اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يتناول حميد انتظام في الجلسة الثالثة من دروس المعرفة الإلهية العرفانية علاقة الإنسان بالله المتعالي من منظور الخوف والحب. ويرى، من خلال نقده لهيمنة التدين الفقهي، أن إحياء العرفان العشقي والعقلانية ضرورة للعالم الإسلامي.

نص محاضرة حميد انتظام بعنوان المعرفة العرفانية بالله ٣ (الخوف والحب)-۲۰۰۷ يشرح حميد انتظام في هذه السلسلة من الجلسات اللهَ من منظور العرفاء. وتجدر الإشارة إلى أن سلسلة جلسات المعرفة العرفانية بالله هذه استمرت على مدار ١٨ جلسة.
تحدثنا في الجلسات القليلة الماضية عن بعض المقولات المطروحة في المعرفة العرفانية بالله. من ذلك مكانة العقل، وطاقة القلب في اكتساب المعرفة، وأهمية صفاء الباطن ونقاء القلب في أمر الشهود والإشراق واكتساب المعرفة اليقينية (لا الظنية والتخمينية) إزاء الله. تحدثنا في الجلسة السابقة عن الحجب الحائلة بين الإنسان والله، وعن أن أم الحجب هو التكبر والغرور، وأن البشر المغرورين والمتكبرين لا يعانون فقط من رذيلة أخلاقية، بل هم محرومون من مصاحبة الله أيضاً. لكنني سأتحدث في الجلسات القليلة القادمة عن "العشق" في العرفان الإسلامي، وعن أنه كان لدينا أساساً منذ القديم مدرسة العرفان العاشق الإسلامي، والتي للأسف أصبح الناس اليوم أقل دراية بها. إن تديننا نحن المسلمين اليوم هو عموماً تدين فقهي، وأولئك الذين يخطون في وادي العرفان هم أكثر دراية بالعرفان الزاهد. أما العرفان العاشق فهو شيء آخر. أنا شخصياً أعتقد أنه بالنظر إلى الوضع المتردي الذي يعيشه العالم الإسلامي من الناحية الأخلاقية ومن ناحية انتشار العنف اللامحدود، فإن إحياء هذا التقليد هو فريضة مهمة. في اعتقادي، هناك أمران مهمان يكتسيان ضرورة في العالم الإسلامي اليوم: في البعد الاجتماعي السياسي، إحياء النهج العقلي للمعتزلة هو فريضة، أي نهج عقلاني لمقولة السياسة، والآخر هو تعزيز الروح المعنوية في الحياة الدينية. نحن اليوم إما لدينا تدين فقهي، أو أننا ربطنا تديننا بالسلطة والسياسة لدرجة أن المعنوية لا تلعب فيه دوراً يُذكر. لذا، ينبغي لنا في المجال الاجتماعي والسياسي أن نحيي العقلانية، وفي المجال الفردي أن نعزز تقليدنا العرفاني.
على أية حال، سأتحدث في هذه المرة عن مفهوم العشق في العرفان الإسلامي. حديثي اليوم يدور حول ماهية العلاقات الممكنة أساساً بين الإنسان والله. لقد قُدِّمت إجابات متعددة على هذا السؤال عبر التاريخ. ولكن كمقدمة، سأتحدث قليلاً عن صورة الله وتصوُّره في القرآن الكريم لكي يتَّضح جوهر المسألة وأهميتها بشكل أكبر. في جميع الأديان التوحيدية، الله موجود مجرد، أسمى وأرفع من العالم. في هذه الأديان، الله أسمى وأرفع بكثير من المخلوقات. إنه عظيم بلا حدود ورفيع بلا حدود عن العالم المخلوق. التعابير القرآنية بليغة ومعبّرة للغاية. يستخدم القرآن الكريم كلمة "أحد" كصفة لله. عندما نقول إن الله "أحد"، فكأن الله، بمعنى من المعاني، لا يريد أن يُعرف كثيراً ويُبقي نفسه بعيداً. في العظمة والعلم والإبداع والقدرة، لا مثيل له ولا نظير، كما يصرح القرآن الكريم. كما يُعرّف القرآن الله بصفة "الصمد". "الصمد" بمعنى المطلق. الله مطلق. والسؤال هنا هو أن مثل هذا الموجود الذي هو صمد وأحد ورفيع بلا حدود عن الأرض والزمان؛ مثل هذا الموجود لا يسعه أساساً فهم الإنسان وإدراكه. أي أن الله يظل دائماً متعالياً عن إدراك البشر، ولا يمكن وصف ذلك الصمد أو المطلق بأي جهاز من المفردات والكلام. لذا فإن الله كالغزال الذي ينفر من الإدراك والوصف. وعليه، وبهذا الوصف، لا يمكن لأي جهاز مفاهيمي وكلامي أن يقدم نظرية كاملة وشاملة عن الله. قول هذا الأمر بسيط جداً ولكن هضمه ثقيل. إذا أخذنا هذا الكلام على محمل الجد، فمعناه أنه لا يوجد كتاب ولا نظرية في العالم المخلوق محيطة بالله. هذا الكلام يتعارض مع ظاهر المعتقدات الدينية للمسلمين، لكنه مع ذلك حقيقة. الله لا يسعه فهم البشر وإدراكهم. يقول القرآن الكريم: "ليس كمثله شيء"، الله ليس مثل أي شيء. أي أن الله ليس مثل أي شيء في العالم المخلوق، وهو دائماً أسمى وأرفع. في القرآن الكريم يُشار إلى جلال الله وجبروته وقدرته الأزلية. عبارات مثل "كن فيكون" تقول في الواقع إن إرادة الله هي عين تحقق ذلك الأمر. أي أن الله لا يحتاج أبداً إلى تهيئة مقدمات لتنفيذ مخططاته ومشاريعه. هذه العبارات تدل في الواقع على أن الله أعلى من المخلوقات. نحن نُذكِّر أنفسنا بهذه المسائل نفسها في صلواتنا اليومية. عندما نركع نقول: "سبحان ربي الأعلى وبحمده"، وفي السجود نُنبه أنفسنا: "سبحان ربي العظيم وبحمده". كل هذا يرسم ذلك الوجه من الله الذي هو رفيع جداً عن الأرض وعنا، وفي الوقت نفسه، فإن الإنسان أمام مثل هذا الإله مضطر حتماً وبالضرورة أن يشعر بالصغر، أن يشعر بالعجز والصغر أمام الله. لقد تبوأ الله مقاماً سامياً بحيث إنه بعيد بلا حدود عن عبده الصغير. بالنظر إلى هذه المقدمة، يبرز سؤالان رئيسيان. السؤال الأول هو: أي عبودية تليق بتلك الربوبية؟ أي، ما هي العبودية التي تليق بالله بهذه الأوصاف؟ الإنسان الذي هو عبد الله، كيف ينبغي أن يكون حاله ومشاعره أمام مثل هذا الإله. السؤال الثاني هو: هل إله بهذه الرفعة والعظمة وكونه بعيد المنال، يوحي لعباده فقط بالعجز والضعف والخوف؟ أم يمكن أن نحب مثل هذا الإله أيضاً؟ هل مثل هذا الإله محبوب وقابل لأن يُحب أساساً؟ هل يمكن تصور إقامة علاقة وثيقة وحميمية وعاطفية ومحبة بين الإنسان وهذا الإله الرفيع عن المخلوقات أصلاً؟ بعبارة أخرى، ما هي العلاقة التي يمكن أن توجد بين ذلك اللامتناهي في الكبر وهذا اللامتناهي في الصغر؟
أول نسبة يمكن تصورها وإمكانها بين الإنسان والله هي النسبة القائمة على الخوف. في معارفنا الدينية، يُتحدث عمومًا عن الوجه المخيف لله، وأولئك الذين يخطون حديثًا إلى وادي التدين يجدون أوصاف جلال الله وجبروته بارزة جدًا. يرون الله مصورًا على نحو لا يبقى للإنسان حقيقةً حياله من حيلة سوى العجز والضآلة والخوف والرهبة. لقد نشأنا جميعًا، قليلًا أو كثيرًا، على هذا النموذج الديني. والحقيقة بطبيعة الحال هي أن القرآن الكريم وكلام معلمينا الدينيين قد ذكرا الخوف والخشية من الله. في الآيتين 40 و41 من سورة النازعات نقرأ: (( وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ ﴿۴۰﴾ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوىٰ ﴿۴۱﴾)) "الذين يخافون مقام ربهم وينهون النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى". وكأن الله يربط الجنة بالخوف منه، أي أن الذين يخافون الله فقط هم من سيدخلون الجنة. وبالطبع، ينبغي الانتباه إلى نقطتين مهمتين في هاتين الآيتين. الأولى أن الله ليس كائنًا مخيفًا، فالآية أعلاه تقول إن الذين يخافون من "مقام" الله لا من الله نفسه. لكننا نفسر كلمة الخوف هذه في الفارسية عمومًا بـ"الترس" (الخوف). ولا حيلة لنا سوى ذلك، ولا نعرف حقًا كلمة أخرى نأخذها مرادفة للخوف. لكن في اللغة العربية توجد كلمة أخرى تُترجم أيضًا في الفارسية إلى "الترس" (الخوف)، وهي كلمة "الجبن". الخوف والجبن كلمتان متضادتان، لكن في الفارسية تترجمان كلتاهما بـ"الترس". الجبن يعني الخَوَر، وهو حالة نفسية ممتزجة بالجهل. والخوف أيضًا حالة نفسية، لكنها حالة نفسية ممتزجة بالعلم والمعرفة. هنا يتضح الفرق بين الخوف والجبن، لكننا في الفارسية نترجمهما كلتيهما بالخوف. عندما نواجه أمرًا كبيرًا وعظيمًا، ونعي بعمق عظمة ذلك الشيء، نَخَاف من كِبَر وعظمة ذلك الشيء. هنا أساس الخوف ومرتكزه هو الوعي بذلك الشيء. الكلام هنا أنك حين تواجه أمرًا أو ظاهرة عظيمة وكبيرة، تشعر بالضآلة وانعدام الملاذ، وهذا الضآلة وانعدام الملاذ يجعلك أكثر وعيًا وإدراكًا لحدك ومنزلتك الحقيقية. وكقاعدة عامة، كل عظمة في الخارج توحي بحقارة ما في دواخلنا. الخوف الناتج عن عظمة وجلال الموجود الخارجي ناشئ عن وعي عميق وتحرر من الجهل. لكن ليس كل خوف جبنًا. الخوف حين يكون عن علم ومعرفة ووعي فهو بالتأكيد محمود؛ والجبن هو المذموم وغير المستحسن لأنه قائم على عدم الوعي والجهل. الخوف من الله ناشئ عن الوعي العميق للإنسان العارف في مواجهته لوجود في غاية العظمة والرفعة في هذا العالم. في الأديان، ذِكر شيئين فريضة: الأول ذكر الله، والثاني ذكر الموت. والسؤال الآن هو: ما النسبة القائمة بين ذكر الله وذكر الموت؟ الجواب واضح، الإنسان لا يستطيع أن يغلب الله والموت. لن تكون أبدًا في مأمن من قبضة الموت. كون الإنسان لا يستطيع أن يغلب الله والموت هو تذكير بالعجز والضعف الذاتي للإنسان. الإنسان العارف الذي أدرك حقًا مقامه وموقعه في هذا العالم، لا يسع هذا الإنسان إلا التسليم لله. على أية حال، الإنسان الذي يدرك حقيقة مقامه ومنزلته في هذا الوجود الفسيح اللامتناهي، لا يرى لنفسه حيلة سوى التسليم لله. ما أجمل ما يقوله مولانا:
جز که تسلیم و رضا کو چارهای
در کف شیر نری خونخوارهای
انسان هنگامی که با آن لایتناهی مواجه می شود، کوه هستی اش به تزلزل می افتد همانگونه که موسی (ع) در میقات تجربه کرد.آنچه که مراد ادیان بوده اینکه تجارب امثال موسی(ع) را تک تک دین داران در زندگیشان تکرار کنند نه اینکه فقط یادآوری تجارب پیامبران باشد و خود بی بهره و بی نصیب از آن تجارب باشیم.در سوره اعراف آیه ۱۴۳ آمده است:(( وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ ﴿۱۴۳﴾)) “موسی به وعده گاه آمد و خداوند با وی سخن گفت.موسی گفت خدایا خود را به من آشکار بنما تا تو را مشاهده کنم. خداوند فرمود هرگز مرا نخواهی دید به کوه بنگر اگر بر جای خود برقرار باشی مرا خواهی دید.همینکه پروردگارش بر آن کوه تجلی کرد آن را متلاشی و خرد ساخت و موسی مدهوش به زمین افتاد”.وقتی که خداوند بر جهان تجلی می کند حقیقتاً از وجود آن چیزی که محل تجلی خداوند بوده هیچ چیزی باقی نمی ماند.حال فرض کنید این خداوند بر دل شما تجلی کند آیا چیزی باقی می ماند؟ این همان چیزی است که مولانا هم گفت.خداوند با چنین صلابت و مهابتی بر انسان تجلی میکند.خوف این مواجه و تجلی وجود انسان را در بر می گیرد،این خوف ناشی از شناخت خداوند و ناشی از شناخت خود انسان است یعنی اینجا هم خداشناسی و هم خودشناسی وجود دارد.لذا اگر انسان خودش را در نسبت با خداوند بیشتر بشناسد خوف و خشیت او هم بیشتر خواهد شد.آیه ۲۸ فاطر هم نکته ای ظریف دارد می گوید همانا که از میان بندگان خداوند آنها که اهل علم و دانشورند، خشیت خداوند را دارند.این خشیت مسبوق به علم و آگاهی است و ناشی از خودآگاهی و خودشناسی است.برای کسانی همچون ابوحامد محمد غزالی خداوند در صورت خوفناک بر آنان تجلی کرده بود، و همین وصف خوفناک خداوند در الهیات آنها بسیار برجسته بوده است.اما و صد اما.این تصویر خوفناک از خداوند و این نسبت با خداوند کامل نیست.خوف از خداوند ممدوح است اما خوف تمام نسبت ممکن بین انسان و خداوند نیست.در سوره یس آیه ۱۱ آمده است:(( إِنَّمٰا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ ﴿۱۱﴾ )) خطاب به پیامبر آمده که “تنها کسی را می توانی هشدار دهی که پیرو قرآن کریم باشد و از خدای رحمان در نهان خشیت داشته باشد،چنین کسی را به آمرزش و پاداشی بزرگوارانه بشار ده”. عبارت "خَشِيَ اَلرَّحْمٰنَ بِالْغَيْبِ "از تعابیر بسیار لطیف و عمیق در قرآن کریم است.حکایت از موجودی به نام خداوند می کند که هم باید از او خشیت داشت و هم در عین حال باید او را موجودی دوست داشتنی و رحمان دید.آیه می فرماید پیام پیامبران در کسانی کارگر می افتد که از آن خدای مهربان می ترسند.بندگان خداوند خائف هستند اما جبون و زبون نیستند.در قرآن کریم آمده که از خداوند خوفناک نباید ترسید.البته در بادی نظر شاید این پارادوکس باشد.در سوره نمل داستان حضرت موسی(ع) و نزدیک شدنش به درختی که آتش گرفته بود آمده است.داستان از این قرار است که حضرت موسی در وادی طور بود و ناگهان دید که درختی آتش گرفته و از باب کنجکاوی به آن درخت نزدیک شد و ناگهان از درخت ندایی شنید: (( يٰا مُوسىٰ إِنَّهُ أَنَا اَللّٰهُ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ﴿۹﴾)) “منم خدای دانا و توانا”. موسی در ابتدا تصور می کند که خیالاتی شده است.اما درخت دوباره حرف می زند این بار برای اینکه توجه موسی را جلب کند خطاب می آید که موسی جه در دست داری؟ موسی پاسخ می دهد عصا.می گوید عصا را بینداز،موسی عصا را که انداخت ناگهان عصا تبدیل به مار شد.موسی (ع) از رویت صحنه به وحشت می افتد و رو به فرار می گذارد. همین که عزم فرار از این صحنه را می کند دوباره درخت به او خطاب می کند: ((... يٰا مُوسىٰ لاٰ تَخَفْ إِنِّي لاٰ يَخٰافُ لَدَيَّ اَلْمُرْسَلُونَ ﴿۱۰﴾ )) ا”ی موسی نترس،پیامبران در محضر من دچار ترس نمی شوند”.
يلعب الله مع موسى بمعنى من المعاني. يقول له أولاً: ألقِ عصاك على الأرض، فتتحول العصا إلى حية فيخاف موسى. هذا لعب يلعبه الله مع البشر؛ فالذين لا ينتبهون يخيفهم الله، وما إن ينتبهوا حتى يزيل عنهم الخوف. وكما يقول مولانا:
لا تخف دان چونک خوفت داد حق
نان فرستد چون فرستادت طبق
يقول: عندما يأتي الخوف، فإن نداء "لا تخف" سيتبعه أيضاً. الله يخيف ذلك الجاهل الذي لا يخشى جلال الربوبية وعظمتها، ويقول لذاك الذي نال المعرفة ووقع في الخوف من جلال الله وجبروته: لا تخف. الله يتجلى للإنسان من جهة بالمهابة والصلابة ويحقره حتى لا يبقى منه شيء، لكنه من جهة أخرى يأخذ بيد هذا الإنسان نفسه الذي اعتراه الرعب إلى المحبة ويجلسه إلى جانبه ويمنحه الأمن والطمأنينة ويزيل خوفه. أليس الإيمان شيئاً غير هذا؟! الإيمان من الجذر اللغوي "أمن"، أي الدخول إلى الحرم الآمن. في ذلك الحرم تبلغون الأمان، وتجدون السكينة.
يخبر حافظ في إحدى غزلياته عن معشوق يبعث من طرف رسالة رعب ويبدو غاضباً، ومن طرف آخر يكن له لطفاً خفياً:
گر چه میگفت که زارت بکشم میدیدم
که نهانش نظری با من دلسوخته بود
كانت تجربة حافظ العاشقية هكذا. يقول: وجدت نفسي مثل غزال في براثن أسد. كنت أرى أن هذا المعشوق يمكنه في كل لحظة أن يسفك دمي، لكنه رغم قهره كان يعطيني إشارة أن تشجع، وكن آمناً مطمئناً ولا تخف من قدرتي وعظمتي.
وكانت تجربة مولوي العرفانية هكذا أيضاً؛ فهو أيضاً في مواجهة عظمة الله وجلاله وجبروته كان يرى نفسه مثل قشة في قبضة إعصار:
برگ کاهم پیش تو ای تند باد
من چه دانم که کجا خواهم فتاد
کاهبرگی پیش باد آنگه قرار
رستخیزی وانگهانی عزمکار
يقول: تصوروا أنكم قشة وقد هب إعصار، فماذا يتبقى من وجود هذه القشة؟
گربه در انبانم اندر دست عشق
یکدمی بالا و یکدم پست عشق
او همیگرداندم بر گرد سر
نه به زیر آرام دارم نه زبر
عاشقان در سیل تند افتادهاند
بر قضای عشق دل بنهادهاند
تخيلوا قطة وقعت في كيس، وهم يديرون ذلك الكيس حول الرأس. القطة تتقلب صعوداً وهبوطاً ولا سبيل لها للفرار، لا قرار لها ولا سكينة. يقول مولانا: هكذا هم عشاق الحق. مثل قطعة حجر وقعت في قبضة سيل جارف، هم دائمون في حال صعود وهبوط. لكن العشاق في الوقت نفسه قد أسلموا قلوبهم لقضاء العشق وإرادته وحكمه، وهم على يقين أن العشق لا يريد لهم إلا الخير. معنى التوكل في اللاهوت الإسلامي هو هذا. أن تجد نفسك حقاً قطعة حجر في نهر عظيم جداً. أن تدرك أنك قطعة حجر ترتطم باستمرار بضفاف النهر لكنك على يقين أنك ستنجو من هذا النهر سالماً. هذا هو التوكل. يقول مولانا في موضع آخر:
ای رفیقان راهها را بست یار
آهوی لنگیم و او شیر شکار
ليس لك حيلة إلا التسليم والرضا
أنت بين براثن أسدٍ هصورٍ سَفَّاك
ليس له نوم ولا طعام كالشمس
يجعل الأرواح بلا طعام ولا منام
يقول: تعالَ كُنْني أو كُنْ على خُلُقي
حتى ترى وجهي في التجلّي
إنه يعبّر عن الله بالشمس التي لا تنام ولا تأكل، ومتى ما تجلّت هذه الشمس على وجود العباد، فإنهم بدورهم سيفقدون النوم والطعام. هذه بالضبط تجربة مفزعة، وقد أخبر عنها العارفون المسلمون.
ولكن ثمة نسبة أخرى بين الإنسان والله، وهي نسبة قائمة على العشق والمحبة. فالخوف ليس النسبة الوحيدة بين الإنسان والله. فمنذ العصور الإسلامية المبكرة، أدرك العارفون المسلمون جيداً أن رحمانية الله ورحيميته تحملان دلالة واضحة، وهي أن بين الإنسان والله نسبة وعلاقة أخرى تُدعى المحبة. ولو لم تكن هناك محبة لما كان للرحمة والرحمانية موضوع. ولا شك أن القرآن الكريم يؤكد على وجود عنصر الحب بين الإنسان والله. ففي سورة المائدة، الآية ٥٤، ورد: "يحبهم ويحبونه"، "الله يحبهم وهم يحبونه". الحديث هنا عن أهل الإيمان، إذ يقول إن المؤمنين هم الذين يوجد بينهم وبين الله "حب". "حب" مفهوم عربي؛ أما التعبير الذي استخدمه عارفونا المسلمون الناطقون بالفارسية عن الحب فهو كلمة "عشق". لقد نبه هؤلاء العارفون إلى أهمية العشق في السلوك الروحي وأدوا حق العشق في التقرب إلى الله. حاول العرفاء المسلمون تبيين العشق والتذكير بأهميته في التدين والسلوك الروحي. أولئك الفقهاء الذين لم يكونوا على وفاق كبير مع العرفان يقبلون حب الله لأنه نص صريح في القرآن الكريم، لكنهم لا يقبلون المحبة إلا بمعنى طاعة الله وعبادته. فمحب الله من وجهة نظرهم يطيع أوامر الله ويتبعها، وهذه التبعية هي عين المحبة تجاه الله. أما عارفون مثل مولانا وشمس التبريزي وبايزيد البسطامي والحلاج والعطار والسهروردي، فرغم أنهم كانوا يرون اتباع أحكام الشريعة ضرورياً، إلا أنهم رأوا نطاق الحب والعشق أوسع بكثير من الطاعات والعبادات. فالله عند هؤلاء، ذو المهابة والصلابة، محبوب أيضاً. فالله ذو الجلال والجبروت، جميل ووسيم أيضاً. كما قال النبي: ((ان الله جمیل و یحب الجمال)) "إن الله جميل يحب الجمال". أناس مثل الغزالي لم تكن عيونهم ترى إلا جلال الله وجبروته، لكن عارفين مثل مولانا فتحوا أعيننا على جمال الله. وهذا الجمال واللطف الإلهي هو ما يجعله محبوباً. كان الاكتشاف الكبير لهؤلاء العارفين هو عنصر العشق. لقد أدرك هؤلاء العارفون جيداً أنه إذا لم يمتط السالك مركباً من العشق والمحبة، وإذا لم يكن قلبه مفعماً بالمحبة، فلن يوفق أبداً في طاعة الله. أي أن طاعة الله لا تكتمل إلا عندما تستقر محبة الله في قلب العبد. فالطاعة بلا حب لن تكون ذات جدوى تذكر. على الإنسان أن ينال حظاً من العشق والمحبة ليستطيع تحمل صعوبات طريق الحق. لقد أدرك المولويون والشمسيون بحق أن الإنسان إذا كان محروماً من المحبة والعشق، فإنه شيئاً فشيئاً، وبسبب صعوبات طريق مجاهدة النفس، يصبح قليل الصبر، عابساً، مقطب الوجه، ويفقد توازنه الشخصي. بعض المتدينين قليلو الصبر، عابسون مقطبو الوجه، لأنهم لم ينالوا حظاً من المحبة ولا طاقة لهم على تحمل صعوبات الطريق. وقد يصل اختلال التوازن الشخصي هذا إلى حد أن هذا الشخص نفسه، الذي يتشدد كثيراً على نفسه في أدق تفاصيل الأحكام العبادية، يتحول إلى إنسان شديد قسوة القلب يقتل آلاف البشر ولا يحرك له طرف. لو أن هذا الفرد، بنفس وسواسه ودقته في شكوك الصلاة، التفت إلى تجريم البشر، لما أمكن أن يسيل دم من أنف أحد. لم يكونوا قلة عبر التاريخ أولئك المتهجدين في الليل الذين كانوا أقسى الناس قلوباً، وهذه الصلوات لا تتعارض مع قسوة القلب البتة، بل يمكن الجمع بينهما تماماً. ما يزيل قسوة القلب هو المحبة والعشق. فمن كان قلبه مفعماً بالعشق والمحبة، يستحيل أن يصبح قاسي القلب وسفاكاً للدماء. في الرؤية الفقهية الجافة، لا حظ للصميمية وصداقة الله. ففي هذا المنهج الفقهي، النسبة القائمة بين الإنسان والله هي نسبة المولى إلى العبد. المولى يصدر الأمر والعبد يطيعه طاعة مطلقة بلا نقاش. في هذا المنهج، يُتصور الله وكأنه كمالكي العبيد يبحث عن الذرائع ليعاقب ويعذب. الله الذي يتصوره غالب المتدينين هو كائن كهذا يبحث دوماً عن ذريعة ليرسل الإنسان إلى جهنم. ما دامت هذه الصورة قائمة بين المتدينين، فسيجدون أخلاقاً تتناسب مع إله مالك العبيد، لا مع إله جميل ومحبوب. حقاً، في دين كهذا، لا يمكن أن نجد عند المتدينين شيئاً سوى العبوس والفظاظة وحدة اللسان. في عين الزاهد العابس، الله مثل سجان. سجان يراقب لئلا تصدر منا هفوة. إن اعتبار حضور الله كسجان يخلق أخلاقاً هي عين القيد والأغلال. كان همّ حافظ أن يحل البشاشة محل العبوس والتقطيبيي زاهدان بکند:
پشمینه پوش تندخو از عشق نشنیدهاست بو
از مستیش رمزی بگو تا ترک هشیاری کند
كان الزهاد يرتدون ثياب الصوف ليضيّقوا على أجسادهم، رجاء أن تجد أرواحهم فسحة للتحرر والتحليق. يقول حافظ إن ارتداء الصوف يجلب معه سوء الخلق، وهذا القول ليس جزافاً ولا مبالغة. فأغلب المتدينين المحرومين من العشق والمحبة عبوسون مقطّبون، ولا يطيقون البشاشة والابتسام والفرح أصلاً. وتلك النسبة بين الإنسان والله تستتبع بالضرورة هذا النوع من الأخلاق. هذه الطائفة من المتدينين لا تعيش، بل أملها أن تجرب الحياة بعد الموت في عالم آخر، ومن هنا كان الحزن والبكاء في ثقافتنا الدينية دوماً علامة بارزة على التدين، وعلى العكس من ذلك كانت البهجة والنضارة والبشاشة علامة على اللامبالاة والبعد عن الله. ومن الآفات التي تهدد تديننا هو سوء الخلق هذا والعبوس وموات القلب. إن لم يكن للعشق والمحبة منزلة في منظومتنا المعرفية، وإن لم يكن للعشق مكان في تديننا وإيماننا، فسنلاقي هذا المصير. ومن الأسباب المهمة لنفور الشباب من الدين أنهم لم يروا من الدين إلا النواح والحزن والبكاء. ومن أبرز خدمات العارفين المسلمين ترويجهم عنصر العشق في الحياة الدينية للمسلمين، ليضفوا بذلك نضارة وحيوية وانتعاشاً على تدين المسلمين، وليخرج الإسلام من كونه مجموعة قواعد وآداب جافة بلا روح، ويتحول إلى قوة معنوية عظيمة في سبيل نمو المؤمنين وتحولهم الوجودي. لقد أولى العارفون المسلمون مفاهيم كالحب معالجة واسعة وجعلوها جزءاً مهماً من تدينهم. هم الذين أسسوا العرفان العشقي الإسلامي؛ ذلك النوع الخاص من التدين القائم على الروحانية والطرب والفرح والبشاشة. ولا ينبغي الخلط بين العرفان العشقي واللامبالاة والانحلال واللهو. لقد أكد عارفونا على أهمية العبادات وأحكام الشريعة وكانوا أشد منا التزاماً بها بكثير.
لم يكونوا ينظرون إلى الأحكام الشرعية على أنها "تكليف"، بل كانوا يرونها جميلة. الصلاة جميلة، والزكاة جميلة. الخيرات والإنفاق وإغاثة المحروم وكفالة اليتيم جميلة. العشق والمحبة لا يحلان محل العبادات بل يضافان إليها. فإذا أضيفت المحبة والعشق، فإنهما يسرعان بالشخص نحو الله. وكما يقول مولانا:
زاهد با ترس میتازد به پا
عاشقان پرانتر از برق و هوا
يقول: الزاهد الخائف يمضي إلى الله على قدميه، أما العارف العاشق فيطير إلى الله.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.