اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قبل الخوض في البحث المعرفي، ينبغي فهم الطبيعة النفسية للتجربة الدينية. لا يعتبر حسين دباغ التجربة الدينية من جنس «الاعتقاد»، بل هي حالة ذهنية مستقلة شبيهة بالاستحسان، تحدث بلا اختيار، وتُفسِّر الاعتقادات الدينية لا أن تُثبت صدقها.

لقد تحدث الفلاسفة وعلماء معرفة الدين كثيراً عن حجية المعرفة الدينية من خلال التجربة الدينية. لكن هذا المقال لا يتصدى لهذا النقاش الطويل والعريض. حسب رأي الكاتب، قبل الخوض في النقاشات المعرفية يجب التطرق إلى سيكولوجية التجربة الدينية لتتضح طبيعة التجربة الدينية. إن معرفة ما هي طبيعة التجربة الدينية وتحت أي صنف من الحالات الذهنية تندرج يمكن أن تساعدنا في النقاشات المعرفية أيضاً. لقد جادلت في هذا المقال بأن التجربة الدينية، مهما كانت، لا يمكن أن تكون من نوع «المعتقد». إدراج التجربة الدينية ضمن المعتقدات والتوقع المعرفي منها أمر لا يستند إلى أساس.
كان بإمكان عنوان هذا المقال أن يكون سيكولوجية أو فينومينولوجيا التجربة الدينية. الحديث يدور حول ما تشبه التجربة الدينية. ماذا يحدث عندما نمر بتجربة دينية؟ أو بتعبير فلاسفة الذهن، ما الحالة الذهنية التي نختبرها في هذه الأوقات؟
يقال إن فريتيوف شوان، من أعلام الطريقة المريمية، في سنة 1965 عندما كان على متن سفينة تغادر أوروبا نحو المغرب، تغير مزاجه وانتابه ضيق نفس واكتئاب شديد. في هذه الحالة حدثت مكاشفة غيرت حياته بشكل جذري. في تجربة دينية تظهر له مريم المقدسة بشكل عار؛ شكل أنثوي لا يستطيع شوان أن يصفه. حتى تشابكت علاقة شوان بمريم المقدسة بحيث يعلن أنه لا يناسبه أن يقول أكثر من هذا. الآن يصبح شوان مسروراً بهذه التجربة الدينية. بعد ذلك، حسب قوله، كلما توفرت له الفرصة كان يتعرى.[1] مريم التي لم تكشف عريها لجبرائيل وكانت تستحي من ذلك، الآن تظهر لشوان بلا حجاب:
ارتعدت أوصال مريم
كانت عارية وخافت من الفساد
عندما اضطربت مريم للحظة
كما تلك السمكات على الأرض
ماذا جرى لشوان حتى رأى مريم المقدسة بهذه الطريقة؟ أي حال أصابه وأي أحوال احتوته حتى دخلت مثل هذه الفكرة إلى عقله وضميره؟[2]
يمكن في الأساس افتراض تصورين في الإجابة على هذا السؤال المهم. أحدهما أن نقول إن الحالة الذهنية للتجربة الدينية تشبه الحالة الذهنية للمعتقد بشيء ما. أي أنه عندما نقول إن الشخص ألف قد مرّ بتجربة دينية بمضمون ب، فهذا مثل القول إن الشخص ألف يعتقد بـ ب. في هذا التصور، الشخص الذي يمر بتجربة دينية يكتسب معرفة بمتعلق تجربته. في المثال أعلاه، عندما يرى شوان مريم المقدسة عارية أثناء المكاشفة، في الوقت ذاته يعتقد أن مريم ظهرت له عارية. طبقاً لهذا التصور الذي أسميه التصور المعرفي للتجربة الدينية،
التجربة الدينية هي نفسها المعتقد. عندما يمرّ الشخص ألف بتجربة دينية بمضمون ب، فهذا مثل أن يمرّ الشخص ألف بمعتقد بمضمون ب.
لكن على الرغم من أن التصور أعلاه صحيح، يمكننا الحصول على تصور بديل آخر في الإجابة عما هي طبيعة التجربة الدينية. في هذا التصور البديل، التجربة الدينية لا تملك صفة معرفية. أي أنه عندما يمر الشخص ألف بتجربة دينية بمضمون ب، فليس بالضرورة أن يعتقد بها. على سبيل المثال، في مثال شوان، يمكن أن نتخيل أنه عندما تظهر مريم المقدسة عارية أمامه، قد لا يعتقد أن مثل هذا الشيء قد حدث فعلاً. في هذا التصور، التجربة الدينية حالة ذهنية مستقلة لا تختزل إلى باقي الحالات الذهنية الأخرى مثل المعتقد أو الإدراك الحسي. أسمي هذا التصور التصور غير المعرفي للتجربة الدينية. طبقاً لهذا التصور،
التجربة الدينية هي نوع من التجربة الاستحسانية[3] بمعنى أنه عند وقوع التجربة الدينية بالفعل يبدو لنا أنها حدثت بحقيقة الأمر. وعندما تقع التجربة الدينية بمحتوى ب، يبدو لنا أن المحتوى ب قد وقع.
الفرق الواضح بين المعتقد والاستحسان هو أن المعتقد نحو أمر ما ظاهرة يفتح اختياراً سيادة الفكر. أما الأمر الاستحساني فإنه بنحو غير اختياري وفجأة ينقطع به القلب. للفهم أعمق لهذا الادعاء، انظر إلى اختبار أديلسون[4] الذي يرد أدناه. في الأسطوانة على الجانب الأيسر يبدو المربع B أفتح من المربع A. بيد أن الأمر ليس كذلك. الشكل على الجانب الأيمن يبين بوضوح أننا نخطئ في تصورنا بهذا الشكل، في حين أن المربعين A و B متطابقان اللون. هذا التصور الخاطئ يهاجمنا بشدة حتى أننا حتى مع معرفتنا بأن هذه المربعات متطابقة اللون لا نزال لا نراها متطابقة.
كمثال آخر، انظر إلى الخطأ الإدراكي لمولر لاير (الشكل أدناه). تخيل خطين متوازيين يبدو لك أحدهما أطول من الآخر. لكن عندما تقيسهما تكتشف أنهما متساويان في الطول. مع ذلك، عندما تنظر مجدداً إلى الخطين المتوازيين يبدو لك أحدهما أطول من الآخر. رغم أنك تعتقد أنهما متساويا الطول، يبدو أحدهما أطول من الآخر. الاستحسانات، مثل التصورات الناشئة عن هذه الحالات، هي حالات ذهنية تنقضّ علينا وتحيط بنا حتى إن لم نطلبها. أما المعتقدات فتنقضّ من جانبنا وبأمرنا نحو العالم الخارجي.[5]
الفرق الآخر بين المعتقدات والاستحسانات هو أن المعتقدات بما أنها معرفية يمكن أن تكون حقاً. أي أنها تستطيع أن تمهد الطريق لننال معرفة حقيقة الأمور. أما الاستحسانات فلا تملك بأي حال من الأحوال مثل هذه الخاصية. بنحو هيكلي لا يمكنها أن تأتينا بالحق. أفيمكن أن يُصَدَّق: لأن أمراً ما بدا لي، فهو إذن حق؟ كيف يمكن لأمر استحساني يجرّ بعض مشاعرنا وراءه أن يكشف عن حقيقة الأمور؟ ما الذي توفره الاستحسانات لنا هو أن تبيّن كيف أننا نعتقد بأمر ما بوسيلتها.[6] إن اعتبرنا المعتقدات "مُحقِّقة للحق"[7]، فيمكننا أن ندعو الاستحسانات "مُبيِّنة"[8].
من الطبيعي أن تؤدي سيكولوجيات مختلفة حول التجربة الدينية إلى إبستمولوجيات مختلفة حول التجربة الدينية. إذا اعتبر أحد التجربة الدينية أنها معتقد، فلتبرير تلك التجربة الدينية (المعتقد) يجب أن يطلب إبستمولوجية خاصة بها أيضاً. مثلاً، وفقاً للتلقي المعرفي للتجربة الدينية، يمكن القول بأن تجربة دينية ما موبرة عندما تكون إما موافقة للواقع أو منسجمة مع باقي التجارب الدينية.[9] المعتقدات لا تستطيع فقط أن تبرر أمراً آخر بل يمكنها أن تستمد تبريرها الأولي من أمر آخر مثل الإدراك الحسي. لكن إذا اعتبرنا التجربة الدينية أنها استحسانات، فإبستمولوجيتنا تختلف عن الإبستمولوجية الشائعة. في هذه الحالة، رغم أن الاستحسانات ربما تستطيع أن تكون مبررة لأمر آخر، فإن لأنه لا يوجد أمر أكثر أساسية منها، فهي نفسها غير قابلة للتبرير. الاستحسانات يمكنها أن تبيّن لماذا نعتقد بأمر ما، لكنها لا تستطيع أن تبرر بأمر آخر. إبستمولوجية الاستحسانات تقتضي أن نسلّم بأنه عندما يبدو الأمر ب لنا، فإن بدواره لنا يبررنا بقدر معقول أن نعتقد به ما لم ينقضه نقيضه ودليل أقوى للرد عليه في يدنا.
بالتفاسير التي وردت، يمكن الادّعاء بأن التجارب الدينية لا يمكنها أن تكون من سنخ الاعتقاد وفي الوقت ذاته من سنخ الاستحسان. كيف يمكن لظاهرة ما أن تكون اختيارية وفي الوقت ذاته غير اختيارية؟ أن تكون منتجة للحقيقة وفي الوقت ذاته لا تكون؟ لكي نبيّن أيّ من التلقّيين المعرفي واللامعرفي أفضل ويتفوق على الآخر، نحتاج إلى استدلال منفصل. وفي رأيي، فإن التلقّي المعرفي للتجربة الدينية باطل. وفيما يلي سأحاول أن أستدل على أن التجربة الدينية لا يمكنها أن تكون من سنخ الاعتقاد. السبب في ذلك هو أنه يمكن تصور تجارب دينية بحيث أنها وإن كانت تجارب دينية فإنها لا يمكن أن تُعتبر اعتقاداً. استدلالي، الذي أسميه استدلال التجربة الدينية ناقصة الاعتقاد، هو على النحو التالي:
المقدمة الأولى: إذا كانت التجربة الدينية من سنخ الاعتقاد، فحين يمر الشخص ألف بتجربة دينية ذات محتوى ب، فإنه في الحقيقة يختبر الاعتقاد بـ ب.
المقدمة الثانية: توجد تجارب دينية بحيث أنها وإن كانت تُختبر فإنها لا تؤدي بالضرورة إلى الاعتقاد بمحتوى التجربة.
المقدمة الثالثة: علاوة على ذلك، توجد تجارب دينية ذات محتوى ب بحيث أنها تُختبر في الوقت الذي يحمل فيه الشخص الاعتقاد بنقيض ب في ذهنه.
النتيجة: التجربة الدينية لا يمكنها أن تكون من سنخ الاعتقاد.
هل الاستدلال أعلاه صحيح؟ هل يمكن للمقدمات أعلاه أن تضمن نتيجة الاستدلال؟ إذا تجاوزنا المقدمة الأولى، فإذا أمكن إثبات أن التجربة الدينية ليست بالضرورة مطابقة للاعتقاد بمحتوى التجربة الدينية، وأن التجربة الدينية ذات المحتوى ب يمكنها أن تتطابق مع الاعتقاد بنقيض ب، فعندئذ يكون الاستدلال أعلاه قد نجح.
اسمحوا لي أن أستعير في البداية بعض التجارب الأخلاقية لتوضيح النقاش. لنفترض أن سارة لديها استحسان قوي بأن العلاقة الجنسية بين الأخت والأخ خاطئة. بعبارة أخرى، يبدو لسارة أنه يجب دائماً وبالضرورة ألا تكون هناك علاقة جنسية بين الأخت والأخ. لكن بعد دراسة بعض النظريات الأخلاقية مثل النفعية الكلاسيكية أو العقدية الكلاسيكية أو النسبوية الاجتماعية، تتوصل إلى الاعتقاد بأن العلاقة الجنسية بين الأخت والأخ ليست بالضرورة خاطئة. وبهذا الشكل، رغم أن سارة ترى أن العلاقة الجنسية بين الأخت والأخ خاطئة بالضرورة، فإن اعتقادها الفعلي ليس كذلك.
وبالنسبة للتجربة الدينية أيضاً، يمكن أن تكون مثل هذه العلاقة صحيحة. تخيّل أن مسلماً يمر بتجربة دينية في حالة كشف روحي. يرى عيسى بن مريم يشير إليه بيده ليدعوه للاقتراب منه. من الطبيعي أنه في هذه اللحظات، رغم أن موضوع التجربة الدينية لهذا الشخص هو الدعوة من قبل عيسى والإيمان بالمسيحية، فإنه لا يؤمن بمحتوى تجربته الدينية. لأنه يؤمن بشيء آخر وهو في الحقيقة مسلم.
وكذلك التجارب الدينية قد تتطابق أحياناً مع الاعتقاد بنقيض محتواها. تخيّل أن مسلماً (شيعياً) يرى في تجربته الدينية علي بن أبي طالب وهو يستقبل الوحي، في الوقت الذي يعتقد بنقيض ذلك. أي أنه يعلم أن علي بن أبي طالب لم يكن مستقبلاً للوحي وأن محمد بن عبد الله هو الذي كان مخاطباً ومستقبلاً للوحي. رغم أن عليه يهجم استحسان بأن علي بن أبي طالب صاحب الوحي، فإن اعتقاده وفقاً لتعاليمه هو أن مثل هذا الأمر باطل.
علاوة على التجارب الدينية، يمكن تسريب الأمثلة أعلاه إلى التجارب العرفانية والوجودية أيضاً. على سبيل المثال، تخيّل أن موحداً مثل مولانا في تجربته العرفانية يرى العالم بطريقة ما بحيث يفرغ فجأة ويدرك فراغه:
چه دانستم که سیلابی مرا ناگاه برباید
چو کشتی ام دراندازد میان قلزم پرخون
نهنگی هم برآرد سر خورد آن آب دریا را
چنان دریای بیپایان شود بیآب چون هامون
وبالمثل، تأمل الفرد غير المؤمن الذي قد تنبثق له الكائنات فجأة في تجربة وجودية. على سبيل المثال، مهدي أخوان ثالث في مقطع من شعره يجد العالم أصم وأعمى، ويطلق صرخة شاكة: "يا كل الوجود من عندك، هل أنت أيضاً موجود؟" وفي الأوقات التي يمر فيها الفرد بمثل هذه التجارب، فإنه على الرغم من أن الفرد لا يؤمن بمحتوى تجربته، إلا أن العالم يعرض نفسه عليه بطريقة أخرى. وعندما كان مولانا يقول
ذلك السمك يرى القمر عياناً
وذلك الآخر يرى العالم مظلماً
كان يقصد شيئاً من هذا القبيل. فبالنسبة لبعض الناس يبدو العالم بطريقة يرون فيها القمر عياناً. وأما بالنسبة للآخرين، فإن العالم يعرض نفسه بصورته المظلمة.
تتضاعف مثل هذه الأمثلة إذا ألقينا نظرة على تاريخ الفكر الديني والعرفاني. وفي مقدمتها جميعاً تجلس رواية القرآن في سورة يوسف التي تقول: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا". استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا. يبدو غريباً إذا قلنا إن الرسل فقدوا إيمانهم بالميتافيزيقا في تلك اللحظات وعانوا من الاستياس من أجل ذلك. يصعب جداً أن ننسب ما أصاب الرسل إلى معتقدهم. من الأفضل أن نعتبر هذه الظاهرة من جملة الحالات الذهنية التي ألمت بهم. وهذا التلقي للتجربة الدينية قد يساعد حتى أولئك المفسرين الذين ذهبوا يميناً وشمالاً ليرفعوا عن الأنبياء نسبة الاستياس على تجنب التكلف.
على سبيل المثال آخر، وفقاً لرواية إنجيلي مرقس وماتى، جاء أن عيسى بن مريم في اللحظات الأخيرة من عمره على الصليب يستغيث ويتضرع قائلاً: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" (إيلي إيلي لما سبقتني). سيكون غريباً إذا قلنا إنه في تلك اللحظات فقد المسيح إيمانه بالله. يبدو أكثر معقولية أن نقول إن حادثة عظيمة تستحوذ على روح عيسى، وينتزع العالم أمام عينيه بعض ألوانه، ولو للحظات. مع ذلك، يبقى عيسى "مسيحياً" وليس يتنازل عن إيمانه.[10]
وكذلك حال القديس أوغسطين، المفكر المسيحي الشهير. يقال إنه في فترة شبابه انغمس كثيراً في الملذات حتى ترك وراءه ابناً غير شرعي. تكشف "اعترافات" أوغسطين أنه على الرغم من أنه آمن بالمانويّة في تلك الأيام، إلا أن الانجذاب إلى الدنيا قد حجب عنه فكرة الإله إلى حد ما. وفي هذه الأيام بالذات، عندما كان جالساً في حديقة أحد أصدقائه متكئاً على جذع شجرة، انجذب انتباهه صوت ما. كان أطفال يلعبون في الشارع ويقولون لبعضهم البعض بصوت عالٍ: "خذ واقرأ" (tolle lege). يعتبر أوغسطين هذا الصوت إلهياً، فينهض ويفتح الإنجيل عشوائياً. الآية التي تحوله هي كالتالي:
كما يليق بسلوك النهار، لنسلك بحشمة، لا بالعيث والسكر، ولا بالفجور والفسق، ولا بالشتم والحسد. بل البسوا الرب يسوع المسيح، ولا تهتموا بالجسد لأجل الشهوات (ترجمة بيروز سيار، 810).
هذه التجربة هي التي تحول ماركوس أوغسطين إلى القديس أوغسطين. في كل اللحظات التي عاش فيها أوغسطين هذه التجربة، لم يكن يؤمن بالمسيحية. وإن كان قد يكون لديه ميل نحو مثل هذا الشيء. ما له أهمية في هذا الصدد هو وجود مثل هذه التجربة التي تصير، بحسب اعترافات أوغسطين نفسه، سبباً لينقطع عن معتقده السابق ويختار المعتقد اللاحق. وبهذا الترتيب، يصعب أن نطابق بين التجربة الدينية والمعتقد.
من المزايا التي يوفرها التلقي غير المعرفي للتجربة الدينية أنه بالاستعانة به يمكن تفسير بعض التجارب الدينية غير التقليدية بشكل أفضل. فعلى سبيل المثال، تذكر التجربة الدينية لإبراهيم (ع) حين أقدم على التضحية بابنه. انتقد محيي الدين العربي النبي إبراهيم على أنه لا ينبغي له أن "يصدق" تجربته الدينية، لأنه لم يكن يملك دليلاً كافياً لهذا الأمر (فصوص الحكم، 364ـ 365). ربما يمكن صياغة قول محيي الدين على هذا النحو: ما حدث في وجدان إبراهيم كان من طبيعة الاستحسانات وليس من طبيعة الاعتقادات. الاستحسانات بما أنها ليست معرفية لا توفر دليلاً كافياً لتنفيذ العمل. لهذا السبب كان يجب على إبراهيم أن يتروى ويتأمل قليلاً.[11]
جاء كل هذا لإظهار أن هناك ارتباطاً عميقاً وثيقاً بين التجربة الدينية والاستحسانات. التجارب الدينية ليست من طبيعة الاعتقادات وإن كانت قد تكون سبباً لأن نعتقد بأمر ما من خلالها. من الطبيعي أنه إذا دخلت الاستحسانات إلى المعادلة، فإن الانفعالات أيضاً تظهر من كم الاستحسانات. وهكذا تتصل التجارب الدينية بالانفعالات وتصبح سبباً. لكن إذا عثرت الانفعالات على طريقها إلى ميدان التجارب الدينية، فماذا تجلب إلى حجيتها المعرفية؟ هل تستطيع التجارب الدينية التي امتزجت بالانفعالات الدينية أن تلزمنا؟ هل يمكن الاعتراف بحجية معرفية للانفعالات الدينية؟ هذه الأسئلة وما شابهها هي بالتأكيد موضوع مستقل يتطلب دراسة العلاقة بين التجربة الدينية والانفعالات. أترك هذه المسألة لمقال آخر.
[1] للاطلاع أكثر على التجربة الدينية عند شوان، انظر: شهبازي، عبد الله، 1392، المريمية: من شوان إلى السيد حسين ناصر:
http://www.shahbazi.org/pages/Maryamiyya1.htm
[2] كنموذج آخر، انظر التجربة عند سيمون ويل:
في لحظة من ألم جسدي حاد، حين كنت أحاول أن أشعر بالحب، دون أن أريد أن أعطيه اسماً وبدون أن أكون مستعداً لذلك بأي حال (لأنني لم أقرأ قط أي نصوص عرفانية)، أحسست بحضور أكثر تحديداً وإقناعاً وواقعية من أي إنسان، على الرغم من أنه لم يكن متاحاً للحس أو الخيال (العقل والاعتقاد الديني، ترجمة إبراهيم سلطاني وأحمد نراقي، نشر نو، 1379، ص 219).
[3] يستخدم الأصوليون مصطلح الاستحسان. في هذا المقال استخدمته معادلاً لـ Seeming. رغم جميع الاعتراضات المترتبة عليه، فهو يكفي لتقدم استدلالي. الاستحسان في اللغة يعني الحكم بالحسن والرضا. في اصطلاح علم الأصول يمكن استخدام الاستحسانات كحجة. الاستحسانات تشبه الإدراكات الحسية مع أن بينها فروقاً كثيرة. فمثلاً، كما أن لدي إدراكاً حسياً بأن تفاحة أمامي وقد لا يكون هذا الإدراك مطابقاً للواقع، يمكن أن يكون هناك استحسان قد لا يكون مطابقاً للواقع. مع ذلك فإن ما أقصده هنا من الاستحسانات له طابع فكري أكثر من الطابع الحسي. أي أن التجارب الدينية هي استحسانات فكرية وليست استحسانات حسية. من أهم الفلاسفة الغربيين الذين كتبوا كثيراً عن الاستحسانات جورج بيلر وآخر هو توليهرست. انظر في هذا الصدد:
Bealer, G., (1998). "Intuition and the autonomy of philosophy". In M. Depaul and W. Ramsey (ed.), Rethinking intuition: The psychology of intuition and its role in philosophical inquiry. New York: Rowman and Littlefield Publishers, Inc.
Tolhurst, W., (1998). "Seemings". American Philosophical Quarterly, 35 (3): 293-302.
[4] Adelson Checker
[5] إذا اتبعنا التعبير الدقيق لجون أوستن، فيلسوف اللغة بأكسفورد، فإن معتقداتنا المعرفية تتطابق من الذهن تجاه العالم المحيط. لكن الاستحسانات تتطابق من العالم تجاه ذهننا. جون سيرل وإليزابيث أنسكوم استخدما لاحقاً التعبير Direction of fit متبعين أوستن.
[6] ما إذا كانت الاستحسانات يمكن أن تكون مبررة لمعتقداتنا هو أمر آخر يتطلب برهاناً. يرى كاتب هذه السطور أن الاستحسانات الأخلاقية يمكن أن توفر الدليل. لكن بخصوص ما إذا كانت الاستحسانات الدينية كذلك، فإن هذا المقال لا يتطرق إليه.
[7] Truth-entailing
[8] Justification-entailing
[9] من الواضح أن المرء يمكنه أن لا يختار المطابقة مع الواقع ولا الاتساق في نظريته عن الحقيقة. فمثلاً يمكن للفرد أن يختار نظرية البراغماتية أو الحد من الخصائص. لكنني هنا ذكرت فقط النظريات الرائجة.
[10] في قصة أخرى، نقلاً عن مناقب العارفين لشمس الدين الفلاكي، رويَ أن تلاميذ مولانا زاروا خادماً مسيحياً في منزل مولانا لكي يدخلوه في الدين الإسلامي. قدموا الحجج والاستدلالات لإقناعه. وفي النهاية أثرت الاستدلالات والأدلة على الخادم. فقال لهم: ليس لديّ ردّ عليكم، لكنني أستحي من عيسى أن أغير ديني. بناءً على ما ذكر أعلاه، يمكن فهم تعبير الخادم بالطريقة التالية: على الرغم من أنه ينجذب واستحسان يهاجمه ليسلم، إلا أن معتقده بشأن البقاء مسيحياً لم يتزعزع.
[11] ما يقصده في هذه العبارات هو أمر يُشار إليه بـ "التبرير من حيث الوهلة الأولى" أو prima facie justification. أي أنه على الرغم من أن وجود الاستحسانات يبرر إبراهيم من حيث الدرجة الأولى ليؤمن بشيء ما، إلا أنه للتبرير النهائي (ultimate justification) يجب عليه أن يضع معتقده في التوازن الفكري (reflective equilibrium). أي أنه يجب عليه على الأقل أن يزن تجربته الدينية بميزان الحدوس الأخلاقية المتعارف عليها. كان تركيز انتباهي في هذا المقال على مناقشة علم نفس التجربة الدينية، ولهذا السبب لم أخض بحديث كثير في معرفيات التجربة الدينية. سأختبر هذه المسألة المهمة في مقال منفصل.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.