اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى عرفاء المسلمين القلبَ موطنَ التفقه والمعرفة، ويعدّون الرذائلَ حُجُبًا بين الإنسان وربه. ويذهب الانتظام، استنادًا إلى القرآن والمثنوي، إلى أن الكِبرَ أمُّ الحُجُب، إذ يحوّل حتى العلمَ إلى أداةٍ للهلاك.

نص محاضرة حميد انتظام بعنوان المعرفة العرفانية بالله ٢ (أتى ضوء الشمس دليلاً على الشمس)-٢٠٠٧ حميد انتظام في هذه السلسلة من الجلسات يتناول شرح وتوضيح الله من منظور العرفاء. تجدر الإشارة إلى أن هذه السلسلة من جلسات المعرفة العرفانية بالله استمرت على مدار ١٨ جلسة.
إذا كنتم تذكرون، فقد تحدثنا في الجلسة السابقة عن مقام العقل عند العرفاء المسلمين، وأن العرفاء المسلمين (على خلاف الفلاسفة المسلمين) لا يرون العقل وسيلة مناسبة للبحث عن الله. وهم، في الوقت الحالي، يولون القلب أهمية أكبر في البحث عن الله وكشفه. ولهذا السبب تحديداً، فإن همهم الأساسي ينصب على إزالة الصدأ عن القلب ورفع الحجب التي تحول بين الإنسان والله. بالنسبة لنا، نحن الذين لا نألف التراث العرفاني الإسلامي كثيراً، يصعب بطبيعة الحال استيعاب هذا الأمر؛ أي أن يتمكن الإنسان من إقامة علاقة مع الله عبر القلب ويكتشفه بهذه الطريقة. ولهذا السبب أيضاً، يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تستقر هذه المباحث. اسمحوا لي أن أذكر لكم آية من القرآن الكريم لتدركوا إلى أي مدى نمر على مثل هذه الآيات في القرآن الكريم مروراً عابراً ولا نتدبر فيها بما يكفي. نحن عموماً نعتبر الفهم والإدراك ممكنين فقط بقوة العقل، ولذلك عندما نصادف في القرآن الكريم آيات تدعونا إلى التفقه (بمعنى التفكر والإدراك) نعتبر ذلك دعوة لاستخدام عقلنا وتفعيل قوانا الذهنية ونشاطاتنا العقلية. بعبارة أخرى، نحن نساوي "التفقه" بالعمل الذهني. أي أننا إذا قال الله في القرآن: "تفقهوا"، نعتبره دعوة لاستخدام قوانا العقلية. لكن انتبهوا الآن إلى الآيتين 45 و46 من سورة الإسراء: (( وَ إِذٰا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنٰا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجٰاباً مَسْتُوراً ﴿۴۵﴾ وَ جَعَلْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْراً وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي اَلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً ﴿۴۶﴾ )) هذه الآيات تضع مسألة حصر "التفقه" في "التعقل" موضع تساؤل. يخاطب الله النبي فيقول: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً. الذين لا يؤمنون، هم أساساً ينكرون الغيب ولا يثقون إلا بالأخبار المتعلقة بعالم الشهادة (العالم الحسي والفيزيائي). وهم لا يقبلون أخبار عالم الغيب لأنهم لا يجدونها قابلة للمشاهدة الموضوعية. ولهذا السبب، فإن هذه الفئة من الناس محرومة من مشاهدة الكثير من المناظر الجديرة بالمشاهدة في العالم. أي أن هناك مناظر في العالم يحرمون أنفسهم من الالتفات إليها. الآية التالية واضحة وجلية تماماً: "وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه". هذا التعبير نفسه ورد أيضاً في الآية 25 من سورة الأنعام والآية 57 من سورة الكهف. تكمن دقة هذه الآية في أنها جمعت كلمتين معاً: القلب والتفقه. أي أنها تقول إن هذه الفئة هم أناس حيل بينهم وبين الإدراك والتفقه لأن قلوبهم قد غُطيت بحجاب. يصرح القرآن الكريم بأن القلب ليس فقط مركزاً للإحساس والعاطفة، بل هو أيضاً مركز للتفقه والإدراك والفهم واكتساب المعرفة. تعود مفاهيم الشهود والإشراق في العرفان الإسلامي إلى هذه الآيات (الكشف والفهم والإدراك بالنسبة لله عبر القلب). في المرة الماضية، قلتُ إن الحجب التي تقع بين الإنسان والله هي الصدأ الذي يتراكم على قلب الإنسان. وقد ذكرنا في هذا الصدد قصة الروم والصينيين. إذن، حتى هذه اللحظة، ليس لدينا شك في أن القلب هو أيضاً أحد الأدوات الموثوقة لاكتساب المعرفة والإدراكات المتعلقة بالله. وبرأي العرفاء، فإن ما يحول بيننا وبين الله ليس الجهل (بمعنى خلو الذهن من المعلومات والبيانات). يقول العرفاء إن ما يحول بينكم وبين الله ويوجد مسافة هو الرذائل. كل واحدة من هذه الرذائل هي حجاب وحائل بينكم وبين الله. وكلما زاد عدد هذه الرذائل فينا، ازدادت الحجب بيننا وبين الله سمكاً. وإذا وُفقنا إلى تطهير قلوبنا من هذه الرذائل، فإننا نزيل طبقة تلو الأخرى من هذه الحجب بيننا وبين الله. ونستطيع بسهولة أكبر أن نكشف الله ونتواصل معه ونكتسب المعرفة به. وقد قلت في المرة السابقة أيضاً إن أم الحجاب أو أم كل الحجب هي الخيلاء والتكبر. فالناس المتكبرون يوجد بينهم وبين الله حجاب سميك.
آدمیانی که متکبر هستند هر چه دانش و معلومات علمی بیشتری داشته باشند فاصله آنها از حداوند هم بیشتر خواهد شد.یعنی علمشان نه تنها برای نزدیک تر شدن به خداوند از آنها دست گیری نمی کند بلکه فاصله آن ها با خداوند را هم بیشتر می کند.لب تعلیم عرفای مسلمان این بوده که اگر کسی روحی آکنده از خودخواهی داشته باشد, انباشته های ذهنی،علوم و معارفش همه خرج خودخواهی او خواهند شد و فقط من کاذب (ego) او را متورم تر خواهد کرد.و به جای اینکه این معارف و دانش ها راه انسان را به خداوند نزدیک تر کند راه را بسیار دورتر می کند.به عبارت دیگر علم اگر مایه نخوت و تکبر در آدمی شود،نه تنها از انسان دست گیری نمی کند بلکه به هلاکت می انجامد.حال یک تمثیلی را از مولوی برای شما ذکر می کنم که مطلب را روشن تر کند.در دفتر سوم و چهارم مثنوی، مولوی داستان کنعان را ذکر می کند.کنعان پسر نوح است.در این داستان کنعان نماد استکبار علمی است.کسی که به واسطه اندوخته های ذهنی و مهارت هایش،خود را مستغنی از هدایت و دست گیری نبی می داند. به علم خود متکی است و هیچ حاجتی به وحی و دست گیری الهی نمی بیند. نوح به فرمان خداوند کشتی ساخت چراکه از غیب خبر یک طوفان مهیب به او رسیده بود.کنعان شنا بلد بود و به دانش و فن شناگری خود هم بسیار مغرور بود.هي، تعالَ واجلس في سفينة الأب
كي لا تغرق في الطوفان أيها المهين
قال: لا، لقد تعلمت السباحة
ولم أشعل شمعة سوى شمعتك
المهين تعني الضعيف؛ فعندما قال نوح لابنه: يا بني اركب معنا في السفينة لتنجو من الهلاك، يقول كنعان: لقد هيأت أسباب نجاتي بنفسي. أنا أملك وسيلة الإرشاد ولا حاجة بي إلى إرشادك وهدايتك ومد يد العون لي.
إياك أن تفعل، فهذه موجة طوفان البلاء
اليد والرجل والسباحة اليوم عبث
يقول نوح لابنه: إن تخبيط اليدين والرجلين والسباحة تنفع في اليوم المشمس واليوم الصحو، أما الآن فما سيحدث وشيكاً هو طوفان سيهلك كل شيء وكل شخص. علم السباحة وأدواتك لا تجدي نفعاً في مثل هذا الميدان.
وهنا يريد مولوي أن يبين إلى أي مدى يمكن للعقل أن يقطع الطريق علينا. يقول كنعان لأبيه نوح: إذا حدث هذا وقام الطوفان وجرى السيل، فلماذا أجلس في الوادي، سأصعد إلى قمة الجبل.
لا تشمخ برأسك عن السفينة مثل كنعان
فقد غرّه غرور نفسه الماكر
قائلاً: سأصعد إلى قمة الجبل الشاهق
لماذا عليّ أن أتحمل مِنّة نوح؟
لقد بلغ الغرور ووهم الاستغناء الكاذب في كنعان مبلغاً جعله حجاباً يحول بينه وبين الحق، فلم يستطع رؤية الحقيقة. وأنتم تعلمون طبعاً أن كنعان لم يركب السفينة وغرق. يستخلص مولوي من هذه القصة عدة نتائج مهمة:
ليته لم يتعلم السباحة
حتى يعلّق طمعه بنوح والسفينة
ليته كان جاهلاً بالحيل كالطفل
حتى يتشبث بأمه مثل الأطفال
أو ليته كان أقل امتلاءً بعلم النقل
لاختطف علم الوحي من قلب الولي
يقول مولانا: ليت كنعان لم يكن يعرف السباحة. إن عدم معرفته وعدم امتلاكه لمثل هذه الأداة كان سيقنعه بأن يركب سفينة نوح. لو لم يكن ممتلئاً بعلم النقل واللفظ والظاهر ولم ينل منه حظاً، لاقتدى بعلم الوحي والمعرفة الباطنية لنبي الله وما كان ليهلك.
هذه القصة هي حال غالب الناس في زماننا، حيث نعتبر أنفسنا في غنى عن هداية الحق، ودائماً ما يدغدغنا العقل في هذا السياق لنبرهن على لماذا لا ينبغي لنا أن نتوكل على الحق. ولهذا السبب ترون أن العارفين المسلمين عموماً يفضلون الجهل على العلم المولّد للغرور. كلام السنائي في هذا الشأن هو الفصل الخطاب؛ يقول السنائي: هذا العلم الذي لا ينتزع منك الأنانية والغرور والتكبر، الجهل أفضل منه بكثير:
علم لا ينتزعك منك
الجهل خير من ذلك العلم مئة مرة
على أية حال، دعوة العارفين لكشف الله والفلاح والنجاة هي ما علّمه عبد الرحمن الجامي في نفحات الأنس:
اسعَ في رفع الحجب لا في جمع الكتب
فبجمع الكتب لا تُرفع الحجب
يقول: لا يكن سعيكم في زيادة حجم الكتب التي قرأتموها، بل ليكن سعيكم وجهدكم في إزالة الحجب التي تحول بينكم وبين الله. طهّروا تلك الصدأ من وجودكم.
إذا أردنا تلخيص كلمات الجلسة السابقة، أعرض ثلاث نقاط كنتيجة:
أولاً) الطهارة والنقاء الباطني، وصفاء السريرة وتنقية الوجود من الأغيار والرذائل، هي من اللوازم الأساسية للحضور في محضر الله؛ فإذا كان المرء ملوثاً بالقبائح والأدناس الأخلاقية، فلن يستطيع أبداً أن يحضر في محضر الله. وبدون الحضور في محضر الله، لن تكون المعرفة الحقة بالله متيسرة.
ثانياً) الرذائل الأخلاقية (أو المنكرات والمحرمات بالتعبير الشرعي) هي حُجُبٌ تحجب الإنسان عن الله. والخطوة الأولى والأساسية في مجال رفع الحجاب هي في الحقيقة السعي لإزالة هذه الرذائل من الباطن.
ثالثاً) رفع هذه الحُجُب يجعل عين القلب أحدّ وأبصر لكشف الله. فكلما صقلنا القلب أكثر وطهرناه، صارت عين القلب أحدّ، وصار بمقدوره أن يرى الله بسهولة وبصورة أفضل.
أما المطلب الرئيسي والأساسي والمهم الآخر فهو أن رفض أصالة العقل لا يعني أن العرفاء المسلمين يسعون إلى إنكار المعرفة والشعور، ولا يعني أنهم يريدون إشاعة التقليد والإيمان التعبدي. ليس هذا مراد العرفاء على الإطلاق. انتبهوا إلى أن العرفان مشتق من المعرفة. لكن المعرفة التي يُتحدث عنها في العرفان هي معرفة تؤكد على تقدم تزكية النفس. أي أنها تقول: طهروا النفس أولاً، ثم تأتي المعرفة تبعاً لذلك. ثمة وقت نذهب فيه نحن إلى المعرفة، ووقت نطهر فيه أنفسنا فتأتي المعرفة إلينا. إذن، العرفان مشتق من المعرفة، ولكنها المعرفة المسبوقة والمعتمدة على طهارة الباطن ونقائه. أي أن المتكأ الذي يتحدث عنه العارف هو طهارة الباطن ونقاؤه. إذا لم يكن باطنكم طاهراً ولم تزيلوا صدأ بواطنكم، فلن تكون لكم، أولاً، معرفة صحيحة بالله أبداً، وثانياً، لو حصلتم على معرفة، فإن هذه المعرفة ستكون لدماركم أقرب منها إلى الأخذ بأيديكم.
أما المطلب الجديد الذي أريد طرحه فهو أن الله في الأساس ظاهر وليس خفياً حتى يحتاج إلى من يكشفه. في الأساس، أولئك الذين يريدون بقوة العقل أن يكشفوا الله، يتبعون، شاؤوا أم أبوا، المنهج الفلسفي في معرفة الله. يقول عرفاؤنا: إن الله ليس خفياً في الأساس حتى تريدوا كشفه. إن معرفة الفلاسفة هي استدلال من طريق المعلول إلى العلة. أنتم تنتقلون من الأثر إلى المؤثر. ترون الأثر أولاً ثم تتوصلون إلى المؤثر. في البداية نعرف المعلول، ثم يدلنا المعلول على العلة. ومن هنا فإن المعرفة الفلسفية بالله تبدأ من المخلوق لتصل إلى الخالق. والآن، كلما توصلتم من طريق الأثر إلى وجود المؤثر، فأنتم في الحقيقة تمارسون معرفة المخلوق لا معرفة الخالق. هذا مطلب بالغ الأهمية. أنتم تريدون من خلال المخلوق أن تنفذوا إلى الخالق. يقول مولوي (جلال الدين الرومي) في المثنوي مخاطباً الله في موضع ما:
حركتنا في كل لحظة هي بذاتها شهادة
بأنها شاهد على ذي الجلال الأبدي
دوران حجر الطاحون في اضطرابه
صار شهادة على وجود مجرى الماء
هذا استدلال من طريق المعلول إلى العلة. يضرب مولوي هنا مثلاً ويريد أن يفهّمنا ((لا اله الا الله)). يقول مولانا إن كل حركة وكل جنبش نقوم به فكأننا نقول ((اشهد ان لا اله الا الله)). ويضرب مثلاً بحجر الطاحون. ينصبّ الماء على حجر الطاحون ثم تدور عجلة الطاحون. أي لو لم يكن هناك ماء ولم ينصبّ لما دارت هذه العجلة. يقول مولانا الآن: حين ترى دوران حجر الطاحون فإنك في الحقيقة تشهد على وجود الماء. فكل جنبش وسعي نقوم به إنما يدل في الحقيقة على وجود الله ويشهد على وجود الله. هذا هو أسلوب الانتقال من المعلول إلى العلة. والأمر الواقع أن غالبنا نحن البشر نريد أن نذهب إلى الله عبر المخلوقات. وكأن الله محجوب ومستور بذاته. ولأن هذه الطائفة لا ترى الله فإنها تتخذ المخلوق علامة على وجود الله، ومن ثم تبدأ معرفتهم بالله من معرفة المخلوقات. وكأن الله ليس له ظهور وتجلي بدءاً وساكناً، ولذا ينبغي إظهار الله بالاستدلال وتقديم البرهان والدليل. وكأن الله مستور وليس له حضور عيني في العالم. أنقل لكم تفسيراً من أبي حامد الغزالي، لاحظوا كيف ينفي هذا الأسلوب في الانتقال من المخلوق إلى الخالق. نقرأ في سورة النور الآية ٣٥: (( اَللّٰهُ نُورُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ اَلْمِصْبٰاحُ فِي زُجٰاجَةٍ اَلزُّجٰاجَةُ كَأَنَّهٰا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبٰارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاٰ شَرْقِيَّةٍ وَ لاٰ غَرْبِيَّةٍ يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ نُورٌ عَلىٰ نُورٍ يَهْدِي اَللّٰهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَضْرِبُ اَللّٰهُ اَلْأَمْثٰالَ لِلنّٰاسِ وَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿۳۵﴾)) الله نور السماوات والأرض. لقد استُخدم مفهوم النور في تعريف الله في القرآن الكريم مراراً، ومفهوم النور مفهوم معبّر ولائق. نحن عادةً نأخذ النور على أنه نور الشمس والشمعة والمصباح ونحصره في ذلك أيضاً، في حين أن هذه مصاديق للنور وليست حقيقة النور والنورانية. يقدم الغزالي تعريفاً شيقاً وجميلاً للنور والنورانية. يقول في تعريف النور: "كل ما هو مرئي بذاته وتُرى به الأشياء الأخرى". وبناءً على هذا التعريف، فإن كل شيء يجعل اللامرئي مرئياً سيكون نوراً. وبناءً على هذا التعريف، فالشمس والشمعة والمصباح والعين والعقل كلها نور. لأن كل واحد من هذه يمكنه أن يكشف لنا الخفايا. فإذا ارتقيت في سلسلة الأنوار وصلت إلى ما هو حقيقةً النور المطلق أي الله. أي أن النور الحقيقي في العالم هو الله، وسائر الأشياء النورانية تستمد نورها من الله. ومن هنا يقول الغزالي: ((ولا أتحرج من القول بأن استعمال كلمة النور في غير الله مجاز محض)). لذا فإن "الله نور السماوات والأرض" لا تعني أن الله بمنزلة نور السماوات والأرض، بل الله عين نور السماوات والأرض. أي أن الشمس تستمد نورها منه. كل شيء مظلم ومعتم، ويتضح بالقياس إلى الله. فنور الله هو الذي يتيح الرؤية والفهم ويمكّنهما. ليست المخلوقات نور كشف الله، بل الله هو نور كشف المخلوقات. نقرأ في آية الكرسي: (( اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ ... ﴿۲۵۷﴾)) من يتصل بالله وبمنبع النور يصل في الحقيقة إلى النور نفسه، بينما كان قبل اتصاله بالله يعيش في الظلمة والظلام. على كل حال، الله يفيض بالنور وينقذ الإنسان المؤمن المتوكل على الله والمعتمد عليه من الظلمة ويأخذه إلى النور. على كل حال، قد يقول البعض إن القرآن الكريم يتحدث كثيراً عن التفكر في السماوات والأرض. الآيات التي تدعونا إلى النظر إلى المخلوقات لنجد الله هي للمتوسطين الذين أزالت الحجب والستائر الغليظة بصيرتهم، أما الذين لم تزل بصيرتهم فلا حاجة بهم إلى النظر إلى المخلوق ليجدوا الخالق؛ فهم أصلاً جالسون في حضرة الله.
على أية حال، في منهج العارفين، تبدأ معرفة الله من الله نفسه لا من الخلق. كل ما يقوله الآخرون عن الله محدود بتجليه الأول. في البداية يتجلى الله في العالم، ثم نسعى بعد ذلك إلى الاستدلال ووضع المفاهيم. إدراك الله ووضع المفاهيم عنه يأتي بعد تجليه، لا قبله. أي أن الله يتحرك متقدمًا على المفاهيم؛ فالمفهوم يظهر دائمًا في الإنسان بعد بلوغ الحقيقة. أي أننا ندرك أولاً وجود حقيقة ما، ثم نقوم بوضع المفاهيم، لا قبل ذلك. نتواصل روحيًا مع شيء ما أولاً، ثم نلتقط له صورة مفهومية لاحقًا. وهنا يتضح مدى الاختلاف بين معرفة العارفين ومعرفة الفلاسفة. يقول مولوي:
جمله ادراكات بر خرهای لنگ
او سوار باد پران چون خدنگ
يقول مولانا هنا إن الله يحضر أولاً، ثم نتمكن بعد ذلك من وضع المفاهيم والتقاط الصور. عندما يأتي الله، يمكن وضع المفاهيم عنه. المفاهيم بادئ ذي بدء لا تنطق بالله. يجب الاتصال بالله بلا واسطة، لا عبر وساطة المفاهيم. يقول العرفاء إن الفلاسفة يريدون معرفة الله بالوسائط والوسائل والأدوات (كالتمثيل والقياس...). يقول مولانا في هذا الصدد:
میفزاید در وسایط فلسفی
از دلایل باز برعکسش صفی
این گریزد از دلیل و از حجاب
از پی مدلول سر برده به جیب
گر دخان او را دلیل آتشست
بیدخان ما را در آن آتش خوشست
يقول إن عمل الفيلسوف هو زيادة الوسائط، ولا يزيد الحجب بين الإنسان والله إلا كثرة. يقول لك: أدرك أولاً مفهوم الوجود حتى تتمكن من إيجاد الله. هنا عبر الوسائط يصير الله معلومًا لنا ومكشوفًا.
يقول العرفاء المسلمون إن الله عيان، وقد تجلى في العالم بآلاف الطرق؛ الله لا يحتاج إلى إثبات، وهو ظاهر. ليس خفيًا حتى نحتاج إلى مفاهيم لإظهاره. حجم واسع من النصوص العرفانية الإسلامية مكرس لهذا الأمر. يريد مولوي أن يبين في موضع ما كون الله عيانًا ومتجليًا بآلاف الصور:
خود نباشد آفتابی را دلیل
جز که نور آفتاب مستطیل
این جلالت در دلالت صادقست
جمله ادراکات پس او سابقست
جمله ادراکات بر خرهای لنگ
او سوار باد پران چون خدنگ
يقول مولانا إنكم لا تطلبون من الشمس دليلاً على نفسها أبدًا. الشمس بمجرد ظهورها يكون نورها دليلاً على وجودها. الله كالشمس، ظهوره عين إثباته، ولا يحتاج إلى دليل. الله كالشمس هو دليل نفسه. أنتم على دراية بدعاء عرفة للإمام الحسين (ع). يقول الإمام الحسين: ((إلهي كيف يكون ما هو محتاج إليك في وجوده دليلاً ومرشدًا ومعرّفًا بك؟)). يقول: الشجرة المحتاجة إلى الله في وجودها، كيف يمكنها أن تدلنا على الله؟ ثم يتابع: ((أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟)). وقد أخذ فروغي بسطامي كلام الإمام الحسين هذا وصاغه بشكل جميل في قالب الشعر فقال:
متى غبتَ عن القلب حتى أتمناك؟
ومتى كنتَ خفيّاً حتى أبحث عنك؟
لم تغب قط حتى أصبح طالب حضور
ولم تختفِ قط حتى أُظهرك جليّاً
بألف ألف تجلٍّ خرجتَ إليَّ لكي
بألف ألف عينٍ أتفرجُ عليكا
إن الأشياء جميعاً مدينة بكل ما لديها لله، وأنا مدينة بوجودي أيضاً، لذا فمن المحال أن يوجد شيء مستقل عن الله وأظهر منه ويكون دالاً عليه. فالكائن الذي يحتاج إلى الله كي يوجد، هو محتاج إليه أيضاً في الدلالة، وليس الله محتاجاً إلى دلالة مخلوقه عليه. الله شمس هي الدليل على ذاتها، ولهذا السبب فإن البحث عن دليل على الله هو شأن العميان والمبتلين بالظلمة. أناس، على حد تعبير مولوي، أمسكوا بعصا الاستدلال الخشبية غير الثابتة، ويضربون أحياناً بهذه العصا نفسها هامة الله، مع أن الله هو من أعطاهم هذه العصا وهذا العقل والاستدلال ليمضوا بها. هذه العصا منحهم إياها الله نفسه، والآن تستدلون عقلياً على أن الله غير موجود؟
على أية حال، يبدو حتى هذا الموضع من النقاش أن الآية 18 من سورة آل عمران تُفهم بشكل أفضل:(( شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قٰائِماً بِالْقِسْطِ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ﴿۱۸﴾)) لقد قال مولانا حتى الآن إن الشمس دليل على ذاتها، وهو ما كان تفسيراً لهذه الآية القرآنية. وترجمة هذه الآية هي: ((شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم [يشهدون أيضاً] بوحدانيته. لا إله إلا هو القائم بالقسط، العزيز الحكيم.)) الجزء الأول من هذه الآية بالغ الأهمية: شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُو)) "شهد الله بوحدانيته." (( ولأمير المؤمنين علي (ع) كلام في هذا الصدد في نهج البلاغة، يقول فيه:(( ﻳَﺎ ﻣَﻦْ ﺩَﻝَّ ﻋَﻠَﻰ ﺫَﺍﺗِﻪِ ﺑِﺬَﺍﺗِﻪِ ﻭَ ﺗَﻨَﺰَّﻩَ ﻋَﻦْ ﻣُﺠَﺎﻧَﺴَﺔِ ﻣَﺨْﻠُﻮﻗَﺎﺗِﻪ: يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته)). يخاطب الإمام علي الله قائلاً: أنت الدليل على ذاتك. يصعب هذا الكلام كثيراً على أهل الاستدلال الذين يريدون الوصول منطقياً من المقدمات إلى النتائج البرهانية، إذ أن شهادة المرء لنفسه ليست شهادة مقبولة. فالأمر أشبه بأن تذهب إلى المحكمة ويطلب منك القاضي دليلاً فيقول: ما دليلك على أنك على حق؟ فتجيب: لأنني أقول ذلك. القرآن الكريم يقول هذا بالضبط: إن الله يشهد لنفسه. من الصعب جداً على إنسان يعوّل على العقل أن يقبل شهادة شخص لصالح نفسه دون أن يقيم دليلاً وقرينة مستقلة عن دعواه. الحديث هنا عن الدليل بالذات وعن "الشمس التي هي دليل على ذاتها". أي أننا هنا، حين نتحدث عن الله، نواجه ظاهرة اعتبارها قائم بذاته. قد يكون قبول أن دعوى الشخص تتحد مع ادعائه (أي أن ادعاء الشخص هو عين إثبات دعواه) أمراً صعباً. يضرب مولوي مثالين لتوضيح هذا الأمر بعض الشيء. سأذكر أولاً مثال طلب الرضيع الحجة من أمه. يقول مولوي:
أو لطفلٍ صاح ثدي الأمِّ
تعالَ إني أمك، هيا يا ولد
يقول الطفل: يا أماه هاتي حجة
حتى أركن مع لبنك إلى قرار
لا يملك أي منا أي سند لادعاء أمنا بأنها أمنا سوى ادعاء أمنا نفسه؟ أي أنه حين تدعي أمنا أنها أمنا، فإن ادعاءها هو عين حقيقة ذلك الادعاء. يقول: عندما يبكي الطفل وتقول له أمه تعال لأرضعك، هل يطلب هذا الطفل من أمه حجة بأن تثبت له أولاً أنه أمه؟
انتبهوا أيضاً إلى تمثيل آخر لمولانا:
أو قال بالعربية ناطقٌ بالعربية
بأنني لأعرف لغة العرب
كان عين نطقه بالعربية هو المعنى
وإن كان نطقه بالعربية هو الدعوى
يقول: إن قال أحدهم باللغة العربية أنا أعرف العربية، فإن تحدثه بالعربية هو عين إثبات دعواه.
أختم كلامي بدعاء من الإمام السجاد. إذا كنتم تذكرون، قلت سابقاً إن الإنسان أولاً يمكنه حقاً أن يكتشف الله بقلبه وفؤاده ويحصل على معرفة به، وفي النهاية فإن المعرفة الوحيدة اليقينية هي المعرفة التي تحصل عن طريق القلب. جميع الأدلة والبراهين العقلية والفلسفية حول الله ظنية وتخمينية. المعرفة اليقينية الوحيدة عن الله هي المعرفة التي تنبع من القلب. وثانياً، إن الرذائل الأخلاقية تتسبب في إيقاع حجاب بيننا وبين الله. يقول الإمام السجاد: (( وَ أنَّکَ لا تَحْتجِبُ عَنْ خَلْقِکَ إلا أنْ تَحجُبَهُمُ الأعمالُ السَّیِّئَهُ دُونَکْ. لست محجوباً ولا خفياً عن مخلوقاتك إلا أن تحجبهم عنك أعمالهم السيئة)) أي أنه في بداية الأمر لا يوجد أي حجاب بيننا وبين الله، فالله ظاهر وجليّ. يصبح الله خلف حجاب عندما تصدر عنا أعمال وسلوكيات قبيحة. كل رذيلة هي حجاب بيننا وبين الله. إذن، إذا أزلنا الرذائل فسيصبح الله جلياً وظاهراً ولا حاجة البتة إلى أدلة وبراهين فلسفية لإثبات وجود الله.
نقاش حول هذا المقال١ تعليق
سلام وخداقوت مطالب بسیار عالی و کار ساز بود، خداوند یار یاورتان باشد.باتشکر