكرين الجدد إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن للمرء أن ينظر إلى الدين والنصوص الدينية كما ينظر الإنسان غير الحديث، وفي الوقت ذاته يعيش كالإنسان الحديث دون أن يتوقع أي تعارض أو اختلاف؛ لذلك، من وجهة نظر المفكرين الجدد المعاصرين، فإن المشكلات الرئيسية للعالم الإسلامي ناجمة عن فهمهم الخاص لماهية النصوص الدينية (الكتاب والسنة) ومنهج فهمها، والجمع بين التراث والتجدد ممكن على أساس تغيير هذا النمط من الفهم.
في الواقع، وبالنظر إلى الدور المحوري للوحي والنصوص في دين الإسلام الذي أشير إليه، فقد خلص المفكرون الجدد المتأخرون إلى أن مفتاح حل المشكلات في مجال الدين وتعارضات الدين والحداثة يكمن في مسألة الوحي وفهم النصوص المقدسة؛ لذلك يرى المفكرون الجدد الحاليون أن دراسة الوحي والدراسات القرآنية هي الأداة الرئيسية وطريق الخروج من تعارض التراث والحداثة، ولهذا السبب جعلوا «مسألة الوحي وفهم النصوص» المحاور الأساسية لأبحاثهم ومباحثهم.
لكن يبدو لي أن المثقفين الدينيين أدركوا الآن أن الفجوة بين التراث والحداثة، وبين الدين والحداثة أعمق بكثير مما كانوا يعتقدون، وخلصوا إلى أن العقلانية الحديثة والنزعة الإنسانية للإنسان الحديث بعيدة كل البعد عن العقلانية التقليدية ومركزية الإله في الأديان. لذا فإن بعضهم قد ألقى السلاح أساساً وسئم هذه المباحث واتجه إلى دراسات لحل هواجسه الشخصية، وآخرون تخلوا عن أصل المسألة بشكل آخر وخلصوا إلى أن الدين لم يعد له الدور السابق في ذهن وضمير الإنسان الإيراني، وأن حل التوفيق بين التراث والتجدد يكمن في التوجه إلى الإصلاحات السياسية والاجتماعية، وهناك آخرون لم يلقوا السلاح بعد وما زالوا في فضاء الفكر حول مسألة الدين والعالم المعاصر، يقدمون تصوراً للتدين يجعل الآخرين يعتبرونهم قريبين من الخروج من الدين أو يعتبرونهم مؤسسي فرقة جديدة. وآخرون تريثوا وسلكوا درب الحذر في نقد الدين وأصغوا أكثر إلى تيار التقليدوية العالمية ونقد الحداثة.
على ماذا يدل هذا التشتت والاختلاف؟ ألا يمكن القول إنه يدل على أفول بمعنى أفول في المقاربة؟
.
.
.
.
الدين
العلوم السياسية
الفلسفة
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.