اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى غلام حسين الديناني أن العقل يتجاوز المنطق الصوري، ويؤكد أن التجربة الدينية لا تكتسب معناها إلا في ضوء العقلانية. ويعتقد أنه لا توجد حقيقة، بما فيها الوحي، غير قابلة للتعبير، وأن الإيمان بلا فهم ليس سوى عادة.

يولي السيد ديناني أهمية كبيرة لعنصر العقل في التفكير الفلسفي والديني. فالعقل في نظره يتجلى في صور متنوعة ومتعددة، ولا ينبغي حصره في المنطق الأرسطي. ومن تجليات العقل ظهوره في ثوب التجربة، والتجربة بدورها قسمان: ظاهرية وباطنية. وبوسع العقل أن يدرك معنى التجربة الباطنية والدينية وأن ينقلها إلى الآخرين عبر اللغة. فالمعرفة الحقيقية بالله هي من الله إلى الله، لا من الإنسان إلى الله.
أنتم من المفكرين القلائل الذين يشددون كثيراً على عنصر العقل في الدين. وسؤالي هو: أولاً، ما هو منهجكم إزاء مسألة التجربة الدينية؟ وثانياً، ما هو تصوركم للعقل؟
يظهر العقل تارة في صورة المنطق الأرسطي، وتارة في صورة الرياضيات، وتارة في التجلي التجريبي؛ لكنه لا ينحبس في أيٍّ من هذه التجليات، بل يتجاوزها؛ حتى إنه يرى الوحي معقولاً أيضاً؛ لأنه لو لم يكن معقولاً لما قبله. أنا أتحدث عن هذا العقل.
إذا أدرك شخص ما تجربة دينية أو شهوداً، فإنه يستطيع -على الأقل إلى حد ما- أن ينقل شيئاً منها إليَّ. وهذا النقل يتم عبر اللغة، ولغة الإنسان هي تجلٍّ لعقله. ولهذا السبب فإن الكائنات التي لا عقل لها لا لغة (معقولة) لديها، فالجمادات والحيوانات لا لغة لها، فاللغة هي محل تجلي العقل. وعليه، فإن كانت التجربة الدينية معقولة وذات معنى، فهي قيّمة، وإن كانت غير مفهومة وغير معقولة وبلا معنى، فلا قيمة لها البتة.
يبدو أن قيمة تجربة دينية واحدة تفوق سنوات من الجهد العقلي. بعبارة أخرى، إن التفلسف في هذا الشأن لا يوصلنا إلى المطلوب. ما رأيكم؟
أولاً، لا يمكن القول جازماً إنه لا يمكن الوصول إلى الله عبر الاستدلالات الفلسفية. فكثير من الاستدلالات الفلسفية تفتح الطريق، وأحياناً لا يكون الأمر كذلك، أي أني أقبل منكم هذا على نحو الموجبة الجزئية. ليس بالضرورة أن كل من تفلسف يصل إلى الله؛ فكثيرون يتفلسفون ولا يصلون. وكثيرون أيضاً ينفتح لهم الطريق بفعل التفلسف فيصلون.
ثانياً، قولكم إنها لا تعادل قيمة التجربة الدينية، ماذا تعنون به؟ بأي معيار تقيّمون القيمة؟ لقد قلتُ إن التجربة الدينية إن لم تجد معناها في ضوء العقلانية، فلا قيمة لها البتة. إن أرادت أن يكون لها معنى، فلا يتسنى ذلك إلا في ضوء العقل، وإلا فالإله بلا معنى. إذن إلهكم بلا معنى؟ إن كان الإله بلا معنى ذا قيمة عندكم فأنا أقبل بذلك. الإله بلا معنى أقل قيمة من الوثن، لأن الوثن له معنى على الأقل.
أنتم تسيئون فهم معنى التفلسف. ما أعنيه بالفلسفة ليس أن تجلس في زاوية وترصف مقدمات أرسطية بصغرى وكبرى. هذا أيضاً فلسفة، لكنها مقدمات فحسب. لقد قلت إن العقل يتجاوز. التفلسف يعني التعقل. فالإنسان فيلسوف بطبعه أصلاً. الإنسان في تفلسف دائم. الإنسان يتعقل ويضفي على نفسه معنى. صحيح أن علمي بنفسي علم حضوري، لكنني أضفي على نفسي معنى، أضفي عليها معنى في إطار من العقلانية. فإن لم أصر عقلانياً، لا أستطيع أن أكون منشأ أثر.
أي أنكم توافقون على ما يقوله الوجوديون: «الإنسان بين البشر لأنه إنسان»؟
نعم، هذا صحيح تماماً، ولهذا السبب يكتسب الأنبياء جانباً خَلقياً، والعارف الذي يقول: «لما عرج النبي إلى المعراج، عاد، أما لو كنت أنا لما عدت»، إنما يخطئ. فحيث عرج النبي كان مقام غيب الغيوب. لو بقي النبي هناك لما كان الوصول إليه ممكناً، وبالتالي لما كانت له هذه الآثار. كان على النبي أن يعود. البركة في العودة.
العقل نور، والإنسان في جوهره نور. هذه نقطة تناولها السهروردي. اليوم، هؤلاء التفكيكيون، أي أتباع مدرسة التفكيك، يعتبرون النفس ظلمانية؛ يعتبرون النفس الناطقة ظلمة محضة ولا يلتفتون إلى الإشكال في هذا الاعتقاد. في الظلمة المحضة لا معنى، في الظلمة لا نور. يقول السهروردي: «النفس نور، ولو لم تكن نوراً لما استطاعت الاتصال بنور الأنوار». بالطبع، هذا النور يخفت أحياناً، ويقع في الحجاب أحياناً، وهذا ما أقبله، لكن جوهر الإنسان نوراني، أي عقلي؛ لأن النور هو ما كان منيراً بذاته ومنيراً لغيره، وهذه خاصية العقل تحديداً. لا شيء غير العقل يستطيع أن يعرّف العقل. هل العقل المُعرِّف أسمى أم العقل المُعرَّف؟ العقل المُعرِّف. العقل يتجاوز. التعريف في الأساس يعني التجاوز، والعقل أي تعريف يضعه لنفسه، فهو يتجاوزه. أنا أتحدث عن هذا العقل. لست ترتليان، القديس المسيحي. هو يقول: «أؤمن لأنه لا يمكنني أن أفهم». أنا لا أستطيع أن أؤمن بشيء لا معنى له ولا أفهمه. لذلك، أنا لا أعتبر الإيمان الذي لا يكون نتيجة للفهم والمعرفة سوى عادة أو خداع.
لقد تفضلتم بأن التجربة الدينية أو الشهود العرفاني يجب أن يُعبَّر عنه. ومن جهة أخرى، يشتهر أن الألفاظ تسد طريق المفاهيم ولا تقدر على نقل المعاني كما هي. ما رأيكم في هذا الأمر؟
ليس الأمر كما قلتم. أنتم لا تملكون مفاهيم بدون لفظ. لا يوجد مفهوم إلا ويستطيع اللفظ التعبير عنه. هات مثالاً لمفهوم لا مقابل لفظياً له.
على سبيل المثال، أواجه في تجربة باطنية ملاكاً، وهذا الملاك في غاية الجمال لدرجة أنني أفتتن به وأحتار. إذا أردت أن أنقل لكم كيفية ذلك الجمال، فلا سبيل لي سوى أن أضرب مثلاً بجمال محسوس، وبالتالي فإن ما أعبر عنه ليس تعبيراً كاملاً عن ذلك الجمال.
لقد عبرتم عن ذلك الجمال، أدركتموه، كان لا متناهياً، حيّركم، وبُهتم. حتى إنكم تستطيعون القول: لا أستطيع التعبير عنه، لا أستطيع وصفه. هذه كلها تعبيرات عن ذلك الجمال. لقد عبرتم وأنا فهمت. ذلك الجمال ليس شيئاً آخر غير ما تدركونه وتعبرون عنه. لقد أدرك الرسول الأعظم العظمة الإلهية الكبرى وعبر عنها. أنا، على الأقل من الناحية الاعتقادية، لا أعرف تجربة أسمى من تجربة النبي. لم يمر أي بشر بتجربة بعظمة تجربة النبي الأكرم، ولن يمر إلى يوم القيامة، لأنه خاتم الأنبياء. باطن النبي يتلقى الوحي، وهذا تلقٍّ شخصي. لكن النبي يعبر عنه، والناس يفهمون بقدر فهمهم. حريم حرمكم هو باطنكم الذي لا يصل إليه أي نامحرم. لكن هذا الباطن له تجلٍّ ويعبَّر عنه. إذن، ليس لدينا شخصي غير قابل للتعبير. أنا في هذا الأمر متفق مع فتغنشتاين الذي يقول: «ليست لدينا لغة خصوصية؛ كل شيء قابل للتعبير».
لقد قلتم إنني أعرف نفسي في ضوء الغير. أرجو أن تشرحوا أكثر.
حينما أقول أنا، أنا هو، يبرز الغير. أنا أيضاً أعتبر نفسي غيراً. هنا لدينا «موضوع» و«محمول». هاتان كلمتان. بمعنى أنني أتوهم أولاً أنني لست أنا؛ لكنني بعد ذلك أتيقن أنني أنا هو. من هنا تبدأ الكثرة. الكثرة تخرج من باطن الوحدة؛ أي أن الحضور يتحول إلى معنى. الحضور، أولاً يُظهر نفسه لنفسه، ثم يُظهره للغير. في الأصل، الله أظهر نفسه لنفسه. نحن نفكر خطأً. نحن نعتقد أن الله أظهر نفسه لنا. من كنا نحن حتى يريد الله أن يُظهر نفسه لنا؟ الله، لأنه كان ظاهراً لنفسه، صار ظاهراً لي. الطريق ليس من الإنسان إلى الحق؛ لأنني مع حفظ أنانيتي لا أستطيع الوصول إلى الحق. ما دامت «الأنا» محفوظة، لا أستطيع الوصول إلى الحق. الطريق ليس من الحق إليّ أيضاً. لأنه يجب أن أكون أنا موجوداً، حتى يأتي الحق نحوي. هل يجب أن يكون للحق مقابل حتى يذهب نحوه؟ هل للحق مقابل؟ في مقابل عظمة الحق، هل يمكن أن يوجد شيء؟ إذن، الطريق من الله إلى الله. المعرفة الحقيقية تكمن في وحدة الوجود.
السيد جواد طباطبائي، الذي يتابع نظرية الانحطاط في إيران، يعتقد أن الانحطاط نشأ أولاً في حقل النظر، وأننا أصبنا بامتناع الفكر، ثم أدى ذلك إلى الامتناع في العمل. ويرى أن طريق الخلاص يكمن في العودة إلى العقلانية، ويعتقد أن علينا أن نخوض تجربة الغرب، ولهذا السبب يجب أن نعي الأسس النظرية للغرب الحديث. والسؤال هو: هل يمكن للعقل الذي تتحدثون عنه أن ينقذنا من أزمة امتناع الفكر؟
كونه يقول إننا أصبنا بالانحطاط، فهذا أمر لا يمكن إنكاره. وكونه يقول إن علينا أن نخوض تجربة الغرب، فهذا أيضاً أقبله. لكن سؤالي هو: إذا أردنا أن نخوض تجربة الغرب، فهل ينبغي أن نمتلك سنداً عقلانياً خاصاً بنا، أم لا نمتلكه ونستسلم للغرب؟ أنا أعتقد أنه يجب أن يكون لنا موقف عقلاني خاص بنا. إذا فقدنا سندنا العقلاني، فسنذوب في ثقافة الغرب. ينبغي أن أواجه تجربة الغرب مواجهة نقدية. ولا أستطيع أن أواجهها نقدياً إلا إذا كانت لديَّ عقلانية. ولعل نقدي هذا ينقذ الغرب الحديث من هذا المستنقع. أنا لا أعتبر الغرب الحديث سعيداً، لكني أعتبره متقدماً وحديثاً. والنقطة التالية هي: ما هو سندي العقلاني؟ هنا، أنا لا أفصل بين عقلانية ابن سينا وعقلانية منصور الحلاج. تاريخ الفلسفة الإسلامية هو بسط لكلمة الحلاج «أنا الحق». الملا صدرا هو شارح لمنصور الحلاج. أساس الفلسفة الإسلامية هو البحث في «الوجود» و«وحدة الوجود». ابن سينا قائل بوحدة الوجود. يقول: «نحن بتأملنا في الوجود لا نحتاج إلى شيء آخر لإثبات الله». برهان الصديقين هو أول من طرحه. ابن سينا هو رئيس الإشراقيين أصلاً. والسهروردي أيضاً قائل بوحدة الوجود. طبعاً السهروردي يتحدث عن النور بدلاً من الوجود. والملا صدرا، صحيح أنه يؤكد أكثر على الوحدة التشكيكية؛ لكنه عندما يسمو فكرياً، يقول بالوحدة الشخصية للوجود. ولهذا السبب، أنا أعتبر تاريخ الفلسفة الإسلامية بسطاً لكلام الحلاج.
1. أشار الدكتور ديناني إلى نقاط جيدة في الصلة بين العقل والتجربة والأحوال الباطنية. وقوله إن التجربة الدينية لا تجد معناها إلا في ضوء العقل، هو قول صحيح ومنطقي؛ لأنه بغير ذلك، سيضع كل شخص أي أمر خرافي مكان الحقيقة، ولن يكون هناك معيار أو ملاك لتقييمه. إذا أخرجنا العقل من مجال التجربة، سواء أكانت تجربة حسية أم تجربة دينية، ونظرنا إليه نظرة إلى ضيف فضولي، فسيصبح تقييم التجارب المعتبرة من غير المعتبرة أمراً غير ممكن. العقل هو ميزان القياس والتقييم، وهو الحَكَم الذي يمنح الاعتبار، فبدون العقل لا اعتبار لأي من أفعالنا وأحوالنا.
2. ليس معنى الكلام أعلاه أن العقل هو منبع كل القيم، وأنه لا توجد أية قيمة خارج نطاق العقلانية. الجمال، والأخلاق، والإيمان، والعمل هي أيضاً قيّمة، وإن كنا نعتمد على العقل في فهم قيمتها. قيمة التجربة الدينية أيضاً ليست محصورة في ما يفهمه العقل منها. لكي تكون التجربة الدينية قيّمة، يجب أن يختم العقل عليها بصحة، وأن يجد لها معنى. لكن قيمتها ليست محصورة في الحدود التي يدركها العقل، بل تتجاوزها، وهذا الحكم يصدره العقل نفسه. لذلك، يمكن الموافقة على قول الدكتور ديناني: «إذا كانت التجربة الدينية معقولة وذات معنى، فهي قيّمة. أما إذا كانت غير مفهومة وغير معقولة وبلا معنى، فليست لها عندي أية قيمة على الإطلاق». لكن لا ينبغي أن نستنتج من هذا الكلام أن قيمة التجربة الدينية محدودة بالحدود التي يدركها العقل، ولا يمكنها أن تتجاوزها.
3. يقول الدكتور ديناني: «العقل نور، والإنسان أصلاً نور». إذا كان مقصوده التطابق بين الإنسان والعقل، فهو قول غير صحيح. صحيح أن العقل نور، لكن الإنسان ليس هو النور نفسه، بل يمكنه أن يكون نورانياً، وأن يأخذ نوره من العقل. يبدو أن الدكتور ديناني لا يتصور الفصل بين العقل والنفس الإنسانية؛ لأنه يقول: «ذات الإنسان نورانية،... أي عقلانية». لكن هذا الرأي يخالف رأي كثير من الفلاسفة المسلمين وغير المسلمين، كما يخالف الوحي القرآني والروائي. إذا كان أتباع مدرسة التفكيك يعتقدون بإمكانية انفصال العقل عن النفس، فالحق معهم، أما إذا كانوا يعتقدون أن النفس ظلمانية بالذات، بمعنى أنها تنفر من العقل، فهذا القول غير صحيح. وبالطبع لا يبدو أن هذه النسبة صحيحة.
على أية حال، النفس موجود غير العقل، إذا حكمها العقل استنارت، أما إذا حكمتها الشهوة والغضب أظلمت. النفس مخلوقة برأس مال من نور العقل الفطري، وهذا النور يمكن أن يزداد بالتربية الصحيحة فيعم النفس كلها ويجعلها نورًا خالصًا. كما يمكن أن ينقص بالتربية الفاسدة فيضمحل ويترك النفس في ظلمة محضة فتصير شيطانية.
أما العقل فهو نور بذاته، نوراني ولا يمكن أن يتحول إلى ظلمة. أي لا يمكن أن يكون عقلًا ويكون في الوقت نفسه ظلمانيًا. يمكن افتراض إنسان ذي نفس شيطانية، لكن لا يمكن افتراض عقل ذي نزعة شيطانية.
4. وفيما يتعلق بالعلاقة بين التجربة الباطنية والمفاهيم واللغة، ثمة مجال للتأمل في كلام الأستاذ ديناني. ليس الأمر أن كل ما يمكن اختباره يمكن صياغة مفهوم له. العلاقة بين الاختبار وصنع المفهوم أو امتلاكه ليست علاقة تساوٍ، بل هي علاقة عموم وخصوص من وجه. بعض المفاهيم تجريدية لا نملك عنها تجربة، كالضرب والقسمة والجذر والمجموعة والكل والجزء... إلخ. وبعض التجارب لا تسعها قوالب المفاهيم، كالتجارب العرفانية عن أحوال أهل الجنة وأهل النار، التي لا يمكن الحديث عنها إلا في قوالب تمثيلية واستعارية وكنائية، وحين يُتحدث عنها يجب أن نسلب في الحال ما نسبناه ونقول إن ما قلناه يختلف اختلافًا جوهريًا عما اختبرناه. وبعض التجارب تنصاغ في مفاهيم، وأمثلتها كثيرة.
أما علاقة المفهوم باللغة، فيبدو أنها علاقة تساوٍ. أي أنه لا وجود للمفهوم بدون لغة، وما من مفهوم إلا وله لفظ. كلام السيد ديناني في هذا المجال صحيح. لكنه جعل امتلاك المفهوم مساوقًا ومكافئًا لامتلاك التجربة.
نقطة أخرى هي أن عدم القدرة على التعبير عن تجربة، والتلفظ بهذا العجز، لا يساوي التعبير عن تلك التجربة. هذا التعبير يُظهر لنا أفقًا من أهمية وعظمة ما تم اختباره، ويُفهمنا أيضًا الأهمية والتأثير الجدي للتجربة. أما ما هي تلك التجربة والشيء المُختَبَر بالضبط، فلا يُستنبط من هذا العجز عن التعبير. تمامًا كما هو الحال في أدبياتنا الدينية، حيث معرفتنا بالله ناقصة جدًا جدًا، وعلينا أن نقول: «ما عرفناك حق معرفتك». ورد في بعض العبارات الدينية أن الاعتراف بالعجز عن معرفة الله هو حق المعرفة. لكن هذا لا يعني أننا عرفنا الله كما هو، بل يعني أننا عرفناه بقدر طاقة المخلوق، وبين هاتين المعرفتين فرق جوهري.
5. من نظرية فتغنشتاين في اللغة، التي تنكر وجود لغة خاصة، لا يُستنتج أن «كل شيء قابل للتعبير». ما يُستفاد من نظرية فتغنشتاين هو أن ما يمكن التعبير عنه هو ما يكون قابلًا للفهم من حيث المبدأ لدى الجميع، وهناك فرق بين هذين الأمرين. إذا أفصح أحدهم عن شيء من حريم باطنه باللغة، فليس ذلك دليلًا على أن كل أحد يستطيع فهمه بالفعل، كما أنه ليس دليلًا على أنه هو نفسه يستطيع التعبير عن كل ما يجري في حريم باطنه، فلربما لا يملك مفهومًا، وبالتالي لغة ولفظًا، لكثير مما في باطنه. ومن المتفق عليه أن نظرية فتغنشتاين هنا تؤدي إلى عكس ما يقوله السيد ديناني؛ لأن ما يوجد في حريم بواطن الأفراد، لكونه خاصًا، لا يمكنه الولوج إلى اللغة، إلا إذا كان لدى الآخرين ما يشابهه، وصاغوا له مفهومًا ووضعوا له لفظًا، حينها يصبح قابلاً لأن يُنطق به؛ ذلك أن كثيرًا من التجارب الخاصة بالبشر هي أمور فريدة لا يملك الآخرون ما يشابهها، ولا تملك قابلية التعبير.
6. يقول السيد ديناني: «الطريق من الله إلى الله: المعرفة الحقيقية تكمن في وحدة الوجود». هذه النظرية التي يتبناها، أي وحدة الوجود الشخصية، لا يمكن التوفيق بينها وبين الأديان. كما لا يمكن، بالاستناد إلى فقرة أو فقرتين من كلام الملا صدرا وابن سينا، اعتبارهما شارحين ومطورين لمقولة «أنا الحق» للحلاج. إن محكمات فلسفة ابن سينا لا تسمح بمثل هذا الأمر، ففلسفة ابن سينا برمتها تتعارض مع وحدة الوجود الشخصية. وكذلك جميع الأسس الفكرية للملا صدرا، ومن أهمها في مسائل العالم أي التشكيك في الوجود، تنفي وحدة الوجود الشخصية. وبالطبع، فإن ابن سينا والملا صدرا، مثل ابن رشد، ليسا مشائيين، ولكنهما ليسا إشراقيين مثل السهروردي أيضاً، ولكل منهما، باستقلال، أسسه النظرية الخاصة به التي لا تنسجم مع وحدة الوجود الشخصية. وحتى في حالة شيخ الإشراق، لا يمكن بسهولة اعتباره من أنصار وحدة الوجود الشخصية؛ لأنه يقر للأنوار بالاختلاف في الشدة والضعف، وهذا شبيه بوحدة الوجود التشكيكية لدى الملا صدرا.
يقول السيد ديناني: «الملا صدرا يقول بوحدة الوجود التشكيكية، لكنه عندما يسمو في الفكر، يقول بوحدة الوجود الشخصية». إن السمو الذي يعنيه السيد ديناني هو ذلك الموقف المشكوك الذي لا يمكن بالتعلق به تجاهل محكمات نظرية الملا صدرا. فالملا صدرا، كأي فيلسوف آخر، يعجز في بعض الحالات عن حل بعض المشكلات ويواجه طريقاً مسدوداً. وفي هذه الطرق المسدودة، يضطر أحياناً إلى كسر أطر نظريته أو يتجاوزها لا شعورياً ويقول شيئاً لا يتوافق حتى مع أسسه هو. إذن، في إسناد نظرية إلى فيلسوف، لا ينبغي أن تكون الطرق المسدودة في عمله هي المعيار، بل أسسه التي تفتح الآفاق وإنجازاته هي معيار الحكم. وعليه، فإن مسعى السيد ديناني لتعريف جميع الفلاسفة الإسلاميين بأنهم شارحو نظرية وحدة الوجود الشخصية لمنصور الحلاج، هو مسعى خاطئ وغير موفق.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
علم النفس
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
بسیار مغالطه آمیز و سطحی...
درقسمت اشاره بند 3:منظور جناب دکتردینانی انسان کامل است...این هم بر خلاف قرآن نیست؟؟در آیه نور اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ کَمِشْکَاةٍ فِیهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِی زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ کَأَنَّهَا کَوْکَبٌ دُرِّیٌّ یُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَکَةٍ زَیْتُونِةٍ لَّا شَرْقِیَّةٍ وَلَا غَرْبِیَّةٍ یَکَادُ زَیْتُهَا یُضِیءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَی نُورٍ یَهْدِی اللَّهُ لِنُورِهِ مَن یَشَاءُ وَیَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ مفسران نور را تفسیر به قرآن، ایمان، هدایت الهی، دین اسلام، پیامبر اسلام، اهل بیت، علم و دانش، و… کردهاند. در قسمت اشاره بند 6:جناب دکتردینانی می فرمایند :راه از خدا به خداست .به نظربنده، منظور جناب دکتردینانی همان آیه معروف (انالله وانا الیه راجعون ) می باشد،،چرا قابل جمع با ادیان نیست؟؟؟ انسان در قوس نزول وبعدقوس صعود قرار می گیرد .. دقیقا مطابق آیه قرآن کریم است...