اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يدفع الفقر، عبر استنزاف الطاقة الذهنية وإضعاف الأداء المعرفي، الأفرادَ نحو قراراتٍ تُكرّس حلقةَ العَوَز؛ ويُظهر باحثو الاقتصاد السلوكي أن نُدرة الموارد تُلقي بعبءٍ معرفي ثقيل على كاهل المرء، بمعزلٍ عن مستواه التعليمي.

يبدو أن الفقر نار محرقة تستعر بين العائلات والأحياء والقرى والمدن وسائر البلدان، تنتقل من جيل إلى جيل وتترك الأفراد في حفر اجتماعية-اقتصادية يستحيل الخروج منها أحياناً. وقد وجد الباحثون أن ثمة علاقة بين الفقر والسلوكيات الإشكالية كسوء الإدارة المالية وتدني الإنتاج. ومن أهم الأسئلة المطروحة في هذا المجال: ما العامل الذي يجعل الفقير يبقى فقيراً أو يعجز عن الإفلات من شرك الفقر؟
يقترح عدد من المتخصصين في الاقتصاد السلوكي تعريفاً ونظرة جديدة. فقد طرح شفير، الأستاذ في جامعة برينستون الأمريكية، ومعه مولايناثان، الأستاذ في جامعة هارفارد، مقاربة مختلفة من خلال النظر إلى أثر الفقر على السلوك وطريقة اتخاذ القرار. وقد تولى شفير شرح هذه الرؤية في افتتاح مؤتمر العلوم النفسية في هولندا عام 2015، وهو ما سنتناوله بالتفصيل لاحقاً. تظهر بياناتهما أن الفقراء، خلافاً للاعتقاد السائد، يتخذون قرارات دقيقة للغاية؛ فهم يوازنون مبادلاتهم، ويولون الأسعار اهتماماً خاصاً، ويخصصون مواردهم بعناية. غير أن تركيزهم الشديد على «إطالة أمد الموارد الشحيحة» يمكن أن يستنزف كل قدراتهم الذهنية، بحيث لا يتبقى لديهم «نطاق ترددي معرفي» يمكّنهم من السعي وراء الفرص الوظيفية والتعليمية وغيرها من الفرص التي تخرجهم من شرك الفقر. وفي سلسلة من تجاربهم التي نُشرت عام 2013 في مجلة «ساينس»، وجدوا أن الأفراد الذين يعانون من مشكلات مالية يظهرون تراجعاً في أدائهم المعرفي يعادل انخفاضاً قدره 13 درجة في اختبارات الذكاء (وكأن المرء لم ينم ليلة كاملة). وفي دراستهم، توجهوا إلى أحد المتاجر الكبرى في نيوجيرسي وطلبوا عشوائياً من 400 مشارك من مستويات مالية مختلفة أن يشاركوا في بحثهم. طُلب من المشاركين التفكير في كيفية حل سلسلة من المشكلات المالية «الافتراضية»، كمشكلة دفع تكاليف تصليح السيارة. وُضع بعض الأفراد في مجموعة السيناريوهات السهلة، كفاتورة ميكانيكي بقيمة 150 دولاراً فقط (مبلغ منخفض)، بينما وُضع آخرون في مجموعة السيناريوهات الصعبة، كتكلفة تصليح سيارة بقيمة 1500 دولار (مبلغ مرتفع). وبينما كان المشاركون يفكرون في هذه السيناريوهات، أجابوا على عدة اختبارات صُممت لقياس ذكائهم وإدراكهم. كما قُسّم الأفراد بناءً على وضعهم المالي إلى مجموعتين: «فقراء» و«أغنياء». وجد الباحثون أنه في السيناريوهات المالية القابلة للإدارة (السهلة)، أظهرت المجموعتان أداءً متطابقاً في الاختبارات المصممة، لكن في السيناريوهات المالية الصعبة، كان أداء المشاركين في مجموعة الفقراء أسوأ بشكل ملحوظ من مجموعة الأغنياء. ولتأكيد النتائج واستكشاف آثار الفقر في البيئات الواقعية والطبيعية، فحص هؤلاء الباحثون 460 مزارعاً لقصب السكر في الهند [ممن يكونون فقراء عموماً قبل الحصاد السنوي وأغنياء بعده]. كان أداء كل مزارع في الاختبارات المصممة بعد الحصاد أفضل منه قبله. في الواقع، كان أداؤهم في اختبارات الذكاء، مع تساوي مستوى التعليم والصحة، حين كانوا في حالة «وفرة»، أعلى بنحو 10 درجات مما كانوا عليه حين كانوا في حالة «ندرة».
لذلك، وفي هذا المنظور، يُعد الفقر حالة قائمة على الموقع. يمكننا أن نأخذ شخصاً ثرياً ونمنحه «إحساس» الفقر، وسيتخذ عندها القرار ذاته الذي نراه عادةً لدى الفقراء والمرتبط بفخ الفقر؛ وبالتالي فإن الندرة بحد ذاتها ستؤدي إلى الفشل. في دراسة أخرى، حاول شفير ومولايناثان مع فريق من خبراء الاقتصاد السلوكي عام 2012 دراسة أسباب لجوء المقترضين الذين يواجهون نقصاً في السيولة النقدية، وغالباً ما ينجذبون إلى أساليب الإقراض التي تتطلب فائدة عالية (مثل القروض ذات الفائدة اليومية). قاموا بتوزيع الطلاب عشوائياً إلى مجموعتين: «فقراء» و«أغنياء». الأفراد الذين وُضعوا في المجموعة الضعيفة خُصصت لهم موارد أقل (مثل الوقت) في لعبة لكسب المال. لعب المشاركون عدة جولات، وفي بعض الحالات كان بإمكانهم اقتراض «الوقت» من جولاتهم المستقبلية مع دفع فائدة (على سبيل المثال، كان بعض المشاركين، باقتراض ثانية واحدة من الوقت الحالي، يدفعون ثانيتين في المستقبل). وجد الباحثون أن المشاركين الأغنياء كانوا يميلون إلى تجنب الاقتراض بتكلفة عالية، بينما كان المشاركون الفقراء يقترضون بسرعة، ويُفرطون في الاقتراض، ويستنفدون وقتهم المخصص مبكراً، وفي النهاية كانوا يغادرون المختبر بأموال أقل وفي وقت أقل. غالباً ما تُعزى سلوكيات كهذه إلى قصر نظر الفقراء ونقص في التحكم، باستثناء أن الفقراء هذه المرة كانوا طلاباً في جامعة برينستون الأمريكية؛ وبالتالي فإن الندرة يمكن أن تؤثر حتى على الأفراد المتميزين.
«في الحقيقة، يمكن أن يؤدي نقص الوقت والاهتمام والمال إلى قرارات وسلوكيات تُديم الفقر، وبعبارة أخرى، يستهلك الفقر الموارد الذهنية للفرد ويفرض عليه عبئاً معرفياً». يقترح شفير أن السياسات والخدمات المصممة بهدف مساعدة الفقراء يجب أن تأخذ في الاعتبار أن الفقر يؤثر على الأداء المعرفي للفرد. يمكن أن يشمل ذلك تبسيط الخطوات المعقدة عموماً لطلبات التوظيف وغيرها من النماذج التي تشكل تحدياً للأفراد وتفرض عليهم موارد ذهنية مفرطة أثناء تعبئتها. دون أخذ هذه المسائل بعين الاعتبار، فإن المجتمع هو الذي سيمنع ظهور قدرات الفرد على النجاح.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
مقاله خوبی بود با تشکر از خانم موسوی از انتخاب خوبشان برای ترجمه. اقتصاد تاثیر مستقیم در برخی خلقیات هم داره غالبا شخص با پشتوانه مالی خوب اعتماد به نفس بالایی دارد دیرتر عصبانی میشود کنشهای احساسی و غیر عقلانی اش کمتر است این ادعایی که میکنم نیازمند مطالعات میدانی بیشتری است ادعا این است که بین دارایی مکفی مادی و دارایی روحی و غنای اخلاقی ارتباط تنگاتنگی است و مقصود از غنای اخلاقی فضائلی همچون بردباری گذشت نوع دوستی اعتماد به نفس و...
سلام میشه مشخصات متن اصلی (که این نوشته ترجمه اون هست) رو بذارید؟ ممنون