اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الإنسان أسير في سجن التعصبات والعواطف والجسدنة، ومعرفتها مدخل لفهم القلق الوجودي؛ قلق ممتزج بالموت والعدم، ينبغي البحث عن جذره في الوحدة الوجودية وعن علاجه في الفلسفة اليونانية والعلاج بالفلسفة.

تخبرنا الدراسات النفسية والعصبية عن ثلاثة «سجون» لنا نحن البشر. السجن الأول، هو سجن «تحيزاتنا الخفية» وكون حياتنا كبشر تسير وفقاً لبعض معتقداتنا اللاواعية. هذه المعتقدات اللاواعية تتحول تدريجياً إلى تحيزات (مثل العنصرية) لا تزول بسهولة من وجود الإنسان حتى مع اعتبارها خاطئة. السجن الثاني، هو سجن «العواطف». من الخطأ المقابلة بين معرفة العقل (الدليل) والعاطفة. تظهر الدراسات العصبية أن حالتينا العقلية والعاطفية متشابكتان لدرجة أننا لا نستطيع حتى استخدام عقلانيتنا بدون العواطف والمشاعر. نحن نعيش في سجن العواطف ولا يوجد مفر ولا مناص. ومع ذلك، فإن هذه العواطف نفسها تعكر صفو الكثير من أحكامنا ويجب تقييدها وتقويمها. كما تساعدنا العواطف على التصرف بسرعة أكبر في الاختيارات والقرارات اليومية. لو كان وجودنا عقلانية محضة لربما استغرقت الكثير من حسابات التكلفة والفائدة لدينا إلى الأبد! السجن الأخير هو «جسديتنا». لا يمكن اعتبار ذهننا وذهنيتنا كبشر منفصلين عن البدن والجسد. لو كان لنا، نحن البشر، بدن وجسد آخر، لكان لنا ذهن وذهنية أخرى. ذهننا المتجسد يقيد معتقداتنا تجاه العالم المحيط. ليس بالضرورة أن يفكر مستخدمو اليد اليمنى مثل مستخدمي اليد اليسرى. وكأننا سجناء في أبداننا أيضاً. معرفة هذه السجون الثلاثة هي مقدمة لمعرفة أحوالنا الوجودية. ما لم نعلم بأي نفس ودماغ وذهن نعيش، لا يمكننا أن نفهم من أين أتى الكثير من اضطراباتنا وهواجسنا ومخاوفنا واعوجاجاتنا النفسية.
كان تشيخوف محقاً في قوله إن البشر سيصبحون أفضل إذا أريتهم ما يشبهونه. في هذه المقالة، وبنية فهم أفضل لأنفسنا، سنتناول أحد المفاهيم الوجودية التي نتعامل معها يومياً؛ أي مفهوم القلق. نبدأ بالاستعارة الكامنة في مفهوم القلق كقوة ثم نتطرق إلى أنواع القلق. كان رولو ماي، عالم النفس الوجودي الأمريكي، يرى أن القلق نوعان: القلق الطبيعي (السوي) والقلق الوجودي. القلق عند رولو ماي هو بمثابة قوة تأتي إلينا، تهاجمنا وتدفع شيئاً إلى الحركة والاضطراب. إن شأن العواطف في الأساس هو أنها تهاجمنا في كثير من الأحيان دون أن يكون لنا علم بذلك. القلق الطبيعي عابر ويلعب حتى دوراً تطورياً وبقائياً. على سبيل المثال، كان فرويد يعتقد أن الحضارة هي نتاج القلق والخوف البدئيين لدينا نحن البشر. من ناحية أخرى، في القلق الوجودي، يصل الفرد، بتعبير رولو ماي، إلى نوع من الصراع مع نفسه. إذا افترضنا أننا نواجه «ذاتين»، فإن هاتين «الذاتين» تتصارعان في القلق الوجودي بحيث يبدو وكأن شأناً من وجودنا يتمرد على الشأن الآخر من وجودنا وينعته بالغريب. كان فرويد يعتقد أيضاً أنه عندما تطرح ذات ما مطلباً غير عقلاني على الذات الأخرى يصاب الفرد بالقلق. في الحقيقة، يبدو وكأن اغتراباً عن الذات يعتمل في الفرد القلق؛ ينشطر وجود الفرد ويحل غريب محل الذات. الأحوال الوجودية عموماً تتسرب إلى داخلنا بشكل لا واعٍ وتقيم في وجودنا لدرجة أنها تصبح واحدة مع وجودنا. لا يمكن الخلط بين هذا المعنى من القلق والخوف. ولهذا، يمكن تعريف القلق الوجودي بطريقة أخرى أيضاً: يمكن إرجاع معنى إلى أسطورة آدم وحواء، وأن آدم منذ أن وجد ارتبط وجوده بالقلق واختلطت طبيعته بالقلق. معنى آخر للقلق الوجودي مقترن بـ«الموت» و«الاضمحلال» و«اللاوجود» و«العدم». نحن البشر نعيش تجربة الاضمحلال يوماً بعد يوم ولم نعد ذلك الإنسان السابق. وبهذا المعنى بالضبط كان كيركغور يرى القلق خوفاً من العدم، وكان تيليش يلخص أساس القلق في الوعي الوجودي باللاوجود. لمعالجة القلق، سيكون الرجوع إلى تعاليم فلاسفة اليونان (الرواقيون والأبيقوريون) مفيداً. كان هؤلاء الفلاسفة يعتقدون أن ما يؤذينا ليس الأحداث نفسها، بل شعورنا ورأينا تجاهها. كما كانوا يدعوننا إلى التوجه نحو مفهوم الرضا (الأتاراكسيا) والبساطة. كان نيتشه محقاً في قوله إن الفلاسفة هم أطباء الثقافة. نحن بحاجة إلى علاج بالفلسفة لنتعلم التفكير الصحيح. الكثير من مسببات القلق لدينا نحن البشر ناتجة عن عدم التفكير الصحيح. كما أن التمارين الواردة في العلاج السلوكي المعرفي (CBT) تكتسب أهمية كبيرة في هذا المجال.
قلنا إن العواطف تجلب النشاز؛ تخل بتوازننا النفسي وتؤدي إلى القلق. ربما لا نخطئ كثيراً إذا قلنا إن فلسفة الوجودية بدأت هي الأخرى بقلق: يُروى أن كيركغور حين أدرك أنه يشيخ وأنه لم يضف شيئاً إلى هذا العالم، سعى جاهداً لأن يعيش بطريقة أخرى، ويفكر بطريقة أخرى، ويكون بطريقة أخرى! لعل القلق الناجم عن الشيخوخة والموت يمكن اعتباره العلة الوجودية لفلسفة الوجودية. في الحقيقة، هناك "لا شيئان" يشكلان معظم قلقنا: "لا شيء" و"لا أحد". الأول هو قلق الموت والثاني قلق الوحدة. وبالطبع، هناك خلاف بين الفلاسفة وعلماء النفس حول أي من هذين الاثنين هو المنبع الأصلي لقلقنا. إذا كان الفلاسفة الوجوديون يختلفون حول أمور كثيرة، فهم يشتركون في أمر واحد على الأقل، وهو أن "الإنسان وحيد بلا رحمة". يتحدث علماء النفس والفلاسفة (رولو ماي وإرفين يالوم) عن عدة أنواع من الوحدة: الوحدة الجسدية؛ الوحدة غير الجسدية؛ الوحدة بين الأفراد، الوحدة داخل الفرد والوحدة الوجودية. في الوحدة بين الأفراد، يحدث انعدام الأنس وينفصل الفرد عن الآخرين. في الوحدة داخل الفرد، رغم أن الفرد ليس بلا أنيس، إلا أن الأجزاء المختلفة من وجوده تتباعد عن بعضها (وهو ما سماه فرويد بالعزلة Isolation). وكأن الفرد يخنق نفسه بنفسه ويصبح "غريباً" عن ذاته. بحذف الفرد لنفسه، لم يعد بإمكانه تمييز ما يعتقده؛ لأنه يرى كل لحظاته مرتبطة بالآخرين. أما الوحدة الوجودية؛ ففي أعماق كل انفصال تكمن وحدة أعمق وأكثر جوهرية تتعلق بعلاقتنا بالوجود. هذه الوحدة تبقى موجودة رغم الاتصال بالآخرين وبالذات. الوحدة الوجودية تشبه وادياً يشير إلى الانفصال عن الوجود. كمثال، يكفي أن تتأمل في ظاهرة الموت الوجودية. بتعبير هايدغر، الموت هو أكثر التجارب الوجودية البشرية وحدة، حيث لا يستطيع أحد أن يشاركه مع أحد. يعتقد إريك فروم (في كتابيه "فن الحب" و"الهروب من الحرية") أن الوعي بالوحدة الوجودية هو منبع كل قلق الإنسان ويخلق له أعمق هواجسه. يظهر هاجس الوحدة حين ندرك أننا ندخل هذا العالم وحدنا ونغادره وحدنا. وخلال ذلك، مهما حاولنا أن نقترب من بعضنا ندرك أن "الوصال مستحيل؛ ثمة مسافة دائماً". نحاول التواصل مع الآخرين ولكننا في نفس الوقت نلاحظ أننا ما زلنا وحيدين ولا يمكننا أبداً أن نتحد مع أنفسنا ومع الآخرين. الوحدة الوجودية تعلمنا أننا، بتعبير هايدغر، "غرباء" في هذا العالم، أو بتعبير كامو "غريبون". الفرد (الدازاين) حين ينخرط في العالم الظاهري، اليومي والمضلل ويفقد موقفه الوجودي، حينها يجعله القلق (من الموت) واعياً بالوحدة. وكما أشار مارتن بوبر، الوحدة الوجودية موجودة دائماً ومنتشرة في الفضاء. نحن من نطفئ مستقبلاتنا أحياناً. ومع ذلك، نحن مضطرون لخلق عالم لأنفسنا؛ أن ننشغل ونمارس الغفلة. وكأن مسرحاً قائماً لكن الستائر ترتفع فجأة وتتسلل الوحدة وتنقض علينا الطبيعة المأساوية للحياة. ثمن نمونا وتطورنا بعد انفصالنا عن رحم الأم هو الوحدة. لو كان الخوف من الوحدة حاضراً باستمرار في حيز وعينا لما استطعنا أن نحيا حياة طبيعية. يجب كبت الوحدة بشكل صحيح لننعم بالراحة. والآن، بعد هذه المقدمة، ما هو التكليف؟ إذا كان لا شيء يزيل وحدتنا ونحن في نهاية المطاف شركاء في وحداتنا، فما هو الحل وماذا علينا أن نفعل؟ أولاً، لا ينبغي أن نفزع! صحيح أن كل واحد منا يشبه سفينة وحيدة علقت في بحر مظلم وضبابي، لكننا على الأقل جميعاً وحيدون معاً وجميعاً واقعون في هذا الفزع معاً. يكفي أن نرى نور سفن بعضنا البعض ونلمس وحدة أحدنا الآخر. ثانياً، ربما يمكن القول إن أهم إجابة قدمها الفلاسفة وعلماء النفس والإلهيون لمسألة الوحدة الوجودية هي الحب. من ماسلو ويالوم وفروم إلى بوبر ومولانا جلال الدين وعيسى بن مريم وغيرهم... توصلوا، قليلاً أو كثيراً، إلى نتيجة واحدة وأجمعوا على الاعتقاد بأن الحب يمكنه أن يتسلل إلى وحدة الإنسان ويبني جسراً من وجود إلى وجود آخر. طبعاً، للحب أطوار وشؤون؛ أهم شأن له هو أن على الفرد أن يتمرن على ممارسة الحب، لا أن يكون معشوقاً. لم يقل فروم عبثاً إن القدرة على أن يكون المرء وحيداً شر
ط القدرة على الحب.قلما نجد مفكراً لم تستحوذ عليه هذه المسألة الفكرية المتخمة طوال حياته الفكرية. من أفلاطون وأرسطو إلى هيوم وشوبنهاور وهايدغر وفرويد وكامو وغيرهم... حين كانوا يتأملون في الموت، كانوا يشتركون في أمر واحد على الأقل: وهو أنه لا مهرب من الموت! وبتعبير هايدغر، الموت هو أكثر الاحتمالات يقيناً الذي يحدث لنا في الحياة! لقد عاش كثير من البشر، متوافقين مع الفلاسفة الوجوديين، هذه التجربة المتمثلة في أن الموت هو أحد أعمق صور القلق. في الحقيقة، إن إحدى أهم نتائج الوعي بالموت وقلق الموت هي الشعور بالتشرد والغربة الذي يكتنفنا. لكن يبدو أن التأمل في الموت هو أحد أوجه العلاج الوجودي؛ أي أن الوعي بالموت يمكن أن يساعدنا على فهم القلق. إن إحداث تحول واسع في نظرتنا يقلل من مستوى هذا القلق. نحن البشر، منذ الطفولة، نقيم استعارة بين النوم والموت ونكتسب فهماً أولياً للموت. هذا الفهم الأولي هو ما يجعلنا قلقين؛ قلقين من أننا "موجودون" الآن ولكن سيأتي يوم ننعدم فيه. وكأن الموت جالس في مكان ما ينظر إلينا، ثم يقصدنا فجأة، وبعدها لا مهرب ولا مناص منه. هذا الوعي بحتمية الموت والرغبة في استمرار الحياة يخلقان لنا صراعاً وجودياً ويضعاننا، بتعبير الفلاسفة، في "موقف حدي". كان هيغل محقاً في قوله إن تاريخ الفلسفة هو شرح لمواجهة الإنسان مع الموت. إن التفلسف والتنظير الفلسفي يمكن أن يهيئ الإنسان للموت ويعلمه كيف يموت. السر في ذلك هو أن فكرة الموت منقذة. عندما نتعلم كيف يكون العيش الطيب، سنتعلم كيف نموت موتة طيبة، والعكس بالعكس. لم يكن عبثاً أن اعتقد أوغسطين أن الإنسان يولد في مواجهة الموت. الحياة والموت متشابكان لدرجة أن أحدهما يُفهم في ظل الآخر. ألوان الحياة لا يمكن تمييزها إلا على خلفية سوداء. مقولة سقراط الشهيرة "الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش" يجب أن تُفهم بهذا المعنى: عندما لا يدرك المرء معنى الحياة جيداً، فكأنه ميت، و"من لم يمت به، بفتواي صلوا عليه". من لا يختبر حياة طيبة لا يستطيع مواجهة الموت. رعبنا نحن البشر من الموت هو رعب الموت مصحوباً بما لم نعشه. كذلك أظهر لنا علماء النفس أنه كلما زاد الرضا عن الحياة بين البشر، كانت تجربة الموت أقل إثارة للمتاعب. لقلق الموت علاقة عكسية بمستوى الرضا عن الحياة. كان نيتشه يقول إن ما ينضج ويبلغ أشده يصبح تواقاً للموت. البشر غير الناضجين هم من ينظرون إلى الموت برعب. الإنسان يصمد في مواجهة الموت شريطة أن يكون قد عاش الحياة بتمامها. النقطة الأخيرة هي أن فكرة الموت والوعي بالموت تؤدي إلى "تفكيك الهوية"، بمعنى أنها تكشف زوائد شخصية الإنسان. يدرك الفرد أي الأمور لا تخصه وما هي ذاته الحقيقية؛ إنها تغير وتشكل منظور الفرد للحياة وبنية حياته.
.
.
Brownstein, M. and Saul, J., (ed.), 2016, Implicit Bias and Philosophy, Oxford University Press. Buber, M., 1965, Between Man and Man, New York: Macmillan. Buber, M., 1970, I and Thou, New York: Charles Scribner. Frankl, V., 1969, The Will to Meaning, Cleveland: New American Library. Freud, S., 1953, “The Interpretation of Dreams”, Vo. IV, in Standard Edition, London: Hogarth Press. Freud, S., 1957, “Thoughts for the Times on War and Death”, Vol. XIV in Standard Edition, Hogarth Press. Freud, S., 1959, “Inhibitions, Symptoms and Anxiety”, Vol. XX in Standard Edition, London: Hogarth Press.
Fromm, E., 1941, Escape from Freedom, New York: Holt, Rinehart & Winston. Fromm, E., 1956, The Art of Loving, New York: Bantam Books. Heidegger, M., 1962, Being and Time, New York: Harper & Row. Jung, C., 1933, Modern Man in Search of a Soul, New York: Harcourt. Kierkegaard, S., 1957, The Concept of Dread, Princeton University Press.
.
.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٣ تعليق
کپی برداری کتاب روان درمانی اگزیستانسیال بود سخن تازه ای به آن اضافه نشده بود
مطلب بسیار آموزنده و خوبی بود.مسائلی که همه ما در این روزها باید به آن ها بیندیشیم و در موردشان بدانیم
با سلام بسيار عالي و زيبا نگارش شده بود پرجذبه و موجز لذت بردم چونان مسكني بر حس و حال هاي درگير اين روزگار مجازي مجازي مجازي