اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى أرسطو في كتاب «النفس» أن النفس صورة الجسد، تمنح المادة فعلية كما تمنح الحدة الفأس، ومن ثمّ فالنفس والجسم واحد، وتزول النفس بموت البدن؛ وهو التعريف الذي يجعله كمالاً أول لجسم طبيعي آلي.

أحد أعظم المفكرين اليونانيين، وكان من تلامذة أفلاطون، هو (المعلم الأول) أرسطو؛ ولا ريب في أنه ينبغي اعتباره واحداً من أعظم الفلاسفة الذين عرفهم العالم. وعلى عكس أفلاطون الذي كانت معظم كتاباته الباقية لنا مؤلفاتٍ كتبها لعامة الناس، فإن الكتب التي بقيت لنا من أرسطو هي من صميم دروسه لتلامذته وكتاباته المتخصصة، وهذا أيضاً يجعل مهمتنا - من حيث قصدنا الحديث عن موضوع خاص من فكر أرسطو - أشد صعوبة بكثير مما مررنا به في حالة أفلاطون، وذلك لأن أرسطو قد أسس كثيراً من أقواله في هذا الباب على كتاباته الأخرى. ونحن، تسهيلاً لقراءة القارئ لشرحنا هذا، نتخذ من كتاب (في النفس) لأرسطو أساساً، ونسعى في سياقه إلى الاستعانة بكتاباته الأخرى عند الحاجة.
يبدأ أرسطو في هذا الكتاب حديثه بطرح أسئلة ومسائل عامة حول النفس، ثم يستعرض النظريات التي خلّفها أسلافه. أول ما يمكننا طرحه من آراء أرسطو هو اعتقاده بأن النفس على صلة مباشرة بالبدن، ذلك أن حالات كالغضب والانفعال والخوف والجرأة وأمثالها تؤثر تأثيرًا مباشرًا في البدن، ومن جهة أخرى فإن النفس الإنسانية تذبل عند المرض. وهو يرى، في سياق هذا الحديث نفسه، أن الفعل الخاص بالنفس هو التفكير، مع إضافة توضيحية مفادها أن التخيل، وهو ضرب من الفكر، لا يتيسر بدون البدن، لأن مادة التخيل أو التصور هي الإحساس، والإحساس يستلزم البدن. يكتب القديس توما في تفسيره لهذا القول الأرسطي: «تختلف الانفعالات باختلاف الأشخاص، فتظهر تارة وتختفي تارة أخرى؛ وهذا الاختلاف لا يمكن أن ينشأ عن ماهية الحالة الانفعالية، لأنها واحدة في جميع الأشخاص، بل ينشأ عن اختلاف الأمزجة والبنية البدنية؛ إذن فهذا الانفعال يقترن دائمًا بمقارنات بدنية، وإن لم يبدُ ذلك ظاهريًا». (١) والآن وقد اتضح أن النفس على صلة بالبدن، فإن أرسطو يذهب إلى أن كل نفس لا يمكن أن يكون لها إلا بدنها الخاص بها – وهو رأي يخالف رأي أسلافه كالفيثاغوريين – ويستدل على ذلك بأن نسبة النفس إلى البدن كنسبة الصورة إلى المادة، ولكل صورة توق إلى مادتها الخاصة، ومن هنا كانت النفس محتاجة إلى بدن معين، وبناءً على هذا الرأي الأرسطي يمكن أن نستنتج أن التناسخ كان باطلًا ومحالًا من وجهة نظره (٢) وبما أن النفس عنده صورة البدن، والصورة هي غاية كل شيء، فيمكن أن نخلص إلى نتيجة أخرى هي أن النفس عنده متقدمة على البدن. إذن فمن الواضح أن النفس والجسم ليسا وجودين منفصلين، بل ينبغي اعتبارهما وجودًا واحدًا، لأن الصورة هي الشيء بالفعل والمادة هي الشيء نفسه بالقوة. فمن الجلي إذن أن بإمكاننا أن نفسر رأي أرسطو بأنه إذا مات الكائن الحي فنى بدنه، أي أن مادة هذا الكائن تفقد الكيفية التي كانت مولدة لتركيب عضوي خاص يتناسب مع غايته ويُظهر الحياة فيه، وكذلك بموت الكائن الحي وزوال التركيب البدني، فإن نفس هذا الكائن، أي قوته العاملة وصورته النوعية، لا تعود موجودة هي الأخرى. فالنفس والبدن كلاهما ينشآن معًا ويفنيان معًا.(٣) ولكن، مع كل هذه الأوصاف، لأرسطو تعريف مشهور للنفس؛ إذ يقول: «النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة».(٤) ينبغي أولًا توضيح أن الجسم الطبيعي هو حاصل تقسيم يجريه أرسطو للجسم، إذ يذكر أيضًا جسمين آخرين هما الجسم الصناعي والجسم التعليمي(٥)، والمقصود بكون الجسم آليًا هو أنه جسم مركب من آلات لكل منها وظيفة منفصلة، وهذا الجسم، برأي أرسطو، قابل للنمو والارتقاء لكنه لم يظهر بعد، بل إن استعداده للظهور لم يتحقق بعد، ومن هنا يقول أرسطو إن هذا الجسم ذو حياة بالقوة(٦) والمقصود بالحياة، كما يوضح أرسطو نفسه، هو أن يكون الجسم قابلًا للنمو والارتقاء وفي النهاية الفساد (٧) والمقصود بالكمال جليًا هو أن يبلغ هذا الجسم ذو الحياة بالقوة إلى مرتبة الحياة بالفعل. ثم يقدم في سياق ذلك تعريفًا آخر مكملًا، أو بعبارة أخرى استمرارًا لتعريفه الأول: «النفس جوهر بمعنى الصورة، أي ماهية جسم ذي كيفية معينة. فلنفترض مثلًا أن آلة كالفأس جسم طبيعي: فماهية الفأس هي جوهرها ونفسها، لأنه لو كان الجوهر منفصلًا عن الفأس، لما كان ثمة فأس إلا بالاشتراك الاسمي... النفس ليست ماهية وصورة لجسم من هذا القبيل، بل هي لجسم طبيعي ذي كيفية معينة، أي جسم يحمل مبدأ حركته وسكونه في ذاته». (٨) بعبارة أخرى، نسبة النفس إلى البدن كنسبة القطع إلى الفأس، أو البصر إلى العين ونظائر ذلك. وكما ورد في التعريف الأخير، يسمي أرسطو النفس جوهرًا، ولكن لما كانت للجوهر معانٍ متعددة، فينبغي أن نعرف أي جوهر يقصده أرسطو هنا، فالجوهر بمعناه الأول هو المادة، أي ما ليس بشيء معين بذاته، وبمعنى آخر هو الصورة التي تمنح المادة فعلية وتجعلها شيئًا معينًا، وبالمعنى الأخير هو هذا الشيء المعين الذي ينشأ من تركيب المادة والصورة، وهو ما يسميه أرسطو (الجوهر الأول).
أرسطو يكتب: النفس بالضرورة جوهر، بمعنى أنها صورة لجسم طبيعي عالٍ له حياة بالقوة(٩) أو يكتب في موضع آخر: النفس جوهر بمعنى الصورة، أي ماهية جسم له كيفية معينة. (١٠) إذن من هنا يمكن أن نستنتج أن النفس عند أرسطو مطابقة لتعريفنا الثاني للجوهر أي أنها الصورة التي تمنح المادة الفعلية. والنقطة الأخرى التي ينبغي الإشارة إليها هي أنه مع كل هذه التفسيرات فإن النفس عند أرسطو مجردة عن البدن، وتجردها بمعنى أنها كصفة لشيء ما، ومن الواضح أن تلك الصفة منفصلة عنه، ولكن إذا أخذنا التجرد بمعنى أن النفس وجود مستقل ومتعين فهذا لا يمكن أن يكون مقبولاً عند أرسطو لأنه في الوقت نفسه الذي تكون فيه مجردة وغير مادية، لا يمكنها أن تكون منفصلة عن المادة أيضاً. مثل الألوان، بمعنى أنه لا يوجد الأزرق مثلاً إلا إذا كان هناك شيء أزرق نحكم عليه بالزرقة، وفي الوقت نفسه الزرقة ليست ذلك الشيء (مثال: السماء زرقاء لكن الزرقة ليست السماء) من المباحث المهمة الأخرى التي يمكن طرحها حول نفس أرسطو هي ما يمكن أن نسميه بوحدة النفس، وهو بحث سنتجاوزه لأنه يبعدنا كلياً عن بحثنا الأساسي، ولأن هذا المبحث له فروع كثيرة تندرج تحته، وهو في رأينا جدير بأن يكون كتاباً مستقلاً بذاته، ولكننا سنشير بإيجاز إلى بعض النقاط فيه حتى لا يقع القارئ في الغموض. يقسم أرسطو النفس إلى ثلاثة أقسام: النباتية (النفس المغذية أو الغاذية) والحيوانية (النفس الحساسة) والإنسانية (النفس العاقلة)(١١) ويعتقد أن كل موجود من الموجودات يمتلك واحدة أو أكثر أو كل هذه القوى. وبالطبع يجب الانتباه إلى أن النفس عند أرسطو ليست ذات أجزاء بل ذات قوى لكل منها قدراتها الخاصة، ولكل موجود من الموجودات نفس واحدة، ولكن تلك النفس لها قوى مختلفة وبالتالي قدرات خاصة بها، فالنبات مثلاً له القوة الغاذية فقط، والحيوان له القوة الغاذية والحساسة معاً، والإنسان بالإضافة إلى هاتين القوتين له القوة العاقلة أيضاً. ثم يتناول أرسطو فروعها الفرعية، فمثلاً الموجود الذي يمتلك القوة الحساسة يمتلك بالضرورة القوة الشوقية أيضاً، والشهوة والجرأة والإرادة هي فروع للقوة الشوقية، أو الموجود الذي يمتلك القوة العاقلة يمتلك بالضرورة القوة المتخيلة أيضاً (وبالتالي فإن أرسطو غريب كلياً عن ذلك التقسيم الذي وضعه أستاذه أفلاطون للنفس وحدد لها قوى ثلاثية لكل منها مكان خاص في البدن) ويقدم شرحاً تفسيرياً لهذا الموضوع نتجاوزه، والجدير بالذكر أن القسم الأعظم من كتاب النفس يدور حول هذا الموضوع بالذات، لأن النفس الإنسانية التي تمتلك القوة العاقلة لها خصائص عند أرسطو، وهناك يشرح بالتفصيل موضوع العقل. في النهاية يمكن استخلاص هذه النتيجة وهي أن بقاء الروح عند أرسطو غير ممكن بدون وجود البدن، والنفس أيضاً بعد أن يتوقف البدن عن الحركة ويستولي عليه الموت فإنها تفنى هي أيضاً..
.
1- في النفس، ص ١٠؛ حاشية المترجم الدكتور داودي
2- في النفس، ٤٠٧ ب ٢٢-٢٦؛ المفكرون اليونانيون، غومبرتس، الكتاب الثاني، ١٤٥١
3- العقل في الحكمة المشائية، علي مراد داودي، ص ٣٢
4- في النفس، ٤١٢ أ ٢٧ و ٤١٢ ب ٥
5- ما بعد الطبيعة، زيتا، ١٠٢٨ ب ٨
6- في النفس، ٤١٢ أ ٢٨ حتى ٤١٢ ب ١.
7- في النفس، ٤١٢ أ ١٤
8- في النفس، ٤١٢ ب ١١
9- في النفس، ٤١٢ أ ١٤-١٥
10- في النفس، ٤١٢ أ ٢٠
11- في النفس، ٤١٢ ب
.
.
1- في النفس لأرسطو، ترجمة الدكتور علي مراد داودي
2- العقل في الحكمة المشائية من أرسطو إلى ابن سينا، تأليف الدكتور علي مراد داودي
3- تاريخ الفلسفة لإميل برييه، المجلد الأول، ترجمة الدكتور علي مراد داودي
4- تاريخ الفلسفة لكوبلستون، المجلد الأول، ترجمة سيد جلال الدين مجتبوي
5- المفكرون اليونانيون لتيودور غومبرتس، ترجمة حسن لطفي
6- كتاب ما بعد الطبيعة والسماع الطبيعي لأرسطو، ترجمة حسن لطفي
.
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام و سپاس فراوان از سایت صدانت و نویسنده محترم آقای مطلق. بسیار استفاده بردم از این مقاله و مقاله قبل. آیا این مقالات ادامه دارد؟
با سلام و عرض ادب، حقیقت این است که نمیدانم که آیا این سیر ادامه دارد و یا خیر، امیدوارم فرصتی باشد که بحث درباره ی مرگ و جاودانگی را در سیر تاریخ اندیشه پی بگیرم و آراء و عقاید دیگر فلسفه را معرفی کنم. موفق باشید