اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى بيتر سينغر، قياساً على إلزامية ربط حزام الأمان، أن من حق الحكومات فرض التطعيم الإجباري حفاظاً على أمن المجتمع؛ لأن الأفراد يتقاعسون عن مواجهة المخاطر ضئيلة الاحتمال ويتخذون قرارات يندمون عليها لاحقاً.

بيتر سينغر، الفيلسوف الأسترالي والأستاذ في جامعة برينستون، يجادل في هذه المذكرة القصيرة لماذا ينبغي أن يكون التطعيم إلزامياً. ويشير لهذا الغرض إلى القوانين المتعلقة بربط حزام الأمان ثم يشرح مراده.
قبل خمسين عاماً، عندما سُنَّت لأول مرة قوانين تجعل ربط حزام الأمان إلزامياً، عارضها عدد كبير من الناس معارضة جدية. أما اليوم فلا نجد أحداً يعترض على هذه القاعدة، القائمة بذاتها على منطق سليم. وبوسع الحكومات اليوم أيضاً أن تجعل التطعيم ضد كوفيد-19 إلزامياً، مستندة إلى نفس التبريرات التي جعلت بها سابقاً ربط حزام الأمان إلزامياً؛ تبريرات تهدف إلى حفظ أمن الشخص والمجتمع.
ملبورن – أنا جالس في ولاية فيكتوريا وأكتب هذا النص. فيكتوريا إحدى ولايات أستراليا. هذه الولاية أعلنت في عام 1970 لأول مرة إلزامية ربط حزام الأمان في السيارة، وأصبحت بذلك أول منطقة حفظ قضائي في العالم كله تصدر مثل هذا الأمر. تعرض هذا القانون لهجمات قيل فيها إنه ينتهك الحريات الفردية، لكن سكان ولاية فيكتوريا قبلوا القانون، لأنه كان ينقذ أرواح الناس. اليوم، لدى معظم أنحاء العالم قوانين مماثلة. لا أذكر متى كانت آخر مرة قال فيها أحدهم إنه يريد القيادة بحرية دون ربط حزام الأمان.
في المقابل، نسمع اليوم أن البعض يريدون أن يكونوا أحراراً في ألا يطعّموا أنفسهم ضد الفيروس الذي يسبب مرض كوفيد-19. برادي إليسون، أحد أعضاء فريق الرماية بالقوس الأولمبي للولايات المتحدة، يقول إن قراره بعدم التطعيم «كان قراراً شخصياً مئة بالمئة». وهو يؤكد «أي شخص يقول عكس ذلك، فاعلموا أنه يسلب الناس حريتهم».
النقطة العجيبة هنا هي أن تلك القوانين التي تلزمنا بربط حزام الأمان، تستهدف الحرية الفردية بشكل صريح وجاد للغاية. من ناحية أخرى، هناك قوانين تلزم الأفراد بتطعيم أنفسهم من أجل التواجد في أماكن أخرى. هذه الأماكن هي مواقع قد ينقل فيها الشخص المريض المرض إلى أشخاص آخرين. القوانين المتعلقة بالتطعيم تقيد نوعاً من الحرية لحماية حرية الآخرين؛ أي حرية أولئك الذين يريدون أن يزاولوا عملهم وحياتهم بأمن وأمان.
لا يساء فهمي. أنا مدافع بالكامل عن القوانين التي تلزم سائق السيارة وركابها بربط حزام الأمان. تشير التقديرات إلى أن مثل هذه القوانين في الولايات المتحدة أنقذت حياة حوالي 370 ألف شخص، وحالت دون تعرض عدد أكبر بكثير من هذا لإصابات وجروح خطيرة. مع كل هذا، فإن مثل هذه القوانين وصائية. إنها تجبرنا على القيام بشيء ما لمصلحتنا نحن فحسب. هذه القوانين تنتهك قاعدة جون ستيوارت ميل الشهيرة التي تقول: «لا يمكن استخدام القانون بحق ضد أي فرد من أفراد مجتمع متحضر، رغماً عن رغبته الشخصية، إلا في خدمة هدف واحد، وهذا الهدف ليس سوى منع إلحاق الأذى بالآخرين من قبل ذلك الشخص.» حقيقة أن إجبار الشخص يتم لمصلحة الشخص نفسه فحسب، تعني أن القيام بهذا الأمر «لا يمتلك تبريراً كافياً».
لقد قيل الكثير بشأن هذا المبدأ، خاصة عندما تُستخدم نفس هذا المبدأ لمعارضة قوانين سُنَّت ضد أفعال لا يقع فيها ضحية من شخص آخر؛ على سبيل المثال القوانين التي سُنَّت ضد العلاقات المثلية. علاقات يرتبط فيها شخصان بالغان برضى قلبي. أو القوانين التي سُنَّت ضد القتل الرحيم أو الإيثانازيا. لكن ميل كان في زمانه يعتقد بقدر أكبر أن أعضاء المجتمعات «المتحضرة» يمكنهم اتخاذ قرارات منطقية بشأن أين تكمن مصالحهم. أما في أيامنا هذه فلا يمكننا أن نعتقد ذلك، ولعدم قدرتنا هذه أسبابها الموجَّهة.
قبل أن يصبح ربط حزام الأمان إلزامياً، شنت الحكومات حملات لتزويد عامة الناس بمعلومات عن المخاطر المترتبة على عدم ربطه. وقد أسفرت هذه الحملات عن بعض النتائج، لكن عدد من يربطون أحزمتهم لم يقترب أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، من نسبة 90 في المئة أو أكثر؛ هذه هي النسبة المئوية لمن يربطون حزام الأمان اليوم في الولايات المتحدة، وفي بلدان أخرى حيث يُعد عدم ربط حزام الأمان جريمة، تكون هذه النسبة في هذا الحدود أو حتى أعلى من ذلك.
والسبب في ذلك هو أننا عندما نريد حماية أنفسنا من مخاطر احتمال وقوعها ضئيل جداً، فإننا نقصر ولا نقوم بهذا الأمر على الوجه المطلوب. في كل مرة نركب فيها سيارة، يكون احتمال تعرضنا لحادث شديد جداً ونتيجة لذلك الحادث نتعرض لإصابة بسبب عدم ربط حزام الأمان، ضئيلاً جداً. وعلى الرغم من ذلك، وبما أن تكلفة ربط حزام الأمان لا تُذكر، فإن أي شخص ينظر بعقلانية إلى مصلحته الشخصية ويحسبها بدقة، سيدرك أن عدم ربط حزام الأمان أمر غير عقلاني. أولئك الذين نجوا من حوادث السير ولكنهم أصيبوا بأذى شديد بسبب عدم ربط حزام الأمان، يقرون بعدم عقلانية فعلتهم هذه ويأسفون عليها؛ ولكن أي إقرار وأي أسف وقد فات الأوان كثيراً. هذا الكلام قد فات أوانه كثيراً أيضاً بالنسبة لأولئك الذين لقوا حتفهم في الحوادث دون ربط الحزام.
نشهد اليوم وضعاً مشابهاً قد نشأ بالنسبة للتطعيم. نشرت بريتاني كوبيا مؤخراً منشوراً على فيسبوك. تشرح في هذا المنشور تجربتها المهنية كطبيبة وتكتب عن الفترة التي كانت تخدم فيها في مدينة برمنغهام بولاية ألاباما:
«أُدخل إلى المستشفى شباباً أصحاء تبدو عليهم أعراض الإصابة بكوفيد وخيمة جداً. قبل أن نُدخل الأنبوب في حلقهم، من آخر الأشياء التي يتوسلون إليّ من أجلها هو اللقاح. أمسك بأيديهم وأقول لهم إني آسفة، لكن الأوان قد فات كثيراً. بعد بضعة أيام، حين أسجل وقت الوفاة، أعانق أفراد أسرهم وأقول لهم إن أفضل طريقة لتكريم ذكرى عزيزهم هي أن يذهبوا ويأخذوا اللقاح ويشجعوا كل من يعرفونهم على القيام بذلك. يبكون. يقولون لي إنهم لم يكونوا يعرفون هذه الأمور. كانوا يعتقدون أن الأمر كله إشاعات. كانوا يعتقدون أن الأمر كله مكايدة سياسية. كانوا يعتقدون أنهم لن يمرضوا بسبب فصيلة دمهم كذا أو لون بشرتهم كذا. كانوا يعتقدون أن 'هذه نفس الإنفلونزا'، لكنهم كانوا مخطئين، ويقولون بكل جوارحهم إنهم يتمنون لو كان بوسعهم العودة إلى الوراء، لكنهم لا يستطيعون.»
لهذا السبب بالذات يمكن تبرير لماذا ينبغي أن نجعل التطعيم ضد كوفيد-19 إلزامياً: إذا لم نقم بذلك، فإن عدداً كبيراً جداً من الناس سيتخذون قراراً يندمون عليه لاحقاً. على المرء أن يكون شديد القسوة ليقول: «الخطأ خطؤهم، دعهم يموتون.»
على أية حال، وفي عصر كوفيد، لا يشكل جعل التطعيم إلزامياً انتهاكاً لمبدأ ميل المعروف بـ «الإضرار بالآخرين». الرياضيون الأولمبيون إن لم يأخذوا اللقاح، فإنهم يشكلون خطراً على الآخرين بقدر سيارة تسير بسرعة في شارع مزدحم. لم يكن بوسع أليسون سوى أن يقدم على «خيار شخصي» آخر لا غير، إما أن يتطعم أو يبقى في المنزل. لو أعلنت اللجنة الأولمبية الدولية أن الرياضيين المطعمين فقط هم من يمكنهم المشاركة في المنافسات، لكان ذلك قد قلل من خطر الإصابة المتزايد بالفيروس عن آلاف الرياضيين الآخرين. كان هذا الإعلان ليشكل تبريراً مناسباً لتجاهل رغبة أليسون في المشاركة في المنافسات دون تلقي اللقاح.
في الشهر الماضي، أُعلنت قوانين في فرنسا واليونان تُلزم الأفراد، بموجبها، بتقديم وثيقة تثبت تلقّيهم اللقاح لدخول دور السينما أو المقاهي أو السفر بالقطار. وبناءً على الأسباب المذكورة آنفاً، فإن هذه القوانين لا تنتهك حريات أي شخص. وفي شهر فبراير/شباط الماضي نفسه، أصبحت الحكومة الإندونيسية أول حكومة تجعل التطعيم إلزامياً لجميع البالغين. في ذلك الوقت، لم يكن مصدر الانزعاج الرئيسي هو أن الحكومة انتهكت حقوق مواطنيها، بل إن البلدان الأكثر ثراءً لم تتبرع بالعدد اللازم من اللقاحات لإندونيسيا كي تتمكن من تطبيق قانونها. ونتيجة لذلك، تحولت إندونيسيا الآن إلى بؤرة لانتشار الفيروس، ولقي عشرات الآلاف من الإندونيسيين غير الملقحين حتفهم.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.