اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
وصل الإصلاحيون إلى السلطة بتجاوزهم الخطاب الأيديولوجي للعقد الأول وطرحهم شعارات حديثة، لكن التنوير الديني المتماهي معهم تهرب من الخوض في قضايا الملكية الفردية واقتصاد السوق بسبب تعارضه مع السجل الاقتصادي لليسار الإسلامي.

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام 1377هـ.ش، حين كان قد مضى نحو عام على انتصار اليساريين الإسلاميين القدامى في زي الإصلاحيين الجدد في الانتخابات الرئاسية في 2 خرداد 1376هـ.ش، وكانت النقاشات حول المجتمع المدني والديمقراطية والحرية السياسية في أوج احتدامها. والآن يمضي على ذلك أكثر من عشرين عاماً، وبكل دهشة وربما أسف ينبغي القول إن مباحث هذا الكتاب لا تزال ذات راهنية لمجتمعنا. لقد استقطبت حركة الثاني من خرداد، التي عُرفت لاحقاً بالإصلاحية، من خلال طرحها لأفكار وشعارات خارجة إلى حد ما عن الخطاب المألوف للأيديولوجيا الحاكمة، غالبية الأصوات العامة وخصوصاً الشباب، ووصلت إلى السلطة. وكان هذا الخطاب الجديد يدور أساساً حول مفاهيم من قبيل المجتمع المدني، وحقوق المواطنة، وحرية الفكر، وما شابه ذلك. وبدا أنه بعد ما يقرب من عقدين من الثورة الإسلامية، لم يعد للخطاب الأيديولوجي الرسمي الحاكم، القائم على القيم «التقليدية»، رواج كما في السابق، وأن قسماً مهماً من الجيل الجديد الذي نشأ من رحم الثورة في عقد الثمانينيات صار أكثر ميلاً إلى نظرة مختلفة و«حديثة» إلى الإنسان والمجتمع. ولا شك بالطبع أن نقاش «التقليد والحداثة» كان قد بدأ بشكل ما في السنوات المنتهية إلى الثورة، وكان وجهه الغالب يتشكل من الصراع الأيديولوجي مع الحداثة أو مظاهر الحياة «الغربية»؛ لكن الاختلاف هذه المرة كان في أن الحداثة برمتها لم تكن موضع نقد في قوالب مثل «التغرب» فحسب، بل إن التعاطف مع بعض جوانبها صار جزءاً مهماً من خطاب الإصلاحيين. هذا التوجه الجديد لقوى اليسار لم يكن قابلاً للفهم والاستيعاب من قبل رفاق دربهم السابقين من الطيف التقليدي، الذين عُرفوا لاحقاً بالأصوليين، إذ كانوا يشهدون المتطرفين السابقين وهم الآن يلقنون منافسيهم دروساً في التساهل والتسامح! الشباب المتحمسون الذين تسلقوا جدران السفارة الأمريكية وغرسوا بذور التطرف غير المبرر في العلاقات الدولية في البلاد، أو الذين قاموا بضيق أفق واحتكارية، وحسب زعمهم، بـ«تطهير» الساحات الثقافية والفنية من القوى غير الذاتية أو غير الثورية، وكانوا من أنصار المصادرات ونزع الملكيات المتعصبين، صاروا الآن يحملون راية المجتمع المدني والحداثة وحقوق المواطنة. على كل حال، قوبل هذا التحول من التطرف إلى الإصلاحية بدهشة مقرّة من جانب أغلب المراقبين المحايدين والمثقفين والباحثين غير الحكوميين. وبهذه الصورة، وجد الإصلاحيون قاعدة اجتماعية واسعة بين المتعلمين والشرائح المتوسطة من المجتمع، وخلال فترة وجيزة بعد الانتصار غير المتوقع في 2 خرداد 1376هـ.ش، حصلوا على أغلبية ساحقة في المجلس السادس عام 1378هـ.ش. هذه الانتصارات غير المنتظرة فاجأت الجميع، بمن فيهم الإصلاحيون أنفسهم. وفي فترة زمنية قصيرة، غمرت المجتمع كتب ومطبوعات إصلاحية بأعداد غير مسبوقة، وازدهرت النقاشات الفكرية والنظرية في المحافل الأكاديمية والتنويرية كما في السنوات الأولى للثورة.
كان الإصلاحيون (اليساريون السابقون) يعتبرون أنفسهم الورثة الشرعيين للثورة، وكانوا يعتقدون أن «الانحراف» الذي حدث في مسار الثورة بعد انتهاء الحرب المفروضة، والذي همّش القوى اليسارية على الساحة السياسية، يجب تصحيحه عبر حركة الإصلاح. هؤلاء الذين ظهروا على الساحة بشعارات «حداثوية» و«تحررية» قلّما تطرقوا في نقاشاتهم إلى سجل أعمالهم الماضية، وتظاهروا وكأن كل التطرفات وضيق الأفق والنزعات الاحتكارية في السنوات الأولى للثورة كانت من صنع منافسيهم «اليمينيين التقليديين». وبما أن قوى اليمين التقليدي، بحكم طبيعتها، لم تكن تمتلك قدرة دعائية ونفوذاً يضاهي الإصلاحيين في مختلف شرائح المجتمع، وخصوصاً بين المتعلمين والمثقفين، فقد وضعت الأساليب غير الديمقراطية، كاللجوء إلى جماعات الضغط للحفاظ على موقعها وسلطتها، على جدول أعمالها، وبهذا ساعدت، دون قصد، في تأكيد ادعاءات الإصلاحيين. أدى النهج الخاطئ لليمين التقليدي في هذا الصراع، شيئاً فشيئاً، إلى مزيد من إضعاف قاعدتهم الاجتماعية وتقوية منافسيهم الإصلاحيين في أوساط الطبقات المتوسطة والمتعلمة. لم تكن نقطة الضعف الكبرى للثوريين التقليديين، التي دفعتهم دفعاً إلى هذا المسار المتناقض، في الواقع سوى الافتقار إلى «نظرية ثورية» منسجمة مع فكرهم. لا ينبغي أن ننسى أن شعارات الأيديولوجيا الأولى للثورة الإسلامية، بل أساسها، كانت مستلهمة إلى حد كبير من الفكر اليساري السائد آنذاك بين الناشطين السياسيين والمثقفين المعارضين لنظام الشاه. لم يكن للمتدينين التقليديين نظرية ثورية متماسكة خاصة بهم، وهذا لم يكن ملحوظاً في أجواء بداية الثورة حيث كانت كل الجماعات والتيارات السياسية تشدد على إسقاط النظام الملكي. فور انتصار الثورة، حين بدأت مصادرة الوحدات الإنتاجية للقطاع الخاص وأموال وممتلكات الأثرياء، لم يكن المتدينون التقليديون بطبيعة الحال موافقين على هذه الأساليب المتطرفة، لكنهم، نظراً لطغيان الأجواء الثورية، لم يكونوا يمتلكون القدرة الكافية على المعارضة العلنية لهذه الأساليب. كانت السنوات العشر الأولى للثورة حقبة الهيمنة العملية والنظرية للأيديولوجيا الثورية لليسار الإسلامي، ويمكن ملاحظة نتيجتها في خلق نوع من الاقتصاد الحكومي غير الفعال، والفضاء السياسي-الثقافي المنغلق والخاضع لرقابة مشددة. الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت منذ عام ۱۳۶۸، وخلافاً للتصور السائد، لم تكن فقط بسبب انتهاء الحرب وضرورة إعادة الإعمار بعدها، بل كانت بسبب المأزق الذي وصل إليه الاقتصاد الحكومي والفضاء الثقافي المنغلق الذي كان يؤجج السخط العام ولم يعد يبدو قابلاً للاستمرار. كانت هذه الإصلاحات بحاجة إلى تدبير براغماتي جديد خارج الخطاب الأيديولوجي اليساري، كإجراءات مثل التحرير الاقتصادي وإفساح المجال للقطاع الخاص، وهو ما فسره بعض قوى اليسار بأنه ارتداد إلى «الرأسمالية الغربية المنحلة». ولهذا السبب انفصلوا في صفهم وتحولوا إلى منتقدين للحكومة القائمة آنذاك (حكومة البناء). ومن الطريف أن أجزاءً من التقليديين المتطرفين انجذبت هي الأخرى شيئاً فشيئاً إلى هذا النهج النقدي للإصلاحات الاقتصادية. على أية حال، يبدو أن الابتعاد عن السلطة أتاح الفرصة لبعض القوى المفكرة في اليسار الإسلامي للانخراط في دراسات وأبحاث نظرية، وكانت نتيجتها ظهور تيار عُرف بـ «التنوير الديني». ويمكن اعتبار مفاهيم مثل «المجتمع المدني الإسلامي» و«الديمقراطية الدينية» في إطار قراءة «حداثية» للإسلام السياسي نتاجاً لهذا النوع من التنوير.
يمكن اعتبار عدم الاكتراث بالقضايا الاقتصادية مع التركيز على المباحث الفلسفية والسياسية والثقافية العامة والغامضة إحدى السمات المهمة لـ«التنوير الديني». وبالنظر إلى أهمية مفاهيم مثل الملكية الشخصية والتبادل الحر في الفكر الحديث، يمكن القول إن عدم الاكتراث هذا بالمباحث الاقتصادية أمر مثير للتساؤل وغير قابل للتبرير، ولكنه في الوقت نفسه قابل للتفسير. بصرف النظر عن أن قادة التنوير الديني كانوا غالبًا يفتقرون إلى الحد الأدنى من المعرفة الاقتصادية، يبدو أنهم لم يكونوا راغبين أساسًا في الدخول في نقاشات اقتصادية وضرورة التخلي عن الاقتصاد الحكومي، لأن مثل هذه الإجراءات التي كانت قد بدأتها حكومة البناء آنذاك لا محالة كانت ستثير تساؤلات حول أداء اليسار الإسلامي السابق برمته. لم يقبل المثقفون الدينيون، بوصفهم المتحدثين باسم الإصلاحيين اللاحقين أو اليساريين الإسلاميين السابقين، أبدًا الدخول في موضوع الاقتصاد ومكانته الحاسمة في الفكر الحديث، وكان تبريرهم لذلك دائمًا طرح نظرية ملفقة مفادها تقديم التنمية السياسية على التنمية الاقتصادية. كانوا يعنون بالتنمية السياسية التأكيد على تطوير المؤسسات الديمقراطية، وتعدد الأحزاب، وحرية التعبير، وحرية التجمعات والصحافة، وكانوا يشيرون إلى مجموعها بـ«المجتمع المدني». في مجتمعهم المدني، على ما يبدو، لم تكن للملكية الخاصة، أو التبادل الطوعي، أو الاقتصاد الحر (الرأسمالية بتعبير اليساريين) مكان، أو على الأقل لم يكونوا راغبين في الدخول في مباحث من هذا القبيل. ورغم أن حكومة الإصلاحيين، خاصة في الولاية الرئاسية الثانية لمحمد خاتمي، واصلت عمليًا سياسات الإصلاح الاقتصادي التي بدأت في حكومة البناء، والتي ترافقت مع إنجازات مهمة نسبيًا في مجال الاقتصاد الكلي مثل توحيد سعر الصرف وتهدئة التقلبات في معدل النمو ومعدل التضخم، إلا أنها لم تستطع تعميق هذه الإصلاحات باتجاه التحرير الاقتصادي. استمرت المؤسسات القامعة للسوق مثل منظمة الدعم، ومنظمة التعزيرات، وهيئات «تنظيم السوق» في الوجود خلف الكواليس، وكانت كسيف داموقليس تنتظر في كل لحظة أن تهوي بتشخيص المسؤولين المختصين. من المثير للاهتمام أن نعرف أن مجلس الشورى السادس بأغلبيته الساحقة من النواب الإصلاحيين عرقل إصلاح دعم الطاقة وفقًا لخطة التنمية الثالثة ومهّد الطريق للسياسات الشعبوية في هذا الشأن في مجلس الشورى السابع. مجلس الشورى السادس بأغلبيته الإصلاحية الساحقة، أهمل ولم يتابع الاقتراح البالغ الأهمية والفاعلية للنائب المستقل آنذاك عن سنندج، المرحوم المهندس بهاء الدين أدب، والقاضي بإلغاء قانون «الگزینش» التمييزي. يُظهر مجموع أداء الإصلاحيين أن غالبيتهم كانوا يسعون للحصول على السلطة السياسية والحفاظ عليها في إطار الوضع القائم أكثر مما كانوا مهتمين بالإصلاح الحقيقي للأمور، وكانوا يعتبرون شعارات مثل المجتمع المدني والحرية وسيلة للوصول إلى الهدف أكثر مما يعتبرونها هدفًا بحد ذاتها. أظهرت أحداث المجلس البلدي الأول والثاني، ومن بعدها الانتخابات الرئاسية التاسعة (عام 1384)، بوضوح كيف أن النزاع كان على لحاف الملا نصر الدين وليس على المجتمع المدني أو الحرية أو المصالح الوطنية. يُظهر فحص آراء وأداء تيار التنوير الديني والإصلاحيين في العقدين الماضيين أنهم «لم يتقدموا بل تراجعوا». هزيمة الإصلاحيين في الجولة الأولى من الانتخابات المصيرية لعام 1384 حدثت بوضوح بسبب تعدد المرشحين والخلافات داخل التيار؛ وفي الجولة الثانية، أدى عدم دعمهم الحقيقي لمبتكر الإصلاحات الاقتصادية، الذي كان يتهمه اليساريون السابقون بتأييد «الرأسمالية»، إلى إيصال المرشح الشعبوي إلى السلطة. أظهرت نتائج أصوات الجولة الثانية أن قسماً مهمًا من القاعدة الجماهيرية للناخبين الإصلاحيين قد مالت لصالح المرشح الشعبوي. بعبارة أخرى، فإن جزءًا ممن يُسمون بالإصلاحيين، في الجولة الثانية من الانتخابات، وبناءً على نزعاتهم اليسارية، فضّلوا «الشعبوية» على «الرأسمالية». لم يستطع المثقفون الدينيون ومنظرو الإصلاحيين، أو لم يرغبوا أبدًا، في تفسير الاستقبال الشعبي وانتصار التيار الشعبوي، لأن الدخول في هذا النقاش كان سيكشف التناقض في فكرهم وممارستهم.
مواجهة الإصلاحيين مع التيار الشعبوي المدعوم من الأصوليين والذي انتزع السلطة منهم في عام 1384 (2005) مثيرة للاهتمام للغاية، وتدل على أن قضيتهم كانت في الأساس العودة إلى السلطة في الانتخابات التالية، وأن الاهتمام بالقضايا النظرية للإصلاح لم يكن له مكان في انشغالاتهم الفكرية. كان المرشح الرئيسي للإصلاحيين في انتخابات عام 1388 (2009) شخصاً أراد، عن وعي أو بدونه، أن يرفع لواء الشعبوية اليسارية في مواجهة الشعبوية اليمينية، وكان مطلبه الأساسي العودة إلى النشاط السياسي على غرار حقبة الستينيات (الثمانينيات الميلادية). نظراً لأن اليساريين السابقين كانوا يتصورون أن سبب إقبال الناس على الشعبوية في عام 1384 (2005) هو النقد الراديكالي للسجل السياسي للحكومات التي ابتعدت عن مُثُل الثورة بعد عام 1368 (1989)، فيبدو أن سبب اتفاق جزء كبير من القادة السياسيين الإصلاحيين على اختيار هذا المرشح، كان نهجه «الشعبي» و«المناهض للأرستقراطية» و«الثوري» على غرار خطاب القيم في السنوات الأولى للثورة. بعبارة أخرى، أرادوا هزيمة الشعبوية اليمينية بسلاح الشعبوية اليسارية والعودة مجدداً إلى سدة السلطة. مير حسين موسوي، رئيس الوزراء في السنوات الأولى للثورة وفترة الحرب، والذي كان قد اعتزل عالم السياسة لسنوات طويلة، عاد تدريجياً إلى المجال العام بعد وصول الشعبوية اليمينية إلى السلطة. دافع في حوارات وخطابات في عام 1386 (2007) عن نهج القيم الشعبي والثوري للعقد الأول من الثورة، واعتبر ضمناً أن هزيمة الإصلاحيين في عام 1384 (2005) وصعود شعبوية أحمدي نجاد كانا نتيجة لابتعاد السياسيين وأصحاب السلطة عن هذا النهج. في خطابه بمناسبة ذكرى السابع من تير (هجوم السابع من تير)، يعتبر أن تلاشي المُثُل الأولى للثورة، وانقطاع صلة المسؤولين بالشعب، ونبذ العواطف والأخلاق في التعامل مع القضايا الاقتصادية هي منبع المشكلات الاقتصادية لمجتمعنا، وخاصة الفقر. يوصي الخبراء بأن «يذهبوا ويقرأوا حافظ ومولوي» لكي يتشكل «اقتصاد أخلاقي» لأن «نمو بلدنا رهين باقتصاد أخلاقي وسياسة أخلاقية، وبغير ذلك لا يمكننا التواصل مع الشعب.» (صحيفة هم ميهن، 3 تير 1386، ص 3) يرى السيد موسوي في الوقت نفسه أن أحد إشكاليات نظام صنع القرار الاقتصادي هو أنه في بلدنا، بعد مرور الزمن والابتعاد عن السنوات الأولى للثورة، طُوي النسيان على ذكر بعض «الآراء والشعارات، كالإشارة إلى الثورة، وتصدير الثورة، وأوضاع المستضعفين» في مقدمة التقارير الاقتصادية لـ«منظمة الإدارة، والبنك المركزي، ووزارة الشؤون الاقتصادية والمالية». (المرجع نفسه، ص 2) يركز في كلامه بشكل خاص على المادة 43 من الدستور: «أعتقد أن هذه المادة على قدر كبير من الأهمية والمصيرية للثورة الإسلامية، بحيث ينبغي أن تُفسر سائر مواد الدستور، حينما يتم تفسيرها، بالرجوع إلى هذه المادة وملاحظاتها» (المرجع نفسه، ص 3) يشير هنا إلى التفسير الجديد للمادة 44 من الدستور الذي أُبلغ به تحت عنوان «السياسات العامة للمادة 44 من الدستور» في عامي 1384 و1385 (2005-2006) والذي ينص على خصخصة الاقتصاد وإعطاء الفرصة للقطاع الخاص. بدلاً من النقد المباشر لـ«السياسات العامة للمادة 44 من الدستور»، يركز على المادة 43 ويقول إن أي تفسير لمواد الدستور يجب أن يتم مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات مضمون هذه المادة. هذا الموقف ذو دلالة كبيرة، لأن المادة 43 من الدستور هي في الحقيقة خلاصة الفكر الاقتصادي للثوريين اليساريين في بداية الثورة، الفكر الذي تكمن جذور معظم مشكلاتنا ومعضلاتنا الاقتصادية في العقود الأربعة الماضية فيه. وفقاً لهذه المادة، «من أجل تأمين الاستقلال الاقتصادي للمجتمع واجتثاث الفقر والحرمان وتلبية احتياجات الإنسان في مسيرة النمو، مع الحفاظ على حريته»، يجب أن يقوم اقتصاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أساس ضوابط تسعة هي باختصار: «تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وكساء وصحة وعلاج وتعليم وتربية ...»، «... الوصول إلى العمالة الكاملة ووضع وسائل العمل في متناول جميع القادرين على العمل ...»، «تنظيم البرنامج الاقتصادي للبلاد بشكل ... تتاح فيه لكل فرد، بالإضافة إلى الجهد الوظيفي، الفرصة والقدرة الكافية للبناء الذاتي المعنوي والسياسي والاجتماعي والمشاركة الفاعلة في قيادة البلاد ...»، «مراعاة حرية اختيار المهنة و ... منع استغلال عمل الآخر»، «منع الإضرار بالغير والاحتكار والاكتناز والربا وسائر المعاملات الباطلة والمحرمة»، «منع الإسراف والتبذير في جميع الشؤون المتعلقة بالاقتصاد ...»، «استخدام العلوم والفنون ... لتطوير وتقدم اقتصاد البلاد»، «منع الهيمنة الاقتصادية الأجنبية على اقتصاد البلاد» وأخيراً «التأكيد على زيادة الإنتاجات الزراعية والحيوانية والصناعية» للوصول إلى «الاكتفاء الذاتي» والتحرر من «التبعية».
بالتأمل في أهداف وضوابط المادة 43 من الدستور، يمكن الاستنتاج منطقياً أن تحقيقها يستلزم إنشاء نظام اقتصادي تديره الدولة. في الواقع، يبدو أن تقييم رئيس الوزراء السابق هو أن التخلي عن هذه المُثُل والأهداف قد أبعد المسؤولين السياسيين (الإصلاحيين) عن الشعب، وأدى إلى إقبال الشعب على التيار السياسي المنافس وصعود الأصوليين التقليديين في صورة شعبويين تبنوا «بشكل منافق» شعار العودة إلى القيم الأولى للثورة. ويقول في ختام محاضرته التي حملت عنوان «سر ضرورة العودة إلى أفكار الشهيد بهشتي» في معهد الدين والاقتصاد، والتي سبقت الإشارة إلى أجزاء منها:
أعتقد أن تطور بلدنا رهين باقتصاد أخلاقي وسياسة أخلاقية، وبغير ذلك لا يمكننا التواصل مع شعبنا. ... هذه التحولات المفاجئة التي تطرأ على آراء الناس فجأة، وهذه التغيرات والمسائل غير القابلة للتنبؤ التي تقع، أحد أسبابها هو انعدام تواصلنا مع الحقائق الخارجية والأمر الواقع، وآمل أن يقل هذا يوماً بعد يوم وأن نتمكن من التواصل الحقيقي مع الناس بشكل أفضل. (وكالة أنباء الطلبة الإيرانيين، إيسنا، 2 تير 1386)
تشير عبارة «التحولات المفاجئة في آراء الناس» على الأرجح إلى فوز أحمدي نجاد الشعبوي ممثلاً عن الجناح المنافس للإصلاحيين (اليساريين السابقين) في الانتخابات الرئاسية عام 1384. الاستراتيجية الجديدة لليساريين القدامى للعودة إلى السلطة لم تعد تقوم على الشعارات الحديثة والفاخرة مثل «المجتمع المدني» و«الحرية وحقوق الإنسان»، بل على العودة إلى «القيم الأولى للثورة» و«العقد الذهبي» لستينيات القرن الهجري الشمسي. إن اختيار مير حسين موسوي كمرشح رئيسي للإصلاحيين للانتخابات الرئاسية عام 1388 يُظهر أنهم لم تكن لديهم هموم فهم المجتمع المدني وتحقيقه، بل كانت أولويتهم الرئيسية العودة إلى السلطة بأي وسيلة ممكنة، بما في ذلك اللجوء إلى الشعارات الشعبوية في إطار العودة إلى «القيم الأولى للثورة». في خطاب موسوي، لا مكان لموضوع المجتمع المدني. إنه يعارض علناً أحد أهم أسس المجتمع المدني، أي الاقتصاد الحر، لكن هذه المسألة لا تهم المثقفين الدينيين المدعين للإصلاحية، ولهذا السبب يختارونه مرشحاً سياسياً لهم. إن بقاء الإصلاحيين بعيدين عن الوصول إلى السلطة عام 1388 وتهميشهم على الرغم من مشاركتهم ودعمهم لحكومة «التدبير والأمل» في عامي 1392 و1396، أتاح لهم مرة أخرى فرصة تعميق دراساتهم النظرية والتفكير في سجلهم السياسي على مدى العقود الأربعة الماضية، ولكن هيهات من عمل جاد.
لقد تم تعريف مشروع الإصلاحية لليساريين السابقين منذ البداية في إطار التنوير الديني وما تلاه من الديمقراطية الدينية، ومن هنا يمكن القول إن عجز هذا المشروع وطرقه المسدودة هو في الحقيقة انعكاس للتناقض في مفهوم التنوير الديني ذاته. إن إلصاق صفة الديني بظواهر حديثة مثل التنوير والديمقراطية (التي يترجمونها خطأ إلى مردمسالاري) يحكي عن مقاربة أيديولوجية وعجز عن إدراك ماهية هذه الظواهر. هذه المقاربة هي في الحقيقة الشكل المطور لهوس الثوريين المتطرفين في بدايات الثورة الإسلامية بـ«نزع الصفة الوطنية» عن الثقافة السياسية واستبدال الصفة الإسلامية بها. لقد أزالوا صفة الوطني من مجلس الشورى ووضعوا الصفة الإسلامية مكانها دون أن ينتبهوا إلى أن نواباً من أديان غير إسلامية موجودون فيه بموجب الدستور ويتمتعون نظرياً بحقوق وصلاحيات متساوية مع النواب المسلمين. التنوير مفهوم مستمد من حركة التنوير في القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا، ويشير إلى إعطاء الأولوية للعقل والاستدلال المنطقي على الاحتجاجات الاعتقادية والنقلية في المباحث النظرية. لذا فإن وصفه بالديني يوقعه في التناقض. الديمقراطية أداة حديثة لنقل السلطة السياسية بشكل سلمي وأيضاً للحد من سلطة الحاكم، فما معنى إضافة صفة الديني إليها؟ وأي مشكلة تحلها؟ إن التنوير الديني أسير الأفكار والقيم الأيديولوجية التي شكلت سياسة واقتصاد السنوات الأولى للثورة، ومن أهم سماته تغلب القيم اليسارية والمناهضة للاقتصاد (أي المناهضة لنظام السوق أو ما يسمى بالرأسمالية). هذه المسألة أدت إلى أن المثقفين الدينيين غالباً ما يعجزون عن إدراك العلاقة الضرورية بين الليبرالية واقتصاد السوق الحر (الرأسمالية).
من الأمثلة البارزة جداً في هذا السياق الدكتور حسين حاج فرج الله دباغ المعروف بعبد الكريم سروش، الذي كان في السنوات الأولى للثورة الإسلامية يُعد من منظّري الصف الأول للحكومة بعد الثورة. كان في تلك السنوات، بنظرته الصوفية والعرفانية، ناقداً لاذعاً لقيم اقتصاد السوق الحر والعالم الصناعي الحديث، وفي محاضراته التي لا تُحصى من على المنابر الرسمية للدولة، كان دائم الاستشهاد بأشعار المولوي لترويج الروحانية ورفض المادية الحديثة. ومن الطريف أن هذا الشخص نفسه، في جدالاته الإيديولوجية مع خصومه الفكريين، يدافع عن أفكار كارل بوبر ويُعرف بمناصرته لليبرالية! هذا القدر من التشتت الفكري والتناقض لا يمكن تلمّسه إلا في التنوير الديني، هذا المفهوم المتناقض بذاته. ففي الوقت الذي كان سروش يصطف فيه في مواجهة «الفرديديين» ويستند إلى كارل بوبر لفضح معتقداتهم، ويصف نفسه بأنه من دعاة الحرية وخصمه بأنه شمولي، لم يكن يتحرج في الوقت نفسه من كشف خبائث الاقتصاد الحديث. يكتب عن المنافسة الحرة:
المنافسة تسلب الطمأنينة وتحرق السكينة، وتروي غرسة العداوة، وتصب الزيت في مصباح العدوان، وتُسمن طفل الغفلة، وتُذكي نار التسابق، وتُحل جحيم التخاصم واللهيب بدلاً من جنة السلام والنعيم الخالية من الغل والحسد. ... كل ما يترتب على هذه المنافسة والخصومة مذموم، ولو كان علماً. (عبد الكريم سروش، «تفرج صنع»، منشورات سروش، مؤسسة الإذاعة والتلفزيون للجمهورية الإسلامية الإيرانية، 1366، ص 301-302)
هو الذي نهض لمجادلة المناهضين للغرب من أنصار الفرديدية معتمداً على مفاهيم الفلسفة التحليلية ومنهجية بوبر، يبدو أنه لا علم له بآراء بوبر حول الاقتصاد الحر ومكانته في فلسفته السياسية. يمكن تخمين مدى فهمه وإدراكه للاقتصاد الحديث من خلال هذه الأحكام الصادرة عنه:
كمال الإنسان ليس في الاستهلاك الأكثر، ولا في الإنتاج الأكثر، ولا في التنافس والتكاثر والتفاخر الأكثر. هذه كمالات الآلة لا الإنسان. (المصدر نفسه، ص 306)
لنعتبر الأصل في الصناعة والتكنولوجيا هو الأكل بقدر الميتة، ولا نأخذ منها أكثر من الضرورة والحاجة ... التكنولوجيا الجيدة هي التي لا تكون. (المصدر نفسه، ص 312)
قد يُقال إنه أدلى بهذا الكلام بصفته «فيلسوفاً» و«عارفاً»، وليس لديه تخصص في مسائل العالم «المادي» والاقتصاد لأنه غير مهتم بهذه الموضوعات أساساً. هذا التبرير غير مقبول، لأن من يتصدى للحكم على العالم الحديث يجب أن يكون ملماً بالحد الأدنى من مبادئه الأساسية. يبدو أن زعيم التنويريين الدينيين لا يعلم أن المنافسة هي إحدى القيم الأساسية والمبادئ المؤسسة للمجتمع الحديث في مجالي السياسة والاقتصاد، ومن يدّعي أنه يريد التوفيق بين الدين والعالم الحديث لا يمكنه أن ينفي هذه المبادئ والقيم. الديمقراطيات الحديثة في العالم الغربي تقوم على نظام التمثيل القائم على حكم الأغلبية، وبالتالي على نظام الأحزاب والتنافس فيما بينها. نفي المنافسة يعني نفي أساس السياسة في العالم الحديث. الاقتصاد الحديث في العالم الغربي والدول الصناعية المتقدمة يقوم على نظام السوق الحر التنافسي. المحرك الرئيسي للتقدم في الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا ليس سوى المنافسة. كيف يمكن نفي المنافسة وفي الوقت نفسه مناصرة التقدم والعالم الحديث؟
أشرنا سابقاً إلى الثنائية المصطنعة وغير المنطقية بين التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية وتأكيد أسبقية الأولى على الثانية لدى التنويريين الدينيين والإصلاحيين، وهنا يلزم أن نتناول ثنائية أخرى يطرحها الدكتور سروش بشأن الحق والتكليف. فهو يعتبر العصر الجديد حقبة من التاريخ «أصبح فيها الحق أساساً»، ويؤكد أنه يستخدم «الحقوق في مقابل التكليف». ويعرّف الليبرالية في هذا الإطار:
الليبرالية، التي لعلها أهم مدرسة سياسية واقتصادية ونظرية في العالم الجديد، أفضل ترجمة وتعبير يمكن أن نقدمه عنها هو «المدرسة الحقوقية». … الليبرالية مدرسة تشدد على الحقوق في مقابل التكاليف، وتقدم الحقوق، وتعرّف الإنسان بأنه كائن ذو حقوق بدلاً من تعريفه بأنه كائن مكلَّف. كائن يتضمن أولاً وبالذات سلسلة من الحقوق الذاتية التي لا تنفصل عنه، وحينئذٍ إذا كانت عليه تكاليف فإنها تنبثق من صميم الحقوق ومن باطنها. بينما إذا راجعتم البراديغم ما قبل الحديث، في حقبة ما قبل الليبرالية، ترون أن الإنسان أولاً وبالذات كائن مكلَّف، وإذا كانت له حقوق فإن تلك الحقوق تنبثق من صميم تكليفه. لذا ففي هذا العصر لدينا حق وتكليف، وفي العصر ما قبل الحديث وفي عصر الليبرالية لدينا حق وتكليف. لكن الكلام هو في التقدم والتأخر. الكلام هو في أيهما الغالب؟ في هذا العصر الغلبة للحق، وفي العصر السابق الغلبة للتكليف. (عبد الكريم سروش، «حق وتكليف وخدا»، محاضرة في نيوجيرسي، ۱۸ مهر ۱۳۸۸)
الدكتور سروش، بصفته «فيلسوف التنوير الديني»، إذ يشدد على أن الليبرالية هي مدرسة العصر الجديد، يقول إن أعظم فلاسفة العصر الجديد مثل كانط وهيغل هم ليبراليون ويعتبرون الله خالقاً لإنسان ذي حقوق. وهو يكتب في شرح فلسفة هيغل القائمة على أصالة الحق:
حينما ينقد هيغل اليهودية، فإن نقده أخلاقي وقائم على أصالة الحق … يقول إن الله في الدين اليهودي يأمر ويخلق التكليف ويضعه، لكن الحب لا يأمر، لذا فإننا إذا عبدنا الله عن حب وعرفنا الله بمنزلة معشوق، فرغم أننا نقبل كل ما يقوله ونعمل به، لكن ما يقوله المعشوق يختلف عما يقوله الأرباب. في الدين اليهودي يمارس الله الأربابية، ويمارس الجبروت، ويقف والسوط بيده ويهدد عبيده وإماءه ويطلب منهم الطاعة، بينما المعشوق بجذبه وجاذبيته يدفع العاشق إلى الحركة ويسلمه أمراً ويطلب منه عملاً. يقول مولانا أيضاً في أبياته: «عشق را با پنج و با شش كار نيست/ مقصد او جز كه جذب يار نيست». العشق يعمل عبر الجذب، بينما الجبار ليس معشوقاً. (سروش، المحاضرة نفسها)
من السمات المميزة للدكتور حسين حاج فرج الله دباغ، شأنه شأن كثير من الخطباء ورواة المآتم، القفز إلى صحراء كربلاء. فهو إذ يتحدث عن ليبرالية الفلاسفة المحدثين، ينتقل فجأة إلى صحراء كربلاء العرفان ومولانا، ولا يُدرى ما صلة الليبرالية بالعرفان والعشق! ثم يعود دون أي توضيح لهذه الصلة إلى موضوع الليبرالية وإعلاء الحقوق، وبتذكير عالِم يقول فيه: «إن إعلان ووثيقة حقوق الإنسان قد كُتبا أيضاً في هذه الحقبة، أي في أواخر النصف الأول من القرن العشرين»، ليشرع في تعريفه لمفهوم الحق. بصرف النظر عن أن إعلانات حقوق الإنسان تعود إلى القرن الثامن عشر وأُعيدت صياغتها ووُسّعت في القرن العشرين، فإن تصور فيلسوف التنوير الديني هذا للحق يكشف عن عمق فكره ومنطقه في هذا الشأن. إنه يطرح ثلاثة اقتراحات لتعريف الحق: أولاً، الحق «بمعنى الرخصة، أي أنك تملك الإذن بفعل شيء ما»؛ ثانياً، بمعنى «الامتياز الذي يتمتع به البعض، وهي حقوق خاصة يكتسبونها، وهذا ليس محل كلامنا»؛ «وثالثها، وهو أهم معاني كلمة الحق، هو الطلب والدائنية. هذا المعنى للحق هو محل كلامنا ومحل كلام علماء القانون. وفي مقابل هذا الحق ينشأ التكليف.» (سروش، المحاضرة نفسها) لا يتسم أي من تعريفات الحق هذه بتماسك منطقي. فإذا كان الحق رخصة، فينبغي تبيان منشأ هذه الرخصة وحدودها؟ ومن الذي منح هذه الرخصة؟ وهل يملك الإنسان رخصة قتل الآخرين أيضاً؟ وإن لم يملكها فما السبب؟ أما التعريف الثاني فمثير للدهشة حقاً، فالحق هو الامتياز والحقوق الخاصة. هذا ليس تعريفاً، بل هو تكرار للفظ. وأما التعريف الثالث للحق، وهو الأهم من وجهة نظره، فيتمثل في «الطلب والدائنية»، غير أن فيلسوفنا لا يوضح من يُطلب هذا الطلب ولماذا؟ لنتذكر أنه قال سابقاً إن الإنسان «حيوان ذو حق» و«بالذات» يمتلك «حقوقاً ذاتية» و«غير قابلة للانفصال». إذا اعتبرنا الحق طلباً، فيجب أن نجيب عن سؤال: من هو المدين بهذه الطلبات الذاتية وغير القابلة للانفصال للإنسان؟ ممن أو من أي مرجع يكون الإنسان دائناً ولأي سبب؟ الإنسان الذي يطأ هذا العالم هو دائن بالذات، فأي قرض كان قد أعطاه ولمن قبل ولادته حتى صار دائناً الآن؟ يبدأ هذا الفيلسوف المدعي للتنوير الديني من الحق والليبرالية، وفجأة يخرج برأس العرفان الهيغلي والعشق ومولانا، ثم يعود مجدداً إلى حقوق الإنسان، وينتهي به المطاف إلى مفهوم الحق في الأدب الفارسي القديم وأخيراً القرآن. يمكن في أحسن الأحوال إرجاع علة هذه الأفكار المشوشة والهذيانية إلى الافتقار إلى تفكير منهجي ومتماسك. فلو أنه بدلاً من القفز من غصن إلى غصن في شتى المعارف، أجرى دراسة منهجية في كتب تاريخ الفكر الغربي، لأدرك أن مفهوم الحق بمعناه الحديث متجذر في فكر جون لوك في كتابه «رسالتان في الحكومة المدنية». يعود مفهوم الحق في الفكر الحديث إلى ضرورة حفظ الحياة والملكية الشخصية، ملكية الإنسان لجسمه وروحه، بوصفه فرداً مستقلاً. فمن وجهة نظر هذا الفيلسوف، فإن أول حق للإنسان، وهو في الوقت نفسه تكليف، يتمثل في حفظ حياته، وهو ما يفضي بطبيعة الحال إلى الملكية. ويتلخص استدلال لوك في أن: كل إنسان يولد في هذا العالم له الحق في الحياة، ولا يحق لأحد أن يعتدي على هذا الحق، لأن الله هو من منحه إياه. ويستلزم هذا الحق ملكية الشخص لجسمه وروحه، وإلا لادعى الآخرون ملكيته وأصبح عبداً، في حين أن الله خلق الجميع أحراراً ومتساوين. ومن حق الملكية هذا على الجسم والروح، تُشتق سائر حقوق وحريات الإنسان الحديث. فالحق والتكليف في الفكر الحديث ليسا منفصلين، ولا يتقدم أحدهما على الآخر أو يغلبه، لأن هذين المفهومين كوجهي عملة واحدة. ويوضح لوك أن البشر، من أجل تحقيق حقوقهم، مكلفون بمراعاة حقوق الآخرين. وقد أوضحنا هذا الموضوع في الجزء الأول من هذا الكتاب.
بعد أن يقول الدكتور سروش إن «الليبرالية هي مذهب العصر الحديث»، يدّعي أن «الاشتراكية كامنة في قلب الليبرالية»، غير أن الليبرالية تشدد على الحرية السلبية في الغالب، «أي أزيلوا العوائق ليفعل الناس ما يحلو لهم، أما في الحرية الإيجابية فالإنسان الحر هو من يقرر ما سيفعله، وماركس في الحقيقة يتدخل في هذه المرتبة والمرحلة الثانية ويريد أن يقول للبشر الأحرار ماذا تفعلون وماذا لا تفعلون وأي قرار تتخذون وأي نظام اقتصادي تقيمون.» (سروش، المحاضرة نفسها) هذا المستوى أو العمق من فهم «مذهب العصر الحديث» لا يحتاج إلى مزيد من التوضيح. إذا كانت الحرية السلبية هي إزالة العوائق ليفعل الناس ما يحلو لهم، فما الفرق بينها وبين الفوضى؟ وعلى هذا المنوال، الحرية الإيجابية هي أن يتدخل ماركس ويقول للبشر الأحرار أي نظام اقتصادي يقيمون! يبدو أن الاستخفاف بالمباحث النظرية البالغة الأهمية في العالم الحديث هو من سمات المتنورين الدينيين. يبدو أن هؤلاء السادة قد سمعوا أشياء عن العلاقة بين الاشتراكية والليبرالية لكنهم لم يدركوا لبّ الموضوع. كان الدكتور سروش في أوائل الثورة منظّرًا لمحاربة الماركسية من منظور الفكر الفلسفي-العرفاني بالاستناد إلى الفكر البوبري الحديث، طبعًا دون أن يوضح أبدًا ما علاقة نظرية التفنيد لدى الفيلسوف النمساوي بالعرفان النظري. في ذلك الوقت نفسه، كان الدكتور حبيب الله بيمان، من الجناح اليساري للمتنورين الدينيين، يهاجم الليبرالية السياسية بشدة ويدافع عن الاشتراكية. القاسم المشترك بين هؤلاء المتنورين الإسلاميين هو الفهم السطحي والخاطئ لأسس الفكر الحديث. من المثير للاهتمام أن الدكتور بيمان، بصفته أحد أبرز ممثلي اليساريين الإسلاميين، قد تطرق مؤخرًا أيضًا إلى موضوع العلاقة بين الليبرالية والاشتراكية، وفي حوار صحفي، مع اعترافه بخطأ نقده لحكومة المهندس بازركان قبل أربعين عامًا، أظهر عجزه عن فهم هذا الموضوع بعد مرور أربعة عقود:
كان إيماننا، بوصفنا راديكاليين، «بالراديكالية» مع الحفاظ على أسس الليبرالية؛ وهذا يعني أن الليبرالية في أسسها لم تكن تمثل أي إشكال بالنسبة لنا، لأن الاشتراكية قامت أساسًا على أسس الليبرالية. من حيث أن البرجوازية دمرت تلك الأسس ولم تتبعها، إلى جانب مفاهيم الحرية والمساواة والإخاء (شعار الثورة الفرنسية). لكن عندما جاءت البرجوازية واستخدمت الليبرالية، تخلت عن «الإخاء» و«المساواة» بل وعرّفت الحرية بمفهومها البرجوازي الخاص. وعلى هذا الأساس، أصبحت «الاشتراكية» ضرورية لاستكمال مشروع «الليبرالية» نفسه. أعتقد أنه كان ينبغي لنا أن نفكر في تلك الفترة في أنه لا يجب أن نكتب أن الليبرالية «ممهد لطريق الإمبريالية»، لأن أسس الليبرالية هي نفس الأسس التي نؤمن بها. نحن لدينا مشكلة مع الليبرالية الرأسمالية. (الدكتور حبيب الله بيمان، صحيفة سازندگي، السبت 18 خرداد 1398)
هذا الاقتباس ينم عن فقر نظري لدى أحد أهم منظّري اليسار الإسلامي، ويُظهر أن أربعين عامًا قد لزمت حتى يدرك هذا الأخ وحدة أسس الليبرالية والاشتراكية، ولكن لا بد أن تلزمه أربعون عامًا أخرى ليفهم أن الانحراف عن هذه الأسس كان من فعل الاشتراكيين وليس البرجوازية! فالاشتراكية القائمة بالفعل، منذ ثورة أكتوبر 1917 وحتى الآن، في كل مجتمع وطئته قد ساقت جميع مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الحرية، إلى المسلخ بذريعة خلق المساواة والأخوة (العدالة الاجتماعية)، وأخضعت في نهاية المطاف إرادة أصحاب السلطة السياسية الاستبدادية لأرواح الناس وأموالهم. وكانت النتيجة النهائية لتأسيس الاشتراكية هي تدمير المجتمع المدني واجتثاث جميع الأسس المثالية الثلاثة، أي الحرية والمساواة والأخوة. وقد أوضح الفلاسفة الأحرار (الليبراليون) سبب ذلك بوضوح، لكن يبدو أن آذان المثقفين اليساريين لا تعير هذه الحجج اهتمامًا. فالحرية لا يمكن تحقيقها واستمرارها إلا في ظل حكم القانون وتقييد صلاحيات أصحاب السلطة السياسية، في حين أن للاشتراكية بطبيعتها وظائف في الاتجاه المعاكس تمامًا. سيادة القانون هي المفهوم المضاد لسيادة الإرادات الخاصة، وتشير إلى سيادة القواعد الكلية الشاملة بغرض حماية أرواح الناس وأموالهم، أي حقوقهم وحرياتهم الفردية. والمجتمع المدني لا يمكن تصوره إلا في مثل هذه الظروف، حيث يستطيع البشر، في إطار القانون وبحمايته، أن يعملوا ويعيشوا بحرية بمنأى عن فرض الإرادات الخاصة لأصحاب السلطة. الحريات السياسية والثقافية، والتعددية الحزبية، وحرية الفكر والتعبير، وحرية إبداع الأعمال الفنية، لا يمكن تصورها دون الاستقلال الاقتصادي للفاعلين (الناشطين السياسيين والثقافيين) عن أصحاب السلطة السياسية الحاكمة. فالفاعلون الذين تُمول أنشطتهم من قبل الدولة وأركان السلطة السياسية الحاكمة لا يمكن أن يتمتعوا بحرية فعل حقيقية، لأن شريان حياتهم ليس بأيديهم. الاستقلال الاقتصادي للمواطنين عن الدولة والسلطة الحاكمة شرط ضروري لتشكل مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الحريات السياسية والثقافية. فإذا كان جميع المواطنين مستخدمين، وبشكل ما متلقين للرواتب من الدولة والسلطة الحاكمة، فإن الحديث عن المجتمع المدني ومؤسسات الحرية سيكون شعارًا أجوف. إن المدعين بأولوية التنمية السياسية على الإصلاحات الاقتصادية لتحقيق نظام السوق الحر، إنما ينفخون في البوق من طرفه الواسع. من ينتقد «ليبرالية رأسمالية» ويدافع في الوقت نفسه عن أسس الليبرالية (الحرية والمساواة والأخوة) هو في الحقيقة عاجز عن فهم الأسس المفهومية لليبرالية. الحرية الفردية هي الوجه الآخر لعملة الملكية الشخصية أو الملكية الخاصة، وهذا هو حجر الزاوية لنظام السوق الحر أو ما يُسمى بالرأسمالية. الليبرالية تتضمن مفهوم حرية التبادل ولا يمكن تصورها بدونه. وبالطبع لا ينبغي أن نيأس، فإذا كان قد لزم منظّر اليسار الإسلامي أربعون عامًا ليتوصل إلى نتيجة أنه ما كان ينبغي له وقت الثورة الإسلامية أن يطرح شعار «الليبرالية طريق ممهد للإمبريالية»، فربما يقول بعد أربعين عامًا أخرى إن المقابلة بين الليبرالية والرأسمالية كانت عملًا خاطئًا. لكن السؤال الذي يبقى دون إجابة في هذا السياق هو: ما رأي هؤلاء المنظرين الثوريين في التكاليف التاريخية الباهظة التي فرضوها على الأمة الإيرانية؟ أولئك الذين جعلوا من الفعل السياسي ألعوبة لأميتهم، ويتحملون مسؤولية جسيمة في جزء من تاريخ إيران المعاصر، ألا يعتبرون أنفسهم بعدُ ملزمين أخلاقيًا بالاعتذار للجموع الغفيرة من المتضررين؟
***
أُضيفت إلى الكتاب في هذه الطبعة الجديدة مقالات تُشكّل الأقسام من الخامس إلى السابع. يضم القسم الخامس مقالتين هما في الواقع ردّ على ادعاءات أحد نقّاد الليبرالية والاقتصاد الحرّ من ذوي الصيت الرائج. يوسف أباذري هو من المثقفين اليساريين (العلمانيين) ويبدو أن له أنصاراً بين الطلبة والشباب المتعلم، وقد ذاع صيته على ما يبدو في محاربة الاقتصاد الحرّ والليبرالية. وهو يُبدي في مقالاته ومحاضراته خلال العقد الأخير قلقاً شديداً من "هيمنة" خطاب الليبرالية في إيران الراهنة، لكنه لا يشرح لنا إن كان خطاب الليبرالية قد أصبح مهيمناً حقاً في هذا البلد، فلماذا لا يزال الاقتصاد خاضعاً بشدة لسيطرة الدولة! ما هي نسبة الليبرالية إلى اقتصاد الدولة؟ لقد رددتُ في مقالتين على ادعاءات السيد أباذري التي لا سند لها واتهاماته الباطلة. وقد أُضيفت هاتان المقالتان إلى مواد هذا الكتاب في القسم الخامس من الطبعة الجديدة. في المقالة الأولى، يُنبّه على أخطائه الفادحة وفهمه الخاطئ للمباحث الاقتصادية. غير أن السيد أباذري في رده المطول الذي نشره بعد مرور أكثر من عام ونصف، لم يصحح شيئاً من أخطائه وأحكامه الباطلة فحسب، بل أصرّ على ادعاءاته الخاطئة السابقة وزاد في نطاق اتهاماته وافتراءاته الباطلة. عنوان هذه الكتابة المطولة هو "أصولية السوق، تأمل في الأسس الفلسفية لمدارس السوق الحرّة". إن فحص هذه المقالة البالغة الطول يكشف عن نقاط مثيرة للاهتمام. أولاً، لا يمكن أن نجد في أي موضع منها أي شرح لِما المقصود بـ "أصولية السوق". النقطة الثانية هي غياب مفهوم "التأمل" في كامل هذه الكتابة المسهبة. التأمل يعني التروّي والتعمق في الموضوع، في حين أن هذه الكتابة مليئة بالأحكام المتسرعة والشعاراتية والاقتباسات المشوّهة والمحرّفة. وبالنظر إلى الورطة التي أوقع الأستاذ نفسه فيها في هذا الردّ، كان من المتوقع ألا يردّ على مقالتي الثانية التي كُشف فيها النقاب عن حقائق هذه "التأملات الفلسفية". وهكذا أُسدل ستار آخر على مسرحيات الدون كيشوتات اليساريين، على غرار مجادلاتي القلمية السابقة مع همايون كاتوزيان.
القسم السادس هو نقد موجز للتفسير النفعي لليبرالية تحت عنوان "الملكية، الكفاءة والأخلاق"، ويُناقش فيه موضوع الأخلاق في المجتمع الحديث، وهو موضوع بالغ الأهمية ومُغفَل في آنٍ معاً. تتابع هذه المقالة في الحقيقة الموضوع المطروح في القسم الثالث، أي علاقة الأخلاق بالاقتصاد، وتؤكد على هذه النقطة شديدة الأهمية وهي أن المقاربة النفعية السائدة في الاقتصاد الحديث (التيار الرئيسي لعلم الاقتصاد) لا يمكن الدفاع عنها وتؤول إلى التناقض. تسعى المقالة إلى بيان أن الهدف الأول من إقرار الملكية الخاصة، أو لنقل بدقة أكثر الملكية الشخصية، ليس الكفاءة الاقتصادية، بل تحقيق المبادئ الأخلاقية القائمة على الحرية الفردية. إن الكفاءة الاقتصادية هي في الواقع "الأثر الفائض" المبارك لإقرار الملكية الخاصة والحرية الناشئة عنها. بعبارة أخرى، الحرية ليست وسيلة للوصول إلى الكفاءة الاقتصادية (التخصيص الأمثل للموارد النادرة)، بل الحرية هدف في ذاتها أو هي الغاية القصوى بذاتها، غير أن السعي نحو تحقيقها يزيد في الوقت نفسه من الكفاءة الاقتصادية ويؤدي إلى التخصيص الأمثل للموارد.
القسم السابع هو نظرة أخرى إلى نظرية أسبقية التنمية السياسية على التنمية الاقتصادية ويتناول موضوع العلاقة بين "الحرية السياسية، الحرية الاقتصادية والديمقراطية". يتداخل مضمون هذه المقالة إلى حد كبير مع مباحث القسم الأول من الكتاب، وهدفها الأساسي هو الرد على انتقادات المثقفين اليساريين والمدّعين بأسبقية التنمية السياسية (الديمقراطية) على التنمية الاقتصادية، وكذلك إزالة سوء الفهم الذي أثاره بعض الاقتصاديين ممن يُسمّون بـ "المؤسساتيين" حول التحولات الاقتصادية في العالم الحديث. تُشير هذه المقالة إلى الفهم الخاطئ والناقص للمثقفين لمفهوم الديمقراطية، وإلى أن تصوّر ديمقراطية حقيقية بدون اقتصاد حرّ أمر مستحيل. الموضوع الآخر الذي يُناقش في هذه المقالة هو تجربة البلدان الإسكندنافية والنمو الاقتصادي للصين الشيوعية، التي صنع منها المثقفون اليساريون قميص عثمان لرفض نظرية اقتصاد السوق الحرّة، في حين أن كلتا هاتين التجربتين ليستا في الواقع سوى مصداقين يؤيدان تلك النظرية.
.
.
.
.
العلوم السياسية
العلوم الاقتصادية
البيئة
العلوم السياسية
العلوم السياسية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.