اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يفحص بهروز ملكي في «سروش في منظور قوتشاني» منهج محمد قوتشاني في نقد عبد الكريم سروش، ويتساءل عما إذا كانت الأدلة المقدمة تكفي لنسبة معاداة الليبرالية والماركسية الجديدة والسلطوية إلى سروش. ويؤكد المقال، من خلال التمييز بين نقد قضية، ونقد نظرية، والحكم على شخصية فكرية، ضرورة إعادة بناء الفكر بإنصاف قبل نقده.

يمكن تناول مقال محمد قوچاني في نقد عبد الكريم سروش من زوايا مختلفة، لكن قبل الخوض في التفاصيل، لعل من الضروري الالتفات إلى مسألة أساسية: عند إعادة بناء الحصيلة الفكرية لمفكر ونقدها، هل توجد مناسبة كافية بين الشواهد والتفسير الذي نقدمه لها؟ يقتضي نقد الفكر أن نعيد بناء رؤية المفكر في أدق صورة ممكنة وأكثرها إنصافا، وأن نأخذ في الحسبان سياقها التاريخي والمفهومي، وأن نقيس صلتها بسائر أعمال المفكر نفسه ومواقفه، ثم نبين أين وقع في خطأ أو تناقض أو أفضى إلى نتيجة غير مبررة.
من هذا المنظور، يتمثل أحد الأسئلة المهمة بشأن مقال قوچاني في مقدار الانحياز في اختيار الشواهد ووضعها جنبا إلى جنب. ففي المقال، جرى جمع قضايا ومواقف من مراحل فكرية مختلفة لسروش من أجل رسم صورة له من مجموعها. ومبدأ بحث المسارات الفكرية لمفكر عبر الزمن مشروع تماما، بطبيعة الحال؛ غير أن المسألة هي: هل تكفي الشواهد المختارة لإثبات هذه المسارات والوصول إلى نتائج المقال، أم أن شواهد وسياقات أخرى قد تقدم صورة مختلفة حظيت باهتمام أقل؟ من هذه النقطة تبدأ مشكلة مقال قوچاني. فهو يصل سروش بالتقليد الصوفي، ومعارضة التكنولوجيا، والماركسية الجديدة، والسلطوية، ثم بنوع من الشمولية الخفية، وينتهي إلى أن ما كان يعد في العقود الماضية ليبرالية دينية لم يكن سوى ليبرالية مقنعة.
ومن المحاور الأساسية في حجة قوچاني للتشكيك في ليبرالية سروش مجموعة مواقفه من الصناعة والقناعة. ويضع قوچاني هذا النقاش في إطار دعوى أكبر: فهو يرى أن سروش يتكلم في السنوات الأخيرة بلغة اليسار، وأنه نموذج لموجة ماركسية جديدة مناهضة للنيوليبرالية. وفي حجة قوچاني، توضع أقوال سروش عن الرأسمالية الليبرالية والاستهلاك والقناعة والتكنولوجيا معا لإظهار هذا الابتعاد عن الليبرالية. غير أنه لفحص هذه الحجة، من الأفضل فصل الصناعة عن القناعة.
الصناعة، قبل كل شيء، نقاش عن التكنولوجيا وصلتها بالحياة الإنسانية. ويستند قوچاني بحق إلى عبارات سروش الصريحة: أن كمال الإنسان لا ينبغي أن يطلب في مزيد من الاستهلاك والإنتاج والمنافسة؛ والأصرح من ذلك قوله: «التكنولوجيا الجيدة هي التي لا تكون موجودة»، بل إنه يسأل: «لماذا المترو؟» ويقترح ألا تحل مشكلة المرور في طهران بإنشاء المترو. وهذه مواقف جدية قابلة للنقد، ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام.
لكن نقد هذه المواقف ينبغي أن يتم على المستوى نفسه الذي طرح فيه سروش المسألة؛ أي فلسفة التكنولوجيا وصلتها بين التقدم التقني والحياة الطيبة. يمكن التساؤل: هل أخذ سروش في الاعتبار بما يكفي تكاليف التخلف، ومنافع التكنولوجيا، وضرورات الحياة الحضرية؟ وهل توصيات من قبيل معارضة المترو قابلة للدفاع من منظور الرفاه العام والسياسات الحضرية؟ يمكن أن يكون ذلك نقدا جادا لموقف الصناعة. غير أن المسافة بين مثل هذا النقد والاستنتاج بأن سروش مناهض للتنمية ينبغي اجتيازها بالحجة. فمجرد تشاؤم مفكر من بعض آثار التكنولوجيا لا يعني أن لديه نظرية اقتصادية أو سياسية مناهضة للتنمية.
أما القناعة فمسألة أخرى. يركز قوچاني هنا على أقوال سروش المتأخرة عن الحياة الاستهلاكية والقناعة والامتناع عن شراء السلع الفاخرة، ويضع هذه المواقف إلى جانب نقده للرأسمالية الليبرالية. وشواهد قوچاني في هذا القسم حقيقية أيضا، فسروش يدافع بوضوح عن العيش البسيط والحد من الاستهلاك. ومن ثم، فإن أصل نقد هذه المواقف واضح تماما.
ومع ذلك، لا ينبغي إغفال تمييز مهم يدركه قوچاني نفسه جيدا: فالرأسمالية والليبرالية مفهومان غير مترادفين. إن نقد الرأسمالية لا يعني بالضرورة نقد الليبرالية بمعناها العام. وحتى لو قبلنا بأن سروش ينتقد بعض جوانب الرأسمالية، فلا بد من بيان الأسس الليبرالية التي يرفضها على وجه التحديد.
وهنا تكتسب عبارة سروش الصريحة أهمية مضاعفة. فهو يقول: «أنا لا أقدم القناعة بوصفها نظاما اقتصاديا»، ويؤكد أنه لا يملك نظاما اقتصاديا خاصا وأنه ليس «منظرا اقتصاديا». ينقل قوچاني هذه العبارة، لكنه يدفعها على الفور إلى الهامش في إطاره النقدي بتعابير مثل «القطب» و«المراد» و«الشيخ» و«مرشد الطريقة السروشيّة»، ويشير إلى أن سروش، رغم هذا التصريح، يتحدث عن الترويج للقناعة والعيش البسيط.
ينبغي هنا التمييز بين ادعاءين: أ) يقدم سروش توصية أخلاقية واجتماعية بالقناعة. ب) يروج سروش لنظرية اقتصادية. الأول يمكن الاستناد إليه بوضوح من أقوال سروش، أما الثاني فيحتاج إلى حجة مستقلة. إن رغبة سروش في الترويج للعيش البسيط، حتى لو مد هذه التوصية إلى السياسة العامة، لا تدل في ذاتها على أن لديه نظرية اقتصادية في مواجهة الليبرالية، فضلا عن أن يستنتج منها أنه ماركسي جديد.
وفضلا عن ذلك، لا يمكن فهم مقالة «الصناعة والقناعة» بمعزل عن العصر الذي كتبت فيه. فهي تنتمي إلى عقد 1360؛ وهي مرحلة كانت فيها إيران تواجه الثورة والحرب والاقتصاد الحكومي والمصادرات والأزمات الناجمة عن الانتقال من التقليد إلى الحداثة. وهي مرحلة كان فيها كثير من الليبراليين المحليين الحاليين إما يساريين، أو يفكرون على نحو سروش، أو يمارسون التقية. هذا السياق التاريخي لا يبرر أخطاء سروش ولا يمنع نقدها، لكنه مهم لفهم المشكلة التي كان يواجهها في تلك المقالة تحديدا. وحتى لو عدنا توصيته بشأن المترو خاطئة تماما، فلا يمكن استنتاج أن سروش كان يضمر برنامجا اقتصاديا مناهضا للتنمية.
وخلاصة الأمر أن موضع الخلاف الرئيس مع قوچاني ليس إنكار شواهده، بل مستوى النتيجة المستخلصة منها. ففي الصناعة، يملك قوچاني شواهد لإظهار تشاؤم سروش من بعض جوانب التكنولوجيا، لكنه لكي يحول هذا التشاؤم إلى نظرية مناهضة للتنمية، ينبغي أن يبين الحلقات النظرية بين هذه المواقف ورؤية متماسكة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي القناعة أيضا، تظهر الشواهد أن سروش ينتقد النزعة الاستهلاكية وبعض وجوه الرأسمالية؛ لكن لإثبات ابتعاده عن التقليد الليبرالي، ولا سيما لنسبته إلى الماركسية الجديدة، ينبغي توضيح المبادئ الليبرالية التي يتجه إليها هذا النقد تحديدا، وصلته بسائر مواقفه الاقتصادية والسياسية.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار الصناعة والقناعة مدخلين جديين لنقد سروش، لكن لا شاهدين جاهزين لإثبات نتيجة مقررة سلفا. ففي الصناعة، يتشكل موقف سروش أساسا في صورة سؤال فلسفي عن التكنولوجيا. وفي القناعة أيضا، يكون حديثه توصية أخلاقية عن الاستهلاك ونمط الحياة أكثر منه عرضا لنظام اقتصادي. يمكن مخالفة الموقفين، بل وإظهار أن سروش لم يقدم حجة اقتصادية كافية عند تحويل هذه الأحكام الأخلاقية إلى توصيات اجتماعية. لكن هذه المواقف نفسها لا تكفي البتة لإثبات دعوى قوچاني الأكبر عن خروج سروش الكامل من التقليد الليبرالي أو تحوله إلى ماركسي جديد.
وثمة مسألة أخرى هي العلاقة بين الحريات الثقافية والسياسية من جهة والليبرالية الاقتصادية من جهة أخرى. وهذا النقاش مهم في ذاته، لكن النتيجة التي يستخلصها قوچاني منه لا تلزم بالضرورة من مقدماته.
ينبغي أولا التمييز بين ادعاءين. لا يدعي سروش قبول جميع وجوه الليبرالية، وهو يرى أن لليبرالية أبعادا اقتصادية وسياسية وثقافية، ثم يصرح بأنه إذا فصلنا هذه الأبعاد بعضها عن بعض، فهو ليبرالي تماما في الحريات الثقافية. ومن البديهي أنه لا يمكن استنتاج من ذلك أن سروش يعد نفسه مدافعا عن جميع وجوه الليبرالية، بما فيها كل قراءة لليبرالية الاقتصادية؛ لكن لا يمكن كذلك أن يستنتج بسهولة من أقواله أنه يعادي الليبرالية الاقتصادية.
ومن الواضح أن الليبرالية في تاريخ الفكر لم تكن أيضا منظومة متكاملة تماما وخالية من الخلاف. فالخلاف حول حدود السوق، ومقدار الضرائب، والضمان الاجتماعي، وتوزيع الثروة، ودور الدولة في الاقتصاد، كان في كثير من الحالات خلافا داخل التقليد الليبرالي نفسه. لذلك، إذا كان قوچاني يعتقد أن قبول الحريات الثقافية والسياسية من دون قبول الحرية الاقتصادية في الوقت نفسه مستحيل نظريا، فإن هذه دعوى مهمة تحتاج إلى برهان. ولا يمكن افتراض مثل هذه النتيجة سلفا بمجرد تعريف الليبرالية تعريفا حديا غير قابل للفصل، أو رفع عبء الإثبات بمجرد القول إن «الليبرالية ليست قائمة طعام في مطعم».
وحتى لو افترضنا أن سروش لا يقبل الليبرالية الاقتصادية حقا، فلا يمكن أن نستنتج من هذه المقدمة بسهولة أنه غير ليبرالي، فضلا عن كونه ماركسيا جديدا. فإذا كانت دعوى قوچاني أن الليبرالية حزمة نظرية غير قابلة للتجزئة، وأن قبول بعض عناصرها من دون قبول جميع العناصر مستحيل منطقيا، فعليه أن يثبت هذه الدعوى نفسها وأن يلتزم بلوازمها. فمثلا، إذا قبل شخص، بخلاف سروش، الليبرالية الاقتصادية لكنه لم ينسجم مع بعض وجوهها الثقافية أو السياسية، فهل سيظل قوچاني مستعدا لإخراجه من معسكر الليبرالية؟
وتغدو المسألة أهم لأن مظلة الليبرالية في تاريخ الفكر واسعة إلى حد يشمل طيفا متنوعا من الاتجاهات والمفكرين. فمن لوك ومونتسكيو وسميث إلى ميل وهايك ورولز، تشكلت قراءات مختلفة للحرية والدولة والسوق والعدالة والعلاقة بين الفرد والمجتمع. فليبرالية لوك ليست كليبرالية ميل، كما أن ليبرالية هايك تختلف عن ليبرالية رولز اختلافات أساسية؛ ومع ذلك لا تمنع هذه الاختلافات من وضعهم جميعا في نطاق التقليد الليبرالي. ومع ذلك، يرسم قوچاني، في دفاعه عن قراءته الحدية لليبرالية، حدود هذا التقليد بصورة ضيقة إلى درجة أن كثيرا من المفكرين الذين أدرجوا تحت التقليد الليبرالي في القرون الأخيرة لا يكادون يجدون مكانا في تعريفه.
وهذه النقطة جديرة بالتأمل أيضا في ضوء تعبير قوچاني نفسه عن تعريف سروش الضيق لليبرالية. فلعل الخلاف هنا لا يدور حول موقف اقتصادي فحسب، بل حول تعريف حدود الليبرالية ومكوناتها. إذا قبل شخص بعض هذه المكونات وانتقد بعضها الآخر، فهل ينبغي عده خارج دائرة الليبرالية؟ إن الجواب الإيجابي عن هذا السؤال يحتاج إلى حجة. وإلا اختزل النقاش إلى ثنائية بسيطة: إما قبول جميع المكونات التي يريدها قوچاني، أو الخروج من الليبرالية ثم إلصاق تهمة الماركسية الجديدة. ومثل هذه الثنائية، على الأقل في الحكم على الموقع الفكري لسروش، تبسط المسألة أكثر مما توضحها.
وتظهر المسألة نفسها في النقاش عن بوبر وهايك. يستند قوچاني إلى أقوال سروش عن هذين المفكرين وصلتهما بالليبرالية، ويخلص إلى أن سروش يفضل بوبر على هايك -وهي، في رأيي، نتيجة صحيحة- ثم يجعل هذا التفضيل موضع سؤال بالإشارة إلى تأثير هايك في بوبر. يمكن أن تطرح انتقادات جدية بشأن العلاقة الفكرية بين بوبر وهايك أو دقة سروش في شرح رؤيتهما الاقتصادية؛ فإذا كان قوچاني يرى أن سروش وقع في خطأ نظري بتفضيل بوبر على هايك، فعليه أن يبين الخطأ نفسه، لا أن يختزل الموضوع في إبداء ولائه لهايك.
وتظهر المشكلة نفسها في النقاش عن الديمقراطية الاجتماعية. فبنقل قوچاني لهذه العبارة من سروش: «ليت الديمقراطية الاجتماعية كانت ممكنة، لكن للأسف ليست ممكنة»، يحاول أن يبين أن سروش مفكر رغبوي، ثم يقول في مواجهته: «الديمقراطية الاجتماعية ممكنة بالفعل، وقد تحققت أيضا في ظل الديمقراطية الليبرالية.»
لكن ينبغي هنا أيضا السؤال عما يقصده سروش بعبارة «ليست ممكنة». هل يقصد الاستحالة التاريخية لجميع دول الرفاه؟ إن كان ذلك مراده، فهو ادعاء تجريبي يمكن مناقشته ببساطة، على طريقة قوچاني، بأمثلة تاريخية. أما إذا كان يقصد عدم الانسجام النظري بين مكونات الديمقراطية الاجتماعية، فالمسألة أخرى. وبدلا من توضيح هذا التمييز، يستخدم قوچاني العبارة في اتجاه نتيجة سبق أن توصل إليها.
والواقع أن من نقاط ضعف مقال قوچاني أن كثيرا من جمل سروش، بدلا من أن تدرس بوصفها قضايا مرتبطة بسياقها وتحتاج إلى تفسير، وضعت جنبا إلى جنب كأنها أجزاء ملف؛ وكأن كل جملة يراد لها أن تكون شاهدا على نتيجة معلومة منذ البداية. ولو كان سروش يعد الديمقراطية الاجتماعية ممكنة، لما استبعد أن تستخدم الطريقة نفسها للوصول إلى نتيجة معاكسة، هي استحالة الديمقراطية الاجتماعية!
ولعل نقد قوچاني لمواقف سروش من الثورة الثقافية من أجد أقسام المقال. ففي مقابلة ينقلها قوچاني، لا يزال سروش يدافع عن أصل فصل بعض الأساتذة، ويقول إنه كان آنذاك موافقا على فكرة «التطهير»، وإنه لا يزال يعتقد اليوم أنه يمكن، في ظروف معينة، فصل أساتذة غير جيدين من الجامعة. يمكن، بل ينبغي، أخذ موقف سروش هذا بجدية وطرح أسئلة صعبة بشأنه. لكن قوچاني يذهب خطوة أبعد حتى هنا. فاستخدام كلمة «التطهير» في عصر الثورة الثقافية، بالنظر إلى حمولتها الدلالية، وتعميم هذا التعبير على مواقف سروش الحالية، يحتاج إلى مزيد من التدقيق. يسعى قوچاني في هذا القسم إلى وضع مواقف سروش الماضية والحالية في امتداد واحد، والاستنتاج منه أن سروش لا يزال يحتفظ بالنظرة نفسها لعصر الثورة الثقافية. ولهذا يكتب: «سروش يريد الجامعة دائما في المحكمة؛ سواء بتهمة عدم الثورية أو بتهمة أكل الحرام.»
لكن في هذه الرواية، يحظى جزء من كلام سروش، وهو مهم لفهم مراده، باهتمام أقل. يصرح سروش بأن الأستاذ لا ينبغي أن يفصل اليوم من الجامعة لمجرد «عدم كونه ثوريا». وفيما يتعلق بما يسميه «أكل الحرام»، وبصرف النظر عن مدى ملاءمة هذا التعبير، فإن كلامه ينصرف إلى أساتذة، بحسب تصريحه هو، أضعفوا الجامعة، وظلموا الجامعة والطلاب، وتقلدوا مناصب متعددة، وأخفقوا في الوقت نفسه في أداء واجبهم التعليمي، وتلقوا رواتب جامعية. ولعل قوچاني، لو رفع قبعته قليلا، سيقبل بأن أساتذة بهذه الصفات ينبغي مساءلتهم في أي نظام جامعي معتبر، بل وعزلهم من الجامعة إذا ثبتت المخالفة.
يمكن مخالفة معايير سروش ولغته هنا، بل يمكن السؤال عما إذا كانت تعابير كهذه قد تفضي إلى ممارسة خطرة في تقييم الأساتذة. لكن لا يمكن، لمجرد استعماله لفظ المحكمة أو التطهير، ومن دون الالتفات إلى الموضوع الذي يتكلم عنه، نسبة المعنى نفسه الذي يستنتجه قوچاني إلى موقفه الحالي. ومن باب أولى، لا يمكن أن نستنتج بسهولة من دفاع سروش عن تطهير الجامعة أنه بلغ رجعية تقدمية. ولإصدار مثل هذا الحكم، ينبغي لقوچاني أن يبين أن هذا الموقف جزء من نظرية متماسكة لسروش عن الجامعة والسلطة والحكم.
وتظهر مشكلة المقال الأكبر حيث يختلط نقد سروش بالحكم على شخصيته. يتناول قوچاني في أقسام من المقال حياة سروش الخاصة في الولايات المتحدة، واستعماله المكنسة وتجفيف الملابس في الشمس. وهنا يبتعد المقال ابتعادا ذا دلالة عن نقد الفكر. فما أهمية أن يجفف سروش ملابسه في الشمس من منظور الفلسفة السياسية؟ وما الذي يثبته عن صلته بالليبرالية كونه يملك مكنسة كهربائية، لكنه ينظف البيت أحيانا بمكنسة يدوية؟ وهل يثبت أنه أمضى ليلتين بين الآميش وأعجب بنمط عيشهم أن المجتمع الآميشي هو مثاله الأعلى؟
قد تكون هذه التفاصيل جذابة في سيرة ذاتية، لكنها تكاد تكون غير ذات صلة بنقد فكرة. فالاقتباس نفسه الذي يورده قوچاني يدل على أن سروش يعد تجفيف الملابس في الشمس واستهلاك قدر أقل من الكهرباء مثالا للصناعة والقناعة. يمكن للمرء ألا يوافق هذا التصور، بل أن يعده تبسيطيا؛ لكن نقده ينبغي أن يبقى على المستوى نفسه، لا أن يحول نمط الحياة الشخصي إلى شاهد لإثبات نظرية سياسية واقتصادية. وفوق ذلك، فإن تعابير من قبيل «ذروة نضال سروش في أمريكا هي غسل ثيابه» تهبط بالنقاش من نقد الرأي إلى الحط من الشخصية.
ويمكن رؤية النهج نفسه في النقاش عن اهتمام سروش بالهند والصين والآميش. يبني قوچاني من اهتمام سروش بحياة أبسط صورة لمدينته الفاضلة أو يوتوبياه؛ مع أن تصور سروش لهذه المجتمعات، حتى لو كان تبسيطيا، فإن مجرد مدحه لبعض جوانب نمط عيشها لا يدل على أنه يقترحها نموذجا مفضلا له. فتحويل اهتمام كهذا إلى نظرية يحتاج إلى حلقات استدلالية أكثر.
وتتحول مسألة التنوير الديني أيضا في خاتمة مقال قوچاني إلى حكم كلي: أن التنوير الديني بلغ نهاية طريقه. يمكن أن تكون هذه القضية نفسها موضوع مقال مستقل، لكن ينبغي أن نسأل: ما المقصود بالنهاية؟ يمكن للسيد قوچاني أن يحب التنوير الديني أو لا يحبه، وأن يتمنى أن ينتهي هذا الاتجاه الفكري أو لا ينتهي؛ لكن إصدار الحكم بنهاية التنوير الديني يحتاج إلى حجة. فإن كان المقصود نهاية مشروع تاريخي معين، فقد يكون ذلك موضع نقاش؛ أما إن كان المقصود نهاية إمكان إعادة التفكير الديني من جانب المثقفين، فهي دعوى ضخمة تعجز الشواهد المقدمة في المقال عجزا مطلقا عن حملها. وعلى أي أساس يمكن إعلان نهاية تيار استطاع أن يتغير ويستمر عبر عقود بحكم كلي؟ ومع ذلك، يمكن الإبقاء على الافتراض المتفائل بأن مراد قوچاني من نهاية التنوير الديني هو نهاية صورة منه وظهور صورة أخرى.
لكن أكبر قفزة مفهومية في مقال قوچاني تقع في نهايته، حيث يقول إنه كان يعد سروش في البداية مارتن لوثر الإسلام، لكنه أدرك الآن أنه جان كالفن. وبصرف النظر عن أن مثل هذه المقارنة تقتضي سلوكا استدلاليا أدق كثيرا بين لاهوت هذين المفكرين وفكرهما السياسي وسياقهما التاريخي؛ فإن ثنائية كالفن-لوثر نفسها ليست بالبساطة والوضوح المفترضين هنا.
فلا يمكن اعتبار لوثر ممثلا مناسبا في مقابل كالفن لمجرد أنه وقف في وجه سلطة البابا وبعض البنى الكنسية، كما لا يمكن اختزال هذا الاختلاف إلى ثنائية بسيطة بين مصلح متسامح ومستبد ديني. ومن هذا المنظور، تحتاج مقارنة قوچاني إلى توضيح تصوره للوثر وكالفن قبل أن تثبت شيئا عن سروش. ومع ذلك، لا محل لإنكار أن اختلافات لوثر وكالفن في العلاقة بين الدين والسلطة السياسية حقيقية ومهمة. فإذا كان كالفن هنا استعارة للاستبداد الديني، فلا بد من إظهار النظرية التي يقترب فيها سروش من كالفن بشأن الدين والسلطة والحكم، مع النظر إلى ما أكده وما تحمله من كلفة من أجل التعددية الدينية. فمجرد أن سروش دافع في مرحلة ما عن الثورة الثقافية، أو اتخذ في بعض المسائل السياسية مواقف قريبة من مواقف السلطويين، لا يكفي لمثل هذه المقارنة. وإذا أريد مقارنة سروش بكالفن، فينبغي أن نبين ما النظرية التي لديه في الحكم الديني والتي يمكن استنباط نوع من النظام السياسي السلطوي منها.
إذا كان قوچاني، بدلا من الاستناد إلى محاضرات سروش المتأخرة والمفصلة عن «الدين والسلطة» و«السلوك التديني في العالم الحديث» و«العلاقة بين العلم والدين»، يأخذ معظم شواهده من أقوال سروش عن القناعة والتكنولوجيا والثورة الثقافية والآميش، ثم يصل فجأة إلى كالفن، فمن الطبيعي ألا يستطيع سد هذه الفجوة الاستدلالية. بل إن موضع قوة سروش يمكن أن يكون في مواقفه من العلاقة بين الدين والسلطة. ويبدو أنه كما يعترف قوچاني بأنه كان يعد سروش، على حد تعبيره، لوثر الإسلام خطأ قبل سنوات، فإن عده كالفن الآن قد يكون خطأ أفدح؛ كأن قوچاني، بدلا من الاستناد في هذه المقارنة إلى حجة نظرية، وصل إلى حكم عاطفي ردا على خطئه السابق في تسمية سروش لوثر.
قد يكون سروش قد فكر بالفعل على نحو سلطوي في بعض مواقفه السياسية، لكن هذه الدعوى ليست هي القضية القائلة إن «سروش هو كالفن». فالثانية تحتاج إلى إظهار صلة نظرية بين اللاهوت، وتصور سروش للحقيقة الدينية، وبنية السلطة والحكم؛ لا مجرد وضع عدة مواقف سياسية جنبا إلى جنب ثم إلصاق اسم كالفن بها.
وفوق كل ما تقدم، من الضروري التمييز بين مجال اختصاص المفكر الرئيس وتصريحاته في المجالات الأخرى. يعرف سروش، قبل كل شيء، بوصفه فيلسوفا للدين وفيلسوفا للعلم، وقد سعى، بحسب تصريحه، منذ سنوات إلى الابتعاد عن شؤون السياسة اليومية. ولذلك، وإن كانت آراؤه في الاقتصاد والسياسة قابلة للنقد، فلا يمكن جعل تصريحاته في هذين المجالين، من دون مراعاة هذا التمييز، المعيار الرئيس للحكم على حصيلته الفكرية. وكما لا يمكن الحكم على عالم نفس بارع بوصفه خبيرا في الاقتصاد والسياسة لمجرد أن لديه آراء فيهما، ينبغي التمييز في شأن سروش أيضا بين المجال الرئيس لعمله الفكري وتصريحاته في المجالات الأخرى.
من المشكلات البنيوية في مقال قوتشاني، في تقديري، أنه لا يميز بوضوح بين ثلاثة مستويات مختلفة: نقد قضية، ونقد نظرية، والحكم على شخصية فكرية. قد تكون قضية من قضايا سروش خاطئة، من دون أن يشكل ذلك حجة قاطعة على بطلان النظرية بأكملها؛ وقد تكون نظرية ما ضعيفة، من دون أن يبطل ذلك مجمل منجزه الفكري؛ وقد يكون سروش قد ارتكب خطأ سياسيا في مرحلة ما، من دون أن تختزل هويته الفكرية كلها في ذلك الخطأ. وحتى وجود تناقض بين بعض آرائه لا يكفي، في حد ذاته، للوصول إلى استنتاجات من قبيل أنه كان ليبراليا متخفيا. وللوصول إلى أحكام من هذا النوع، لا بد من قطع شوط استدلالي أطول بكثير. والإنصاف في النقد يعني أن نعيد بناء موقف المفكر موضوع النقد على نحو لا يستطيع معه، لو كان حاضرا في الغرفة، أن يقول: لقد حرّفت كلامي.
والواقع أنه إذا كانت لدى سروش بالفعل نظرية ضعيفة، فينبغي عرضها في أقوى صورة ممكنة ثم نقدها. وإذا كان بالفعل معاديا لليبرالية، فلنبين أسسه المناهضة لليبرالية؛ وإذا كان بالفعل ماركسيا جديدا، فلنبين أي أسس ماركسية تبناها؛ وإذا كان بالفعل مناهضا للتنمية، فلنستخرج نظريته البديلة في التنمية؛ وإذا كان بالفعل شموليا، فلنعد بناء نظريته في السلطة والحكم؛ وإذا كان بالفعل كالفن، فلنبين في أي نظرية سياسية ولاهوتية لديه تكمن آلية كالفنية. أما إذا عجزنا عن إثبات أي من ذلك، ولجأنا بدلا منه إلى الملابس المجففة تحت الشمس، والمكنسة اليدوية، والآميش، والصين والهند، وبضع عبارات من عقد ۱۳۶۰، فنحن في الحقيقة لم ننقد سروش؛ بل نسجنا عنه قصة فحسب.
ويمكن أيضا النظر إلى مقال قوتشاني بوصفه مؤشرا إلى تحول مهم في موقفه من سروش. فقد كان يرى سروش يوما واحدا من أبرز وجوه الليبرالية الدينية، أما الآن فيصف الشخصية نفسها بأنها ليبرالية متخفية. وليس في تغيير الموقف، في حد ذاته، أي إشكال. فمن حق الباحث أن يراجع ماضيه، بل وأن يخلص إلى أنه أخطأ في أحكامه السابقة. غير أن مراجعة الحكم على مفكر لا ينبغي أن تتم عبر إعادة كتابة ماضيه على نحو يحذف أو يهمش جميع الشواهد المناقضة للنتيجة الجديدة. وفي مثل هذه الحال، لا تعني كثرة الإحالات بالضرورة عمق الاستدلال. فقد توضع 100 مقولة مقتبسة بعضها إلى جانب بعض، وتظل النتيجة مع ذلك ثمرة انتقاء انتقائي.
أنا على يقين من إمكان توجيه انتقادات جادة إلى أفكار سروش، لكن كثرة وخزات قوتشاني وسخرياته -من «شيخ التنوير الديني» و«مرشد الطريقة السروشية» إلى «فيلسوف النظام» و«قطب التنوير الصوفي في إيران»، فضلا عن إسناد دور أيديولوجي الحكومة إليه- تلقي بظلالها على هذه الانتقادات. ولعل من المفيد أن يعرض قوتشاني نفسه للمنهج ذاته الذي استخدمه في نقد سروش: هل يقبل أن يصفه أحد، بدلا من نقد أفكاره نقدا استدلاليا، ببعض الأوصاف غير المنصفة مثل «ليبرالي متخف»، أو «تابع للطريقة الطباطبائية»، أو «مهووس بهايك»، ثم يبحث في أعمال قوتشاني ويرقع الشواهد بعضها ببعض ليجعل هذه الأوصاف نفسها أساسا للحكم على منجزه الفكري؟ وهل يمكن أن نبني صورة كلية عن قوتشاني، الذي أمضى عمره ممسكا بالقلم ودفع أثمانا لأفكاره وكتاباته، عبر انتقاء بضع عبارات من مراحل مختلفة من حياته، وبعض التصرفات الشخصية، وبعض الأحكام التاريخية، وبعض المواقف السياسية؟
وبعبارة أخرى، أضفى قوتشاني على النقاش طابعا شخصيا إلى حد أضر كثيرا بمصداقية ادعاءاته المهمة بأن سروش «ماركسي جديد» أو «كالفن» أو «شمولي مستتر». ففي الصورة التي يرسمها قوتشاني لسروش، ظل الأخير طوال العقود الخمسة الماضية ثابتا على مواقفه وتوجهاته السلبية، بينما اتجهت، على العكس، بعض مواقفه الإيجابية بمرور الزمن نحو مواقف سلبية. وهذه الصورة القاتمة والأحادية الجانب لسروش تستحق تأملا جادا.
ولا يتورع قوتشاني، في سبيل بناء هذه الصورة، عن الاستطرادات المتكررة وعن وضع مواد مترابطة وأخرى لا صلة بينها جنبا إلى جنب. فليس واضحا، مثلا، ما صلة إثارة موضوع سيد جواد طباطبائي بالإطار العام لنقد سروش. وقد يظن القارئ أن قوتشاني، هنا أيضا، وكما فعل في التعبير عن إعجابه بهايك، لم يفوت فرصة الاستطراد إلى طباطبائي للتعبير عن إعجابه به؛ لكن ليس واضحا إلى أي حد يستحق هذا الإعجاب أن يلمح قوتشاني إلى اتهام سروش بالإدلاء بقول مخالف للواقع عن طباطبائي.
الدفاع عن الإنصاف في نقد سروش ليس دفاعا عن سروش؛ بل هو دفاع عن مبدأ مفاده أن الحكم على مفكر ينبغي أن يقوم على فحص أعماله وحججه وسياقه التاريخي وتطوره الفكري، لا على انتقاء عدد من القضايا والمواقف ووضعها بعضها إلى جانب بعض للوصول إلى نتيجة محددة سلفا.
المصدر: أسبوعية تجارت فردا، العدد الخاص، ثمن الحرب، ۳۱ مرداد ۱۴۰۵
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
الدين
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.