اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
اعتبر آرش نراقي عبد الكريم سروش معارضاً لليبرالية. غير أن فحص آراء سروش يُظهر إيمانه بالديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان ومبدأ القابلية للخطأ، وخلافاً لادعاء نراقي، يمكن اعتباره ليبرالياً.

كتب آرش نراقي، المثقف والمفكر الإيراني، مؤخراً مقالةً جديرة بالقراءة بعنوان «التنوير الديني ودوره في مستقبل إيران السياسي» عرض فيها آراء عبد الكريم سروش ومحسن كديور حول السياسة والحكم وناقشها، وادعى أن سروش يعارض الليبرالية والديمقراطية الليبرالية وأن حكومته المثلى ليست ليبرالية. قال آرش نراقي في هذه المقالة: "الديمقراطية التي ينشدها سروش، وإن كانت علمانية، إلا أنها ليست ليبرالية... لطالما تحدث سروش بحزم عن معارضته لليبرالية... وقد ظل في السنوات الأخيرة وفياً لنظرته السلبية تجاه الليبرالية، ويرى أن ثمة علامات واضحة اليوم على مرض الليبرالية وانحطاطها في الغرب". إن توصيف حكومة سروش المثلى في هذه المقالة يثير النقاش والجدل. في اعتقادي، أن السيد نراقي قد أخطأ في عرض رأي سروش بشأن الحكم، ولا يبدو ادعاؤه بأن سروش ليس ليبرالياً ومعارضته لليبرالية مبرراً. لم ينقل آرش نراقي في هذه المقالة رأي سروش حول الليبرالية والديمقراطية الليبرالية بشكل صحيح، ولم ينتبه إلى تحوله وتطوره الفكري.
على عكس ادعاء آرش نراقي في هذه المقالة، يمكن إثبات أن عبد الكريم سروش ليبرالي ويؤمن بالديمقراطية الليبرالية:
١- أعلن عبد الكريم سروش موقفه من حكومته المثلى وصرح بوضوح أنه يؤمن بالديمقراطية الليبرالية في إيران (انظر جلسة الأسئلة والأجوبة رقم ١٦، السؤال ٢٠). لا يبدو أن وجهة نظر سروش حول الحكم قد تغيرت منذ عامين وحتى اليوم. إذن، فالديمقراطية التي ينشدها سروش هي علمانية وليبرالية معاً.
٢- من وجهة نظر عبد الكريم سروش، الليبرالية هي مذهب قائم على الحقوق. يقول في محاضرة "الإسلام وتحدي الليبرالية": "الليبرالية مذهب قائم على الحقوق. أي أن مرتكزها الأساسي هو الحقوق، في مقابل الواجبات... تبحث في حقوق الإنسان وتتحاور حولها... الليبرالية مذهب يدور حول حقوق الإنسان؛ لا يعني ذلك أنها تنكر الواجبات، لكن الواجبات ثانوية وتابعة. إن الاهتمام بحقوق الإنسان، وجعل الإنسان في محور الأمر، أي 'الفردانية' ووضع حق الفرد في صدارة مطالباته، يظهر بوضوح في الليبرالية". وبهذا المعنى، فإن سروش ليبرالي لأنه يؤمن بحقوق الإنسان وهو قائم على الحق. وقد أكد سروش في المحاضرة نفسها (الإسلام وتحدي الليبرالية): "لكي نكون مسلمين معاصرين في العالم المعاصر، يجب أن نتصالح مع حقوق الإنسان. والتصالح لا يعني فقط إطلاق شعارات حقوق الإنسان، بل يجب أن ننزل إلى أعماق مفهوم حقوق الإنسان وننقب فيه". كما يرى في محاضرة "حصيلة المثقفين المتدينين" أن "المثقفين الدينيين قائمون على الحقوق". يقول عبد الكريم سروش في مقالة "'الحق' وتحديث إيران": "لم نستطع بعد أن نتعرف على محاسن عنصر الحق، ولم نسمح للحق بأن يترسخ ويتجذر؛ لم نمنحه فرصة الاستقرار، ولم نبنِ منه مفهوماً مقدساً، ولم نسمح للفردانية التي تبنى على أساس فكرة الحق بأن تولد. هذه المشكلة هي مشكلة ثقافية، أي أنها تأتي إلينا متأخرة عن العلم، كما جاء العلم... ما لم يولد هذا المفهوم، فلن تظهر توابعه ونتائجه. أي أن القانون لن يستقر في مكانه، والسياسة لن تجد معناها، والأخلاق لن ترتدي ثوباً جديداً، بل حتى فهمنا الديني لن يتجدد كما ينبغي... إذا وجد الحق بيننا نفس القيمة والقداسة التي وجدها مفهوم الناموس، حينها يمكننا القول إن حدثاً مهماً وميموناً ومباركاً قد وقع".
۳- يعتقد سروش أنه في الليبرالية، الحياة أسمى من العقيدة. يقول في محاضرته «الأسس النظرية لليبرالية»: «جوهر الأنثروبولوجيا الليبرالية هو أن عقيدة الإنسان لا دخل لها في إنسانيته، وبعبارة أخرى، العقيدة ليست أسمى من الإنسانية... قول الليبرالية هو أن دائرة إنسانية الإنسان واسعة جداً. لا يسقط أحد من الإنسانية ولا يستحق القتل وسلب الحقوق بسبب امتلاكه عقيدة معينة». وسروش لديه هذا الرأي نفسه تماماً ويعتقد أن الإنسانية أسمى من العقيدة، ولا يمكن سلب حياة أحد بسبب عقيدة ما. يشير في مقاله «كه دل به دست كمانابرويى ست كافركيش» إلى أن المتنورين دينياً «يُجلسون الحياة في مقام أسمى من العقيدة». إذن، من هذه الناحية أيضاً، سروش ليبرالي.
۴- المساواة وتكافؤ حقوق البشر هي إحدى الركائز الأخرى لليبرالية. يؤمن سروش ويعتقد بالمساواة القانونية للبشر، والمساواة القانونية بين المسلم وغير المسلم، والمتدين واللاديني، والرجل والمرأة. يقول في حوار «التدين والتسامح والمدنية» (كيان، العدد ۴۵): «من الناحية الحقيقية، البشر مختلفون، لكنهم من الناحية القانونية جميعاً متساوون».
۵- من وجهة نظر سروش، في الليبرالية «حظي كون الإنسان خطّاءً بالاهتمام والتقديس والتأكيد الجاد، وحل هذا المبدأ محل جميع المبادئ المقدسة السابقة، وهو أن الإنسان خطّاء، سواء في مجال السياسة أو في مجال المعرفة أو في مجال التدين. الحق ليس حكراً على أحد، وبالتالي، لا يمكن لأحد أن يتكلم بمعصومية أو يحكم بمعصومية. كلنا نجلس على مائدة واحدة، وكلنا سكان حي واحد» (الأسس النظرية لليبرالية). وسروش أيضاً في كتاباته وآثاره، لطالما أكد وأشار إلى مبدأ كون الإنسان خطّاء وحقه في الخطأ. قابلية المعرفة البشرية للخطأ هي إحدى النقاط التي أكد عليها سروش في «القبض والبسط النظري للشريعة»، وإحدى افتراضات سروش المسبقة لقابلية المعرفة البشرية للخطأ هي كون الإنسان خطّاء. يقول حسين دباغ، بحق، في مقاله «من القبض والبسط الكانطي إلى القبض والبسط الكوايني»: «ينبغي اعتبار الأساس الخفي للقبض والبسط دفاعاً حاراً عن الليبرالية المعرفية، بمعنى أنه يعترف بحق البشر في أن يكونوا مخطئين ويصادق عليه».
۶- يرى سروش في مقدمة كتاب «أخلاق الآلهة» أن الليبرالية تحمل هذه الرسالة الإبستمولوجية بأن اليقين أمر عسير المنال، بل نادر الوجود. وسروش أيضاً يعتقد أن اليقين أمر عسير المنال. يقول: «اليقين شيء نادر جداً، نحن نتمتع بدرجات من الشك والحيرة» (سلسلة دروس دينشناسي مولانا). ولهذا السبب، يرى سروش أن حقيقة الإيمان ليست اليقين بل الأمل، ولا يجعله في مقابل الشك بل في مقابل اليأس.
۷- أورد سروش، في محاضرته «الأسس النظرية لليبرالية» وفي مقاله «التحرر من اليقين واليقين بالتحرر»، هذه النقطة المهمة وهي أنه لا شيء مقدس في الليبرالية، أي لا شيء فوق الفحص والاختبار، فوق النقد والتحليل (المقدس هنا بمعنى أمر فوق النقد والتحليل والفحص والاختبار ولا يُسأل عن علته). وعبد الكريم سروش، حتى بهذا المعنى، ليبرالي. ما الشيء الأقدس لدى المسلم من القرآن؟ يقول سروش في مقاله «هله بر خيز كه انديشه دگر بايد كرد» بصراحة: «ينبغي للمؤمنين أن يقبلوا رويداً رويداً أن النقد العلمي والأخلاقي والتاريخي للقرآن والحديث والأنبياء والأوصياء هو من لوازم العقلانية، وأن توقير النقد هو عين توقير العقل. وينبغي للعاشقين أيضاً ألا يخافوا من أن يشوه النقد وجه معشوقهم، بل بحكم الإيمان يجب أن يتوقعوا أن يخرج الذهب الخالص للتدين من بوتقة النقد أصفى وأنقى، وأن يجتاز امتحان النار سالماً كسياوش». ويبدو أن سروش في السنوات الأخيرة أيضاً، كانت له نظرة نقدية تجاه نص القرآن.
۸- يرى عبد الكريم سروش أن "اعتبار الحكومة محايدة إزاء الأديان المختلفة والقراءات المختلفة للدين الواحد" هو من أركان الليبرالية. وسروش في هذا الباب أيضاً متوافق ومتعاطف مع الليبرالية. فالحكومة المنشودة عنده هي حكومة تلتزم الحياد الأيديولوجي ولا تنحاز إلى دين معين (وهذه نقطة أشار إليها السيد نراقي أيضاً في مقالته). يقول سروش في كتابه «أدب السلطة، أدب العدالة»: "في الأساس، ينبغي أن تكون الحكومة بمثابة الأب إزاء الطوائف والفرق المختلفة، وأن تلتزم الحياد الأيديولوجي... على الحكومة [أن] تنظر بعين المساواة إلى جميع الأديان وإلى رعاياها على اختلاف أديانهم، وألا تمنح حقاً أو امتيازاً لقوم وتسلبها من قوم آخرين، وإلا اختل النظام الاجتماعي وبلغ السخط مداه".
۹- والتسامح ونبذ العنف هما أيضاً، من وجهة نظر سروش، أحد أركان الليبرالية. لا أعتقد أن ثمة حاجة لبيان أن سروش من دعاة التساهل والتسامح ومناهض للعنف.
وبناءً على ما تقدم، يمكن أن ندرك أن عبد الكريم سروش ليبرالي ويقول بالديمقراطية الليبرالية؛ وبتعبير أفضل وأدق، سروش ليبرالي في مجال السياسة والمعرفة والأخلاق. لكن يبدو أنه في مجال الاقتصاد، يبتعد سروش عن الليبرالية وليس ليبرالياً من الناحية الاقتصادية. ومعارضته الصريحة للرأسمالية هي من هذا المنطلق أيضاً. ومع أن سروش ليبرالي، إلا أن له نظرة ومقاربة نقدية لليبرالية، وهذا ليس عجيباً على الإطلاق. ألم ينقد سروش الإسلام؟ هل جعل نقد الإسلام من سروش إنساناً غير مسلم حتى يفصله نقده لليبرالية عن هذا المذهب؟ يمكن القول أيضاً إن سروش، رغم وعيه بآفات الحكومة الليبرالية، إلا أنه لم يتركها مع ذلك ويرى الديمقراطية الليبرالية أفضل وصفة للحكومة.
وينبغي الانتباه أيضاً إلى أن الليبرالية اليوم أوسع من أن نستطيع وضع جميع الليبراليين في فئة واحدة، وإن كانوا جميعاً ينتمون إلى أسرة واحدة. كبار المفكرين الليبراليين، حقاً، ليس لديهم فهم واحد للحرية، وليس لهم موقف واحد إزاء العدالة. يمكن اليوم الحديث عن ليبراليات لكل منها رأيها الخاص حول الحريات الفردية، والمصالح الاجتماعية، والعدالة، ودور الدولة... إلخ، وهي آراء تتقابل أحياناً.
وفي هذا السياق، يمكن اعتبار عبد الكريم سروش ليبرالياً يسارياً تجاوز الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية اليمينية، وله مقاربة نقدية تجاههما. ونظرة سروش السلبية في هذه السنوات كانت منصبة أكثر على الليبراليات التي اقترنت بالرأسمالية. كما يمكن القول إن ليبرالية سروش قريبة من ليبرالية جون رولز، ويمكن الحديث عن تشابه سروش ورولز في شأن مفهوم الحرية والعدالة والعلاقة بينهما (انظر مقالة "جون رولز وعبد الكريم سروش" لحسين دباغ).
لكن في شأن الدين والليبرالية. يعتبر آرش نراقي في هذه المقالة أن سبب معارضة سروش لليبرالية هو عدم توافق الدين مع الليبرالية (من وجهة نظر سروش). وقد أشار نراقي إلى قول سروش: "الليبرالية معادية للدين... لا يمكن لأي متدين أن يكون ليبرالياً".
بطبيعة الحال، صاحب هذا الكلام هو سروش، لكنه سروش عام 1370. لقد شهد فهم سروش للدين والتدين، وكذلك موقفه من الليبرالية، تغيراً وتحولاً، وبدون رؤية هذا التغير والتحول، لا يمكن أن ندرك على نحو صحيح ما هو الرأي المحدد الذي يتبناه سروش اليوم بشأن العلاقة بين الدين والليبرالية. لقد أدرك سروش المتأخر أنه لا يوجد دين واحد وإسلام واحد، يكون لذلك الدين والإسلام جوهر خاص بهما. يقول سروش إنه ينبغي الحديث عن أديان وتدينات، وعن إسلامات وتأسلمات (انظر مقالة الذاتي والعرضي في الأديان). بعبارة أخرى، لا توجد قراءة واحدة للدين، بل توجد قراءات متكثرة ومتنوعة للدين. يمكننا اليوم أن نتحدث عن إسلام تقليدي، وإسلام تقليدياني، وإسلام أصولي، وإسلام تجديدي. كما تحدث سروش عن أصناف التدين وميز بين ثلاثة أنواع من التدين: التدين المصلحي، والتدين المعرفي، والتدين التجربي. لكل واحد من هذه الأديان والتدينات حكمه الخاص، وليست للأديان والتدينات علاقة واحدة بالليبرالية. يمكن، بالاستعانة بسروش المتأخر، فهم كلام سروش المتقدم ذاك على النحو التالي: إن الليبرالية لا تتوافق مع الدين الرسمي والتقليدي، ومع الدين الأقصوي والمتضخم، ومع الدين الإيديولوجي والفقهي. الليبرالية تعارض الفهم الشائع والمتعارف للدين. لكن يمكن أن يوجد دين، ويمكن أن يوجد فهم للدين، قابل للتجميع مع الليبرالية. ومن قبيل الصدف، فإن فهم سروش وإدراكه للدين قابل للتجميع تماماً مع الليبرالية.
لقد تحدث عبد الكريم سروش نفسه عن إمكانية القراءة الليبرالية للدين ودافع عن هكذا قراءة (مقالة التحرر من اليقين واليقين بالتحرر). يقول سروش، في كتابه «أخلاق الآلهة»، وهو محق في ذلك: "إن التدين المصلحي والشريعتي ربما يهزل ويذوي في ظل الأنظمة الليبرالية، لكن التدين المحقق والمعرفي يكتسب قوة بالتأكيد ويصبح مثمراً وارف الظلال". إذن، من وجهة نظر سروش المتأخر، يمكن أن يكون هناك فهم وقراءة ليبرالية للدين، ويمكن للمرء أن يكون متديناً وليبرالياً في آن واحد، والتدين المعرفي يكتسب قوة في ظل الأنظمة الليبرالية.
.
.
.
.
العلوم السياسية
الدين
الدين
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
بسیار عالی تشکر