اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«الليبرالية المقنّعة» نقد للفكر الاقتصادي والسياسي لعبد الكريم سروش، يعيد قراءة آرائه في الصناعة والقناعة والسوق الحرة والتنمية والجامعة، ويطرح تساؤلات حول علاقته بالليبرالية. ويرى الكاتب أن استمرار بعض مواقف سروش منذ عقد ۱۳۶۰ حتى اليوم، ولا سيما نقده للنزعة الاستهلاكية والتكنولوجيا وتأكيده على القناعة، يتعارض مع الصورة التي تشكّلت عنه بوصفه مفكرا ليبراليا.

حين نتحدث عن «المثقفين الدينيين»، ينبغي لنا في البداية أن نوضح ما نقصده بهذا المصطلح: فـ«المثقفون الدينيون»، أو بتعبير أدق «التنوير الديني»، تيار نشأ بين المتعلمين تعليما حديثا، يسعى إلى الإصلاح «داخل» الإسلام، ولكن من «خارج» المؤسسة الدينية الرسمية، أي الحوزات العلمية التي نشأت منها مؤسسة رجال الدين، ويحاول تحسين الإسلام وتعزيزه في مواجهته للعالم الحديث وعصر الحداثة. وهذه العلاقة بين الخارج والداخل في الدين بالغة الأهمية، لأن تيارا ظهر في إيران قبل التنوير الديني، انتقل من الإصلاح «الديني» إلى إصلاح «الدين»، واستفاد من مفهوم «الغيبة» ليؤسس، بادعاء «الظهور»، دينا جديدا خارج نطاق الإسلام. ومن اللافت أن أبا التنوير الديني في العالم، السيد جمال الدين الأسدآبادي، كان هو الآخر، بسبب مقارنته بهذا النسب الفكري، ولا يزال عرضة لاتهامه بالبابية والانتماء إليها، ولم يغلق هذا الملف حتى اليوم. ولا يزال التنوير الديني بدوره عرضة لاتهام إنشاء فرقة جديدة، فيما يتنافس تفسيران له: أحدهما يراه برنامجا بحثيا للاجتهاد داخل الدين، والآخر يراه مشروعا أيديولوجيا لصناعة دين جديد. ففي التفسير الأول يكون التنوير الديني امتدادا لعنصر «الاجتهاد»، وفي الثاني يكون مصداقا لـ«البدعة».
بعد السيد جمال الدين الأسدآبادي، الذي خرج «من» الحوزة لكنه لم يبق «فيها»، نجد أنفسنا أمام ثلاثة أجيال من التنوير الديني في إيران:
كان الجيل الأول يضم مثقفين مثل مهدي بازركان ويد الله سحابي، ينظرون إلى الدين من منظور العلم، وكانوا يقصدون بالعلم المعرفة التجريبية الحديثة في العلوم الطبيعية والهندسية، التي يكون معيار علميتها التجربة، أي الاختبار. ولم يكن هذا التيار يعرف العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنه كان غريبا عن الفلسفة بوصفها أم هذه العلوم، فتحول ذلك إلى كعب أخيل لديه. ومع ظهور الماركسية بوصفها أول احتكاك للعلوم الاجتماعية الحديثة بإيران، بدأت أزمة التنوير الديني، ومع ترجمة كتاب «رأس المال» لماركس وأعمال مثل «مبادئ علم الاقتصاد» (التي ترجمها مثقفون من حزب توده مثل عبد الحميد نوشين)، صار غياب الدين عن هذا العلم مشكلة مطروحة، وكتب أبناء المثقفين الدينيين، ومنهم أعضاء في منظمة مجاهدي خلق، كتيبات مثل «الاقتصاد بلغة مبسطة» مستنسخين التعاليم الماركسية والتودية، بما أعاد إنتاج الرواية اليسارية للمجتمع.
أما الجيل الثاني من المثقفين الدينيين فكان من خريجي العلوم الاجتماعية؛ أشخاصا مثل علي شريعتي والسيد أبو الحسن بني صدر، ممن درسوا علم الاجتماع والاقتصاد. وفي ذلك الوقت كان علم الاجتماع قد بدأ حديثا يدرّس في جامعة طهران بفضل جهود أشخاص مثل غلام حسين صديقي وإحسان نراقي، لكن الطلاب الشباب مثل شريعتي وبني صدر توجهوا إلى فرنسا لسد فراغ العلوم الاجتماعية في إيران من منبعه. وليست لدينا معلومات دقيقة عن مستوى تحصيل هؤلاء الأشخاص، وعلى الرغم من اشتهارهم بحمل الدكتوراه، أي بلوغ مرتبة الاجتهاد في العلم الحديث، فإن ثمة شكوكا جدية بشأن مؤهلاتهم الدراسية.
ومع ذلك، كان الجيل الثاني من المثقفين الدينيين من أهل الخطابة والمقالة، وصاغ المفاهيم الاشتراكية التي حملها معه من فرنسا في نظريات مثل «الاقتصاد التوحيدي»، فأضفى على الإسلام طلاء ماركسيا-اشتراكيا. وكان نفي الملكية الخاصة، وتقديم المجتمع على الفرد، وإعادة بناء تقديس الدولة، ومحاربة رأس المال من ثمار هذا التيار، الذي انضمت إليه لاحقا شخصيات مثل حبيب الله بيمان، فأصبحوا أشد ماركسية من الماركسيين أنفسهم، حين تحولوا بعد الثورة، في مجلة «أمت»، واستمرارا لنظرية «المجتمع التوحيدي اللاطبقي»، إلى منظّرين للمصادرات وتأميم الاقتصاد والصناعة.
أما الجيل الثالث من المثقفين الدينيين فظهر بعد الثورة الإسلامية. وكان عبد الكريم سروش أبرز وجوه هذا الجيل، ثم انتقل محمد مجتهد شبستري، بعد مغادرته الحوزة، ومصطفى ملكيان، بعد تركه مؤسسة رجال الدين، إلى التنوير الديني، لكنهما لم يبقيا فيه أيضا. وكان هؤلاء من أهل الفلسفة وعلم الكلام والعرفان، فلم يعانوا الفقر الفلسفي الذي اتسم به الجيل الأول، ولا النزعة الماركسية-الاشتراكية التي ميزت الجيل الثاني، وكانوا يعرفون العلوم الإنسانية (لا العلوم الاجتماعية). والمقصود هنا بالتمييز بين العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية هو التمييز بين الفلسفة واللاهوت من جهة، والعلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع من جهة أخرى. وكان الجيل الثالث، من الناحية الفكرية، ناقدا للنزعة المعادية للفلسفة والفقه لدى الجيل الأول، الذي تأثر بمعلميه الخفيين، ومنهم شريعت سنكلجي، فتبنى نزعات مناهضة للفلسفة الصدرائية وعدّ الفلسفة عقيمة أمام العلم الحديث. وكان إحياء الحكمة المتعالية الصدرائية، القائمة على التقاء، بل امتزاج، الفلسفة والعرفان والفقه (الحكمة والمعرفة والشريعة)، الأساس النظري للجيل الثالث من التنوير الديني، وهو ما قرّبه من النزعة الصدرائية لدى رجال الدين (آية الله السيد روح الله الخميني، وآية الله مرتضى مطهري، وآية الله محمد تقي مصباح يزدي). ومن داخل هذه المدرسة الفلسفية أمكن استنباط نقد للماركسية أنقذ هذا الجيل من آفة الجيل الثاني من التنوير الديني، غير أن آفة أخرى كانت كامنة في هذا التيار: ففلاسفة مثل عبد الكريم سروش، وإن درسوا فلسفة العلم، كانوا في الفلسفة الإسلامية أقرب إلى علم الكلام، الذي تتمثل مهمته في تسخير العقل لإثبات الدين، لا في إعمال عقل مستقل عن الدين. وبوصفهم مثقفين حديثين، كانوا في نهاية المطاف يسعون إلى تأسيس علم كلام جديد، وبوصفهم مفكرين صدرائيين كانوا يرون سمو الحكمة والفلسفة في اقترانهما بالمعرفة أو العرفان، بل حتى بالتصوف والصوفية.
كان عبد الكريم سروش يتحدث مرارا في محاضراته ومقالاته عن حبه لمولوي، ويبدي اهتماما بالغزالي. والغزالي هو من ألّف «تهافت الفلاسفة» ردا على الفلسفة، ومولوي من كبار أئمة المتصوفة.
وهنا ينبغي أن نتأمل قليلا في العلاقة بين المثقف والحداثة: فالمثقف، في منشئه الأوروبي، ابن عصر التنوير، والتنوير في أوروبا عودة إلى العقل الفلسفي الذي تأسس في اليونان القديمة، ثم أقصي في العصور الوسطى تحت هيمنة الكنيسة الكاثوليكية. وبعد حركة الإصلاح الديني وظهور البروتستانتية بقيادة مارتن لوثر وجان كالفن، حدثت عودة إلى الفلسفة، لا من داخل البروتستانتية نفسها، بل بين الكاثوليك الإصلاحيين، وتجاوزت البروتستانتية إلى عصر النهضة في الفن والأدب والفلسفة، ومن رحم ذلك ظهرت العلوم السياسية الحديثة (نيكولو مكيافيلي)، وعلم الاجتماع الحديث (مونتسكيو)، وعلم الاقتصاد الحديث. وبهذا المعنى حدث انتقال كبير من الثورة الدينية إلى الثورة الأدبية والفنية، ومن الثورة الثقافية إلى الثورة الصناعية، ثم أخيرا إلى الثورة السياسية، وهو ما سمي بالحداثة والتنمية والتقدم. ومن ثم لا يمكن تحليل الديمقراطية من دون التنمية، ولا التنمية من دون الحداثة، ولا الحداثة من دون تحول في العلاقة بين الدين والدنيا. وما تسبب في انحراف الجيل الثالث من التنوير الديني (أي تغيير مساره على طريق الحداثة) كان غياب الفهم التاريخي. فعلى الرغم من فهمهم الفلسفي للعلم وتمكنهم من الفلسفة الصدرائية، غفلوا عن منطق التاريخ الحديث وفلسفته، وعن أن التكنولوجيا هي أساس الحداثة، وأن بلوغ الحداثة من دون الصناعة غير ممكن.
ومن الضروري هنا الإشارة إلى مثال على سوء فهم التنوير الديني للعصر الحديث، لأنه يتصل مباشرة بزمننا وبالنقاش الراهن: ففي عام 1985 ميلاديا و1365 شمسيا (أي قبل 40 عاما)، أوفدت وزارة الإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعثة إلى اليابان لزيارة معرضها الصناعي. وفي ذلك الوقت، كما هو الحال اليوم حين تبحث إيران عن «نموذج» وتلتفت أحيانا إلى روسيا، وأكثر من ذلك إلى «الصين»، بوصفها نموذجا، كانت إيران تظن أن اليابان، التي جُرحت على يد الولايات المتحدة، استطاعت تحقيق التقدم بفضل عودتها إلى التقاليد. وكان فهمنا لتقاليد اليابان ينتهي بالطبع إلى الكيمونو (اللباس التقليدي)، وهو بدوره ثمرة مباشرة وغير مباشرة لبث المسلسلات اليابانية مثل «سنوات بعيدة عن الديار» (أوشين) أو «قصة حياة» (هانيكو)، التي، على الرغم من الرقابة الشديدة على قصصها، لم تكن مهمة الرقيب فيها عسيرة بسبب ملابس النساء اليابانيات. ولم يكن أحد يهتم بمآسي احتلال اليابان واستسلامها وبغاء النساء؛ فقد كان الرقباء يصورونهن نساء شريفات مجتهدات، مطيعات تقيات، يجعلن الرجل الزاهد ملكا!
واستمرارا لهذه «الأوشينية»، توجه سروش هو الآخر إلى اليابان ليجيب عن السؤال: «ماذا يريد مجتمعنا الذي قام بالثورة أن يفعل بالصناعة؟» (تفرج صنع، ص2). وقد ذهب في رحلته حاملا حكما مسبقا مفاده أن الصناعة أشبه بـ«مارد متمرد»، نتيجته «تلويث الطبيعة، وإزالة الغفلة، وتقويض التقاليد، وقتل القناعة، وإثارة الطمع، ومضاعفة الحاجات»، وكان سروش ذاهبا إلى اليابان بنية كبح التقنية و«حلها وإذابتها» لإثبات أن «أفضل تكنولوجيا هي التي لا تكون موجودة» (المصدر نفسه، ص3). وكانت حصيلة رحلة سروش مقالة «الصناعة والقناعة»، التي نشرت ضمن كتاب «تفرج صنع» (منشورات سروش، التابعة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ۱۳۶۶).
يبدأ الدكتور سروش مقالته بالإشارة إلى «رأي المسؤولين المحترمين في وزارة الإرشاد الإسلامي» وإلى أنه ذهب «بقصد الاعتبار من صناعة أهل العلم والتقنية وتدبيرهم وحيلهم» (ص 274)، وهو ما يكشف عن حكمه المسبق. وكان فيلسوف العلم، الذي انحدر إلى دور أيديولوجي للنظام، يعلم بالطبع أن «اليابان أرادت أن تظهر انتقالها من التقليد إلى الابتكار» (ص 275)، أي أنها لم تكن تريد البقاء في التقليد، لكن حتى هذا الابتكار الياباني كان في نظره خطأ، لأن «الانتقال من تقليد الطبيعة إلى أن يصبح المرء خالقا لطبيعة أخرى يعني التشبه بالله... لقد بلغت أهواء البشر حدودا تثير الدهشة، حتى صاروا يتمنون الألوهية» (ص276). وفي الواقع يتهم سروش الإنسان المتقدم، بسبب الحداثة والتكنولوجيا، بالشرك، بل بادعاء الألوهية!
ولم يتجاوز ما أورده سروش سردا سطحيا للمعرض الصناعي، فلم ير في اليابان أيا من التقنيات الحديثة حتى بمستوى ما قد يراه صحفي اقتصادي، واكتفى في حديثه عن الجناح الإيراني بالقول إن «له أجواء روحانية». ولكن ما هذه الروحانية في معرض صناعي؟ «المقهى، الذي كان مقصد السالكين ومنتهى طريقهم ومزيل تعبهم، كان في الوقت نفسه غاية الطريق وموضوع المعرض ذاته» (ص 280).
والعجب أن فيلسوف النظام يطرب لأن جناح إيران في معرض اليابان الصناعي صُمم على هيئة مقهى، كانت فيه «جداول الماء تجري من الجهات الأربع للمقهى على مثال حديقة فين، منطلقة من حافة حوض، وكان ذلك باعثا عظيما على البهجة»، ويرعى حرمة نعمة وزارة الإرشاد الإسلامي التي أوصلت بلدا ذا صناعة مبتكرة في عقد الأربعينيات إلى فضيحة في عقد الستينيات تستبدل فيها المقهى بالمصنع! وليت سروش كتب تقريرا آخر عن ذلك المعرض! فهو يحمد الله على «التوبة التي تابها تاريخ إيران من النظام الملكي الخبيث، والغسل الذي اغتسل به بماء الثورة، والنعمة التي نالها في ظل الجمهورية الإسلامية الإيرانية» (ص 280)، ولا ندري ما المقصود بذلك؟ هل كان تأميم الصناعات وتحول المصانع إلى الخسارة وتقادم التكنولوجيا بفعل المصادرة الكبرى في سنوات 1358 هو ماء التوبة الذي طهّر صناعة إيران؟
وبعد هذا التقرير الموجز الحافل بمدح القناعة وذم الصناعة، يأتي القسم الثاني من مقالة سروش ليطرح الشك في الصناعة من منظور التصوف.
«أين ينبغي التوقف أخيرا؟ وأين ينبغي الانسحاب من سباق الصناعة؟ وما علاقة الطمع والقناعة، وهما قيمتان أخلاقيتان عظيمتان، بالصناعة؟ أليس النمو التقني اسما لطيفا لجشع الإنسان وطمعه؟ وما الذي ينبغي للإنسان أن يقنع به ولا يطمع في تجاوزه؟ ألم تنزع الصناعة الإله عن العالم؟ ألم تلق في قلب الإنسان وهم الاقتدار، وتجعل إظهار العجز أمام الله القادر بلا وجه ولا معنى؟ ألم يكن للعرفان وأفكار صوفيتنا الذين «يعلمون الناس ترك الدنيا»، ويحتقرون الهندسة و«العلم من أجل المعلف»، ويسمون علماء العلوم الدنيوية «الحائرين»، ويفضلون عليهم علم طريق الحق والقلب، دور في إخفاقات عالمنا هذا؟» (صص 282-281).
استعار سروش كل هذه التعابير من سعدي ومولوي، اللذين كان أحدهما يفضل حياة الدراويش والآخر التصوف على حب الدنيا. ولعل طرح هذه الشبهات بصيغة الأسئلة يبعث على حسن الظن بأن سروش لا يسأل مثل طالبان، بل مثل الفلاسفة، لكي يجيب عن الشبهات ويدافع عن الصناعة!
ويعزز القسم الثالث من المقالة هذا الظن الحسن، حين يتناول سروش جذور ظهور العلم والتقنية وعصر النهضة، ويشرح تحول البشرية من الكيف إلى الكم، ويهاجم الوجودية السارترية والهايدغرية أو الماركسية المحلية (التي سبقته في نقد التكنولوجيا)، وينتقدها لنفيها المنطق والروحانية.
لكن حين يصل إلى مقام «البحث عن حل» في الفصل الأخير من مقالته، يبدأ، على طريقة الأصوليين، بحديث لأبي أمامة الباهلي يرويه عن النبي محمد، مفاده أن «أدوات الزراعة وآلاتها إذا دخلت بيت أحد دخل معه الذل» (ص 292)، ثم بعد أن يعدد بعض محاسن التقنية: «تحقيق مزيد من الرفاه، وكشف أسرار الطبيعة، والسيطرة على أعداء الإنسان الطبيعيين (الفيضانات، والزلازل، والأمراض)، وتيسير الاتصالات، وتعميم المعرفة، وإنتاج مزيد من الغذاء و...» (ص 297)، يعرض «العيوب الجوهرية للتقنية»، التي لا يمكن محوها، على النحو التالي: «النزوع إلى السرعة، وتعزيز المنافسة، وقتل القناعة، ونزع القداسة، وإثارة الغفلة، وتلويث البيئة، والنزوع إلى الاستزادة، وإيقاظ هوى الألوهية، وإضرام نار الطمع، واستلاب الإنسان من ذاته، وتأجيج الشهوات النائمة، وخلق شهوات زائفة، ووضع قوى تدميرية رهيبة في أيدي غير المؤهلين، وتسخير الإنسان لخدمتها، وامتصاص الطبيعة وتحويلها إلى نفاية» (ص 297).
إن لائحة اتهام سروش ضد التكنولوجيا، وفي الحقيقة ضد التنمية، هي عريضة اتهام تجمع كل اتهامات ماركس وهايدغر ومولوي معا، وتمزج، على طريقة الحكمة المتعالية (؟!)، الفلسفة والعرفان والفقه، وهذه هي فتاوى المثقف المسلم التي تقام ضد الحداثة والتنمية:
1- المنافسة تذهب بالطمأنينة وتحرق السكينة، وتسقي شجرة العداوة، وتصب الزيت في مصباح العدوان، وتسمن طفل الغفلة، وتزيد نار التسابق اشتعالا، وتستبدل بالجنة المفعمة بالسلام والنعيم والخالية من الغل والحسد جحيما متنازعا متلهبا (ص 301).
ولا يقتصر إنكار المنافسة بوصفها أساس العالم الحديث على الصناعة، بل يمتد إلى السياسة أيضا (حيث تشكل أساس الديمقراطية)، ويزعم سروش أن «كل ما يكون موضوعا للتنافس والخصومة مذموم، حتى لو كان العلم» (ص 302).
2- كمال الإنسان ليس في مزيد من الاستهلاك، ولا في مزيد من الإنتاج، ولا في مزيد من المنافسة والتكاثر والتفاخر. هذه كمالات الآلة، لا الإنسان... العزة في العزلة، لا في عرض الشخصية في المزاد، بل في القناعة والحرية (ص 306) ... ينبغي أن نكون للعالم نموذجا في القناعة، لا نموذجا في الصناعة... لماذا ينبغي أن نطلب كتبا بورق أجود وطباعة أفخم؟ ألا تكفي الكتب الأبسط للقراءة والتعلم؟ لماذا أدوية أكثر تلونا وحلاوة في علب أجمل؟ لماذا سيارات كل يوم أكثر أناقة وراحة؟ لماذا المترو؟ لماذا الساعات الرقمية؟ لماذا السكر المكرر الأبيض؟ (ص 310).
3- لنجعل الأصل في الصناعة والتكنولوجيا حكم أكل الميتة، فلا نأخذ منها أكثر من الضرورة والحاجة. ولا نظنن أن أفضل التقنيات أحدثها. التكنولوجيا الجيدة هي التي لا تكون موجودة (ص 312) ... لا نحل مشكلة ازدحام المرور في طهران بإنشاء المترو. فالذين يستخدمون المترو هم أولئك الذين لا يلتزمون بالقناعة، ويريدون من جهة، عبر الإعلانات الملونة، تشجيع الجميع على شراء نماذج السيارات المتنوعة والمتجددة، ومن جهة أخرى ألا يعانوا ازدحام حركة المرور في الشوارع. علينا أن نفكر بالعكس. لنسأل: هل يمكن إحلال الدراجة محل السيارة، وتيسير التنقل وتنقية هواء المدينة بتقليل السيارات الخاصة، وإيصال الناس إلى مقاصدهم بزيادة وسائل النقل العام وخفض تكلفتها، ورفع الإنتاج الحقيقي للناس بتوفير الوقت، والأهم والأكثر ثورية، وضع حد لتفاخرات حفنة من النهمين عبدة الدنيا، وإلقاء سياراتهم الفاتنة في قبر أو زاوية، وتوجيه قوة العمال والمواد الخام في المصانع إلى صنع منتجات أكثر ضرورة، وتحقيق صحة أفضل للناس بمزيد من الرياضة (ركوب الدراجات)، وإراحة المستشفيات والصيدليات وتخفيف الضغط عنها؟ (ص 322).
ولم يكن سروش مجرد مفت صوفي؛ بل كان أيديولوجيا ثوريا يصرخ في وجه الجمهورية الإسلامية قائلا: «على الجمهورية الإسلامية أن توضح لنفسها ما الذي تسعى إليه؟ القوة بأي ثمن؟ استجلاب إعجاب الآخرين؟ حياة مادية خالصة تحت غطاء من الشعارات الروحية؟ الاكتفاء من الإسلام بالفقه ونسيان العلم والأخلاق؟ تعطيل المكاسب المحرمة وإطلاق سائر العلاقات بلا قيد، وامتصاص الطبيعة بلا رحمة حتى تحويلها إلى نفاية؟» (ص 325).
لم تكن أسئلة سروش للجمهورية الإسلامية تضع أمامها خيارا مفتوحا، إذ كان واضحا، في ضوء وصفه لمساوئ التقنية، أن الجمهورية الإسلامية لا ينبغي لها أن تختار هذا الطريق. كان هدفه شيئا آخر حين تحدث عن عدم كفاية الفقه لضمان الأخلاق، لأن الفقه كان يمنح الملكية الخاصة والعمل الشخصي والنمو ورأس المال قيمة، إلى حد أنه لم يكن يقيد إلا المكاسب المحرمة، لكن سروش لم ير هذا القيد كافيا: «ما المثال الأعلى للجمهورية الإسلامية؟ مجتمع تطبق فيه الحدود الإلهية؟ ... هل مجتمعنا المثالي مجتمع يكون فيه الجميع مسلمين ومؤمنين؟» كان سروش يرى الإسلام والإيمان ضروريين، لكنهما غير كافيين. وما كان يتحدث عنه زهد اتخذ صورة أيديولوجيا، وكان معياره الخوف من التكنولوجيا والابتعاد عنها: «فحتى التحول التقني له حد في نهاية المطاف» (ص 325).
كان الدكتور عبد الكريم سروش في منتصف عقد الستينيات يتحدث ضد التكنولوجيا في ظروف كان يعلم فيها أن التكنولوجيا جوهر التنمية. فقد انتقلت التنمية من التحول في الدين إلى التحول في الصناعة، لكي تتمكن في نهاية المطاف من تغيير السياسة أيضا. وكانت الثورة الدينية من دون الثورة الصناعية مبتورة. لكن سروش، بوصفه أيديولوجيا للثورة الإسلامية، وقد سافر على نفقة وزارة الإرشاد الإسلامي إلى اليابان لكي ينظر إليها بعين الاعتبار، خرج من رحلته بنتيجة كان يمكن أن يخرج بها من رحلة إلى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية أو جمهورية كمبوديا الاشتراكية في عهد الخمير الحمر، بل حتى من رحلة بعد سنوات إلى إمارة طالبان الإسلامية في أفغانستان.
وفي الوقت نفسه كان آية الله حسين علي منتظري في قم ينتقد إنشاء المترو في طهران متسائلا لماذا يزيدون جاذبية المدينة على حساب الريف، فيما كان أكبر هاشمي رفسنجاني، في صلاة الجمعة بطهران، يستحضر خبرته من رحلاته إلى أوروبا والولايات المتحدة قبل الثورة محاولا دعم إنشاء المترو في طهران، لكن مثقفنا المسلم كان ينظّر ضد المترو! ولحسن الحظ لم تكن الجمهورية الإسلامية قد بلغت من الزهد بعد حدا يجعلها تصغي إلى كلام صوفي المدينة. ومع رئاسة هاشمي رفسنجاني وصل التكنوقراط إلى السلطة، ووضع اقتصاديون حداثيون مثل محمد طبيبيان ومسعود روغني زنجاني ومسعود نيلي، استنادا إلى تعاليم علم الاقتصاد، خطط التنمية الإيرانية. وعلى الرغم من أن أخطاء أكبر هاشمي رفسنجاني القاتلة في عدم فهم أسبقية التحرير الاقتصادي على الخصخصة أدت إلى مفاسد اقتصادية، فإن إيران، بكل عيوبها، عادت في عقد السبعينيات إلى معايير عقد الأربعينيات، وهو مسار كان يمكن، لو استمر، أن يدفع اليابان والصين وكوريا إلى اتخاذ إيران نموذجا لها.
وقد شهد الدكتور عبد الكريم سروش نفسه تحولا وتطورا في معرفته الدينية، ووضع نظرية قبض الشريعة وبسطها، لكنه لم ينقد قط نظرية الصناعة والقناعة. وعلى الرغم من أنه أصبح في عقد السبعينيات، بنظرية «أسمن من الأيديولوجيا»، أول ناقد لعلي شريعتي، وتجاوز علي شريعتي بتعريفات بالغة المديح لكنها خاوية من المضمون، وذلك في مراسم تكريم «المعلم الشهيد(؟!) للثورة»، فقد اتهم بالليبرالية. وهي ليبرالية بقيت في مستوى فلسفة العلم ولم تبلغ حتى الفلسفة السياسية. لم يكن عبد الكريم سروش يعرف شيئا عن التاريخ أو الفلسفة السياسية أو القانون الدستوري أو الاقتصاد السياسي فحسب، بل كان يظن أنه يستطيع تفسير العالم الحديث بفلسفة العلم وعلم الكلام الجديد والعرفان والأخلاق؛ ولذلك كان، بسذاجة، يفسر المجتمع المدني، الذي لا يمكن أن ينبثق إلا من القطاع الخاص، بوصفه مجتمعا أخلاقيا، ويتحدث في النظرية السياسية عن حكومة ديمقراطية دينية، كانت، وإن مثلت خطوة إلى الأمام قياسا بالاستبداد الديني، تنطوي على مغالطة مفادها أنه ما دام «المجتمع دينيا، فلا بد أن تكون حكومته دينية أيضا». وكان ذلك تعبيرا عن عدم فهم العلاقة المعقدة بين التدين والحكم في المجتمعات المتدينة التي لا يريد المتدينون أنفسهم فيها، أو لا يستطيعون، إقامة حكومة دينية.
وفي السنوات اللاحقة ابتعد سروش نفسه عن هذه النظرية السياسية، وادعى في حوار مع مجلة «گزارش فيلم» أنه ليبرالي ديمقراطي، من دون أن يتبنى الفلسفة السياسية لليبرالية؛ وهي فلسفة لم يكن كتاب «المجتمع المفتوح» لكارل بوبر كافيا لها، وكانت، إلى جانب تعريف سروش الضيق لليبرالية بوصفها تمحورا حول الحقوق، تقوم على مفاهيم أساسية مثل الحقوق الطبيعية، والملكية الفردية، وسيادة القانون، والتسامح، ونظرية الدولة-الأمة، واستقلال المؤسسة الدينية عن مؤسسة الدولة.
وكان سروش يمضي في علم الكلام الجديد إلى حد أن التنوير الديني، بحسب تعبير تلميذه البارز آرش نراقي، كان يتحول إلى فرقة جديدة؛ وذلك حين تحدث عن «الصراطات المستقيمة» ووضع التعددية الدينية في مواجهة حصرية الخلاص في الأديان؛ أو حين سعى إلى «بسط التجربة النبوية»، فكان عمليا، بتحويل النبوة إلى رسالة واختزال الشريعة إلى روحانية، يفتح ثغرة في ختم النبوة، ثم، استنادا إلى النظرية نفسها، يختزل كلام الله في القرآن إلى كلام نبي الله ويؤوله. بل إن سروش أثار شكوكا حتى بشأن معنى الغيبة، وتغير في الأساس إلى حد أنه انتقل من الإصلاح الديني إلى إصلاح الدين، لكنه سلك في عالم السياسة وعلم الاجتماع مسارا معاكسا: فبعد سلسلة من التكفيرات التي تعرض لها من الفقهاء الأرثوذكس، اضطر إلى السفر والهجرة وصار منفيا سياسيا، ثم رأى لبعض الوقت أن هذه التكفيرات الدينية صادرة عن الحكومة الدينية، فثار على قادتها. وكان عضوا عينه الإمام الخميني في هيئة الثورة الثقافية لتطهير الجامعات بعد الثورة، وصعد المنبر في الإذاعة والتلفزيون في عقد الستينيات، وكانت له صفحة ثابتة في المطبوعات الحكومية؛ لكنه بعد إقصاء الجناح اليساري من الحكم اضطر إلى الاكتفاء بمجلة «كيان» ومسجد أقدسية في طهران وجمعية الفلسفة. وحتى بعد عودة الجناح اليساري إلى الحكم تحت اسم الإصلاحات، لم يتحسن وضع سروش، الذي كان قد ازداد حدة شخصيا، فراح ينتقد الحكومة من منفاه الاختياري. واستمر ذلك حتى انحسر ازدهار الإصلاحية وأصبحت الملكية التيار المهيمن في المعارضة الإيرانية. وحين رأى سروش بذاءة الملكيين وانعدام وطنيتهم ونزوعهم إلى العنف، ولا سيما بعد دعوتهم إلى الحرب وإشعال إسرائيل والولايات المتحدة الحرب على إيران، لم يجد بدا من العودة إلى إعدادات المصنع! وفي هذا السياق لا أهمية لدوافع سروش السياسية والشخصية، بل إن نتائج موقفه المناهض لعدوان العدو والرجعية الملكية، أيا كان هدفه ودافعه، جديرة بالاحترام، بل بالثناء والتقدير.
لكن ما يبعث على الدهشة ويستدعي النقد هو ارتداد سروش عن جميع التحولات التي شهدها بين عقود السبعينيات والتسعينيات. فقد ارتدى سروش خلال هذين العقدين عباءة الليبرالية، وخاض بوصفه مفكرا ليبراليا مواجهة مع اليسار. غير أنه منذ بضع سنوات، وبعد أن عاش في مهد الليبرالية، ثار عليها إلى حد يبدو معه كأنه نسي بديهياتها. وقد أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه السنوات بفيروس يسمى الترامبية، وهو أقرب إلى الفاشية منه إلى الليبرالية التي صاغها الآباء المؤسسون لأمريكا في «الأوراق الفيدرالية»، والتي يمثل سياسيون مثل باراك أوباما خلاصتها وثمرتها. ومن البديهي أن لكل بلد تجربته الخاصة مع الحرية، وأن الحرية في إيران ليست مرهونة بتقليد أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا و... ولذلك ينبغي حتى التردد في ترجمة الليبرالية إلى النزعة التحررية. لكن نقد الإمبريالية الأمريكية (وهو واجب يقع على عاتق جميع أنصار الحرية، بل والليبراليين المستقلين والوطنيين والعالميين) لا يعني إنكار الحداثة والتنمية والتقدم والديمقراطية. فلا تزال قيم مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون والمجتمع المفتوح والتنمية المستدامة والاقتصاد الحر جديرة بالدفاع عنها، بل ينبغي من هذا المنظور نفسه نقد الإمبريالية والفاشية الأمريكية. ولا ينبغي الاستسلام للموجة الماركسية الجديدة التي تختزل الليبرالية في النيوليبرالية وتتجاهل القيم التحررية. بل ينبغي الثبات ونقد الماركسية والفاشية، والأهم منهما في عصرنا هذا الإمبريالية، من موقع ليبرالي.
والمثال العيني على هذا الاستسلام للموجة الماركسية الجديدة المناهضة للنيوليبرالية هو الدكتور عبد الكريم سروش، إلى حد يثير الشك في أنه لم يكن ليبراليا قط، مع أنه لا يزال يدعي الليبرالية، ويقول في حواره السيري المطول مع مجلة «أنديشه بويا» (العدد 101- تير 1405): «إذا فصلنا الأبعاد المختلفة لليبرالية بعضها عن بعض، فأنا ليبرالي تماما في الحريات الثقافية» (ص 59). والمشكلة تكمن هنا تحديدا: هل يمكن الدفاع عن الحريات الثقافية والسياسية والاجتماعية من دون الدفاع عن الحريات الاقتصادية؟ وهل يمكن، من دون قطاع خاص مستقل وسوق حرة تنافسية، مطالبة الدولة بالالتزام بالحقوق والحريات السياسية؟ الليبرالية ليست قائمة طعام في مطعم يمكن للمرء أن يطلب منها السلطة أو الحساء فقط؛ فلها تاريخ وفلسفة ومنطق، وتجاهل ذلك ينتهي إلى أسد بلا لبد ولا ذيل ولا بطن، وهو أسد لم يخلقه الله قط! وقد قال الدكتور سروش: «لليبرالية أبعاد مختلفة؛ فلها وجه اقتصادي ووجه سياسي ووجه ثقافي. ووجهها الاقتصادي هو ما يسمى بالسوق الحرة. كان هايك يرى أن العدالة ليست شيئا نفرضه على السوق من أعلى، وأن ما يجري في السوق هو عين العدالة، وكما ينبغي الاعتراف بالنمو التلقائي للغة ولا يمكن فرض قواعد عليها من الخارج، ينبغي كذلك الاعتراف بالنظام التلقائي للسوق» (ص 59). ولا تبدو رواية سروش لنظرية النظام التلقائي نقدية، أو هي في أقصى تقدير استفهامية، لكنه يضيف على الفور أن «بوبر، كما تعلمون، كان على خلاف هايك يؤمن بتدخل الدولة في السوق». وهذا التعريض يعني أن سروش يعد نفسه بوبرِيا، ويؤمن برأي فيلسوف العلم هذا أكثر من إيمانه بآراء فلاسفة الاقتصاد. ومن البديهي أن هذا حق سروش وخياره، لكن كارل بوبر ليس فيلسوفا معياريا في الفلسفة السياسية والاقتصادية فحسب، بل كان هو نفسه متأثرا بهايك، وكانا بوصفهما مفكرين نمساويين متأثرين بالمدرسة النمساوية، وعلى الرغم من أن هايك نفسه يختلف عن لودفيغ فون ميزس، فإنهم جميعا كانوا يؤمنون بالسوق الحرة وسيادة القانون والمجتمع المفتوح، ومن المستبعد إمكان الوصول إلى مجتمع مفتوح من دون سوق حرة. بل إن بوبر نفسه أشار إلى هذه النقطة التي ينقلها سروش عنه بقوله: «أحب الاشتراكية، لكنني أحب الحرية أكثر من الاشتراكية» (ص 59). لكن أمنية سروش تذهب أبعد من ذلك: «ليت الديمقراطية الاجتماعية كانت ممكنة، لكن للأسف هي غير ممكنة» (ص 63).
المشكلة أن العلوم الاجتماعية لا صلة لها بالتفكير بالتمنيات وبيع الأحلام. فالديمقراطية الاجتماعية ممكنة بالفعل، وقد تحققت في إطار الديمقراطية الليبرالية أيضا؛ لا في الحركات اليسارية أو الدول الشيوعية فحسب، بل في الحكومات الليبرالية من السويد إلى فرنسا، وكذلك في إنجلترا، بل توجد رواية منها حتى في أمريكا تعرف، في مقابل التقليد المحافظ، بالليبرالية الأمريكية وتتجسد في الحزب الديمقراطي. لكن ما يريده سروش يتجاوز الديمقراطية الاجتماعية، ويمكن استشفاف ذلك من تفسيره لليبرالية: «إذا كان لي من نقد، فهو موجه إلى الليبرالية الرأسمالية، وأعتقد أن الرأسمالية فرضت على الليبرالية نزعتها إلى المنفعة والاستهلاك والطمع» (ص 60).
في الواقع يتحدث سروش بلغة اليسار، ويشرح نظام السوق الحرة التنافسية بوسم الرأسمالية، الذي يضع مسألة رأس المال أو نظرية فائض القيمة في الإنتاج الصناعي بوصفها ظاهرة حديثة تحت مظلة أيديولوجيا، وهذا ما فعله كارل ماركس حين أنشأ ثنائية «العامل-صاحب العمل»، وحاول تحويل النزاع على فائض القيمة المتولد في السلعة الصناعية إلى صراع طبقي. وهنا ينبغي رفع القبعة احتراما لماركس الذي اكتشف هذه المسألة، لكن حل ماركس لم ينجح في الأنظمة الاشتراكية والشيوعية فحسب، بل إن ظهور موجة جديدة من الثورة الصناعية وظهور «رواد الأعمال» بوصفهم الضلع الثالث في مثلث الإنتاج الصناعي قد غيّرا إلى حد بعيد صيغة المسألة، وهو نقاش ينبغي إرجاء تفصيله إلى مقالة أخرى. لكن حل سروش ليس الاشتراكية فحسب، بل يعود إلى ما قبلها: «ربما تكون دولة الرفاه حلا ومسكنًا مؤقتا. [لكن] هنا أتجه إلى القناعة والعيش البسيط، وتستقر القناعة ضمن منظومتي الفكرية. أقول لنفسي ولمن يستمعون إلى كلامي: لا تغرقوا في الحياة الرأسمالية والاستهلاكية، وعيشوا حياة قائمة على القناعة. يريد النظام الرأسمالي مني أن أكون مستهلكا، وأن تحدد السوق كلما ذهبت إليها ما الذي أشتريه وما الذي لا أشتريه. بطاقة الائتمان تعني أن تشتري كل ما تريد وأن تبقى مدينا إلى الأبد. ولهذا لا أملك بطاقة ائتمان. وقد أخذت هذا من الغزالي ومولوي ومن الأفكار الدينية التي ترى أن الحياة الطيبة هي القناعة» (ص 60). وهذا يعني أن عبد الكريم سروش لم يتغير في شيء طوال 40 عاما، من سنة 1365 إلى سنة 1405، ومع أنه يقول بتواضع (؟!): «أنا لا أقدم القناعة بوصفها نظاما اقتصاديا، وليس لدي أي نظام اقتصادي بعينه، ولا أعرف نظاما كهذا، ولست منظّرا اقتصاديا». فإنه، بوصفه قطبا ومرشدا وشيخا، لا يوصي مريديه بالقناعة في الصناعة فحسب، بل يطلب من الحكومة أن تتبع شيخ الطريقة السروشية وأن تدرّس القناعة في الجامعات: «لماذا لا نروّج للعيش البسيط في الجامعات؟ ... يمكننا أن نعلّم في الجامعة مبادئ العيش البسيط والقناعة؛ كما نقول ما هو الخير وما هو الشر» (ص 61). وسروش هو بالطبع العضو نفسه الذي عينه الإمام الخميني في هيئة الثورة الثقافية، ولا يزال بعد 45 عاما يؤمن بأن «على الجامعات أن تتشبع من رأسها إلى أخمص قدميها بعطر الفكر الإسلامي ورائحته»، ولا يغير إلا كلمة «يجب» إلى «من الجيد» (ص 52)، ولهذا لا يزال يدافع عن طرد أساتذة الجامعات إبان الثورة الثقافية: «كان بعض حالات الطرد محقا ... كنت أوافق إجمالا على ضرورة إجراء تطهير، لكن بعد محاكمة الأشخاص والتحقيق في سوابقهم. كنت أقبل بأنه لا يمكن في نهاية المطاف الإبقاء على الجميع. فلم يكن كل شخص منسجما مع هذا النظام الثوري الذي نشأ، ولم يكن لبعض الأشخاص مكان في الجامعة الثورية، لأنهم لم يكونوا منسجمين مع الثورة» (ص 51).
كلمات سروش مفزعة: تطهير؟ جامعة ثورية؟ من الذي يحدد معيار الطهارة والنجاسة؟ من قال إن الجامعة يجب أن تكون ثورية؟ هل كانت الحوزة ثورية؟ ألم يكن عدد الفقهاء الذين لم يؤمنوا بالثورة أو بالحكومة الدينية كبيرا؟ هل حدثت ثورة ثقافية في الحوزة؟ هل طرد أساتذة الحوزة بتهمة عدم الانسجام مع الثورة؟ ألم تكن الجامعة أكثر ثورية من الحوزة؟ في مقابل مفهوم الطهارة تأتي بالضرورة كلمة النجاسة؛ فهل كان أساتذة مثل السيد حسين نصر، الذي لم يكن ثوريا قط، بل كان يسعى على نحو خيميائي إلى ملكية إسلامية، أنجاسا؟ يلقي سروش بذنب طرد نصر من الجامعة على عاتق الدكتور محمد ملكي، الرئيس الراديكالي لجامعة طهران (ومن الشخصيات الوطنية-الدينية)، لكن من كان يحدد المعيار والملاك غير هيئة الثورة الثقافية، التي كان اسمها نفسه متناقضا من الأساس، إذ لا يمكن إحداث ثورة في الثقافة؛ إلا على طريقة شيوعيي الصين الذين ندموا هم أيضا على ما فعلوه، فيما لا يزال لدينا في إيران، خارج الدستور، مجلس أعلى للثورة الثقافية يشرّع بالتوازي مع البرلمان، ويجلس حسن رحيم بور أزغدي على كرسيه بوجه عبد الكريم سروش ونبرة علي شريعتي. لكن ما الفرق؟! لو عاد سروش اليوم إلى إيران (وهو يريد ذلك) واسترد كرسيه السابق من حسن رحيم بور أزغدي، لفعل ما قاله:
«كنت آنذاك موافقا على هذه الفكرة (تطهير الأساتذة). وحتى الآن، إذا أريد للجامعة أن تصبح جامعة بحق، فأرى أنه ينبغي محاكمة بعض الأشخاص وطردهم. لكن ليس لأنهم غير ثوريين، بل لأنهم ليسوا أساتذة جيدين وقد أوهنوا الجامعة. ولو أعطوني هذه الجامعة اليوم لأرسلت بعضهم إلى المحكمة بسبب ما اقترفوه في حق الجامعة والطلاب. تقلدوا عشرات المناصب، ثم ظلوا يذهبون إلى قاعات الدرس ولا يعلمون الطلاب شيئا، ويتقاضون رواتب جامعية؛ وبعبارة أكثر صراحة كانوا يأكلون الحرام.»
وهكذا يريد سروش الجامعة دائما في قاعة المحكمة؛ سواء بتهمة عدم الثورية أو بتهمة أكل الحرام. وفي هذه المقابلة لا يزال فيلسوف النظام، بعد 45 عاما، غاضبا من رضا داوري، ويتخذ مواقف ضد الدكتور وحيد دستجردي والدكتور محسن كديور والدكتور آرش نراقي، ويدعو باحثا في الإسلام مثل محسن كديور، بأشد العبارات إهانة، إلى التوبة قائلا إن «باب التوبة مفتوح له، إن حالفه التوفيق» (ص 57). أما آرش نراقي، الذي كان يوما مريده وتلميذه، فيفتح له ملفا: «يأتي تلميذ ويتهمني زورا بإنشاء فرقة، وهو نفسه مدافع ومروج لأقلية جنسية معينة، ويلقي محاضرات في جمع لفرقة ضالة بعينها. لم أقل عنه سوءا قط، وإنما أتعجب من سلوكه هذا: ما شأنك بالكافرين إن كنت لا تعبد الصنم؟» (ص 57). والسؤال الموجه الآن إلى سروش هو: على فرض أن الجامعة سلمت إليه اليوم، فأين سيكون مكان هؤلاء الأساتذة الأربعة الراسخين في العلوم الإنسانية (داوري، وحيد، كديور، نراقي)، على اختلافاتهم جميعا؛ في المحكمة أم في الجامعة؟
يروي سروش ذكريات عن السيد جواد طباطبائي، مع أنه من المستبعد أنه كان يستطيع نسبتها إلى طباطبائي في حياته. ولفهم لماذا كان طباطبائي يقول إن مجتهدين مثل الآخوند الخراساني والميرزا النائيني فهموا الدستورية أفضل من مثقفين مثل شريعتي وسروش، لا حاجة إلى سؤال طباطبائي عبر الهاتف كي يقول: «لقد ضخّم الصحفيون هذا الأمر، مع أنني كنت أتوقع منه شرحا مفصلا وأن يتمسك برأيه» (ص 58).
يكفي أن تقرؤوا كتب السيد جواد طباطبائي، ولا سيما «نظرية حكومة القانون» و«مدرسة تبريز»، لتتعرفوا إلى تفسير طباطبائي لمدرسة الآخوند الخراساني. إنها «المؤسسة الدينية الوطنية» نفسها التي فهمت قبل 120 عاما نظرية الدستورية انطلاقا من موقعها التقليدي والأصولي، وأدركت أنه لا يمكن إحداث ثورة في الثقافة!
الثورة في الثقافة هي تلك الأمنية المستحيلة نفسها التي لا يزال عبد الكريم سروش يتمناها بعد 45 عاما، وقد بلغ، على حد تعبيره، رجعية تقدمية. يجلس أستاذ فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، ويصف للإيرانيين الذين يناضلون منذ 120 عاما من أجل التنمية والتقدم والحداثة، وقد مروا بعدة ثورات وحركات وانقلابات وحروب، وصفة القناعة!
وتبلغ ذروة نضال سروش في أمريكا قوله: «إذا تأخرت اليوم في الحضور إلى جلسة الحوار، فلأنني كنت أنشر ثيابي التي غسلتها تحت الشمس. وما دمت أستطيع نشر الثياب تحت الشمس فلن أضعها في آلة التجفيف. هذا هو مزاجي. وكل معنى الصناعة والقناعة هو ألا نستهلك الكهرباء لتجفيف ثوب يمكن تجفيفه تحت الشمس» (ص 61).
ولدى الدكتور سروش بالطبع مكنسة كهربائية! «لكنني في معظم الأحيان أكنس بمكنسة غير كهربائية» (المصدر نفسه)، لأنه يعتقد أنه «ينبغي، ما أمكن، ألا نستخدم المنتجات الصناعية». وهو يعمل بفتوى بيتر سينغر الذي قال إن «العيش المترف حرام»، وبالطبع إذا أراد أن يكون مقلدا جيدا لهذا المرجع العلماني، فعليه ألا يأكل اللحم أيضا! لكن قطب التنوير الصوفي الإيراني يعتقد في الوقت الراهن أن «السلع الفاخرة لا ينبغي إنتاجها. وإذا أنتجها أحد فليفعل. وإذا أراد شخص شراءها فلا بأس. وأنا أوصي الناس بألا يشتروا» (ص 61).
وبعد 45 عاما يكشف سروش أنه حين ذهب سنة 1365، برأي وزارة الإرشاد الإسلامي وعلى نفقتها، إلى اليابان ليقدم تقريرا فلسفيا عن معرضها الصناعي، كان قلبه متعلقا بمعشوق آخر: «حين كنت أكتب الصناعة والقناعة، كانت عيني كثيرا على الهند، التي كانت بعيدة عن الحياة المترفة وكان أهلها يعيشون حياة بسيطة، وكانت فيها ديمقراطية جيدة أيضا. والصين كذلك» (ص 61). لا علم لنا بديمقراطية الصين (؟!)، لكن ديمقراطية الهند تقترن بذروة من اللامساواة، والفجوة فيها واسعة جدا بين الفقراء والأغنياء، ولم يبق اليوم من الديمقراطية الاجتماعية العلمانية لنهرو إلا حكم هندوس متشددين مناهضين للمسلمين. وهكذا يتضح أن سروش، الذي كنا نظنه مارتن لوثر الإسلام، كان على ما يبدو طوال هذه السنوات يحترق شوقا إلى أن يكون غاندي. وكان غاندي بالطبع شبه عار، وزاهدا يعيش حياة بدائية. ويرى سروش أيضا أنه بما أننا «مستوردون من الأساس، فإذا استطعنا أن نمتلك صناعات ندبر بها شؤوننا في غاية البساطة من دون مشكلات، فهذا أمر حسن جدا». وغاية هذه الصناعة هي القناعة، لا النمو والتنمية والتصدير. فالمدينة الفاضلة لعبد الكريم سروش ليست المجتمع المفتوح، بل حياة ريفية: «في حياتي الشخصية والفردية، وفي قرية قد أعيش فيها بنفسي، أحب أن أقيم هذا النمط من المعيشة وأن أعيش فيه» (ص 61). وهذه القرية ليست مجرد خيال في ذهن سروش؛ فقد وجدها: «هنا في أمريكا جماعة تسمى الأميش، تعيش قرب بنسلفانيا، ولها حياة تقليدية جدا. أمضيت ليلتين بينهم. يركبون العربات التي تجرها الخيول، ولا توجد هواتف في منازلهم، ولا كهرباء فيها ليلا، ويضيئون مصابيح النفط والشموع. لديهم مزارع كبيرة وينتجون بأنفسهم منتجاتهم الزراعية ويستهلكونها. ونساؤهم أيضا محتشمات نسبيا. إنهم كاثوليك قدماء، وتعود أصولهم وأنسابهم إلى ألمانيا. وهم متشددون حتى في المسائل العلاجية، ولم يُدخلوا الطب الحديث بالقدر الذي ينبغي. إنهم سعداء ويعيشون... والحق أنني في هذين اليومين انجذبت إليهم قليلا» (ص 67). هذه هي يوتوبيا التنوير الديني الإيراني! مع أنه لم يكن بحاجة إلى أن يتحمل عناء المنفى بعد نصف قرن من النضال، وكان يمكنه على الأقل أن يذهب، بدلا من أمريكا، إلى إمارة طالبان الإسلامية في أفغانستان؛ ما دام لم يعد للخمير الحمر وجود في كمبوديا! لكن الأستاذ سروش لا يستطيع اختيار هذا النمط من الحياة: «شخصيا لا أستطيع أن أعيش بتلك الطريقة... فهم يعرّفون البساطة بالفرار من الحداثة» (المصدر نفسه). وفي نهاية المطاف لا يستطيع في الولايات المتحدة الأمريكية، احتجاجا على دونالد ترامب، إلا أن يقول: «كنت ولا أزال أتألم لأنني أدفع الضرائب لحكومة هذا البلد. وأقول لكم إنني خفضت دخلي إلى أدنى حد لكي أدفع أقل قدر من الضرائب» (ص 68). لقد اختار غاندي عصرنا، للمقاومة المدنية والعصيان المدني، طريق تجنب الضرائب: «سألني شخص مرة في إحدى المحاضرات العامة: ماذا أفعل إذا كنت لا أريد أن أساهم بالضرائب التي أدفعها في هذه الحروب والسياسة الخارجية الأمريكية؟ قلت له صراحة إنني لا أستطيع أن أقول لك تهرب من الضرائب واحتل، لكنني أستطيع أن أقول: إن استطعت فاقنع. اخفض دخلك لكي تدفع ضرائب أقل» (المصدر نفسه).
ونحن بالطبع قلقون من أن تترجم هذه المقابلة وتصل إلى سمع ترامب وبصره، فيطرد الأستاذ من أمريكا، لأننا لا نريد له أن يصبح بلا وطن للمرة الثانية. يقول الدكتور سروش نفسه إن له وطنين: «ورد عن الإمام علي: خير البلاد ما حملك، أي إن خير الديار ما احتملك وحمل عبئك. إيران ألقتني عن ظهرها ولم تحتملني وأنزلتني. أما هنا (في أمريكا) فأنا راكب خفيف الحمل.»
الدكتور سروش راض عن أمريكا: «أنا هنا محترم، وكنت كذلك. درّست في أفضل الجامعات هنا، ودفعوا لي أجورا سخية تقديرا لي.» وكان بالطبع أستاذا زائرا دائما، لكنه أصبح الآن صاحب بيت أيضا. ولعل الألم الذي يعانيه هو عذاب الضمير بسبب الحرب التي فرضت على إيران نفسها التي لم تحتمله: «إيران بلدي أيضا. ولدت هناك ودرست في جامعاتها، وكل روابط حياتي هناك. حقا كنت في هذه الحرب كجسد شق من الوسط وانقسم إلى نصفين.»
ولهذا السبب، ومع كل ما لديه من قناعة في الصناعة، يوصي إيران بصنع سلاح نووي: «أنا أؤيد حكومة إيران إذا سعت إلى مبادرة نووية مضادة، لأنها محاصرة بمن يملكون القنبلة الذرية ويتربصون بحياتها ويريدون محوها من الوجود. لا يحق لأمريكا أن تقول لنا إنه لا ينبغي أن تكون لديكم قنبلة ذرية. فإذا كان لها ولإسرائيل هذا الحق، فلنا نحن أيضا هذا الحق، لأننا نعيش بين الذئاب» (ص 62).
يعتقد الدكتور سروش أن الرحمة بترامب ذي الأنياب الحادة كانت ظلما لنا نحن الإيرانيين. لكنه ليس بيننا. فمنذ سنوات طويلة لم يعد هنا، وقد عاش خلال هذه السنوات في نعيم الولايات المتحدة ورفاهها؛ بحجة أننا في إيران لم نكن جديرين باحتماله. لكننا لم نلق الأستاذ عن ظهورنا. حتى عقد الستينيات كان موجودا، وكانت الحكومة، من الإذاعة والتلفزيون إلى وزارة الاستخبارات وصحيفة كيهان وكيهان فرهنگي وهيئة الثورة الثقافية والجهاد الجامعي و...، في خدمته. وفي عقد السبعينيات، حين غضبت عليه الحكومة، لم يخل منه منبر ولا مسجد أقدسية في طهران ولا مجلة كيان ولا جمعية الحكمة والفلسفة ولا أكاديمية العلوم و.... ومع أنه دفع ثمنا باهظا لمراجعته الدينية في قضايا ختم النبوة والمهدوية والنبوة وكتابة الله، فإن الشعب الإيراني لم يطرده من صفوفه. وكان سروش يتنقل بالطبع مع تبدل الجناحين اليساري واليميني في الحكم، لكنه لم يُقص قط.
وها هو الآن قد عاد. عاد في هيئة شيخ التنوير الديني ومرشد الطريقة السروشية، ناسيا أن أول من ضرب جسد هذه الأيديولوجيا بالفأس كان هو نفسه حين تجاوز علي شريعتي. لكنه الآن لا يدافع عن علي شريعتي فحسب ويقول: «حتى اليوم لم تعد لدي تلك الظنون السيئة تجاه شريعتي... لقد قام شريعتي بعمل كبير في بلدنا، فأخرج الدين من العزلة، ودفع الماركسية التي أصبحت مذهب الشباب إلى العزلة، وساعد على وقوع الثورة التي كانت حدثا ميمونا في تاريخ بلدنا»، بل يثور في وجه منتقدي علي شريعتي الذين ينتقدون دوره هذا تحديدا في مزج الإسلام بالماركسية، ويوجه إلى اقتصادي محترم لم يجد كلمة أفضل لوصف الانتحال العلمي لدى شريعتي إهانة أسوأ من تلك الكلمة، ويفتح من جديد باب التحقير والإهانة، وهو غافل عن الحركة الفكرية التحررية التي بناها، خلال هذه السنوات التي قضاها سروش وغيره من المثقفين الدينيين بعيدا عن الوطن، مثقفون وطنيون واقتصاديون من أنصار الحرية مثل موسى غني نجاد، ومحمد طبيبيان، والسيد جواد طباطبائي، ومسعود نيلي و...، على الرغم من كل الاختلافات بينهم. ولا نحتاج في نقد سروش إلى استحضار ذكرى الدكتور محمد طبيبيان عن سفره إلى اليابان، ولا حتى إلى الخوض في تفاصيل حياة الدكتور عبد الكريم سروش الشخصية في الغربة. يكفي، في ظروف يعاني فيها الشعب الإيراني من العقوبات والتضخم والعدوان والتكفير والإذلال، ويبحث عن سبيل يوصله إلى التنمية والتكريم والسلام والرفاه، أن يقرأ مرة أخرى، إن لم يكن مقالة «الصناعة والقناعة» لسنة 1365، فمقابلته مع مجلة «أنديشه بويا»، التي يدعي فيها: «لم أكن يوما أيديولوجيا للنظام». لقد بلغ التنوير الديني، بكل خدماته وأخطائه، نهاية الطريق. وكان المرحوم المهندس مهدي بازركان، أبو هذا التيار في إيران، قد تجاوز طموح التنوير الديني بمحاضرته «الله والآخرة وحدهما هدف بعثة الأنبياء»، وهي المحاضرة التي أخرجها سروش نفسه من غربة التيار الوطني-الديني وفسرها.
أما علي شريعتي، الذي يقول سروش إنه «أنزل المقدسات إلى الأرض» (ص 48)، فقد كان أيضا، بحسب رواية سروش، «يريد، عبر أيديولوجية الدين، وفي الواقع عبر علمنة الدين، أن يجعل الدين دنيويا لكي ينفع في شؤون الدنيا» (ص 56)، وقد تحقق هذا ولم يتحقق. أي إن الدين صار دنيويا، لكن الدنيا لم تصبح دينية. وحتى مصطفى ملكيان، الذي جاء بعد عبد الكريم سروش ليحول التنوير الديني إلى تنوير معنوي، انتهى به الأمر إلى التخلي عن المعنوية والعقلانية معا، والتوجه إلى العلاج النفسي.
كان كل أمل المثقفين الدينيين معقودا على عبد الكريم سروش، الذي ألقى خطاب موت التنوير الديني في تأبين مهدي بازركان، وكان قد نظم، على حد قوله: «الدين ليس وسيلة بل هو الغاية ذاتها/ غاية تليق بالإنسانية» (ص 48).
لكننا الآن، مع بالغ الأسف، مضطرون إلى إعلان أن التنوير الديني لم يبلغ نهاية طريقه فحسب، بل أدار ظهره لإرثه في الفكر والأخلاق معا، وتحول من تيار فكري إلى حلقة وفرقة تدافع عن جماعتها وقبيلتها عبر تقسيم الناس إلى موالين وغير موالين، بل وشخصنة النقاشات الفكرية، حتى لو لم تكن تؤمن بذرة مما تدافع عنه. ولا يزال سروش يعد نفسه مدينا لشريعتي (ص 48)، مع أنه لم تعد هناك أي صلة فكرية بينهما، سوى أن شريعتي (الذي ينزعج رفاقه من وصفه بالدجال) كان هو الآخر يسمي الفلاسفة أوغاد التاريخ. وسوى أن عبد الكريم سروش (الذي ينزعج بحق من التشكيك في إسلام شريعتي) ينقل بنفسه، برضا واستحسان، عن الآخرين في وصف السيد أحمد فرديد (الذي كان بدوره أستاذ علي شريعتي وأستاذ إحسان شريعتي في معاداة الغرب) أنه «شيطان خبيث»، بل يتجاوز ذلك إلى اقتحام حياته الخاصة، وينتقد «كيف غسلوا فجأة بعد الثورة يديه ووجهه اللذين كانا ملوثين بشتى أنواع المنكرات والمسكرات، وأجلسوه على كرسي القداسة». وكان السيد أحمد فرديد بالطبع مثل علي شريعتي، إذ جعل كل جناح من الثوريين أحدهما أيديولوجيا له، لكن إذا كان من الحرام الحديث في وسائل الإعلام عن دجل شريعتي وعدم إسلامه، فلماذا يجوز فتح ملف منكرات السيد أحمد فرديد ومسكراته؟!
كان بوسع عبد الكريم سروش، لو واصل مشروع الإصلاح الديني ومنح الفلسفة السياسية والاقتصاد السياسي والقانون الدستوري، والأهم من ذلك كله، تاريخ التنوير الديني ما تستحقه من اهتمام، أن يحول التنوير الديني إلى مشروع متكامل. لكن طبيعته الصوفية حالت دون أن يعترف بأهمية العلوم الاجتماعية بوصفها علوما دنيوية، وأن يمتنع عن وصف وصفات درويشية للسياسة والاقتصاد وحقوق الناس، وألا يتحدث عن القناعة وهو نفسه يعيش في ذروة النعمة. والمقصود بالنعمة هنا ليس الثروة، بل الاستغناء عن أبسط الحقوق التي يحتاج إليها المواطنون، ومنها حق العمل وحق النمو وحق الرفاه وحق الكرامة؛ وما لم يعترف بحق الملكية (الذي يعده هايك، بعد حق الحياة، ثاني وآخر الحقوق الطبيعية للإنسان، ويرى أن سائر الحقوق تتفرع عنه)، فلن يظهر إنسان حر ولا مجتمع مفتوح.
والثروة، بطبيعة الحال، ضرورة للتنمية؛ فالمجتمع الذي لا يمتلك أفراده رأسمالا متراكما لا يتنمى، والمجتمع الذي لا يتنمى لا يبلغ الحرية، ولا تتحقق فيه العدالة أيضا.
قبل عقد من الزمن، كنت قد خلصت في تقاريري الصحفية عن تاريخ الفكر السياسي إلى أن طريق الإصلاح الديني ينتهي في نهاية المطاف إلى منعطف الاستبداد الديني، وأننا ننتقل من الإصلاحية إلى الأصولية. وقد نشرت هذه الدراسات في مجموعة من خمسة مجلدات بعنوان «نقد اللاهوت السياسي»، كانت نقدا للإسلام السياسي، وتحدثت في المجلد الأول منها عن مأساة البروتستانتية الإسلامية وكيف انتقلوا من مارتن لوثر إلى جان كالفن. يومئذ كنت أظن أن عبد الكريم سروش هو مارتن لوثر الإسلام، ولذلك كتبت في المجلد الرابع من تلك المجموعة عن محن الليبرالية الإسلامية. أما الآن فأدرك أنه هو نفسه جان كالفن؛ رجل انتقل من الإصلاح الديني إلى الاستبداد الديني. كنا نرى في شخصية عبد الكريم سروش، بخلاف علي شريعتي ومن بعده مهدي بازركان، ليبرالية دينية، ومع أننا واجهنا في استمرار الطريق مفارقة الليبرالية والإسلاموية، فإننا لم نتجاهل دوره في الإبستمولوجيا الليبرالية. لكن فقر الفكر الاقتصادي والفكر السياسي أدى في النهاية إلى سقوط الستار وانكشاف القناع، فظهر تحت هذه الليبرالية المقنّعة توتاليتارية خفية...
المصدر: أسبوعية «تجارت فردا»، العدد ۶۴۲، «كلفة العزلة»، السبت ۱۷ مرداد ۱۴۰۵
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الفلسفة
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.