اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
التمييز بين «الخير» و«الصواب» من دقائق الأخلاق؛ واختلال التوازن بينهما يفضي إلى «الوثَنية الأخلاقية». وتُظهر السيناريوهات الصعبة وآراء سارتر ومور ضرورةَ التوازن بين القيم والصوابيات.

يجب الاعتراف بأنه في العالم الخارجي قد تختلط أحياناً أمور صحيحة وخاطئة بطريقة تذهل الإنسان. خذ مثلاً روبن هود وتصور نوعاً من "الأخلاق الروبينهودية". أن يسعى أناس للسرقة من الأثرياء المستفيدين من الريع وتوزيع أموالهم على الفقراء المحتاجين. ترى هنا أن الأمور الخاطئة والصحيحة قد امتزجت معاً وتصفيتها أمر صعب جداً. من جهة، الاهتمام بالفقراء نفسه أمر صحيح وطيب. لكن السرقة للوصول إلى هذا الهدف بالتأكيد خاطئة وغير مقبولة.
حسين دباغ
فإن افتتن إنسان فما العجب!
مولانا جلال الدين محمد البلخي
يسعى الباحثون والفلاسفة الأخلاقيون، من خلال تقديم نظريات أخلاقية معيارية، إلى توضيح "روايات"[1] و"عدم روايات"[2] أفعال وسلوك الإنسان. مثلاً، المنفعيون الكلاسيكيون مثل جيرمي بنثام وديفيد هيوم وجون جاي كانوا يعتقدون بأن الفعل الصحيح هو الفعل الذي يحمل منفعة أكبر وضرراً أقل للجميع. أو العقديون الكلاسيكيون[3] مثل توماس هوبز وإلى حد ما روسو وجون لوك كانوا يعتبرون الفعل الصحيح مقصوراً على العقود الخاصة بنا. بمعنى أنه إذا تم إجراء فعل وفقاً للعقد والرضا المتبادل فهو صحيح. وبالإضافة إلى تحديد "الروايات" وتحليلها الدلالي والمعرفي والنفسي، يتحدث فلاسفة الأخلاق أيضاً عن "الخيرات" و"الشرور". في الواقع، التمييز بين "الروايات والخير" يعتبر من النقاط القيمة التي اهتم بها فلاسفة الأخلاق وهذا المقال يتولى شرحها. يدعي صاحب هذه الأسطر في هذا النص أنه يجب إقامة توازن بين الروايات والخيرات. عدم التوازن في الشرح والتوصية بين هذه الأمور يؤدي إلى ما يمكن أن يسمى "الفيتشية الأخلاقية"[4].
كمقدمة، انظر إلى السيناريوهات الثلاثة التالية وحاول أن تضع نفسك مكان أبطالها:مولانا جلال الدين الرومي
السيناريو الأول: صوفيا محتجزة في معسكر أوشفيتس. في ليلة ما، يجبرها طبيب سادي على اتخاذ قرار مرعب. يتعين على صوفيا أن تختار أحد ابنيها: ولد أو بنت، ليموت في غرفة الغاز. اختارت صوفيا ابنتها الأصغر لتكون الضحية. (انظر على سبيل المثال رواية وفيلم "اختيار صوفيا"[5])
السيناريو الثاني: هذا هو وقت الحرب بين إيران والعراق. خديجة محاصرة في خرمشهر مع طفلتها البالغة من العمر ستة أشهر في منزل. جندي عراقي يقترب من المنزل. مجبرة على إسكات طفلتها. إذا وضعت يدها على فم الطفل فستموت. وإذا لم تفعل فسيموتان كلاهما. اختارت خديجة الطريق الثاني.
السيناريو الثالث: أصيب زوجك بمرض خطير. فقد اليأس الأطباء من شفاؤه. بعد معاناة شديدة، يطلب منك يوماً أن تنهي حياته. أنت لا تزال غير قادر على اتخاذ قرار. (انظر على سبيل المثال فيلم "أمور"[6])
إنّ إيجاد ما هو «محقّ»[7] لكلّ إنسان أمر محبّب. لكن في السيناريوهات أعلاه بلا شك، حتى للأذكى الناس وأقوى الفلاسفة الأخلاقيين، يكون إيجاد الجواب النهائي والصحيح للغاية صعباً جداً. ربما يمكن القول إنه في حالات مماثلة أعلاه، ليس ممكناً البتة إيجاد «دليل» يمكن اعتباره بيقين صحيحاً وأخذه بصفته دليلاً لإجراء العمل[8]:[9] «اسكت يا دليل إنّ صمتك قول.» فمثلاً، تذكّروا قصة طالب جامعي لجأ خلال الحرب العالمية الثانية إلى جان بول سارتر، الفيلسوف الوجودي الفرنسي، طالباً منه الاستشارة. سأله: من جهة لدي أم مريضة تحتاج إليّ في البيت، ومن جهة أخرى بلد يحتاج إلى أن أحارب فيه. أنا في حيرة، ماذا أفعل؟ كان جواب سارتر إزاء هذه الثنائية الأخلاقية أنه بالرغم من نظريات أخلاقية مختلفة، هذا الطالب «حرّ» و«مختار» في أن يختار أيّاً من طرفي الثنائية.
لكن إذا كان الحق مع سارتر وعجزت النظريات الأخلاقية عن فكّ عقدة مشكلتنا المعقدة، فإذاً ما التكليف وماذا يجب أن نفعل؟ هل يمكن القول إننا في لحظات مختلفة من الحياة أحرار ومختارون في أن ندفع الأمور قدماً وفقاً لـ «قلوبنا»؟ في هذه الحالة، ألا يجب أن نقول إن المبادئ الأخلاقية عديمة الجدوى وفي الحالات التي نحتاج فيها إليها لا تساعدنا! علاوة على ذلك، إذا عجز أذكى الناس وأعلم الفلاسفة عن إقناعنا بدليل على ما يجب أن نفعله في هذه اللحظات الأخلاقية الصعبة وما الصحيح من الأعمال، فماذا يُتوقّع من الأشخاص العاديين والعموم أن يميزوا الصحيح من غير الصحيح؟
حيث أصاب برق المعصية آدم الطاهر
كيف يليق بنا ادّعاء البراءة
إن الإجابة على الأسئلة أعلاه تحتاج حقاً إلى «رجل قديم». لكن قبل أن نأخذ هذه الأسئلة بالبحث والتفحيص، دعونا لحظة ننسى النقاش عن صحة الأفعال، وتذكّروا أمام أعينكم الملكات الأخلاقية التي هي بذاتها وفي طبعها جيّدة[10]، ذات قيمة[11]، وتظهر وتتجلى في أعمالنا؛ ملكات مثل المعرفة، الصداقة، الجمال، الحياء، العدل، الحب، الفضائل الأخلاقية[12]، النجاح، السعادة، البهجة، اللذة، تخفيف الألم والمعاناة، وما إلى ذلك. لا أعتقد أن أحداً، سواء فلاسفة أخلاق أم أشخاص عاديين، يشكك في جودة وقيمة هذه الخيرات أعلاه. من البديهي أن طلب السعادة وتخفيف المعاناة أمر حميد. وهل يمكن تخيل أن يعتبر أحد الجمال أو اللذة شراً، أو يقول إن المعرفة والصداقة غير مرغوبة! جميع أهل هذه الأرض يقرون بجودة العدل والفضائل الأخلاقية ويبذلون جهوداً مضنية لنيلها.
لكن مع كل البداهة التي تموج في وجود هذه القيم الجيدة وهي لا تقبل الإنكار، يختلف بعض الفلاسفة في أي الخيرات جيدة بذاتها وأيها ليست كذلك. أي أنهم وإن اتفقوا على وجود قائمة من الخيرات، إلا أنهم يختلفون في عدد الخيرات وفي أيّ من القيم جيدة بطبيعتها وبداهة. فمثلاً، انظروا إلى ديفيد روس وجورج مور، فيلسوفان حدسيان معروفان. يؤكد روس في كتابه الأول أي «الصحيح والخير» (1930) مقتفياً أثر مور أن اللذة والسرور من الخيرات الذاتية. لكن بعد سنوات عديدة في كتابه الثاني أي «أساس الأخلاق» (1939) يتراجع عن ادعاءاته ويحتج بأن اللذة لا يمكن أن تكون ذاتية لأن بعض اللذات والسرور ليست جيدة. وكذلك يؤكد مور في كتاب مبادئ الأخلاق (1903) أن المعرفة ليست بذاتها خيراً مستقلاً وينبغي أن توضع تحت الجمال (247-248). يضيف مور إلى قائمة الخيرات التي يعطيها روس النجاح من بين الخيرات البديهية ويجعل الحب من أهم الخيرات الذاتية (مبادئ الأخلاق، 251).[13]
يبدو في البداية أن الفلاسفة، وإن كانوا يتفقون على وجود بعض الخيرات، فإنهم لا يتفقون بهذا الشكل بشأن المستحسنات. لكن هل الفلاسفة والأخلاقيون في الواقع لا يتفقون على أي من المستحسنات؟ انظر إلى القضايا التالية: «تعذيب شخص بريء من أجل الحصول على لذة هو أمر غير مستحسن أخلاقياً» أو «صب الزيت على قطة وإشعال النار فيها لتسلية الأطفال هو أمر باطل أخلاقياً» أو «في الهند اغتصب خمسة رجال فتاة تبلغ من العمر 20 سنة». ألا يمكن أن نجد شخصاً يشك في عدم استحسان هذه الأفعال؟ ألا يمكن لشخص عادي يتمتع بأدنى مشاعر أخلاقية أن يشهد مثل هذه الوقائع دون أن يبدي استنكاراً؟ من الطبيعي أنه رغم كل الجدل والنزاع حول المستحسنات بين المتخصصين، يمكننا على الأقل أن نجد بعض القضايا الأخلاقية التي تكون مستحسنة (أو غير مستحسنة) في كل مكان وزمان.
بناءً على ذلك، يمكننا أن نستنتج أن الفلاسفة والأخلاقيين يتفقون على الأقل بشأن بعض الخيرات والمستحسنات البدهية. لكن ما يحظى بالأهمية في هذا الصراع من الآراء هو أن الخيرات تتمتع بقوة واستحكام أكثر من المستحسنات. بمعنى أنه رغم كل الخلاف الفكري الذي يوجد بين الفلاسفة حول عدد الخيرات، فهم يتفقون على الأقل على أن هناك قائمة من الخيرات والقيم البدهية التي لا يمكن إنكارها. لكن كما أوضحت، الأمر ليس كذلك بشأن المستحسنات. أي أنه في العديد من الحالات الأخلاقية المعقدة في الحياة اليومية مثل الإجهاض والأمومة البديلة والقتل الرحيم والهندسة الوراثية والسياسة والزواج والإنجاب وغيرها، يصعب جداً أن نجد رأياً واحداً بين الفلاسفة والمتخصصين حول استحسان هذه الأمور. بعبارة أخرى، بينما يسهل الوصول إلى بعض المستحسنات، في عالمنا المعقد اليوم لا تسهل إمكانية الوصول إلى الكثير من المستحسنات. هذا الصعوبة في الوصول إلى الكثير من المستحسنات تقودنا إلى نقطة حيث ننشغل بالبحث المفرط عنها ونغفل عن الانتباه للخيرات الأخلاقية. عدم التوازن بين المستحسن والخير يشكل بداية مشكلة تحمل معها نوعاً من الإغواء والوسواس الأخلاقي. الوسواس في استكشاف المستحسنات يجعلنا نتحول إلى فتيشي أخلاقي.
أعتقد أن فلاسفتنا ومفكرينا أخطأوا في التأكيد بلا حدود على البحث عن المستحسنات. بقدر ما أغفلوا الخيرات. الأخلاق التي كان الفيلسوف مثل كانط يعتقد أنها «الملكة وملكة الملك»، تم إخفاؤها في عصرنا الحالي من خلال التأكيد المفرط على المستحسنات، وهي تنزف في زاوية العزلة في انتظار مخلص يأتي لإنقاذها.[14] على المفكرين في المجال العام بدلاً من أن يسعوا وراء البحث عن المستحسن وغير المستحسن الأخلاقي ويدينوا بعضهم البعض بالأحكام الأخلاقية، أن يعرضوا الخيرات الأخلاقية أمام عامة الناس.
هذا الافتتان والعبادة والوسواس والتقديس بلا حدود للسعي للوصول إلى ما هو مستحسن يمكن اعتباره نوعاً من الفتيشية الأخلاقية. بهذا المعنى، الفتيشي الأخلاقي هو شخص يخل بالتوازن بين الخير والمستحسن ويفضل النقاش والفحص والاستدلال للوصول إلى ما هو مستحسن على تقوية وتربية وتنمية ما هو خير في نفسه وفي الآخرين. التأكيد المفرط على ما هو مستحسن يمنع الفتيشي عن الأمور الخيرة، وهذه الغفلة هي ما يسبب عدم توازن السلوك الأخلاقي لديه. اسمح لي بأن أشرح الفرق بين الخير والشر والمستحسن وغير المستحسن بشيء من الإيضاح.
يجب الاعتراف بأنه في العالم الخارجي أحياناً تمتزج أمور خيرة وغير مستحسنة بطريقة تحير الإنسان. على سبيل المثال، فكر في روبن هود وتصور نوعاً من «أخلاق روبن هود». أن يسعى أشخاص ما إلى سرقة الثروة من الأغنياء الذين يسيئون استغلال الموارد وتوزيع أموالهم على الفقراء المعدمين. ترى هنا أن الأمور الخاطئة والخيرة قد امتزجت معاً، وفصلها عن بعضها يشكل أمراً صعباً. من جهة، مجرد الانتباه للفقراء هو عمل خير وصلاح. لكن السرقة للوصول إلى هذا الهدف هي بالتأكيد أمر غير مستحسن وغير مقبول. انظر إلى مثال آخر كي ترى كيف يختلط المستحسن والسيء معاً.
تصوّر أن صديقك ارتكب خطأ بحقك. لقد أصبت بأذى شديد وحتى فكرت في قطع علاقتك به تماماً. قد لا ينتقدك أحد إن قمت بهذا العمل، لأنك تصرفت وفقاً لنظريتك الأخلاقية التي اخترتها بنفسك. لكن هل قمت بعمل جيد فعلاً؟ تصوّر مرة أخرى شخصاً أعمى يعبر الشارع. وفقاً لنظريتك الأخلاقية، لا يوجد التزام بمساعدة هذا الشخص. بمعنى أنك إن ساعدته فقد قمت بعمل مستحسن، لكن إن لم تساعده فلم تخطئ. لكن حتى لو افترضنا أنك لم تخطئ برفضك المساعدة، هل قمت بعمل جيد؟
هذان المثالان يوضحان لنا أمراً واحداً: يجب أن نميز بين المستحسن أخلاقياً والخير الأخلاقي. الأفعال المستحسنة لا تقتصر على الأفعال الجيدة. لنتذكر على سبيل المثال طالبات الرياضة في جامعة أكسفورد اللواتي قررن القيام بعمل خيري منذ فترة، فقمن بتصوير أنفسهن عاريات وبيعن صورهن بأشكال مختلفة على شكل تقويم بسعر عشرة جنيهات من أجل جمع أموال للجمعيات الخيرية. من الطبيعي أن يعتبر هذا العمل عملاً جيداً، لأنه تم بنية خالصة لجمع المال للعمل الخيري وكان الهدف القيام بعمل نبيل. لكن هل هذا يضمن أن يكون العمل مستحسناً أيضاً؟ بعبارة أخرى، هل يمكن القول إن كون العمل جيداً يعني بالضرورة أنه مستحسن؟ لا أعتقد ذلك. قد يكون هناك الكثيرون يعتبرون هذا العمل مستحسناً وفقاً لنظريتهم الأخلاقية. لكن يمكن تصور الكثيرين أيضاً يعتبرون هذا العمل غير مستحسن وينتقص من الكرامة والاحترام الإنساني. لذا فإن هاتين المجموعتين من الأشخاص، رغم اتفاقهما على أن العمل جيد، إلا أنهما لا تتفقان على كونه مستحسناً.
انظر إلى تاريخ الفلسفة الأخلاقية لترى كيف احتل موضوع الخير والمستحسن أذهان الفلاسفة. يمكن القول إن فلاسفة كامبريدج وفلاسفة أكسفورد تعارضوا في هذا الشأن وأبدوا آراءً مختلفة. هارولد بريتشارد وتلميذه ديفيد روس في أكسفورد كانا يميزان بين مفهوم ومصاديق الخير والمستحسن، وكانا يرياان أن هناك تعددية لا تختزل إلى وحدة في كل منهما. بمعنى أنه كما توجد خيرات متعددة، يمكن أن نجد أسباباً عديدة للأفعال المستحسنة. لا توجد مبادئ موحدة لتحديد الاستحسان، بل هناك مبادئ متعددة تحكمنا. على سبيل المثال، في قصة الجندي الذي استشار سارتر، وفقاً لرأي بريتشارد وروس، سواء ذهب الجندي إلى الحرب أو بقي مع والدته، فقد قام بعمل مستحسن. لكن في المقابل، هنري سيدجويك وتلميذه جورج إدوار مور في كامبريدج كانا يريان مفهوم ومصاديق الخير والاستحسان متشابكة. بالرغم من أنهما آمنا بخيرات متعددة، إلا أنهما كانا يعرفان استحسان الأفعال تحت مبدأ واحد فقط. بالنسبة لهما، يعرّف الاستحسان بدلالة الخير والفعل المستحسن يعادل الفعل الجيد، وهذا هو معنى المذهب النتائجي.[15]
الأفعال المستحسنة وغير المستحسنة أخلاقياً تتحدد وفقاً للنظريات الأخلاقية. على سبيل المثال، في السيناريو الثالث، إذا كان الشخص نتائجياً كلاسيكياً أو متعاقداً بطريقة هوبز، فقد يعتبر تقليل معاناة زوجته أمراً مستحسناً وصحيحاً. لكن إذا كان واجبانياً كانطياً، فقد يعتبر القتل الرحيم غير مستحسن. وبالمثل، إذا كان شخص ما فضيلانياً فسيجد من الصعب جداً أن يشترك في قتل شخص آخر أو الموت، وهكذا بالنسبة للنظريات الأخلاقية الأخرى.
ترى أن تنوع النظريات المعيارية الأخلاقية لا يجعل الوصول إلى الصواب والخطأ الأخلاقيين قريب المنال بل يجعله مستحيلاً، حتى أن الإنسان أحياناً يتمنى أن النظريات الأخلاقية لم تكن قد وُلدت! وليس بلا سبب أن أشخاصاً مثل ديرك بارفيت وبيار هوكر، الأستاذ والطالب من أكسفورد، انطلقوا في السعي إلى التوفيق بين النظريات الأخلاقية لربط بعضها ببعض والزواج بينها والوصول من خلال هذا الربط إلى مبدأ واحد كي يخففوا من الالتباسات الأخلاقية. كان بيار هوكر من أوائل الفلاسفة الذين عزفوا على وتر دمج النظريات الأخلاقية في كتابه الممدوح، المثال المبدأ، العالم الواقعي[16] (2000). وفقاً لاستدلال هوكر يمكن أن نتحدث عن نوع من العواقبية القائمة على القواعد تحمل صدى كانطي وتأخذ أممية القواعد الأخلاقية على محمل الجد. يعتبر بارفيت كتاب هوكر أفضل دفاع عن واحدة من أفضل النظريات الأخلاقية، وبعد سنوات عديدة، متابعاً لتلميذه، في كتابه الاستثنائي عن ما يهم[17] (2011)، يعتبر ثلاث نظريات شائعة في الفلسفة الأخلاقية أي العواقبية القائمة على القواعد والتعاقدية السكانلينية وواجبية كانط على أنها جوانب قمة واحدة تولد من تصادمها نظرية أخلاقية ثلاثية. يأخذ بيار هوكر عمل أستاذه على محمل الجد ويشرع في استكمال مشروعه. بعد سنتين أي في عام 2013 في مؤتمر في جامعة ريدينج، كشف النقاب عن نظريته الجديدة أي النظرية الأخلاقية الخماسية. في هذه النظرية يحاول هوكر بالاعتراف بالثلاثية لبارفيت ونظرية التعددية الأخلاقية لديفيد روس والفضيلة أن يضيفها إلى مجموعته ويجمعها تحت مظلة واحدة.
جاء كل هذا القول ليتضح أنه رغم احتياجنا الشديد للنظريات الأخلاقية فإنها أحياناً تصبح معوقة. النظريات جعلت القيام بالأفعال الأخلاقية صعباً إلى درجة أن الخلاف في الآراء يصبح حاجزاً أمام تنفيذ العمل حتى في بعض الحالات البسيطة نسبياً. المثقفون في المجال العام بدلاً من أن يوقعوا أنفسهم في نقاشات عقيمة حول صواب الأفعال الأخلاقية يجب عليهم أن يسعوا إلى إظهار جمال الخيرات الأخلاقية للجماهير بطريقة أوضح وأكثر جاذبية. النقاش حول صواب الأفعال الأخلاقية والانشغال بإقناع عامة الناس يثبط عزيمتهم لأن الأخلاق الموجودة لا تحل مشكلة لنا ولا تفتح لنا طريقاً. لكن الخيرات أحياناً توقظ ضمير الناس الغافل وتحمل لهم معنى الحياة وتجعل العالم الحاضر أكثر قبولاً وتحملاً. دعوا الدفاع عن صواب الأفعال الأخلاقية للأكاديميين وطلاب فلسفة الأخلاق فمعنى حياتهم الفلسفية لا يكون إلا بذلك.
التأكيد على إيجاد "صواب الأفعال الأخلاقية" وتشجيع الجماهير على الحكم حول أي فعل جائز أو غير جائز أمر محمود وحسن بالفعل. لكن الإفراط في ذلك يمنعنا من القيام بـ "الخيرات الأخلاقية". الفتشية الأخلاقية لا تعني سوى هذا. من يخل التوازن بين "الجواز والخير" ويضحي بأحدهما لصالح الآخر يقع في نوع من الفتشية التي هي بالتأكيد أمر غير محمود. مع ذلك لا يجب أن ننسى أنني في هذا المقال لم أحتج بأن النظريات الأخلاقية مثل العواقبية عندما تعرّف الصواب وفقاً للخير وتختزل أحدهما في الآخر تكون على خطأ. طالما يستطيع العواقبيون (وأي نظرية أخلاقية أحادية) أن يعددوا الخيرات بشكل مستقل بعيداً عن تعريف الصواب فإنهم يبقون بعيدين عن معضلة الفتشية.
توصية هذا المقال للمثقفين وأصحاب الفكر والرأي أن يعرضوا "الخيرات الأخلاقية" أمام الجماهير كي تيسر الحياة الأخلاقية. "صواب الأفعال الأخلاقية" في الحياة اليومية من حيث أنه يتحقق ببطء يثير الفتن ويعزز هذا الاعتقاد الخاطئ والمشؤوم في أذهان الجماهير بأن الحياة الأخلاقية معقدة جداً بحيث يجب التخلي عن خيرها. وبهذه الطريقة تنزل الفتشية ضربة قاتلة على جسد الأخلاق في المجتمع وتحط من شأنه.
.
.
[1] Right
[2] Wrong
[3] Contractarianism
[4] مايكل سميث، فيلسوف شهير من جامعة برينستون، استخدم للمرة الأولى تعبير "Moral Fetishism" أو "الفتيشية الأخلاقية". ما يقصده يختلف تماماً عما أؤكده في هذا المقال. لفهم مقصده انظر:
Smith, Michael, The Moral Problem, Oxford: Blackwell, 1994, pp. 61-72
Lillehammer, Hallvard, "Smith on Moral Fetishism", Analysis, Vol. 57, No. 3 (Jul., 1997), pp. 187-195
[5] See Sophie's Choice, (1979) by William Styron. See also http://www.imdb.com/title/tt0084707/
[6] See e.g. http://www.imdb.com/title/tt1602620/
[7] Permissible
[8] Reason for Action
[9] ديفيد روس، فيلسوف الأخلاق الحدسي في القرن العشرين، كان يفكر بالطريقة ذاتها بشأن الأحكام والحكم الأخلاقي النهائي.
[10] Intrinsically Good
[11] Valuable
[12] Moral Virtues
[13] See e.g. G. E. Moore, (1903 [1993]), Principia Ethica, Cambridge University Press. Revised edition with "Preface to the second edition" and other papers, ed. T. Baldwin, Cambridge University Press.
[14] بريتشارد، الفيلسوف الحدسي الإنجليزي، في بدايات القرن العشرين في مقاله المثير للجدل بعنوان "هل ذهبت الفلسفة الأخلاقية في الاتجاه الخاطئ؟" (1912) اتهم الفلاسفة بسلوك طريق مخطئة. برأيه أن خطأ الفلاسفة يكمن في البحث عن مبدأ واحد لمعيار صحة الأفعال. في حين أنهم يجب أن يضعوا مبادئ متعددة كمحك للأفعال الصحيحة.
[15] كان هناك فلاسفة مثل يوينغ الذين عرّفوا الخير على خلاف سيدجويك ومور بحسب الصحيح. انظر:
Ewing, A. C., 1959, Second Thoughts in Moral Philosophy, London, Routledge.
[16] Hooker, B., 2000, Ideal Code, Real World, OUP.
[17] Parfit, D., 2011, On What Matters, OUP.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.