اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يحلل آرش نراقي نظرية حكومة المثقفين الدينيين في مقابل ولاية الفقيه. ويقترح سروش حكومة فوق دينية وديمقراطية، محايدة تجاه الأديان لكنها متميزة عن الليبرالية، ويحلل دورهما في مستقبل إيران.

كان المثقفون أو المجددون الدينيون في إيران بعد الثورة الإسلامية من بين الجماعات الفكرية والسياسية التي سعت إلى تقديم نظرية بديلة عن نظرية ولاية الفقيه المطلقة لحكومة منشودة في المجتمع الإيراني. أود في هذه المقالة أن أوجز بإيجاز أبرز نقاط نظرية الحكم لدى المثقفين أو المجددين الدينيين، وأن أطرح على هذا الأساس مقترحات حول دورهم في مستقبل إيران السياسي. في القسم الأول، أشير بإيجاز إلى آراء شخصيتين من هذا التيار، هما عبد الكريم سروش ومحسن كديور، وفي القسم الثاني أتناول آراءهما بالفحص الموجز، وفي القسم الثالث سأطرح مقترحات حول مكانة التنوير الديني ودوره في مستقبل إيران السياسي.
(١)
سروش هو من بين الذين سعوا بنشاط على مر السنين إلى اقتراح نظرية بديلة للحكم في المجتمع الإيراني. لنظريته في الحكم المنشود قسمان رئيسيان: القسم السياسي، والقسم الديني. يسعى سروش في القسم السياسي إلى شرح أركان نظريته في الحكم، ويسعى في القسم الديني إلى توضيح العلاقة المنشودة لهذا النوع من الحكم بالدين.
طُرحت نظرية سروش في الحكم المنشود من المنظور السياسي، خصوصًا في تقابلها مع حكم الاستبداد الديني (أو ولاية الفقيه المطلقة) وحكم الاستبداد غير الديني (السلطنة أو الحكم الملكي). من وجهة نظر سروش، إن أهم دور للحكم، قبل أي شيء وفوق كل شيء، هو تلبية الحاجات الأولية للبشر - كالحاجة إلى الطعام والمسكن والعمل والصحة وغيرها. وهو يعتقد أنه إذا ما لُبّيت هذه الحاجات الأولية، يجد البشر حينئذٍ متسعًا للتوجه نحو تأمين حاجاتهم الثانوية.[1]
لكن الحكم المنشود الذي يمكنه تحقيق ذلك المقصود ينبغي أن يُبنى على أساس نوع من العلمانية السياسية أو «الحكم فوق الديني». تقتضي العلمانية السياسية أن تُقام في المجتمع حكومة أخلاقية «تكون محايدة تجاه جميع الأديان، ولا تمنح أي حق خاص لأتباع أي دين خاص، وتعترف بالتعددية الدينية والسياسية، وتقر بحقوق متساوية للجميع، وتطبق القانون على الجميع بالتساوي.»[2] إذن، فالعلمانية التي يقصدها سروش تقوم على ركنين أساسيين: ركن الشرعية (الذي يتحقق بتحقق العدالة)، وركن حياد النظام السياسي إزاء الفرق الدينية والفكرية.[3]
ولكن أي شكل من أشكال الحكم، في اعتقاد سروش، يمكن أن يُبنى على هذا الأساس وينجح في مهمة إدارة المجتمع؟ من وجهة نظر سروش، الديمقراطية هي أفضل أسلوب حكم متاح للبشر. وهو يعتقد أن الديمقراطية هي أسلوب «إدارة قليلة الخطأ» لـ«أناس ذوي حقوق»، وهي أفضل وسيلة لتحقيق العدالة في المجتمع. في الحكم الديمقراطي المنشود عند سروش، يكون تنصيب الحكام ونقدهم وعزلهم من قِبل الناس أمرًا ممكنًا.[4]
أما الديمقراطية التي ينشدها سروش، فرغم أنها علمانية، إلا أنها ليست ليبرالية. لطالما عبّر سروش بحزم عن معارضته لليبرالية. وهو يعتقد صراحةً أن «الليبرالية معادية للدين.»[5] و«إذا شكك أحد في أصل ولاية الدين، فقد وطئ أعمق ساحات الليبرالية.»[6] وهو يؤكد مراراً على الفارق الجوهري بين «المجتمع الديني» و«المجتمع الليبرالي». ففي اعتقاده، في المجتمع الديني، على عكس المجتمع الليبرالي، ثمة أمور تتجاوز النقد والفحص. في المجتمع الديني، لا يمكن تطبيق مبدأ المساواة في الحقوق بين الناس (على عكس المجتمع الليبرالي)، وبهذا الاعتبار «لا يمكن لأي متدين أن يكون ليبرالياً.»[7] ولهذا السبب، فهو يعرّف حكومته الديمقراطية المنشودة في تمييز، بل وفي تقابل، مع الليبرالية: «الديمقراطية والليبرالية ليستا شيئاً واحداً.» «والمجتمع الديمقراطي الديني هو مجتمع ناشئ عن الفصل المنطقي بين الديمقراطية والليبرالية.»[8] وقد ظل في السنوات الأخيرة وفياً لنظرته السلبية تجاه الليبرالية، ويعتقد أن ثمة علامات واضحة اليوم على مرض الليبرالية وانحطاطها في الغرب. ومن وجهة نظره، ينبغي البحث عن أهم علامات مرض الليبرالية وانحطاطها خصوصاً في مجال الجنس، وهو ما يشير إليه بـ«الانغماس في الشهوات غير المشروعة أخلاقياً» الذي يسري اليوم تحت عنوان «الحق» في العالم الغربي.[9]
يميز سروش، في معرض شرحه للعلاقة بين الدين والسياسة عموماً والحكومة خصوصاً، أولاً بين نوعين من تدخل الدين في الشأن السياسي: «التدخل الحقيقي» و«التدخل القانوني».[10] في اعتقاده، التدخل الحقيقي للدين في الشأن السياسي في سياق مجتمع ديني هو أمر لا مفر منه. لذا، سواء اعتبر المرء هذا التدخل مرغوباً أم لا، ففي كل الأحوال، في سياق مجتمع ديني، يلقي الدين حتماً بصبغته على السياسة. وعليه، فمن الأساطير الخاطئة، بحسب سروش، أن «الدين ينتمي إلى المجال الخاص.»[11] أما «التدخل القانوني» للدين في السياسة فليس أمراً حتمياً. أي أن المجتمع الديني يمكنه أن يقرر أن يجعل الدين أساساً للتشريع والشرعنة السياسية أو لا يفعل. يعترف سروش بالتدخل الحقيقي للدين في مجال السياسة كأمر واقع ويقبله، لكنه يرفض التدخل القانوني للدين في الشأن السياسي (على الأقل بشكل مباشر ومن أعلى)، ويقول صراحة: «من الأفضل أن نقطع الصلة القانونية [بين الدين والسياسة].»[12] لكن هل يعني هذا أنه من منظور سروش، ينبغي ألا يقوم الدين مطلقاً وبأي شكل من الأشكال بـ«تدخل قانوني» في مجال السياسة والحكومة؟ الحقيقة أنه لا يبدو أن مقصود سروش هو القطع الكامل للصلة القانونية بين الدين والسياسة. في أعمال سروش، للحكومة المنشودة في المجتمع الديني خاصيتان: الأولى أنها ديمقراطية، والثانية أنها ليست غير مبالية بالإيمان الديني والممارسة الدينية، أي أنه يبدو أن الحكومة ملتزمة بشكل ما وعلى مستوى ما بأمر الدين (وهذا الأمر، على الأقل للوهلة الأولى، لا يبدو منسجماً مع مقتضى كون الحكومة المنشودة عند سروش «علمانية».) ولكن ما معنى «عدم المبالاة» و«الالتزام» تجاه أمر الدين هذا؟ يبدو أنه قد ورد في أعمال سروش رأيان مختلفان على الأقل في هذا الشأن: التصور الأقصى، والتصور الأدنى.
التصور الأقصوي: من وجهة نظر سروش المبكر، في الديمقراطية الدينية المثلى، تكون الحكومة ملزمة بألا تنتهك «القوانين القطعية والضرورية» للدين.[13] أي أنه في هذه الحكومة المثلى «يُسعى إلى عدم إقرار قوانين تتعارض مع القوانين الدينية القطعية؛ وهذه القوانين القطعية والضرورية في الإسلام محدودة للغاية. قد توجد فتاوى كثيرة ولكن يمكن الاكتفاء بأهمها بل وإعمال الاجتهاد الجديد عند الضرورة. وهذا هو الضامن لأسلمة القوانين، ويعود باقي الدين إلى التزام المؤمنين القلبي أنفسهم بمدى اهتمامهم بالعمل بالشريعة.»[14] هنا يبدو أن «المشروعية الدينية» للحكومة الديمقراطية تُؤمَّن من الأعلى، أي أن الحكومة التي يختارها المجتمع الديني تراقب من أعلى النظام القانوني خشية أن يتعارض قانون أو سياسة ما مع مسلّمات دين الإسلام.
التصور الأدنوي: لكن يبدو أن سروش يقدم في السنوات الأخيرة تقريرًا مختلفًا إلى حد ما عن رأيه بشأن العلاقة القانونية بين الحكومة والدين. وفقًا لاعتقاد سروش المتأخر، في الديمقراطية الدينية المثلى، تؤمن الحكومة بالتعددية الدينية، وبالتالي «تستفيد من جميع الأديان في التشريع». وهو يسمي هذا النوع من الحكومة «فوق دينية». ولكن في حكومة فوق دينية، كيف تكون كيفية «الاستفادة» من تعاليم الدين وقيمه في النظام القانوني للمجتمع؟ هنا يبدو أن «المشروعية الدينية» للحكومة الديمقراطية تُؤمَّن من الأسفل، أي أن المجتمع نفسه، من خلال العمليات الديمقراطية، يسعى إلى جعل النظام القانوني منسجمًا مع معتقداته وقيمه الدينية. يكتب سروش في هذا الصدد: «كل شيء هنا يعود إلى المجتمع المتدين. الحكومة لا تجعل المجتمع متدينًا، بل على العكس المجتمع هو الذي يجعل الحكومة متدينة. لأن الحكومة هي ابن المجتمع وثمرته وحصيلته ونتيجته وانعكاس له. وإذا كان المجتمع متدينًا عن شوق وإيمان، فإن حكومته أيضًا تكتسب لونه. لذا فالحكومة الدينية هي «موجودة»، وليست «واجبة». بمعنى أن المجتمع لا يقول يجب أن تكون الحكومة دينية، بل يقول الحكومة هي ابنتي «الموجودة»، وبما أنني متدين، فهي أيضًا شاءت أم أبت متدينة. وبالطبع إذا لم يكن المجتمع متدينًا، فلن تكون الحكومة متدينة أيضًا، ولا يعمل هنا وجوب ولا حظر من أحد.»[15]
يبدو أنه لا يوجد فرق كبير بين أساس آراء سروش وكديور فيما يتعلق بماهية وبنية الحكومة المثلى في سياق مجتمع ديني. يمكن أيضًا دراسة نظرية كديور عن الحكومة المثلى في شقين: سياسي وديني:
يعتبر كديور أيضًا أن الحكومة المثلى للمجتمع هي شكل من أشكال الديمقراطية. من وجهة نظره، للديمقراطية ركنان أساسيان: (أ) الرقابة الشعبية التي تتحقق من جملة أمور عبر ممارسة آراء الأغلبية؛ (ب) المساواة السياسية للمواطنين، والتي تعني من جملة أمور أنه لا يحق لأي شخص، بسبب انتماءاته الدينية أو تخصصه الفقهي، امتلاك حق خاص لتولي وإدارة شؤون المجتمع.[16]
ويصرح بأن ديمقراطيته المثلى يجب أن تكون «علمانية»، أي يجب ألا تسعى إلى فرض الأحكام والمعتقدات الدينية على المجتمع بشكل آمر. يلخص كديور رأيه بإيجاز في هذه العبارة: «نموذج حكومتي المثلى هو الحكومة الديمقراطية العلمانية، بمعنى أن جميع مؤسساتها ومسؤوليها وقوانينها وقراراتها دون أي استثناء تُحدد بطريقة ديمقراطية، يأتون بأصوات الناس، ويذهبون بأصوات الناس، ويوضعون تحت الرقابة المؤسسية للناس في غرفة زجاجية. لا يُقبل أي امتياز أو حق خاص لأي فرد أو صنف أو طبقة. لا يوجد فيها أي مسؤول مدى الحياة أو فوق القانون. جميع القوانين تُسن وتُفسر وتُنسخ برضا ممثلي الشعب. الحقوق الأساسية لجميع المواطنين مضمونة، حقوق لا يمكن انتهاكها مطلقًا تحت أي ظرف من الظروف. أحد هذه الحقوق هو إمكانية تحول الأقلية إلى أكثرية. تُراعى فيها الحرية في حدود المعايير الدولية لحقوق الإنسان.»[17]
أما الحكومة الديمقراطية العلمانية عند كديور فليست ليبرالية أيضاً. فهو يرى أن الإنسان في الليبرالية يُعتبر صاحب حقٍّ بالكلية وبلا قيد، ولا يُعدّ مكلفاً تجاه أي مصدر متعالٍ، بينما الإنسان في إطار الدين مكلف تجاه الله، وهذا التكليف «يخلق حدوداً للإنسان.»[18] لذلك، لا يعترف كديور بجوهر الليبرالية، أي «الحق في أن يكون المرء على خطأ»، إلا بقيود وضمن حدود معينة. فهو يرى أنه عندما يدخل قول الإنسان أو فعله إلى المجال العام، فإنه يصبح عندئذٍ موضوعاً للحكم. وإذا لم يحتمل العرف (وفي سياق المجتمع الديني، «عرف أهل الدين») ذلك القول أو الفعل، فينبغي عندئذٍ وضع حدود له. وهو يذكر بشكل خاص القيود الدينية في مجال «الحريات الجنسية، وحرية العلاقات الاجتماعية»، ويعتقد أن هذه القيود تؤدي إلى «بقاء الحريات الواقعية والمعنوية للناس قائمة، وازدهار قدراتهم الأخرى أيضاً.»[19]
يذكر كديور في مرحلة من مسيرته الفكرية صراحةً الرقابة على الشؤون الثقافية ويقول: «أعتقد أن المجتمع الديني هو مجتمع يؤمن بالقيم المتعالية، وبالتالي لا يمكن تركه دون رقابة، لذا فأنا أؤمن بالرقابة الثقافية بشكل عام ومبدئي، لكن الرقابة الثقافية لا تعني بالضرورة الرقابة قبل النشر.» وهو يؤمن بالرقابة بعد النشر.[20] ثمة قرائن تشير إلى أن كديور قد راجع بعض هذه الآراء إلى حد ما في السنوات الأخيرة. لكن لا يبدو أن مراجعته تبلغ حد قبول الليبرالية كجزء ضروري لا يتجزأ من حكومة ديمقراطية منشودة في سياق مجتمع ديني. يبدو أن أهم نقص في الليبرالية من وجهة نظره لا يزال يتمثل في نظرتها إلى المسائل الجنسية، أو بتعبير كديور، «الحريات الجنسية وحرية العلاقات الاجتماعية».[21] أي أن كديور، مثل سروش، يبحث عن قبح الليبرالية بشكل خاص في مجال المسائل المتعلقة بالأمور الجنسية.
لكن كيف تُعرَّف العلاقة بين الدين والحكومة في نموذج كديور المنشود؟ يمكن، في أعمال كديور كما هو الحال عند سروش، تمييز نموذجين لهذه العلاقة: التصور الأقصوي، والتصور الأدنوي.
التصور الأقصوي: في هذا التصور، تكون الحكومة مكلفة بمراعاة أهداف الدين وأحكامه المسلَّمة. يسمي كديور هذا النموذج «الديمقراطية الدينية»، ويعتقد أن بقاء هذا النوع من الحكومة رهن بأمرين: «الأول، اعتبار كونها دينية أو على الأقل عدم منافاتها للتعاليم الدينية. الثاني، تمتعها بثقة الجمهور ورضاهم وتصويتهم أو تأييد الأكثرية من الناس.»[22] في هذا النموذج، «يُمنع فيه أدنى أمر منافٍ للشرع وغير منسجم مع أهداف الدين المتعالية.»[23] ولتأمين هذا الغرض، يقترح أن «يقوم مجلس من علماء الدين بانتخاب المواطنين المسلمين بالرقابة (لا الولاية) على مراعاة الانسجام مع أهداف الدين وعدم المنافاة مع أحكام الشرع.»[24] وبالطبع، فإن «الضمانة التنفيذية» لهذه الرقابة، حسب اعتقاده، هي «تدين المواطنين وإيمانهم.»[25] حتى في هذا النموذج، يُعتبر تطبيق صورة من صور حكم الردة (بطبيعة الحال بقيود وشروط خاصة) أمراً مقبولاً: «تطبيق حكم الردة يعود إلى البيان والإظهار. وهو البيان الذي يكون عن معاداة وترويج.» «أنتم مخولون بألا تقبلوا الدين، لكن إذا قبلتم الدين، فإن الخروج عنه له ضوابطه. لم أقل إنه غير جائز مطلقاً، بل له ضوابط، إذا تحقق فيها العناد والجحد والاستهزاء والاستخفاف بالمؤمنين، فإن عقوبته ستكون شديدة.»[26] إذن، فالتصور الأقصوي، من أجل الحفاظ على الهوية الدينية للحكومة، يؤمن بالرقابة من أعلى على القوانين والسياسات الكبرى للمجتمع.
التصور الحدّي الأدنى: لكن في السنوات الأخيرة، قدّم كديور، شأنه شأن سروش، تقريرًا مختلفًا بعض الشيء عن رأيه بشأن الحكومة المنشودة في مجتمع ديني. في هذا التقرير الجديد، تنبع دينية الحكومة من صميم المجتمع، أي أنها تتحقق من الأسفل إلى الأعلى. وهو يميّز بين «اعتبار» القانون و«حقيّته».[27] من وجهة نظره، «اعتبار» القانون رهن برأي الأغلبية. لكن الاعتبار القانوني لا يعني بالضرورة «حقيّة» ذلك القانون، أي مطابقته للمعايير الأخلاقية والدينية. وعليه، في هذا التقرير، إذا حظي القانون بدعم رأي الأغلبية، فهو معتبر – حتى وإن كان متعارضًا مع المعايير الأخلاقية والدينية – أي أنه باطل من وجهة نظر المتدينين. في هذه الظروف، أي عند التعارض بين «اعتبار» القانون و«حقيّته»، «ينبغي إقناع الرأي العام بطريقة منطقية عبر نقد ذلك القانون بأن مضاره أكثر من منافعه، كي يصوّتوا على رفعه أو تغييره أو إصلاحه.»[28] وهكذا، فإن صفة «دينية» القوانين والحكومة هنا هي النتيجة الطبيعية لـ«دينية» المجتمع: «في مجتمع يشكل المسلمون أغلبيته، كل حكم شرعي يراد له أن يكتسي ثوب القانون لا مناص له من أن يمر عبر مرشح الرضا العام. ما دام الرأي العام داعمًا لذلك الحكم، فإنه يتمتع بالاعتبار القانوني، وبمجرد أن لا يستحسنه لأي سبب كان ويصوّت على تغييره أو رفعه، يفقد ذلك الحكم اعتباره القانوني، وإن كانت حقيته الدينية باقية على حالها سواء قبل وضعه القانوني أو بعد رفعه. يعتقد الإسلام التجديدي أنه لا يمكن فرض أي حكم شرعي بالقوة كقانون على المجتمع.»[29] ومدلول هذا الكلام بالطبع هو أنه يمكن تطبيق الحكم الشرعي برضا الأغلبية في المجال العام.
(۲)
أولاً، إن نموذج الديمقراطية غير الليبرالية لسروش وكديور، مقارنة بنموذجهما الديني البديل، أي ولاية الفقيه، هو بالتأكيد خطوة كبيرة إلى الأمام. لكن هل الديمقراطية غير الليبرالية التي يقترحانها هي أفضل نموذج يمكن تصوره لمستقبل إيران السياسي؟ يبدو أن جواب سروش وكديور إيجابي. فعلى سبيل المثال، يعتقد سروش أنه إذا ما أحرز الديمقراطيون المؤمنون، في نظام اقتراع سليم، الرأي الأفضل وتربعوا على سدة السلطة، «فلا ينبغي لغير المتدينين أن يخافوا من أن يهضم الديمقراطيون المتدينون حقوقهم، أو أن يسنوا قوانين تجعل منهم أقلية من الدرجة الثانية في المجتمع.» وإذا ما وصل العلمانيون الديمقراطيون (الذين يمكن أن يكونوا هم أنفسهم «الديمقراطيين المؤمنين») إلى السلطة، «فبوسع المتدينين أن يطمئنوا إلى أن دينهم ومعتقداتهم وقيمهم لن يصيبها أي ضرر.»[30] وبالطبع، يعتقد كل من سروش وكديور أنه في سياق مجتمع ديني، فإن هؤلاء الديمقراطيين المؤمنين هم من يمتلكون فرصة أكبر لنيل السلطة السياسية. فعندما تكون الأغلبية المطلقة من المجتمع متدينة، فمن الطبيعي في ديمقراطية سليمة أن يكون هؤلاء «المتدينون الديمقراطيون»، أي أتباع آراء سروش وكديور والقائلون بها، هم من سيتربعون على سدة السلطة. وهكذا، يبدو أن المثقفين والمجددين الدينيين، ضمنًا أو تصريحًا، يعتبرون أنفسهم وتصورهم للحكومة أفضل بديل لمستقبل إيران السياسي. لكن هل هذا الحكم صحيح؟
من الجيد في نظري أن نتأمل قليلاً في هذا السؤال: من منظور سروش وكديور، يظل الحَكَم النهائي للقوانين والسياسات الكبرى، وحدود الحريات في المجتمع (سواء في التصور الأقصى أم في التصور الأدنى) هو الدين في نهاية المطاف – ولكن هذه المرة بتأويل تجديدي للدين (وهو، بتعبير سروش، تأويل تعددي متلائم مع أسس الحداثة وحقوق الإنسان الحديثة). أي أن الدين من منظورهما يظل المعيار النهائي في المجال العام (بما في ذلك مجال السياسة)، غير أن التأويل التقليدي للدين يفسح المجال لتأويل تجديدي. ولهذا السبب تحديداً يدافعان عن ديمقراطية علمانية لكنها غير ليبرالية. أي أنهما من أنصار الديمقراطية العلمانية لكنهما يعارضان الليبرالية. من منظور الليبرالية، لا يتقيد «الحق في أن يكون المرء على خطأ» بأي قيد إلا إذا حُدد ذلك القيد وبُرر على أساس العقل العرفي والمصالح العامة للمجتمع. أما في الديمقراطية المنشودة لدى المجددين الدينيين، فإن الحق في أن يكون المرء على خطأ مقيد، بالإضافة إلى القيود العرفية، بقيود دينية (ولو بتأويل تجديدي). ولهذا السبب فإن الديمقراطية المنشودة لدى سروش وكديور – في التحليل النهائي – مقيدة بقيود دينية وفي نطاق أحكام الدين، وبهذا الاعتبار لا تتوافق مع الليبرالية.
لذا، يبدو أنه لا يوجد في مقام العمل فرق مهم بين تصورهما الأقصى والأدنى للحكومة. ولتوضيح هذه الدعوى، لنفترض أن المؤمنين الديمقراطيين تمكنوا، بحكم تصويت الأغلبية، من الاستيلاء على السلطة السياسية (وهو أمر يبدو محتملاً جداً في نظر سروش وكديور). لكن يبرز هنا سؤال مهم: ألا تضفي حكومة المؤمنين الديمقراطيين لونها على المجتمع بشكل طبيعي، تماماً كما يضفي المجتمع الديني لونه على الحكومة بشكل طبيعي؟ يعتقد سروش وكديور من جهة أن الحكومة يجب أن تكون محايدة تجاه أديان المجتمع وأفكاره، ويعتقدان من جهة أخرى أن حكومة ديمقراطية في صميم مجتمع ديني ستكتسب حتماً لون ذلك الدين، والأهم من ذلك أنه «ينبغي» لها أن تكتسب ذلك اللون، وإلا فلن تكون ديمقراطية.[31] بعبارة أخرى، حتى لو اتخذنا التصور الأدنى أساساً، فإن النظام القانوني للمجتمع سيتأثر حتماً بدين أغلبية المجتمع، وبهذه الطريقة يتأمن مراعاة «القوانين القطعية والضرورية للإسلام». إذن، ليس الفرق بين التصور الأقصى والتصور الأدنى في النتيجة، بل في طريقة تحصيل تلك النتيجة. كلا التصورين يفضيان في النهاية إلى أن الحكومة الديمقراطية المنشودة في مجتمع ديني يجب أن تعمل في نطاق القوانين القطعية والضرورية للإسلام – في التصور الأقصى تكون الحكومة مسؤولة عن هذا الأمر مباشرة ومن أعلى، وفي التصور الأدنى يتكفل المجتمع نفسه بهذا الأمر مباشرة أو عبر ممثليه في هيكل السلطة (من أسفل؟). لكن في هذه الحال، هل تستطيع حكومة تكتسب لون الدين بهذه الطريقة أن تظل غير مبالية بالأديان والأفكار المختلفة السارية في المجتمع؟ أم أن هذه الحكومة المتدينة ستحكم المجتمع حتماً في نطاق مثلها وقيمها الدينية، وستضفي لون تصورها للدين على المجتمع؟
بعبارة أوضح، هل يستطيع المؤمنون الديمقراطيون الذين يعتلون سدة الحكم أن يظلوا غير مكترثين بإرادة الأكثرية من الشعب في تطبيق قوانين الشريعة وأحكامها؟ إن الحكومة التي تُنتخب بحكم الأكثرية، إذا لم تنفذ مطالب تلك الأكثرية، فسوف تفقد مقبوليتها (بل ومشروعيتها). لذلك، يمكن تصور ظروف يتحول فيها حكم المؤمنين الديمقراطيين في نهاية المطاف إلى منفذ لأحكام الشريعة. أي أن يعتبر نفسه مسؤولاً عن أن يكفل ويضمن على الأقل «مراعاة قوانين الإسلام القطعية والضرورية» من فوق. وهكذا، ففي صميم مجتمع ديني، تكون فرصة المؤمنين الديمقراطيين في الاستيلاء الديمقراطي على السلطة أكبر من سائر المنافسين، ولكن بمجرد استيلائهم على السلطة السياسية، وبغية الحفاظ على مشروعية واستمرار مقبولية وجودهم في هيكل السلطة، ينبغي لهم، في مقام الحكم وممارسة السياسة، أن يظهروا التزامهم بدين الأكثرية، وأن يصبحوا عاجلاً أم آجلاً منفذي أحكام الشريعة في المجتمع، حتى لو كان تطبيق تلك الأحكام في تعارض مع حقوق أقلية المجتمع. يلاحظ أن المشروعية الديمقراطية في آراء سروش وكديور رهن برأي الأكثرية لا بمراعاة حقوق الأقليات. طبعاً من منظورهما ينبغي احترام الحقوق الأساسية للمواطنين (وفقاً لما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان). لكن مراعاة حقوق هؤلاء المواطنين تتحقق في شعاع فهمهما التنويري للدين. أي أن مراعاة هذه الحقوق في المجتمع واجبة إلى الحد الذي تكون فيه منسجمة مع فهمهما التنويري للدين. ولكن إذا كان فهمهما التنويري للدين لا يعترف ببعض الحقوق أو الأقليات، فهل تكون الحكومة الديمقراطية الدينية المنشودة لديهما مكلفة بمراعاة تلك الحقوق أو مراعاة مصالح تلك الأقليات؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال هي النفي. إن ديمقراطية سروش وكديور العلمانية وغير الليبرالية لا تلتزم بمراعاة حقوق الأقليات - إذا كانت مراعاة هذه الحقوق مغايرة لأحكام الشرع - على عكس الديمقراطية الليبرالية التي لا تقيد نفسها في مراعاة حقوق الأقليات بقيد الشريعة (سواء في تفسيرها التقليدي أم في تفسيرها التنويري).
لكي يتضح هذا المدعى، أود أن أضرب مثالاً. كما رأينا، فإن أهم نقطة اختلاف بين ديمقراطية المؤمنين الديمقراطيين والديمقراطية الليبرالية تتجلى في مجال الأمور الجنسية ونمط حياة الأقليات. لذلك، فإن تحليل رأي سروش وكديور بشأن الأقليات الجنسية يمكن أن يكون منيراً.
يُصرّح كديور بأن «المثلية الجنسية أو الانجذاب إلى الجنس المثيل هو أمر غير عقلاني وغير إنساني بالأساس، ويُعتبر انحرافاً عن المسار البشري السليم.»[32] ويُضيف: «لقد تم استنكار العلاقة الجنسية مع المثيل وتجريمها بشدة في جميع الأديان الإبراهيمية، بما فيها الإسلام. لقد ذمّ القرآن الكريم هذه الممارسة بأشدّ لهجة ممكنة تحت عنوان ممارسة قوم لوط. علماء الإسلام – من السنة والشيعة على حد سواء – متفقون على المنع الشرعي وأشد العقوبات للمثليين جنسياً. رضا الطرفين لا يُجدي نفعاً في فعلٍ ورد فيه نهي شرعي مؤكّد. حرمة اللواط والسحاق الشرعية والعقوبة الشديدة لمرتكبيهما هي من الأحكام الشرعية الثابتة والدائمة. التنوير الديني في هذه المسألة، التي تفتقر إلى سند عقلاني، له موقف مماثل للإسلام التقليدي في الحرمة الشرعية وأصل العقوبة (بغض النظر عن نوعها).»[33] و«أقول بصراحة إن المسلم لا يتسامح مطلقاً مع المثلية الجنسية، ويسعى بكل السبل المشروعة لاستئصال هذا الانحراف المؤسف من المجتمعات الإنسانية.»[34] النقطة المهمة هنا هي أن كديور لا يدخل مطلقاً في نقاش علمي وفلسفي حول المثلية الجنسية، ويستنكرها بناءً على أسس دينية داخلية محضة. وبناءً على تلك الأسس الدينية الداخلية نفسها يعتبر المثلية الجنسية من الأمور الباطلة التي لا ينبغي التساهل معها (على الأقل في المجال العام). بالطبع، خفّف كديور في السنوات الأخيرة إلى حد ما من حدة لغته تجاه الأقليات الجنسية، وقام بمراجعات لآرائه في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، رغم أنه لا يزال يعتبر الحكم التكليفي بحرمة العلاقات المثلية (أو بتعبيره «اللواط» و«السحاق») أمراً مسلّماً به، إلا أنه يراجع الحكم الوضعي لتلك العلاقات ويكتب بوضوح: «المثلية الجنسية، سواء أكانت مرضاً أم أمراً طبيعياً، لا تستوجب العقاب.»[35] على ما يبدو، يقصد كديور هنا بـ«العقاب» بشكل أساسي حكم الإعدام الذي نصّ عليه الفقه الشيعي للعلاقات المثلية (في ظل ظروف معينة). لكن كديور يعتقد أن «المجتمع الذي يرى أن مثل هذه العلاقات تُخلّ بالأخلاق العامة يحق له أن يفرض على هؤلاء الأفراد قيوداً للحفاظ على الأخلاق العامة وفقاً للقانون.»[36] . لكن في موضع آخر، يستخدم تعبير «مُطالَب» بدلاً من «يحق له»: «المجتمع الذي يعتبر هذا النوع من العلاقات الجنسية شذوذاً وإخلالاً بالأخلاق العامة مُطالَب، إلى جانب وضع قوانين تقييدية، بتوفير التسهيلات اللازمة لتغيير الجنس لهؤلاء الأفراد.»(٢٦) أي أن كديور يرى أن المجتمع (وبالتالي الحكومة) «مُطالَب» بسنّ قوانين لتقييد وكبح الأقليات الجنسية، والأسوأ من ذلك، حثّهم على «تغيير الجنس»!
أما سروش، ومن دون أن يطرح نقاشاً مضمونياً واضحاً ودقيقاً حول المقام الأخلاقي للعلاقات المثلية، فهو يفترض القبح الأخلاقي لهذه العلاقات، ويعتبر الاعتراف الرسمي بهذه العلاقات في العالم الغربي من علامات انحطاط الليبرالية ومرضها وجشع الرأسمالية. برأيه، أصبح الناس في عالم اليوم تابعين لأهوائهم ورغباتهم، ويعتبرون أهواءهم حقوقاً ويتصرفون على هذا الأساس. ثم تأتي جماعة وتختلق لهذه الأهواء أسساً أخلاقية. يذكر ثلاثة أمثلة على هذا النوع من إشباع الأهواء غير الأخلاقية التي باتت تُروّج تحت عنوان «حق» في العالم الجديد: الإباحية، والمثلية الجنسية، والخيانة في العلاقات الزوجية. يقول عن هذه المصاديق: «هذه الآن تُعتبر من جملة الحقوق، أي أن الشخص لا يُعتبر مستحقاً للملامة أو العقاب بسبب ارتكابها.» في أعقاب عملية خلق الحقوق هذه، برأي سروش، يأتي النظام الرأسمالي ويحوّل هذه العلاقات إلى سلع مربحة، وبهذه الطريقة يُرسّخ أسس هذه السلوكيات غير الأخلاقية في المجتمع. ثم يُعرب عن قلقه من حكم الأجيال القادمة على «هذه النفايات والقاذورات».[37]
من الواضح أن المثلية الجنسية من منظور سروش وكديور غير جائزة دينيًا، ويبدو أن هذا الحكم من وجهة نظرهما هو من الأحكام القطعية والمسلَّمة في الإسلام. والسؤال الآن: هل سيمتنع المؤمنون الديمقراطيون، أتباع رأي سروش وكديور، حين يتبوؤون سدة السلطة، عن استخدام إمكانيات السلطة السياسية لكبح وقمع الأقليات الجنسية في المجال العام؟ بما أن تفسيرهما التجديدي للدين لا يعترف بحقوق الأقليات الجنسية بصفتها أقليات جنسية ويعتبرها من قبيل «المظالم التي لا يمكن التسامح معها»، فمن الطبيعي تمامًا أن نظن أن حكومة المؤمنين الديمقراطيين ستعتبر نفسها «ملزَمة» بأن تقيد، بمعونة سلطتها السياسية، حقوق الإنسان والحريات المدنية للأقليات الجنسية في المجتمع. بالطبع، يمكن أن تكون حقوق الأقليات الجنسية وكرامتها الأخلاقية دائمًا موضوعًا للحوار والرفض والقبول في المجتمع. لكن المهم هنا هو أن يقوم أشخاص في هيكل السلطة السياسية، على أساس ديني بحت، ودون الرجوع إلى أي نقاش أو استدلال علمي، بنبذ مجموعة من البشر من صميم المجتمع وحرمانهم من بعض حقوقهم الإنسانية والمدنية.
(۳)
لكن ماذا يمكن أن يقال عن دور ومكانة المثقفين أو المجددين الدينيين في مستقبل إيران السياسي؟ يبدو أن سروش وكديور يعتقدان أن المثقفين والمجددين الدينيين هم أفضل الخيارات السياسية في مستقبل إيران السياسي، لأن فرصتهم في كسب أغلبية الأصوات داخل مجتمع ديني أكبر، ولأن حضورهم في هيكل السلطة السياسية يرضي المتدينين وغير المتدينين على حد سواء.
لكن في رأيي أن مشاركة المجددين الدينيين وحضورهم المباشر في هيكل السلطة السياسية قرار بالغ الخطورة وخاطئ. إن أرضية السياسة في المجتمع الإيراني مائلة إلى حد ما لصالح المتدينين. لقد استفادت المؤسسة الدينية المدافعة عن الإسلام السياسي من هذا الميل، وبعد وصولها إلى السلطة غيرت قواعد اللعبة السياسية بالكامل لصالحها، واختارت حكام اللعبة من بين العناصر الموالية لها. لقد احتج المجددون الدينيون، أمثال سروش وكديور، عن حق على القواعد غير العادلة والحكام والأحكام المتحيزة في أرضية لعبة السياسة الإيرانية، وسعوا في آرائهم إلى تقديم تصور للحكومة تُضبط فيه قواعد اللعبة السياسية بقدر كبير من الإنصاف ويُختار حكام محايدون للإشراف على اللعبة. لكن سروش وكديور لا يزالان يرغبان في الاستفادة من ميل أرضية اللعبة لصالح اللاعبين المتدينين. يدرك كل من سروش وكديور أنه في لعبة السياسة الإيرانية، حتى لو كانت قواعد اللعبة منصفة والحكام المشرفون محايدين، فإن أرضية اللعبة تميل لصالح اللاعبين المتدينين، ومن المرجح جدًا أن يخرج فريقهم فائزًا من المنافسات السياسية. لكن الحقيقة هي أن إحدى المشكلات الأساسية للسياسة في إيران المعاصرة هي هذا «الميل» المسبق للأرضية لصالح المتدينين. في غياب مؤسسات سياسية ومدنية مستقلة عن الدولة يمكنها كبح انحرافات الحكام وإساءة استخدامهم للسلطة السياسية، سيكون المؤمنون الديمقراطيون، عاجلًا أم آجلًا، عرضة لأن يستغلوا ميل أرضية لعبة السياسة لصالحهم استغلالًا غير مشروع. (وهو ما نشهده، على سبيل المثال، في تركيا أردوغان[38].)
لذا، في رأيي أن أفضل خدمة سياسية يقدمها المجددون الدينيون وأنصارهم هي أن يخدموا الساحة السياسية من خارج بنية السلطة وفي صميم المجتمع المدني. أي أن يسعوا إلى توظيف نفوذهم (أي المنحدر الموافق للمجتمع) لا لتدعيم أسس سلطتهم السياسية، بل لترسيخ المؤسسات المدنية المستقلة والقوية. وأن يستخدموا نفوذهم وقوتهم الاجتماعية لا للانتصار على الخصم السياسي، بل لضمان سلامة لعبة السياسة في المجتمع. أي أن يساعدوا في تقوية القوى السياسية المستقلة الرقابية على الدولة، بما في ذلك الصحافة ووسائل الإعلام المستقلة والحرة.[39] وهكذا، في رأيي، وبالنظر إلى أن البنية السياسية في المجتمعات الدينية غالبًا ما تكون غير متطورة كثيرًا، وأن المجتمع المدني المستقل عن الدولة يعاني من الضعف والهزال الشديدين، وأن أرضية لعبة السياسة تميل، كما في السابق، ميلاً لطيفًا أو حادًا أحيانًا لصالح اللاعبين المتدينين، فإن حكومة المؤمنين الديمقراطيين تواجه عاجلاً أم آجلاً معضلة: فإما أن تغلب التزامها بالدين وأنصارها المؤمنين به من أجل كسب السلطة السياسية والحفاظ عليها، وتلجأ عاجلاً أم آجلاً (من خلال انتهاك حقوق الأقليات مثلاً) إلى أساليب غير ديمقراطية، نافيةً بذلك طبيعتها الديمقراطية والعلمانية؛ وإما أن تغلب التزامها بالديمقراطية والعلمانية، وتُسقط همومها الدينية وهموم أنصارها. يبدو أن حكومة المؤمنين الديمقراطيين، بسبب طبيعتها غير الليبرالية، تحمل في صميمها بذرة انهيارها.
.
.
[1] مائدة مستديرة «الحزب، الحرية، الحكومة الديمقراطية الدينية» صحيفة جامعه، 20 أبريل 1998.
[2] «لكي لا ينفر المتدينون من الديمقراطية والعلمانية» مقابلة نوشابه أميري مع عبد الكريم سروش
وكذلك، «باستفتاء تُحذف صلاحيات الولي الفقيه» مقابلة مع عبد الكريم سروش
[3] سابق
[4] سابق
[5] سروش، عبد الكريم، رازداني و روشنفكري و دينداري، صراط، الطبعة الخامسة، ص 151-152.
[6] سابق، 146-147
[7] سابق، نفسه
[8] سروش، عبد الكريم، مقالة «مدارا و مدیریت» في مدارا و مدیریت، صراط، 306-309
[9] سروش، عبد الكريم، محاضرة «نئولیبرالیسم مسلح» أبريل 2015 الدقائق 49 إلى 55
[10] «علوم انسانی خونین ترین شهید پس از انقلاب بوده است» مقابلة مع عبد الكريم سروش
[11] سابق
[12] سابق
[13] «ما طرفدار سکولاریسم سیاسی و جدایی دین از سیاست هستیم» مقابلة روزآنلاين مع عبد الكريم سروش
[14] سابق
[15] ندوة «الحزب، الحرية، الحكومة الديمقراطية الدينية»
[16] كديور، محسن، «ولاية الفقيه والديمقراطية»، الموقع الرسمي لمحسن كديور:
[17] كديور، محسن، «أفكر في حكومة ديمقراطية علمانية» الموقع الرسمي لمحسن كديور
[18] «حدود الحرية من منظور الدين» مقابلة مع محسن كديور
[19] المصدر السابق
[20] المصدر السابق
[21] المصدر السابق
[22] كديور، محسن، «ما العمل في حال التعارض المحتمل بين رضا الناس والأحكام الشرعية؟» الموقع الرسمي لمحسن كديور
[23] كديور، محسن، «الأسس المعرفية للحرية في الحكومة الدينية»، الموقع الرسمي لمحسن كديور
[24] المصدر السابق
[25] المصدر السابق
[26] «حدود الحرية من منظور الدين»
[27] «ما العمل في حال التعارض المحتمل بين رضا الناس والأحكام الشرعية؟»
[28] المصدر السابق
[29] المصدر السابق
[30] «لكي لا ينفر المتدينون من الديمقراطية والعلمانية!» مقابلة مع عبد الكريم سروش.
[31] على سبيل المثال، انظر: سروش، عبد الكريم، «حكومة ديمقراطية دينية؟» مجلة كيان، العدد 11، ص 15.
[32] كديور، محسن، حق الناس: الإسلام وحقوق الإنسان، منشورات كوير، طهران 1387، ص164.
[33] المصدر السابق، صص 164-165.
[34] المصدر السابق، ص 165.
[35] الموقع الرسمي لمحسن كديور
[36] الموقع الرسمي لمحسن كديور (المائل مني.)
[37] سروش، عبد الكريم، محاضرة «النيوليبرالية المسلحة».
[38] هذا الخطر جاد حتى في الديمقراطيات الليبرالية ذات المؤسسات السياسية والمدنية القوية والراسخة. على سبيل المثال، انظر إلى التطورات الأخيرة في أمريكا ما بعد ترامب وكيف تسعى بعض المؤسسات الدينية إلى استغلال التيار المؤيد في المجتمع لتعزيز سلطتها السياسية ونفي حقوق الأقليات.
[39] كما يدافع أحمد صدري من موقف براغماتي في الغالب عن عدم تدخل المثقفين والمجددين الدينيين في بناء السلطة السياسية في مستقبل إيران. (محاضرة «برنامج شامل للتجديد الديني في إيران» في مؤتمر «مسار تطور التجديد الديني في العالم الإسلامي» وكذلك مقال غير منشور له تحت العنوان نفسه). يعتقد صدري بحق أن «تشكيل حزب ديني، خاصة في المجتمعات التي لديها سوابق غير مرغوب فيها للغاية من امتزاج الدين والدولة، يمكن أن يكون مزيلاً للتوتر.» من وجهة نظر صدري، يحق للجماعات الدينية أن تشكل أحزاباً وتسعى بطرق ديمقراطية للاستيلاء على الدولة، لكن من الناحية العملية، من مصلحتها ومصلحة المجتمع ألا تطأ هذا الوادي. وهو يعتقد أن المشاركة المباشرة للجماعات الدينية (حتى لو كانت جماعات تجديدية وتقدمية دينياً) في بناء السلطة السياسية غير لائقة لعدة أسباب:
أولاً، هناك دائماً هذا الخطر الحقيقي المتمثل في أن يؤدي مزج الدين بالسياسة في نهاية المطاف إلى جعل الدين ألعوبة في أيدي السياسيين. أي «هناك دائماً احتمال أن ينقاد سياسيو الحزب الديني لإغراء استخدام أداة الدين للوصول إلى السلطة. الدين الذي يصبح وسيلة لكسب السلطة (وبالتالي الخبز والسمعة، أي القوة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية) يهترئ بفعل هذا الاستخدام. في هذا التعايش، لا تتضرر السياسة. الدين هو الذي يتضرر.»
ثانياً، هناك دائماً مجال لهذا الاحتمال أو القلق من أن يصل المتدينون إلى سقف السلطة عبر سلم العمليات الديمقراطية، وبعد ذلك (بحكم قوتهم ونفوذهم الاجتماعي) يسحبون السلم من تحت أقدام المنافسين.
ثالثاً، إن عدم دخول المتدينين في بناء السلطة يمكن أن يعيد بناء الثقة العامة المشوهة تجاه الدين والمتدينين. وبهذه الطريقة، تتاح الفرصة ليتحول «التدين الاجتماعي» تدريجياً إلى «مجتمع ديني».
رابعاً، يمكن للأديان المؤسسية أن تعيد بناء دورها كدعاة للقيم الإنسانية في صميم المجتمع، وبهذه الطريقة تساهم في تلطيف أجواء المجتمع المدني.
وأخيراً، «يمكن للدين، من خلال حضوره في المجتمع المدني، أن يقوم حتى بنشاط سياسي في اتجاه الحفاظ على النظام الليبرالي الديمقراطي دون أن يدخل رسمياً المجتمع السياسي ويداعب في رأسه فكرة المنافسات الانتخابية لكسب السلطة السياسية وفتح الحكم.»
.
.
.
.
العلوم السياسية
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
سلام و وقت بخیر به همگی ابتدای امر که نظرها و نکات دوستان رو خوندم با خودم گفتم ببین سایت صدانت چرا اینجوری شده و به این وضع افتاده که خوانندگان (یا بهتره بگیم خوانندگان نظردهنده) این متن، با یک متن تحلیلی به این شکل برخورد می کنند. بعد با خودم گفتم که اتفاقا چه خوب که این سایت مخاطبان این چنینی هم داره، چون همین که مخاطب میاد و چنین متنی رو می خونه حتی اگه مخالفش هم باشه باز هم براش جرقه ای میشه که بیشتر بهش فکر کنه و اگه با مسائل مشابهی روبرو شد با تامل بیشتری واکنش نشون بده. من قصد ندارم در مورد این متن نظر خاصی بدم، اما گمان می کنم که وقتی با یک متن تحلیلی روبرو میشیم باید منطقی تر و مستدل تر باهاش برخورد کنیم و نقدش کنیم. این که در مثال مناقشه کنیم حتی با فرض صحت ایراد وارده، باز هم منجر به رد مدعا نمیشه. در متن آقای نراقی من دفاعی از همجنسگرایی نمی بینم بلکه ایشون یک مثال برای تقریب ذهنی مخاطب زده. هرچند همجنسگرایی یا موارددیگه ای از این دست که در متن ذکر شده، لزوما غیرقابل دفاع هم نیستند (منظورم اینه که حقایق مسلمی اثبات شده ای درباره شون وجود نداره). اما من فکر می کنم چون مثال ها خیلی تابوگونه بوده، برخی از دوستان از اصل موضوع منحرف شدن و درگیر حاشیه ها شدن. اصل حرف آقای نراقی بحث بر سر نقاط قوت و ضعف در دو رویکرد لیبرال و دینی (متجددانه) به دموکراسی هست. همچنین شاید اگر یک بار دیگه متن رو بخونید متوجه بشید که آقای نراقی دنبال حذف سروش و کدیور نیست، اما چون این دو نفر رو به نوعی نماد گفتمان دموکراسی دینی می دونه نظرات این عزیزان رو در بوته نقد گذاشته. ممنون
این آرش خان همصدا با حکومت ایران است در حذف نواندیشان و روشنفکران دینی . فقط روش حذف متفاوت است یکی با اسلحه و دیگری با قلم. هنوز مرگ اتفاق نیفتاده به تعیین میراث برخواسته است افراط و تفریط جهالت است حد وسط همان راه مورد قبول است
یعنی فضای مجازی و اینترنت موجود با این همه امکانات گوناگون و آپشن های متفاوت انصافا آیا درباره حقوق کودکان و بچه های نوجوان کار درست و حسابی کرده است.( تنها چیزی که به نظرم می رسد گزینه جستجوی ایمن گوگل است ،که اگر واقعا بهش فکر کنی مسخره است،بچه های این زمانه به سادگی می توانند در عرض چند ثانیه آن را غیر فعال بکنند ). به هیچ وجه نظام حاکم بر فضای مجازی بر مبنای حقوق نیست، بلکه واقعا همان سرمایه داری و کاپیتالیسم است که اصلا نگران سلامتِ فرهنگی دنیا نیست و چه بسا منجر به سوءاستفاده و رنج کودکان بی شمار شود. کودکانی که باید کودکی کنند و در این دوران به معنایی توشه ای معنوی _ خاطراتی خوب و زیبا_برای کل زندگی فراهم کنند.نسل های ما که با کم و زیاد در فضای معنوی و اخلاقی بزرگ شدیم این طور دنیا را به آتش و خون کشانده ایم ،نسل های بعد با این بازی های کامپیوتری خشن ،فیلم ها و سریال های فاسد و فضای مجازی ناامن ،چه گلی می خواهند به سر دنیا بزنند.( بگذریم از مسئله های متافیزیکی که دیگه فضای مجازی ،حضور قلب و تمرکز ذهنی برای کسی باقی نگذاشته که با خدا _ حقیقت _ معنا ارتباط اصیل برقرار کنه)
شما یک سری دگم های متافیزیکی مثل ارتباط اصیل با حقیقت-معنا و خدا را چنان می گویید که فضای مجازی این ها را بیمعنی کرده که انگار واقعا یک همچین مسائلی وجود دارند. این حقایق متافیزیکی که دم از ان میزنید اصلا وجود ندارند که نبودش را در نسل حاظر به گردن اینترنت و بازی و فیلم میاندازید. اگر شما ارتباط اصیل متافیزیکی با معنا دارید میشود بفرمایید این حضور قلب و تمرکز ذهنی اساسا مرکب از چیست تا من نسل جوانی که مخاطب این فضای مجازی و بازی و فیلم هستم بدانم این حقایق عمیق متافیزیکی چیستند.؟
اینکه پورنوگرافی غیراخلاقی و باطل است حرفی نیست. اما اگر به اسم حق نا حق بودن و اجازه به مخالف دادن به پورنوگرافی رسمیت داده می شود آیا چه فکری برای بچه ها و کودکان معصوم می شود ؟؟آیا کودک ها و بچه های نوجوان حتی به عنوان اقلیت حقی ندارند که در فضای پاک و سالمی بزرگ شوند. حالا تا وقتی که اختیار و مسئولیت انتخاب کردن به دوششان بیفتد
جناب دکتر نراقی از طرفدارن سرسخت همجنسگرایان است. این دینی که امثال دکتر نراقی به اسم نواندیش یاروشنفکری معرفی می کند ،کاملا دین را به نابودی می کشاند. نص صریح آیه قرآن کریم است،که همجنسگرایان دشمنان خداهستند.ایشان عملا با دفاع از همجنسگرایان، ترویج همجنسگرایی می کنند!