اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يقوم الشعبوي على ثلاثة مفاهيم: الشعب والنخب والإرادة العامة؛ فالشعب يُعرَّف بوصفه الحاكم المطلق أو عامة الناس أو الأمة، وتُصوَّر النخب كجماعة فاسدة تعمل ضد الإرادة العامة، ويكون تمييزها أخلاقياً.

ما يلي هو ترجمة للجزء الأول من كتاب «مدخل قصير جدًا إلى الشعبوية» الصادر عام 2017. مؤلف الكتاب، كاس مودّه، عالم في العلوم السياسية وباحث في التيارات المتطرفة والشعبوية في أوروبا.
للشعبوية ثلاثة مفاهيم مركزية: الشعب، والنخب، والإرادة العامة.
الشعب
تتركز معظم النقاشات حول مفهوم الشعبوية وظاهرتها على غموض مصطلح[3] «الشعب». ويكاد الجميع يتفقون على أن «الشعب» بناءٌ يدل في أفضل الأحوال على نوع من تفسير الواقع (وتبسيطه). ونتيجة لذلك، رأى بعض الباحثين أن غموض مصطلح «الشعب» يجعله مفهومًا عديم الجدوى، بينما سعى آخرون إلى بدائل أوضح مثل «قلب البلاد».[4] ومع ذلك، يجادل إرنستو لاكلو[5] بقوة بأن حقيقة كون «الشعب» «دالًا فارغًا»[6] هي بالضبط ما يجعل الشعبوية أيديولوجيا سياسية وظاهرة بهذه القوة. إذا قبلنا افتراض أن الشعبوية تمتلك القدرة على تأطير «الشعب» من خلال مخاطبة الناخبين والتعبير عن مطالبهم، فإن هذه الطريقة يمكنها أن تخلق هوية مشتركة بين مجموعات مختلفة وتكون منفذًا لدعمهم للمصالح المشتركة.
على الرغم من أن «الشعب» بناءٌ يقبل قدرًا كبيرًا من المرونة، إلا أن هذا المصطلح يُستخدم غالبًا في مزيج من هذه المعاني الثلاثة: الشعب بوصفه صاحب السيادة، والشعب بوصفه عامة الناس، والشعب بوصفه الأمة. في جميع هذه الحالات، يعتمد التمييز الرئيسي بين «الشعب» و«النخب» على فئة ثانية من الخصائص. وهذه الخصائص هي على التوالي: السلطة السياسية، والمكانة الاجتماعية-السياسية، والجنسية. وبافتراض أن جميع تجليات الشعبوية تتضمن تقريبًا بعضًا من تركيبات هذه الفئة من الخصائص، نادرًا ما يمكن العثور على حالات يظهر فيها معنى واحد فقط من معاني الشعب المذكورة أعلاه.
يقوم مفهوم الشعب بوصفه صاحب السيادة على الفكرة الديمقراطية الحديثة التي تقدم «الشعب» ليس فقط بوصفه المنبع النهائي للسلطة السياسية، بل أيضًا بوصفه «أصحاب الأمر». يرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بالثورتين الأمريكية والفرنسية، والمتجذر في كلمات أبراهام لينكولن الشهيرة، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية: «حكومة الشعب، بالشعب، ومن أجل الشعب». ومع ذلك، فإن تشكيل أي نظام ديمقراطي لا يعني أن الفجوة بين الحكام والمحكومين[7] ستزول تمامًا. في ظل ظروف معينة، قد يشعر الشعب صاحب السيادة أن النخب في السلطة لا تمثله (تمثيلًا جيدًا)، وبالتالي قد يطرح انتقادات - أو حتى يثور ضد النظام السياسي الحاكم. قد تمهد هذه الإجراءات المسرح لنزاع شعبوي «لإعادة الحكم إلى الشعب».
بعبارة أخرى، مفهوم «الشعب بوصفه صاحب السيادة» هو موضوع شائع في قلب التقاليد الشعبوية المختلفة، يذكّر بحقيقة أن المنبع النهائي للسلطة السياسية في أي نظام ديمقراطي يأتي من جسد جمعي، إذا ما تم تجاهله، قد يؤدي إلى التعبئة والانتفاضة. في الواقع، كانت هذه إحدى القوى الدافعة وراء حزب الشعب في الولايات المتحدة الأمريكية (المعروف أيضًا بالحزب الشعبوي) في أواخر القرن التاسع عشر، وكذلك تجليات شعبوية أخرى في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين واليوم.
المعنى الثاني لـ«الشعب» هو فكرة «عامة الناس» التي تشير، صراحةً أو ضمناً، إلى مفهوم أوسع يمزج بين المكانة الاجتماعية-الاقتصادية وتقاليد ثقافية معينة وقيم شعبية. إن الحديث عن «عامة الناس» يحيل إلى نوع من نقد الثقافة السائدة التي تنظر بعين الشك والريبة إلى أحكام المواطنين العاديين وأذواقهم وقيمهم. وفي مقابل هذه النظرة النخبوية، يدافع مفهوم «عامة الناس» عن كرامة ومعرفة المجموعات التي تم إقصاؤها ونبذها من السلطة، موضوعياً أو ذاتياً، بسبب مكانتها الاجتماعية-الثقافية ومكانتها الاجتماعية-السياسية. ولهذا السبب، غالباً ما يركز القادة الشعبويون والناخبون على عناصر ثقافية تعتبرها الثقافة السائدة علامات دنو وحقارة. فعلى سبيل المثال، قام خوان دومينغو بيرون[8]، رئيس الأرجنتين في الخمسينيات والسبعينيات، بالترويج لمفاهيم وتمثلات جديدة للجماعة السياسية في الأرجنتين كانت تحتفي وتمجد، بشكل عام، المجموعات التي كانت مهمشة سابقاً، وبشكل خاص، من يسمون بـ«العُراة» (descamisados) و«ذوي الرؤوس السوداء» (cabecitas negras).[9]
إن مخاطبة مصالح وآراء «عامة الناس» هي في الواقع إحدى أكثر الذرائع استخداماً التي يمكن العثور عليها في التجارب المختلفة التي وُصمت بالشعبوية. ومن المفيد أن نعرف أيضاً أن معنى الشعب هذا ينزع إلى الشمولية وإلى الإقصاء معاً: فهو لا يسعى فقط إلى توحيد الأغلبية الغاضبة والصامتة، بل يحاول أيضاً أن يحرض هذه الأغلبية ضد عدو محدد (أي «النظام الحاكم»). تسير هذه القوة الدافعة المناهضة للنخبوية جنباً إلى جنب مع نقد مؤسسات مثل الأحزاب السياسية، والمنظمات الكبرى، والبيروقراطية، المتهمة بتشويه الروابط «الصادقة» بين القادة الشعبويين و«عامة الناس».
أما المعنى الثالث والأخير للشعب، فهو الشعب بمعنى الأمة. في هذه الحالة، يُستخدم مصطلح «الشعب» للإشارة إلى الجماعة الوطنية، التي تُعرَّف إما بالمعنى المدني وإما بالمعنى الإثني - كما عندما نتحدث عن «الشعب البرازيلي» أو «الشعب الهولندي». وهذا يعني أن [الشعب] يشمل كل من هم «مواطنون» في بلد ما، ويشكلون جميعاً جماعة ذات حياة مشتركة. وبناءً على ذلك، تمثل الجماعات المختلفة المكونة من «الشعب» أمماً محددة وفريدة تستمد قوتها من الأساطير التأسيسية. ومع ذلك، فإن تحديد حدود الأمة هو أمر بالغ الصعوبة. فالتجربة تقول إن مساواة «الشعب» بأي دولة قائمة هو أمر معقد، لا سيما بسبب وجود مجموعات مختلفة داخل الإقليم الواحد.
النخب
على عكس «الشعب»، لم ينظّر سوى عدد قليل من الكتّاب حول معنى «النخب» في الشعبوية. من الواضح أن الجانب الأساسي لهذه المسألة تشكله الأخلاقيات، علماً أن التمييز هو تمييز بين الشعب النقي والنخب الفاسدة. لكن هذا التمييز لا يقول الكثير عن مَن هي النخبة. فمعظم الشعبويين لا يمقتون النظام السياسي الحاكم فحسب، بل يتجه نقدهم أيضاً إلى النخب الاقتصادية، والنخب الثقافية، ونخب المجال الإعلامي. ويتم تصوير كل هذه النخب كمجموعة فاسدة متجانسة تعمل ضد «الإرادة العامة» للشعب. ورغم أن هذا التمييز يقوم أساساً على المجال الأخلاقي، إلا أن النخب تُعرف بناءً على معايير أوسع ومتنوعة.
نخست و بیش از هر چیز، نخبگان بر پایه و اساس مناسبات قدرت شناخته میشوند، یعنی نخبگان شامل تمام کسانی میشود که مناسب اصلی درون سیاست، اقتصاد، رسانه، و هنر در اختیار دارند. هرچند، مشخص است که این شامل خود پوپولیستها نمیشود، همچنین کسانی که درون این بخشها هستند و دل درگرو پوپولیستها دارند. مثلاً حزب آزادی اتریش (FPÖ) دمبهدم «رسانه»ها را به بهانۀ دفاع از «نخبگان» و برخورد ناعادلانه با این حزب به باد انتقاد میگیرد، البته یک رسانه هست که از تیررس این نقدها در امان است: دی کغونن تسایتونگ[10]. این روزنامه نیم قطع مصور، که تقریباً از هر پنج اتریشی یک نفر آن را میخواند، مدتزمان درازی یکی از هواخواهان سرسخت این حزب و رهبر فقیدش یوک هایدر[11] بود، و ازاینرو صدای حقیقی مردم تلقی میشد.
به سبب اینکه پوپولیسم موضع بنیادین ضد-نظام حاکم دارد، چندی از دانشمندان مدعیاند که پوپولیستها، بنا به تعریف، قادر نیستند خودشان را بر سر قدرت نگهدارند. هرچه نباشد این کار آنها را به (بخشی) از «نخبگان» تبدیل میکند. اما گفتن اینکه آنها نمیتوانند چنین کاری کنند، هم تمایز میان مردم و نخبگان را نادیده میگیرد، که تمایزی است مربوط به سپهر اخلاق و نه بسته به موقعیت، و هم کاردانی رهبران پوپولیست را. از نخستوزیر پیشین اسلواکی، ولادیمیر میچار[12]، گرفته تا رئیسجمهور مرحوم ونزوئلا، هوگو چاوز، پوپولیستهایی که بر سر قدرت بودهاند توانستهاند تا حدودی با تعریف مجددی که از نخبگان ارائه میدهند شعارهای ضد-نظام حاکم خودشان را تاب بیاورند. آنچه مختص استدلالهای آنها است این است که قدرت واقعی در اختیار رهبرانی نیست که بهطور دموکراتیک انتخابشدهاند، یعنیی پوپولیستها، بلکه در دست نیروهای در سایهای است که بر سر قدرت نامشروع ماندهاند تا صدای مردم را تضعیف کنند. این همانجایی است که «سبک پارانویاییی سیاست،» چنانکه تاریخنگار نامبردار پیشرو آمریکایی ریچارد هافستِیدر[13] پوپولیسم را توصیف میکند، بهوضوح رخ مینماید.
بیربط به تعاریفی که از مردم در بالا ارائه دادیم نیست و میتوان نخبگان را با ملاک اقتصادی (طبقه) و ملی (اصالت) تعریف کرد. هرچند پوپولیستها از جهانی پسا-طبقاتی دفاع میکنند و اغلب میگویند که تقسیمهای طبقاتی ساختگی هستند تا «مردم» را تضعیف کنند و «نخبگان» را در قدرت نگهدارند، بااینحال گهگاه آنها درواقع نخبگان را با ملاک اقتصادی تعریف میکنند. این مسئله بیشتر دربارۀ پوپولیستهای چپ صادق است که تلاش میکنند پوپولیسم را با صورت مبهمی از ملیگرایی درهم بیامیزند. بااینوجود، حتی پوپولیستهای راست نزاع نهایی میان مردم و نخبگان را به قدرت اقتصادی ربط میدهند، با این استدلال که دست نخبگان سیاسی با نخبگان اقتصادی در یک کاسه است و «منافع خاص» را بالاتر از «منافع عمومی» مینشانند. این نقد الزاماً ضد-سرمایهداری هم نیست؛ برای مثال، بسیاری از کنشگران تی پارتی (حزب چای) در ایالاتمتحده آمریکا از مدافعان پر و پا قرص بازار آزاد هستند، منتها بر این باورند که کسبوکارهای بزرگ، به مدد رفقای سیاسیشان در کنگره، با تصویب قوانین حفاظتیْ بازار آزاد را به فساد میکشند، رقابت را از بین میبرند و عرصه را برای کسبوکارهای کوچک تنگ میکنند، کسبوکارهایی که موتورهای حقیقی سرمایهداری و بخشی از «مردم» تلقی میشوند.
ربط النخب بالسلطة الاقتصادية مفيد بشكل خاص للشعبويين الذين هم في سدة الحكم، لأنه يتيح لهم «تفسير» إخفاقاتهم السياسية؛ كأن يقولوا مثلاً إن النخب تعرقل عملهم، نخب قد تكون فقدت السلطة السياسية لكنها لا تزال قابضة على السلطة الاقتصادية. كثيراً ما كان يُسمع هذا الأسلوب من الاستدلال في أوروبا الشرقية ما بعد الشيوعية، وخصوصاً في الفترة الانتقالية في تسعينيات القرن العشرين، ولا يزال يحظى بأنصار بين الرؤساء الشعبويين اليساريين المعاصرين في أمريكا اللاتينية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما كان الرئيس تشافيز يلقي باللائمة على النخب الاقتصادية لكونها تحبط جهوده من أجل «دمقرطة» فنزويلا، في حين كان رئيس وزراء اليونان ألكسيس تسيبراس[14]، الزعيم الشعبوي اليساري لائتلاف اليسار الراديكالي (سيريزا)، يدين «جماعات الضغط والأوليغارشية في اليونان» بتقويض حكومته (ومن سوء الطالع أن أياً من هذين الادعاءين لم يكن بلا أساس).
كثيراً ما يقول الشعبويون أيضاً إن النخب لا تتجاهل مصالح الشعب فحسب، بل تعمل حتى ضد مصلحة البلاد. ففي قلب الاتحاد الأوروبي، توجه أحزاب شعبوية كثيرة هذا الاتهام إلى النخب السياسية بأنها تضع مصالح الاتحاد الأوروبي فوق مصالح بلدانها. وبالمثل، ظل الشعبويون في أمريكا اللاتينية طيلة عقود يتهمون النخب السياسية بأنها تدافع عن مصالح الولايات المتحدة بدلاً من الدفاع عن مصالح بلدانها. وبعض الشعبويين، بمزجهم بين الشعبوية ومعاداة السامية، يعتقدون أن النخب السياسية الوطنية جزء من هذه المؤامرة القديمة ضد اليهود ويتهمونها بأنها «عميلة للصهيونية». ففي شرق ووسط أوروبا مثلاً، حيث أغلب السياسيين من أحزاب يمينية شعبوية، ومنها حزب أتاك (الهجوم) في بلغاريا وحركة من أجل مجر أفضل (يوبيك)، يتهمون النخب الوطنية بأنها عميلة لإسرائيل وللمصالح اليهودية.
والخلاصة أنه حين يكون التمييز بين الشعب والنخب تمييزاً في المجال الأخلاقي وفي المجال الإثني-القبلي معاً، حينئذ يمكن للشعبوية أن تمتزج امتزاجاً تاماً بالقومية. وهنا لم تعد النخب تُرى مجرد عملاء لقوة أجنبية، بل يُنظر إليها هي نفسها على أنها أجنبية. ولو افترضنا أن هذه النخب (في أي قطاع كانت) تكاد تكون حصراً من «أبناء البلد»، لكان من عجائب الدهر ألا تكون هذه الشعارات متداولة في مجالس الشعبويين المعادين للأجانب في أوروبا. وإذا صرفنا النظر عن الشعارات المعادية لليهود في أوروبا الشرقية، فإن أبرز أشكال الشعبوية الإثنية-القبلية (أو «الشعبوية الإثنية») موجود في أمريكا اللاتينية المعاصرة. فعلى سبيل المثال، يميز إيفو موراليس[15]، رئيس بوليفيا، بين الشعب «المستيزو» الأصيل والنخب «الأوروبية» الفاسدة، وهو بذلك يلعب رسمياً دور موازنة القوى العرقية في بوليفيا.
صحيح أن التمييز المحوري في الشعبوية هو تمييز في المجال الأخلاقي، لكن الفاعلين الشعبويين يستخدمون معايير ثانوية متنوعة للتمييز بين الشعب والنخب. وهذا يتيح للشعبويين أن يكونوا مرنين، وهي مسألة مهمة حين يمسكون بالسلطة. ومع أن تعريف النخب بناءً على نفس المعيار الذي نعرّف به الشعب قد يكون تعريفاً ذا معنى، إلا أن هذا التعريف ليس صحيحاً دائماً. فالشعبويون المعادون للأجانب في أوروبا، مثلاً، كثيراً ما يعرّفون الشعب بمعايير إثنية-قبلية، وبذلك يستبعدون «الأجانب» (أي المهاجرين والأقليات)، لكنهم لا يقولون إن النخب تنتمي إلى جماعة إثنية أخرى. إنهم في الواقع يقولون إن النخب تدعم مصالح المهاجرين أكثر مما تدعم مصالح الشعب الأصلي على أية حال.
يخلط الشعبويون في كثير من الأحيان بين تفسيرات مختلفة للنخب والشعب، أي التفسيرات القائمة على الطبقة والإثنية والأخلاق. فعلى سبيل المثال، يصف الشعبويون اليمينيون الأمريكيون المعاصرون مثل سارة بيلين[16] وحزب الشاي النخبَ بأنهم ليبراليو الساحل الشرقي شاربو اللاتيه وراكبو سيارات الفولفو، ويقابلون ذلك ضمناً بالشعب /الحقيقي/ العادي/الأصيل الذي يشرب القهوة العادية ويركب السيارات أمريكية الصنع ويعيش في أمريكا الوسطى (قلب البلاد). وتقارن بولين هانسون[17]، زعيمة حزب الأمة الواحدة الشعبوي اليميني، باستمرار بين الشعب الأسترالي الحقيقي الريفي، الفخور بإرثه من المهاجرين الإنجليز، والنخب الفكرية في المدينة التي «تريد قلب أستراليا رأساً على عقب بإعادتها إلى السكان الأصليين».
الإرادة العامة
المفهوم المركزي الثالث والأخير للأيديولوجيا الشعبوية هو مفهوم الإرادة العامة. باستخدام هذا المفهوم، يلجأ الفاعلون الشعبويون والناخبون إلى مفهوم محدد للأمر السياسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأعمال الفيلسوف الشهير جان جاك روسو (1712-1778). ميز روسو بين الإرادة العامة (volonté générale) وإرادة الجميع (volonté de tous). فبينما يشير المفهوم الأول إلى قدرة الشعب على الاتحاد في جماعة وسن القوانين لتحقيق مصلحتهم المشتركة، فإن المفهوم الثاني يعني المجموع البسيط للمصالح المحددة في لحظة زمنية معينة. إن التمييز الأحادي والأخلاقي للشعبوية بين الشعب النقي والنخب الفاسدة يعزز فكرة وجود إرادة عامة.
إن مهمة السياسيين في ضوء هذا التمييز واضحة ومباشرة تماماً: يجب عليهم، على حد تعبير المنظرة السياسية الإنجليزية مارغريت كانوفان، أن يكونوا «على قدر كاف من الحكمة ليروا ما هي الإرادة العامة، وأن يمتلكوا الكاريزما اللازمة لتشكيل المواطنين الأفراد في جماعة منظمة يمكن الاعتماد عليها في الإرادة». يقدم هوغو تشافيز، في خطاب تنصيبه عام 2007، مثالاً بارزاً على هذا الفهم الشعبوي للإرادة العامة:
لا شيء... سيكون أكثر اتساقاً مع المذهب العام من أن يتم التفاهم مع الأمة ككل، مع الأخذ في الاعتبار الأهداف الرئيسية التي تقوم عليها الحكومة والدستور والقواعد العليا. الأفراد معرضون للخطأ والخداع، أما الشعب فلا. الشعب لديه مستوى عالٍ من الوعي بخيره وبمدى استقلاله. ولهذا السبب فإن حكمه نقي، وإرادته راسخة، ولا يمكن لأحد أن يفسدها أو يهددها.
يوجه العديد من الشعبويين، بتوظيفهم مفهوم الإرادة العامة، نقد روسو للحكومة الانتخابية. يرون هذا النقد «الانتخابي» بوصفه شكلاً أرستقراطياً للحكومة يُعامل فيه المواطنون ككائنات سلبية تُعبأ من حين لآخر عبر انتخابات لا يفعلون فيها أكثر من اختيار ممثليهم. في المقابل، يتشبث الشعبويون بيوطوبيا الجمهورية ذات الحكم الشعبي عند روسو، أي بفكرة أن المواطنين قادرون على [أن] يسنوا القوانين وينفذوها بأنفسهم. ليس غريباً أن يدعم الفاعلون الشعبويون، عبر اختلافات الزمان والمكان، عادةً تطبيق آليات الديمقراطية المباشرة مثل الاستفتاءات والاستفتاءات الشعبية. فعلى سبيل المثال، من ألبرتو فوجيموري[18] رئيس بيرو السابق إلى الرئيس الحالي للإكوادور رافاييل كوريا[19]، تميل الشعبوية المعاصرة في أمريكا اللاتينية إلى إقرار التغييرات الدستورية عبر جمعية تأسيسية تنبثق عن الاستفتاءات.
بناءً على ما تقدّم، يمكن الاستدلال على وجود نوعٍ من التقارب التركيبي بين الشعبوية والديمقراطية المباشرة، وكذلك الآليات المؤسسية الأخرى التي تصلح لتنمية نوعٍ من العلاقة المباشرة بين القادة الشعبويين والناخبين. بعبارة أخرى، إن إحدى النتائج العملية للشعبوية هي الترويج الاستراتيجي لمؤسسات يُمكِّن بنيانُها الإرادةَ العامة المفترضة. في الواقع، ينتقد أتباع الشعبوية النظامَ الحاكم لأنه لا يمتلك القدرة و/أو الرغبة في الأخذ بالإرادة العامة للشعب بعين الاعتبار. وكثيراً ما لا يُطرح هذا النقد من دون سبب. فعلى سبيل المثال، تندّد الأحزاب الشعبوية اليمينية واليسارية في أوروبا بالطبيعة النخبوية لمشروع الاتحاد الأوروبي، في حين يوجّه الشعبويون اليساريون المعاصرون في أمريكا اللاتينية سهام النقد إلى النخب (السابقة) لتغاضيها عن المشكلات «الحقيقية» للشعب.
يقوم المفهوم الشعبوي للإرادة العامة، عوضاً عن ارتكازه على عملية عقلانية نابعة من المجال العام، على مفهوم «الحس المشترك». وهذا يعني أنه يُشكِّل الإرادة العامة في إطار خاص يصلح لتجميع المطالب المتنوعة وللتعريف بالعدو المشترك. تفرض الشعبوية، بتشبثها بالإرادة العامة للشعب، نوعاً محدداً من المنطق الخطابي يتيح إمكانية تشكّل ذاتٍ جماهيرية ذات هوية راسخة («الشعب») قادرة على تحدي الوضع القائم («النخب»). من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الشعبوية بوصفها قوةً ديمقراطية بنّاءة، لأنها تدافع عن مبدأ سيادة الشعب بهدف تمكين الجماعات التي تشعر بأن النظام السياسي الحاكم لا يمثلها.
ومع ذلك، للشعبوية وجهها المظلم أيضاً. فمهما يكن تجلّي الشعبوية، فإن جوهرها الواحد، ولا سيما مفهومها عن «الإرادة العامة»، قد ينتهي إلى دعم النزعات الاستبدادية. والحق أن الفاعلين الشعبويين والناخبين غالباً ما يتقاسمون مفهوماً عن السياسي يقف على مقربة شديدة من المفهوم الذي طوّره المنظّر السياسي الألماني كارل شميت (1888- 1985). فبرأي شميت، إن وجود شعب متجانس ومتحد ضروري لتشكّل أي نظام ديمقراطي. وبهذا المعنى، تُبنى الإرادة العامة على أساس وحدة الشعب وعلى أساس ترسيم حدود واضحة مع أولئك الذين لا ينتمون إلى هذا الشعب[20]، وبالتالي، لا يُعاملون على قدم المساواة. وباختصار، بما أن الشعبوية تدل على أن الإرادة العامة ليست شفافة فحسب، بل مطلقة أيضاً، فإنها تستطيع أن تضفي الشرعية على الاستبداد والهجمات المنغلقة على كل من (كما يُقال) يشكّل تهديداً لتجانس الشعب. ويذهب بعض المعلّقين إلى حد القول إن الشعبوية هي في جوهرها مضادة للسياسة، لأن الفاعلين الشعبويين والناخبين يسعون إلى بناء مدن فاضلة مضادة للسياسة لا وجود فيها، كما يبدو، لأي خلاف بين (أو داخل) «نحن الشعب». وقد سُجّل هذا على أفضل وجه في مفهوم بول تاغارت[21] عن «قلب البلاد» - أي الجماعة والإقليم المتخيّلين لدى الشعبويين والمجسّدين لهوية متجانسة يُزعم أنها أصيلة وغير قابلة للفساد. لكن هذا ليس سوى جزء من الصورة. فالشعبويون، بادعائهم معارضة «المساومات السياسية» وكسر «المحرّمات» التي تفرضها النخب على الشعب، يروّجون لسياسة إعادة تسييس قضايا محددة، مثل الهجرة في غرب أوروبا أو ما يُسمى بسياسات توافق واشنطن[22] في أمريكا اللاتينية، التي لا تحظى، عن علم أو جهل (كما ينبغي)، باهتمام النظام الحاكم.
.
.
[1]- Cas Mudde
[2]- Cristóbal Rovira Kaltwasser
[3]- term
[4]- the heartland
[5]- Ernesto Laclau
[6] - الدال الفارغ أو الدال العائم هو دال لا يحيل إلى مدلول محدد ومعين، ويمكن، بحسب السياق مثلاً، أن يُقصد به مدلولات مختلفة. م.
[7]- governed
[8]- Juan Domingo Perón
[9] - في الأرجنتين زمن بيرون، كانت الطبقة الميسورة اجتماعياً وأصحاب المصانع غاضبين من تحسن أوضاع العمال، وكثيراً ما كانوا يطلقون على العمال الصناعيين الريفيين ألقاباً مثل الرأس الأسود (اسم طائر)، والزيتي (بسبب رؤوسهم وأيديهم الملوثة بالزيت)، والعاري (لأنهم كانوا يعملون بلا ملابس). م.
[10]- Die Kronen Zeitung
[11]- Jörg Haider
[12]- Vladimír Mečiar
[13]- Richard Hofstadter
[14]- Alexis Tsipras
[15]- Evo Morales
[16]- Sarah Palin
[17]- Pauline Hanson
[18]- Alberto Fujimori
[19]- Rafael Correa
[20]- demos
[21]- Paul Taggart
[22]- Washington Consensus
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.