اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
بوسع الإنسان، فضلاً عن كونه ممثلاً، أن يكون متفرجاً على حياته أيضاً؛ فالحياة الواعية تتشكل عبر أخذ هذه النظرة والأسئلة الجوهرية على محمل الجد. الفلسفة هي علم الأسئلة الجذرية، والفيلسوف يختار معيشةً ناظرةً إلى هذه الأسئلة.

يمر كل واحد منا باستمرار بتجارب؛ الحزن، الفرح، الأمل، اليأس، النجاح، الفشل، الحب، الكراهية، السكينة، القلق، الندم، الحسرة، الحسد، المعرفة، الجهل، الكد والتقلا، السكون والراحة، العلاقة، القراءة، الأكل، المرض، الوعي بالموت والتفكر فيه، موت الأعزاء، الترفيه، التفكير وما شابه ذلك. نحن نعيش، وبتعبير آخر، نحن ممثلو حياتنا، وبحكم العيش، نتذوق الطعم الحلو أو المر لهذه التجارب بشكل متكرر. وفي خضم ذلك، نمتلك القدرة على أن نكون ليس فقط فاعلين وممثلين في حياتنا، (وهو أمر لا مفر منه لنا ما دمنا نفضل العيش على عدمه ونحيا)، بل أن نكون مراقبين ومتفرجين عليها أيضاً، أي أن ننظر، على الأقل أحياناً، من الأعلى إلى أنفسنا وإلى التجارب التي تمر بنا. إذن، نحن لا نمثل حياتنا فحسب، بل يمكننا أيضاً أن نتفرج على هذه الحياة ذاتها. ومن هنا يمكن التمييز بين نوعين من النظر؛ النظرة من الداخل والنظرة من الخارج. النظرة من الداخل نظرة تمثيلية، والنظرة من الخارج نظرة تفرجية.
على سبيل المثال، تأمل سعيداً وبابك اللذين لديهما مواجهتان مختلفتان تجاه جسديهما. سعيد غير مبالٍ في طعامه وشرابه ويأكل كل ما يحب. ليس لديه برنامج محدد للنوم، ونومه واستيقاظه مرتبطان بظروف عمله. لا يهتم بالفحوصات الدورية. ليس لديه نظام غذائي خاص مبني على ظروفه البدنية الخاصة. لا يمارس الرياضة وليس لديه حركة كافية. بشكل عام، ليس لديه أي اهتمام بصحته ويفتقر إلى المعلومات الضرورية والحد الأدنى حول أساليب الحفاظ على الصحة، وأعراض وعلامات الأمراض.
والآن، تأمل بابك الذي يجري فحوصات دورية كما يوصي الأطباء بناءً على الظروف العمرية. هو، بناءً على هذه المعلومات العامة الضرورية للفرد، وبناءً على توصية الأطباء، يمارس الرياضة بانتظام. بشكل عام، يهتم بصحته ويتمتع بالمعلومات الضرورية والحد الأدنى حول علامات الجسد السليم وكذلك أعراض وعلامات الأمراض.
مواجهة سعيد وبابك مع جسديهما هما نوعان من المواجهة؛ كلاهما، بتعبير ما، يعيشان جسديهما، لكن سعيداً اكتفى بهذا ونظرته محصورة في النظرة من الداخل، بينما بابك نمّى في نفسه النظر من الخارج أيضاً، أي أنه لأنه ينظر إلى صحته الجسدية من منظور أعلى، يمكنه رصد كيفيتها وتقييم جودة صحته. ورغم أن سعيداً لا يخلو من النظرة التفرجية إلى حال جسده، إلا أن بابك استخدم هذا النوع من النظر بجدية أكبر. وعلى هذا القياس، يمكن أن تكون مواجهتنا لحياتنا أحد هذين القسمين، على هيئة طرفي طيف. نوع الحياة التي تكون في مواجهة الأمور تمثيلية ومن الداخل، نسميها الحياة اللاواعية، وتلك التي تكون في مواجهة الأمور تفرجية ومن الخارج، نسميها الحياة الواعية.
أشير سابقاً إلى أنه في كلا الحياتين، وبشكل مشترك، توجد أنواع من التجارب. إضافة إلى ذلك، يتمتع كلا النوعين من العيش بالنظرة التفرجية، لكن الفرق بينهما يكمن هنا في أن الحياة الواعية هي نتيجة الاعتراف بالنظرة التفرجية ومن الأعلى إلى الحياة وأخذها على محمل الجد. مثل هذا الفرد الذي عقد العزم على العيش الواعي لا يمر بجانب أحداث الحياة بقلب فارغ، بل يسعى، عبر التفكر والتدبر في خلفياتها وعواقبها، إلى منح حياته عمقاً وغوراً. بعبارة أخرى، في الحياة اللاواعية، يبدو الفرد وكأنه يختبر هذه الأمور فقط ويتذوق مقتضياتها بما يتناسب مع كل حالة، فهو مثلاً حزين بحزنه ومستمتع بلذته، فقط هذا وحسب. لم يدخل إلى مستوى أعمق من هذه الأمور وما هو أمامه. أما في الحياة الواعية، فالفرد ليس فقط مختبراً بل متفرجاً على أنواع الحالات والحوادث، وبشكل عام، التجارب. هذه المشاهدة تدفعه إلى تحليلها وتفسيرها وتقييمها، وبنظرة أعمق إلى الأحداث الداخلية والخارجية لحياته، يصل إلى طبقاتها التحتية.
الجدية في متابعة هذا النوع من الحياة تدخل الفرد إلى مملكة يسكنها نمطان من الأسئلة. تأمل الفرق بين الأسئلة التالية:
1-أ) كيف يمكن أن يكون المرء سعيداً وأن تكون له حياة طيبة؟
1-ب) هل للحياة قيمة؟ ما معنى الحياة؟
1- أ) هل تأثير شهر الميلاد على شخصية الإنسان حقيقي؟
1-ب) ما الحقيقة؟ كيف يمكن إدراك حقيقة الأشياء؟ هل يستطيع الإنسان بلوغ الحقيقة؟
1- أ) ما الدليل الذي لديك على أن التدخين يزيد من خطر الإصابة بسرطان المعدة؟
1-ب) ما الاعتقاد؟ ما الدليل؟ كيف يمكن تبرير الاعتقادات؟ ما هي مصادر المعرفة وما الأدوات التي نملكها لمعرفة الأمور المختلفة؟ وما مدى مصداقيتها؟
1-أ) هل يعذّب الله من لا يؤمن به لكنه التزم بالمبادئ الأخلاقية في حياته؟
1-ب) ما طبيعة وجود الله؟ ما الأدلة المؤيدة لوجوده أو المناهضة له؟ هل يمكن أساساً معرفة الله؟ ما الأخلاق؟ هل المبادئ والقيم الأخلاقية موضوعية أم ذاتية؟ وما علاقة الله، بافتراض وجوده، بالمبادئ والقيم الأخلاقية؟
1-أ) هل الحرارة هي علة غليان الماء؟
1-ب) ما العلّية؟ هل العلاقة العلّية وصف موضوعي أم ذاتي؟ هل تسري علاقة العلّية بين جميع الموجودات؟
كما يُلاحظ، فإن المجموعة 1-ب من الأسئلة أكثر جذرية وأساسية مقارنة بالمجموعة 1-أ. لذا يمكننا تسمية أسئلة 1-أ غير أساسية، وأسئلة 1-ب أساسية. وجه تمييز الأسئلة الأساسية عن غير الأساسية يكمن في كونها نهائية؛ ففي عملية التساؤل وبعبور الطبقات المختلفة لموضوع ما، نصل في النهاية إلى أسئلة تكون نهائية بشأن ذلك الموضوع، وكأننا بلغنا قاعدة الهرم حيث لا يمكن طرح أسئلة أكثر جوهرية منها. هذه أسئلة تنظر إلى جذور مسائل الحياة المختلفة وتتوجه إلى كواليسها. إذن، فكلما لم نتوقف عند أي من الأسئلة التي تطرحها تجارب الحياة المختلفة أمامنا، وأردنا عبر التساؤل المستمر فحص أصلها وجذرها، نكون قد وطئنا أقدامنا مملكة الأسئلة الأساسية.
وهكذا، يمكن الحديث عن نمطين من الحياة الواعية: حياة تتعاطى مع الأسئلة غير الأساسية، والمهمة بالطبع، وحياة تجعل من الاشتغال بالأسئلة الأساسية نصب عينيها.
مرحباً بكم في عالم الفلسفة!
الفلسفة هي العلم الذي يضطلع بطرح الأسئلة الأساسية والاشتغال بها. الفيلسوف، بدافع اكتشاف الحقيقة، يبذل كل جهده وطاقته ليزيح السطوح والطبقات عن الأمور، فيحصل على فهم أعمق للحياة. إذن، الفيلسوف هو من عقد العزم أولاً على العيش الواعي، وثانياً اختار، من بين قسمي الحياة الواعية الكليين، العيش المتجه نحو الأسئلة الأساسية.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الدين
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
درود.ممنون از تحلیل بسیارعمیق وعالی شما. تعریف فلسفه به زبانی عام فهم و در عین حال نشان دادن نیاز به فلسفه برای زندگی آگاهانه را بخوبی توضیح دادید.