اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقول أبو القاسم فنائي رداً على سؤال حول الزواج وتغيّر المعتقدات إن انعدام اليقين بشأن المستقبل لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام الزواج. فالعيش الأخلاقي ليس رهناً بثبات المعتقدات، بل بالصدق والجدية في تشخيص الواجب الأخلاقي.

سؤال: سيدي الدكتور فنائي، الموضوع الذي بات يأخذ طابعاً أكثر جدية بالنسبة لي هذه الأيام، وأنا تحت ضغط من العائلة أيضاً، هو موضوع الزواج واختيار شريك الحياة. من بين المعايير المتعددة للزواج، هناك معيارٌ هو الالتفات إلى المنظومة الفكرية والعقائدية والفكرية للطرف الآخر. طبعاً هذا السؤال يتعلق بي أنا بشكل أساسي، وبكيفية تمكنه هو (الطرف الآخر) من الوثوق بمعتقداتي الحالية التي لا تمتلك أي إطار محدد؟ هل مجرد قولي إنني أضمن أن أكون شخصاً أخلاقياً في حياتي، يمكن أن يكون دليلاً كافياً لإقناعه؟ وإذا أراد شخصٌ مثلي أن تكون له في الحياة معتقداتٌ نقدية ومتطورة، وأن يسعى دوماً إلى تنقيح معتقداته وإصلاحها، فهل يمكنه أن يضمن التزامه بهذه المبادئ الأخلاقية ذاتها حتى نهاية العمر؟ بعبارة أخرى، مع تغير معتقداته – أياً كان الاتجاه الذي ستسلكه – هل ستبقى مبادئه الأخلاقية بلا تغيير؟ إلى أي حد يمكن الوثوق بادعاء مطلقية الأخلاق؟ ومسائل من هذا القبيل يمكن إضافتها إليها.
.
.
بعض الأصدقاء الشباب الذين لم أرهم، والذين تشرفت بالتعرف عليهم في العالم الافتراضي، يشاركونني أسئلتهم الجيدة والعميقة عن طيب خاطر وحسن ظن منهم بي. للأسف، كثرة المشاغل من جهة، وكثرة الأسئلة من جهة أخرى، قد سلب مني فرصة الإجابة السريعة على هذه الأسئلة ومجالها. كما أن عمق الأسئلة يمنع المرء من الاكتفاء بإجابة سطحية وغير متأملة عليها. تحتوي هذه المذكرة على أحد هذه الأسئلة وإجابته. لقد استأذنتُ من طارح السؤال في نشره علناً.
صديقي العزيز
مع التحية
المذكرة أدناه هي جوابي على أحد أسئلتكم. نظراً لأولوية هذا السؤال وأهميته، بدا لي أنه من الأفضل أن أجيب عليه أولاً. آمل أن أوفق قريباً للإجابة على أسئلتكم الأخرى. أشكركم خالص الشكر على مشاركتكم أسئلتكم الجيدة والعميقة معي.
(1) سيدي الدكتور فنائي، الموضوع الذي بات يأخذ طابعاً أكثر جدية بالنسبة لي هذه الأيام، وأنا تحت ضغط من العائلة أيضاً، هو موضوع الزواج واختيار شريك الحياة. من بين المعايير المتعددة للزواج، هناك معيارٌ هو الالتفات إلى المنظومة الفكرية والعقائدية والفكرية للطرف الآخر. طبعاً هذا السؤال يتعلق بي أنا بشكل أساسي، وبكيفية تمكنه هو (الطرف الآخر) من الوثوق بمعتقداتي الحالية التي لا تمتلك أي إطار محدد؟ هل مجرد قولي إنني أضمن أن أكون شخصاً أخلاقياً في حياتي، يمكن أن يكون دليلاً كافياً لإقناعه؟ وإذا أراد شخصٌ مثلي أن تكون له في الحياة معتقداتٌ نقدية ومتطورة، وأن يسعى دوماً إلى تنقيح معتقداته وإصلاحها، فهل يمكنه أن يضمن التزامه بهذه المبادئ الأخلاقية ذاتها حتى نهاية العمر؟ بعبارة أخرى، مع تغير معتقداته – أياً كان الاتجاه الذي ستسلكه – هل ستبقى مبادئه الأخلاقية بلا تغيير؟ إلى أي حد يمكن الوثوق بادعاء مطلقية الأخلاق؟ ومسائل من هذا القبيل يمكن إضافتها إليها.
أولاً، إن القلق الذي تشعر به حيال هذا الأمر قيّمٌ للغاية وجديرٌ بالتقدير. في اعتقادي أن هذا القلق بحد ذاته يدل على حساسية أخلاقية ويقظة للضمير الأخلاقي لديك. فالشخص الذي نام ضميره الأخلاقي لا يشغله البتة أمر تأثير تحولاته الفكرية المحتملة في المستقبل على علاقاته بالآخرين، بمن فيهم شريكة حياته المستقبلية. في الواقع، سؤالك هو سؤال أخلاقي جاد. ما أقلقك هو: "أنا الذي لا أملك أي ضمان تجاه معتقداتي وقيمي في المستقبل، هل أكون قد ارتكبتُ عملاً غير لائق أخلاقياً إذا تزوجت؟".
ثانيًا، المشكلة التي أشرتم إليها في هذا السؤال لا تقتصر على أولئك الذين لا يمتلكون إطارًا فكريًا محددًا، والذين يحملون، على حد تعبيركم، معتقدات ديناميكية ونقدية ويسعون باستمرار إلى تنقيح معتقداتهم وإصلاحها. إن علل وأسباب تغير المعتقد لدى البشر شديدة التنوع، وكثير منها لا يمكن التحكم به ولا التنبؤ به. حتى أولئك الذين لا ينتهجون مثل هذا النهج تجاه معتقداتهم الراهنة، ويعيشون وهمًا باطلًا بأن معتقداتهم الحالية ستبقى على حالها إلى الأبد، معرضون لمثل هذا التغير والتحول. وعليه، فإن احتمال تغير المعتقدات في المستقبل، وما يترتب عليه من احتمال تغير المبادئ والقيم الأخلاقية التي يلتزم بها الفرد في الوقت الحاضر، قائم دائمًا وفي حق جميع البشر.
ثالثًا، هذا السؤال لا يختص بالزواج والعلاقة الزوجية، بل إن جميع العلاقات الاجتماعية، ولا سيما العلاقات طويلة الأمد، تواجه مثل هذا السؤال. ومن ثم، فإذا كان هذا الأمر، أي احتمال تغير المعتقدات في المستقبل، سيشكل عائقًا في طريق الزواج، فإنه سيعيق سائر العلاقات الاجتماعية أيضًا. وعلى هذا الأساس، يمكن الادعاء بأن سؤالكم عام تمامًا. ذلك أن جميع العلاقات الاجتماعية المستقرة تقوم على معرفة يمتلكها طرفا العلاقة بشخصية كل منهما وبمنظومة المعتقدات والقيم التي يتبناها كل منهما. فإذا لم يكن رد فعل الطرف الآخر قابلًا للتنبؤ في مختلف المواقف، فلن تتشكل معه علاقة مرغوبة وحميمية وقائمة على الثقة. والتنبؤ بردود أفعال الآخرين لا يتأتى إلا في ضوء معرفة شخصياتهم ومعرفة المبادئ التي يتبعها ذلك الشخص في سلوكه وكلامه.
رابعًا، هذه المشكلة لا تخصكم وحدكم، بل إن من سيكون شريك حياتكم في المستقبل يواجه تمامًا مثل هذه المشكلة وهذا السؤال، وإذا كان يحمل همّ العيش الأخلاقي، فلا بد له من أن يجد إجابة مقنعة عنه.
ذكرت كل هذا لأخلص إلى أن احتمال تغير المعتقد في المستقبل، وكذلك احتمال مراجعة المبادئ الأخلاقية التي يتبناها الشخص، لا ينبغي ولا يمكن أن يشكل مانعًا من الزواج أو من إقامة أي علاقة أخرى مع الآخرين. في الواقع، السؤال الأساسي هو: «هل العيش الأخلاقي في ظل اللايقين إزاء المستقبل ممكن؟». في اعتقادي، الإجابة عن هذا السؤال إيجابية، لأنه كما قال الفلاسفة: «أقوى دليل على إمكانية شيء هو وقوعه». المغزى هو أن العيش الأخلاقي رهن بالصدق والجدية في تشخيص الواجب الأخلاقي وأدائه، لا رهن بثبات المعتقدات والقيم وعدم تغيرها. ما دام الشخص يسعى بصدق وجدية إلى تشخيص واجبه الأخلاقي على نحو صحيح ويعمل به، فإن حياته أخلاقية. أما ما سيحدث في المستقبل، وما إذا كان تغير معتقداته في المستقبل سيؤدي إلى تغير القيم الأخلاقية التي يتبناها أم لا، فلا دور له في أخلاقية عيشه، لا في الحاضر ولا في المستقبل.
وعلى هذا الأساس، فإن الوعد الذي يمكنكم ويحق لكم أن تقدموه لشريك حياتكم المستقبلي عند الزواج ليس أن وضعي الفكري والاعتقادي سيبقى ثابتًا على الدوام. والطرف الآخر أيضًا لا يمكنه أن يقدم لكم مثل هذا الوعد، وأساسًا، وبالنظر إلى التوضيحات السابقة، فإن قبول مثل هذا الوعد من شخص ما لهو دليل على سذاجة وحماقة. أقصى وعد يمكنكم أن تقدموه للآخر هو أن تسعوا جاهدين لتكونوا إنسانًا صالحًا، أي أن تتحلوا بالصدق والجدية في تشخيص الواجب والعمل به. وما يتجاوز ذلك هو خارج عن سيطرتكم وإرادتكم وغير قابل للتنبؤ.
السؤال الذي ينبغي أن تضعوه أنتم والطرف الآخر في الاعتبار عند اتخاذ القرار بشأن الزواج ليس: «هل ستبقى المبادئ الأخلاقية التي أتبناها أو يتبناها الطرف الآخر ثابتة أم لا؟»، بل هو: «هل أنا، أو هل الطرف الآخر، إنسان أخلاقي أم لا؟». وتعريف الإنسان الأخلاقي ليس: «أن معتقداته وقيمه الأخلاقية في المستقبل ستكون عين معتقداته وقيمه الأخلاقية التي يتبناها في الوقت الحاضر»، بل هو: «أنه يسعى بصدق وجدية إلى العيش أخلاقيًا». والنتيجة هي أن العيش الأخلاقي ليس رهنًا باليقين إزاء الحاضر والمستقبل وبثبات المعتقدات والقيم، بل هو رهن بإرادة العيش الأخلاقي والسعي المصحوب بالصدق والجدية في سبيل تحقيق هذه الإرادة.
في الختام، لا بأس من الإشارة إلى ملاحظتين. الأولى هي أن صياغتكم للسؤال المطروح ليست دقيقة. ذلك أن «الثبات» و«التغير» يختلفان عن «الإطلاق» و«النسبية». سؤالكم لا علاقة له بكون القيم الأخلاقية مطلقة أو نسبية. حتى أولئك الذين يعتقدون بإطلاق القيم الأخلاقية قد يتغير رأيهم في المستقبل بشأن تلك القيم المطلقة، وقد تحل قيم مطلقة أخرى محل القيم المطلقة الحالية في منظومتهم القيمية المعتمَدة. علاوة على ذلك، وكما أن تغير معتقدات الشخص الأخلاقية أمر محتمل، فإن تغير معتقداته الميتا-أخلاقية محتمل أيضاً، بمعنى أن من يعتقد حالياً بأن القيم الأخلاقية مطلقة، قد يغير رأيه هذا في المستقبل لأي سبب أو داعٍ ويميل نحو النسبوية.
كل هذا يدل على أن العيش الأخلاقي في الزمن الحاضر لا يتوقف على أحداث وتطورات لا يمكن التنبؤ بها قد تقع في المستقبل. ويشير قيد «لا يمكن التنبؤ بها» إلى أن النتائج التي قد تترتب في المستقبل على سلوكيات الفرد الحالية، إذا كانت قابلة للتنبؤ وذات أهمية أخلاقية، فإن الشخص يكون مسؤولاً عنها، ويجب أخذها في الاعتبار عند تشخيص الواجب واتخاذ القرار بشأن خيرية الفعل وشريته وصوابه وخطئه.
أما الملاحظة الثانية فهي أن الجواب أعلاه على السؤال المطروح يحتمل سوء الفهم. لا ينبغي أن يُفهم هذا الجواب على أنه تأييد للفوضوية الأخلاقية، أو الشكوكية الأخلاقية، أو النسبوية الأخلاقية. أولئك الذين هم شكاك أو نسبويون أو فوضويون في حقل الأخلاق، هم كذلك في الزمن الحاضر وفي سلوكياتهم الراهنة. عدم اليقين إزاء المستقبل ليس دليلاً جيداً على الشكوكية أو النسبوية أو الفوضوية في الزمن الحاضر.
مع المحبة والإخلاص
علي
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.