اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإنسان السليم يختبر الحزن كما يختبر الفرح؛ أما الثبات على حال واحدة فدليل رياء أو انسداد في الروح. يرى الحكماء أن الغم والسرّ مادّة لتصفية النفس لا ينفصلان؛ فالحياة تستمد معناها من المصالحة مع كليهما ومن اختبار الدمع والابتسام.

يبدو أن وضع الوجود والحياة، على نحوٍ يجعل الفرد الذي يتمتع بعاطفة سليمة وضمير نيّر وحسّاس، يختبر مواقف الحزن كما يختبر حالات الفرح. فالبقاء على حالٍ واحدة، إما أن يكون علامة رياء وتصنّع ورقابة ذاتية وتزوير (أيّاً كان القصد والغرض)، وإما أن يدل على انسداد منافذ الروح وتنافر الإحساس، بحيث لا تنفذ إلى عيوننا وقلوبنا تلك الأبعاد المولّدة للفرح أو المثقلة بالحزن.
من الأفضل، بدلاً من المكابرة مع الذات والآخرين، ألا نحرم أعيننا، بإسدال ستار عليها، من مشاهدة ابتسامة الشمس، وألا نفوّت السياحة في «فسحة أحزان الحيوات» من وراء زجاجٍ ضربه المطر وكساه البخار.(1)
لندع أعيننا تحتك بالوجود، كما هو، وبما يتشكل ويتلون به كل مرة. لنذهب لمشاهدة الحياة، تارةً من نافذة الفرح، وتارةً من كوّة الحزن. ألا ننسى الفرح، وإن كان حضور الموت القاطع يزلزل كيان الحياة. لنتعلم من الأشجار.(2)
من علامات سلامة النفس وطهارة الجِبِلّة ألا يستقر المرء على حالٍ واحدة دوماً. فلا هو مقيم في الفرح على الدوام، ولا هو ساكن الحزن أبداً.
فمن هو فرحٌ على الدوام، محروم من تجربة بعض الساحات الأصيلة والأطراف البالغة الأهمية في الوجود. ذلك أن نماءنا العاطفي والفكري، في أحيان كثيرة، رهين بتجربة الحزن.(3)
فضلاً عن أن الفرح الدائم، يشير إلى أننا، في علاقتنا بالأبعاد المأساوية والمؤلمة للوجود والحياة، قد أصبنا بنعاس، وخَدَر في الإحساس، وغفلة.
ومن جهة أخرى، فالحزن الدائم هو أيضاً علامة مرض أو رياء(4). فإما أن زجاج أرواحنا قد علاه الغبار، حتى لم يعد يلوح في الأفق أي نقطة مضيئة ومشرقة تبعث على السرور؛ وإما أن الرغبة في الظهور بمظهر مختلف وحب البروز قد بلغت شدةً جعلتنا نتخذ من خندق الحزن مقاماً دائماً (والويل من خداع النفس). وكأن شأننا ورتبتنا الوجودية أسمى من أن نسرّ، مع كل هذه الجوانب القاتمة والمولّدة للحزن، بأفراح عامة الناس الصغيرة والضحلة. نحن متميزون ومختلفون عن الآخرين، لأننا لا نشارك في أي ضرب من أفراح حياتهم. نعبد الحزن ونغفل عن أننا، بتعبير شمس التبريزي: «الفرح كالماء اللطيف الصافي، حيثما حلّ نبتت زهرة عجيبة.»(5)
يبدو أن وضع الوجود والحياة، على نحوٍ يجعل الفرد الذي يتمتع بعاطفة سليمة وضمير نيّر وحسّاس، يختبر مواقف الحزن كما يختبر حالات الفرح. فالبقاء على حالٍ واحدة، إما أن يكون علامة رياء وتصنّع ورقابة ذاتية وتزوير (أيّاً كان القصد والغرض)، وإما أن يدل على انسداد منافذ الروح وتنافر الإحساس، بحيث لا تنفذ إلى عيوننا وقلوبنا تلك الأبعاد المولّدة للفرح أو المثقلة بالحزن.
لعل هذه التوضيحات تمكّننا من فهم لماذا قال العارف الشهير، الجنيد البغدادي:
«الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمرائي [الرياء] يبقى أربعين سنة على حال واحدة.»(6)
وقد قال مولانا جلال الدين الرومي في تصوير حاله الوجودي:
«أحوالي متضادة بعضها مع بعض
كل واحد منها مخالف للآخر في الأثر
انظر إلى موج جيوش أحوالي
كل واحد منها في حرب وضغينة مع الآخر»
(المثنوي، الدفتر السادس)
تارة يجعلني فرحاً كالبستان
وتارة يجعلني كالشتاء
تارة يجعلني فاضلاً أستاذاً
وتارة يجعلني طفلاً في الكتّاب
تارة يضربني بحجر فيحطمني
وتارة يجعلني سلطان الدرر
تارة يجعلني ينبوع شمس
وتارة يجعلني الليل كله
(غزليات شمس)
يخبرنا الحكماء بأن الحزن والفرح، كلاهما، وسيلة لتنقية الروح وسمو وجودنا. الحزن كالدخل، والفرح هو إنفاقه. الفرح يتغذى من الحزن. الفرح العميق يأتي بعد تجاوز حزن عميق. إن أنفقت باستمرار، يفرغ دخلك. نحن نعيش في عالم الأضداد، ووجود الفرح رهين بوجود الحزن. كان مولانا يقول إن الحزن وإن كان قاطع طريق للفرح، إلا أنه صانعه أيضاً. تعبير مولانا التمثيلي هو أن الحزن كالشتاء الذي يُسقط أوراق الشجر الصفراء، لتنبت من جديد في الربيع أوراق خضراء يانعة، و«قند شادی میوهی باغ غم است»(7)
بالنظر إلى فائدة الحزن والفرح وارتقائهما معاً، كان الحكماء يسعون للتمتع بنصيبهم من كل منهما، ويعتبرون كلا الموقفين فرصة ثمينة للوصول إلى عوالم الحياة غير المكتشفة. يقول جبران خليل جبران:
«فرحكم هو حزنكم منزوع القناع.
والبئر التي تنبع منها ضحكاتكم، كثيراً ما ملئت بدموعكم...
وكلما تعمق الحزن في كيانكم، اتسع مكان الفرح في وجودكم.
أليست الكأس التي تحوي خمرتكم هي ذاتها التي احترقت في أتون الفخاري؟
أليس الناي الذي يسكن أرواحكم هو الخشبة ذاتها التي جُرح جوفها بالسكين؟
حين تفرحون، انظروا إلى أعماق قلوبكم لتروا أن منبع الفرح ليس سوى منبع الحزن.
وحين تحزنون، انظروا أيضاً في قلوبكم لتروا أنكم في الحقيقة تبكون على ما كان يوماً مصدر فرحكم.
بعضكم يقول: الفرح أسمى من الحزن، وبعضكم يقول: لا، بل الحزن أسمى. أما أنا فأقول لكم إنهما لا ينفصلان.
إنهما يأتيان معاً، وحين تجلسون مع أحدهما على المائدة، تذكروا أن الآخر راقد في فراشكم.»(8)
يكتب كريستيان بوبان:
«ينبغي أن تكون لنا في حياتنا حياة مزدوجة، وفي قلوبنا دم مزدوج، فرح مع ألم، ضحك مع حزن، كحصانين مربوطين بعربة واحدة، وكل منهما، بجنون، يشد العربة نحو نفسه.»(9)
«الحياة مزيج من الفرح والحزن
أحب أنا هذا الاقتران
وإن قالوا: الفرح أفضل
أحب البكاء مع الابتسام»
(قيصر أمين بور)
الانفتاح على الحياة والصدق مع الذات، يوصلاننا إلى ملتقى الدمع والابتسامة. إلى مصالحة مع كليهما، وتجربة متناوبة وحيناً بعد حين للدمع والابتسامة. قال جبران خليل جبران:
«أمنيتي أن تتلخص حياتي في دمعة وابتسامة: دمعة تطهر قلبي وتكشف لي دروب الحياة المتعرجة. وابتسامة تطلعني على أسرار ذاتي وتكون رمزاً لتسبيح آلهتي. دمعة لمشاركتي منكسري القلوب، وابتسامة تبهج لحظة من حياتي.»(10)
---
الهوامش:
1- «برای شاعر، حُزن، پنجرهای بخارگرفته مابینِ خویشتن و جهان است. نمایی که او از زندگیِ حُزنآلود میسازد، جذّابتر از خودِ زندگیست.»(اورحان پاموک؛ استانبول: خاطرات و شهر؛ ترجمهی شهلا طهماسبی؛ انتشارات نیلوفر)
2- «شادی را از یاد مبر!-
این است زمزمهی درختانِ دانا
در آستانهی درهم شکستن و
فروغلتیدن بر زمین، زیر ضربههای تبر.
شادی را از یاد مبر!
تا وقتی روی خاک ایستادهای.
تا وقتی نسیم چهرهات را مینوازد،
تا وقتی نفس تازه میکنی زیرِ آسمان بیکران
حتى تخلد الفؤوس إلى سباتها."
(السيدة بلاغا ديميتروفا - شاعرة بلغاريا الوطنية)
3- "يستطيع الإنسان أن يكتسب الحكمة بطريقتين: دون عناء عبر المعلم، أو مقرونة بالعناء عبر الحياة.
تشير القرائن إلى أننا إن كنا مغمومين فذلك خير من أن نكون مسرورين، فالبهجة ضرورية لأجسادنا لكن الحزن هو ما يقوّي قدرة الذهن. وربما كان من الطبيعي أن نبقى أبله حين يكون كل شيء على ما يرام. حين تكون سيارتنا خالية من العيوب، أي دافع لدينا لنتعلم وظائفها الداخلية المعقدة؟ حب امرأة نحتاجها لكنها في الآن ذاته تؤلمنا وتُجلّي فينا مشاعر شتى هو أعمق وأكثر حيوية بكثير من رجل عبقري يجذب انتباهنا، فملاحقة علاقة عاطفية مؤلمة أفضل بكثير من قراءة مؤلفات أفلاطون وسبينوزا.
الإحساس بالأشياء على مستويات معينة هو بمثابة اكتساب المعرفة، فالتواء الكاحل يعلمنا بسرعة حفظ توازن الجسد، والحازوقة تجبرنا على الانتباه إلى جوانب كانت مجهولة حتى الآن من شبكتنا التنفسية، والبقاء في فراق المعشوق هو تعريف كامل لآلية التعلق العاطفي.
الأفكار التي تُحصل دون عناء تفتقر إلى مصدر مهم للدافع...
تحمل الألم وحده ليس كافياً، أهم صفة للمعاناة هي أنها تتيح إمكانيات للذكاء والفضول الخلاق.
يكمن فن الحياة برمته في أن ننتفع بالأشخاص الذين يتسببون في إيلام خواطرنا.
الأحزان حين تتحول إلى فكر ونظر، تفقد شيئاً من قدرتها على تجريح قلوبنا. ومع ذلك، غالباً لا يتحول الألم فينا إلى فكر ونظر، وبدلاً من أن يمنحنا فهماً أفضل للواقع، يدفعنا في المسار القاتل لعدم التعلم، فلا نتعرض لأوهام أكثر فحسب، بل ننخرط في التفكير أقل مما كنا عليه قبل المعاناة... هذا يعني أننا أصبحنا متألماً سيئاً."
(كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك، آلان دو بوتون، ترجمة غلي إمامي، منشورات نيلوفر)
4- "أدبنا، وبخاصة الأدب الرومانطيقي، قد مجّد الحزن وربّاه ونشره. لكن ليس ذلك الحزن الفاعل والثابت الذي يدفع المرء إلى أشد الأعمال افتخاراً، بل نوعاً من الخمول الروحي الذي كانوا يسمونه المالنخوليا. خمول كان يجعل جبين الشاعر يبدو شاحباً على نحو مستحب ويملأ نظراته بالأسى على الماضي. ولم تكن الرغبة في مسايرة الموضة ونيل استحسان الآخرين بلا تأثير في هذا الشأن. كانت البهجة تبدو أمراً مبتذلاً ينم عن صحة حمقاء. وكانت الوجوه تنقبض لدى رؤية ضحك الآخرين. كان الحزن قد احتكر الروحانية، وبالتالي كان يحكي عن العمق والتأمل العميق.
منذ زمن بعيد، بدت لي البهجة أعصى على المنال، وأصعب، وأجمل من الحزن. وحين بلغت هذا الاكتشاف، الذي ربما كان أهم اكتشاف يمكن بلوغه في الحياة، لم تعد البهجة بالنسبة لي مجرد حاجة طبيعية (كما كانت) - بل تحولت إلى التزام أخلاقي. توهمت أن أفضل وأضمن سبيل لنشر السعادة من حولي هو أن أقدم أنا نفسي صورة حية عنها، وعقدت العزم على أن أكون سعيداً.
أن المرء قد خُلق للسعادة، هو بلا شك درس نتعلمه من الطبيعة جمعاء.
حقاً إن شعوري بالبهجة من العيش لقوي إلى حد أنني أحياناً ما أرتاد الشك وأسأل نفسي: ألم تكن رغبة الوجود كامنة فيّ، حتى لو لم أكن موجوداً؟
أمقت كل شخص وكل شيء يحط من كرامة الإنسان، وأمقت كل شخص وكل شيء يريد أن ينتقص من عقله، ومن ثقته بنفسه، ومن رشاقته. لأنني لا أقبل أن يكون العقل ملازماً دوماً للبطء وانعدام الثقة. ومن هنا أعتقد أن الأطفال غالباً ما يتمتعون بقدر أوفر من العقل والحكمة مقارنة بالشيوخ."
(مائدة الأرض ومائدة التجدد، أندريه جيد، ترجمة مهستي بحريني، منشورات نيلوفر)
5- «لقد تركوا الفرح وعبدوا الغم... الفرح كالماء العذب الصافي، حيثما يحلّ تنبت زهرة عجيبة في الحال. الغم كالسيل الأسود، حيثما يحلّ يذبل الزهرة، وتلك الزهرة التي تنوي الظهور، لا يدعها تظهر.» (مقالات شمس التبريزي، تصحيح محمد علي موحد)
6- الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري، نشر علمي فرهنكي.
7- الألم والغمّ لأجل ذاك قد خلق الإله
كي يظهر الضدّ بهذا سرور القلب و انشراحه
(المثنوي: الدفتر الأول)
إذا ما جاءك قبض أيها السالك
فذاك صلاحك، لا تكن قلباً محترقاً
لأنك في صرف ذاك البسط والانفتاح
لا بد للصرف من دخل بالاستعداد
لو كان فصل الصيف دائمًا أبدًا
لأحرق وهج الشمس في البستان
نباته من الأصل والجذور
فلا يعود ذلك القديم طريًّا بعدها
إن كان ذاك الشتاء عابسًا فهو مشفق
والصيف ضاحك لكنه محرق
إذا جاءك القبض فانظر فيه البسط
كن طريًّا ولا تجعّد جبينك
سكّر الفرح ثمرة بستان الغم
هذا الفرح جرح وذاك الغم مرهم
إذا رأيت الغم فضمّه إلى كنفك بعشق
وانظر من أعلى الربوة إلى دمشق
(المثنوي: الدفتر الثالث)
فكر الغم إن كان يقطع طريق الشادي
فهو يدبّر تدبيرات الشادي
يكنس البيت بسرعة من الغير
كي يدخل فرح جديد من أصل الخير
ينفض الورق الأصفر من غصن القلب
كي ينبت الورق الأخضر متصلاً
مهما أراق الغم من القلب أو أزال
فإنه حقًّا يأتي بالأفضل عوضًا
لو لم يأت العبوس بالسحاب والبرق
لاحترق الكرم من تبسمات الشرق
(المثنوي: الدفتر الخامس)
8- النبي، جبران خليل جبران، ترجمة نجف دريابندري، نشر كارنامه.
9- مجنونة، كريستيان بوبان، ترجمة مهوش قويمي، نشر آشيان.
10- دمعة وابتسامة، جبران خليل جبران، ترجمة الدكتور سيد رضا افتخاري، نشر سنبله.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
عقل و غم توامان همدرد اند ،. هر که را عقل هست شادی نیست ایا شاد شدن به معنی غافل شدن نیست در کنار شاهان همیشه دلقکهایی بود که آنها را بخنداند و غافل کند تا متوجه تهدیدهای دشمنان نشوند
دمی با غم به سر بردن جهان یک سر نمیارزد