اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
قُدِّم كتاب «الإيثار الفعّال» لبيتر سينغر في جلسة «الخير والعقل» بمحاضرة من مصطفى ملكيان ومحمد رضا جلايي بور. وتركّزت محاور النقاش على ضرورة العقلانية في العمل الخيري، والفصل بين الحاجة والرغبة، وأساليب إيصال أكبر قدر من الخير إلى المجتمع.

بهمت مؤسسة دار الإكرام وبالتعاون مع نشر ني، في ثاني ندوات سلسلة الخير والحكمة، تم تقديم وإزاحة الستار عن كتاب الإيثار الفعّال؛ كيف يغيّر تحقيق أقصى قدر من الخير فهمنا للحياة الأخلاقية. في هذه الندوة التي عُقدت في معهد أبحاث الثقافة والفنون التابع للجهاد الجامعي، تحدث كل من مصطفى ملكيان ومحمد رضا جلايي بور حضورياً بصفتهما كاتبي مقدمتين للكتاب، بينما تحدث بيتر سينغر المؤلف وآرمين نياكان مترجم الكتاب عبر الفيديو للإدلاء بملاحظاتهم.
.
.

قال سينغر في بداية رسالته المصورة، معرباً عن سعادته بترجمة كتابه إلى اللغة الفارسية: إن فكرة الإيثار الفعّال تتكون من عنصرين. الأول ضرورة مساعدة الآخرين، والثاني القيام بهذه الأمور بأكثر الطرق فعالية. وأشار إلى أن الإسلام أيضاً يوصي بإنفاق جزء من الثروة على الفقراء، وقال: يعتقد كثير من أهل الإنفاق والمحسنين أنه لا يهم مدى فعالية مساعدتهم. هذا ليس صحيحاً. بعض المساعدات تكون أكثر فعالية بعشرة أضعاف، وبعضها بمئة ضعف وربما أكثر، وبعضها الآخر ليس كذلك. في منطق الإيثار الفعّال، نفكر كيف يمكن لمساعدتنا أن تحقق أقصى قدر من الخير للمجتمع. بحيث نستطيع حتى بمبالغ صغيرة أن نحدث تأثيراً كبيراً. في هذا السياق، حتى مساعدة الحيوانات أحياناً تؤدي دوراً أكبر في نشر الخير. وفي ختام كلمته، أعرب عن أمله في أن تشكل مثل هذه الأعمال والكتب في إيران أرضية لتكوين مجموعات للإيثار الفعّال. مجموعات تساهم في نشر هذه الفكرة الخيّرة من خلال تبادل المعلومات حول الطرق الفعّالة للإحسان والعمل الخيري.
.
.

قال آرمين نياكان مترجم الكتاب، الذي شارك في الندوة عبر رسالة فيديو: إن السعادة أمر جماعي، وعلينا أن نبادر إلى تشكيل مؤسسات من أجلها. في فلسفة الإيثار الفعّال، نحتاج إلى التركيز والإنصاف والوعي الإعلامي للعمل. لذا نحن بحاجة إلى التعليم. العالم الجديد، على حد تعبير حنة آرنت، يعاني من تفاهة الشر. بحيث يمكننا بقرارات صغيرة تبدو غير ضارة أن ننتج الشر. من إنجازات الإيثار الفعّال أنه يمكن جلب الخير بسهولة أيضاً. في سيكولوجيا الإيثار الفعّال، يُقال إن اللجوء إلى التعقيد وعدم اليقين جعلنا لا نحقق أقصى خير ممكن. أما فاعل الخير المؤثر، فبفعله للخير يتمتع بروح مفعمة بالنشاط ونفس سليمة. في الإيثار الفعّال، يُقال إننا لسنا بائع الحليب في الحي، بل نحن أب وأم لطفل يجب أن نوصل له حليباً سليماً. نحن بحاجة إلى التركيز على مشاريع، من بينها خطر الحرب النووية والمخاطر المناخية، التي لها تأثيرات أكبر بكثير.
.
.

أتقدّم بالتحية والسلام للسيدات والسادة، وأعرب عن سعادتي بأن يكون لي نصيبٌ يسير في هذا المجلس الذي انعقد لأمرٍ خيرٍ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
أتوجه بجزيل الشكر لكل القائمين على عقد هذه الجلسة وتنظيمها، ولدار نشر "ني" والسيد همائي المحترم، رئيس هذه الدار المحب للثقافة، ولمؤسسة دار الإكرام، السيد جليليان، ولكل زملائهم ومحبيهم، على دعوتهم لي لأكون في خدمة السادة الحضور. إنني، دون مبالغة أو غلو أو إفراط، وبكل إنصاف، أشهد بأن أفضل مؤسسة في إيران تجسّد حالياً مفهوم الإيثار الفعّال هي مؤسسة دار الإكرام.
إنني، دون ذرة تحيز، أقول بصراحة إنني لم أر حتى الآن مؤسسة بهذه الدرجة من الطهارة والنزاهة والصفاء، وبهذا القدر من التعقّل في عمل الخير وإغاثة الناس. والحقيقة أنني، في عمري البالغ 63 عاماً، أشعر اليوم ولأول مرة بالندم لأنني بقيت وفياً لموضوع محاضرتي. كنت قد أعلنت أنني سأتحدث عن الإيثار والتعقّل، لكنني ندمت على إعلاني هذا الموضوع لسببين، أحدهما أهم بكثير من الآخر. السبب الأول، وكما قال الشاعر: "ماذا يفعل رستم في صف باقة الورد والريحان؟"، إن حمل باقة ورد وريحان في صف الحرب وميدان القتال أمرٌ مثير للسخرية. في بلدي، صار الحديث بكلام عقلاني وأخلاقي خيّر محض أشبه ما يكون بالمهزلة.
في بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم ورابع أكبر احتياطي نفط في العالم، لدينا من ينامون في صناديق الكرتون، ولدينا من ينامون في القبور، ولدينا "الكولبر" (الحمّالون عبر الحدود). في بلد يعج بموارد هائلة تحت الأرض وفوقها، لا يزال لدينا أمثال "فرهاد" و"آزاد". وإذا ما نطق أحد بهذه الحقيقة الصريحة الجلية، يُقال على الفور إنه إما عميل في وكالة المخابرات المركزية (CIA)، أو عميل في جهاز استخباراتي سري، أو عميل في الموساد. لا أدري ماذا ينبغي أن يُفعل في هذا البلد، وإلى من ينبغي أن نتحدث، وعماذا ينبغي أن نتحدث، كي لا يكون في هذا البلد "كولبر" على الإطلاق، وألا يكون فيه من ينامون في القبور، وألا يكون فيه من ينامون في صناديق الكرتون. حسناً، أليس الحديث عن العقلانية والأخلاق في هذا الوضع أشبه بالمزحة؟ هذا أولاً. وثانياً، كلما تأملت، وجدت أن ما كان يمكنني قوله بشأن الإيثار والتعقّل، قد قاله المؤلف بيتر سينغر نفسه في هذا الكتاب، وما لم يقله سينغر أضيف في المقدمات الثلاث أو الأربع التي ألحقت بالكتاب. وبالتالي، لم يعد لدي شيء كثير لأقوله هنا، لا سيما وأن إحدى هذه المقدمات بقلمي أنا، وقد قلت فيها ما يلزم قوله. لهذا السبب، قررت أن أغير موضوع المحاضرة بنفسي، وقد غيرته فعلاً. لكن قبل أن أكون في خدمة السادة هنا، رأى المسؤولون والقائمون على مؤسسة دار الإكرام القيّمة من صواب الرأي أن أتابع أنا أيضاً موضوع التعقّل والإيثار ذاك، وأن أصرف النظر عن الموضوع الآخر. حسناً، وأنا بدوري أطعت وصرفت النظر.
حسنًا، كما قلت، هناك ما لم يقله المؤلفون ومقدمو هذا الكتاب القيّم، والذين ينبغي أن نكون شاكرين جدًا لمترجمه وللسيد جلايي بور، اللذين عرّفا بهذا الكتاب ونقلاه إلى اللغة الفارسية. سأقتصر في حديثي على ما أراه قد حظي باهتمام أقل في هذا الكتاب، وسأختصر محاضرتي في ذلك. هناك نقطة مهمة في مسألة الإيثار الفعّال، أو بعبارة أخرى، إيصال أكبر قدر من الخير الفعّال وليس مجرد إيصال الخير، وهي أنه إذا كان إيصالنا للخير إلى الآخرين ينبغي أن يكون عقلانيًا وأن نوصل إليهم حقًا أكبر قدر من الخير الفعّال، فإن الفصل بين الحاجة والرغبة أمر بالغ الأهمية. فكون البشر لديهم رغبات شيء، وكونهم لديهم حاجات شيء آخر.
ليس الأمر أنني أرغب في كل ما أحتاج إليه، أو أحتاج إلى كل ما أرغب فيه. فكثيرون هم البشر أمثالي، ممن لم يبلغوا النضج الروحي والفكري اللازم، يرغبون في أشياء لا يحتاجون إليها، ولا يرغبون في أشياء يحتاجون إليها. وباختصار، لا تتطابق رغباتهم مع حاجاتهم. هذا الفصل بين الحاجة والرغبة، في رأيي، أمر بالغ الأهمية في فلسفة الأخلاق وفي جميع العلوم الإنسانية أساسًا. أن نؤمن ونُقر بأنه ليس كل ما نرغب فيه نحتاج إليه، وليس كل ما لا نحتاج إليه لا نرغب فيه. كلا، فكثيرًا ما نحتاج إلى شيء ولا نرغب فيه، وكثيرًا ما لا نحتاج إلى شيء ونرغب فيه. ومن ناحية أخرى، كثيرًا ما نرغب في شيء لا نحتاج إليه، وكثيرًا ما لا نرغب في شيء نحتاج إليه. تقتضي العقلانية، من ثلاث جهات، أن نأخذ حاجات الطرف الآخر بعين الاعتبار عندما نقرر مساعدة أبناء جنسنا، وهنا المساعدة المادية والمالية هي محط البحث، لأننا هنا، كما يعلم جميع الأصدقاء، لا نتحدث عن مجال الأخلاق بشكل عام، بل نناقش أخلاق الإنفاق فحسب، ولا شأن لنا ببقية مجالات الأخلاق.
حاليًا، في مجال أخلاق البذل المالي، وأخلاق الإيثار المالي، وأخلاق الإنفاق، ينبغي الانتباه إلى ثلاث جهات تدفعنا لأخذ حاجات الطرف المقابل بعين الاعتبار. إحداها أن رغبات الإنسان لا نهاية لها، وبالتالي، إذا تكلفت والتزمت بتلبية رغبات إنسان آخر بما لدي من ممتلكات مالية، فلن أستطيع أبدًا تلبية رغبات ذلك الإنسان على نحو وافٍ وإيجابي وكامل، لأن رغبات الإنسان لا حدود لها. لا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك الإنسان فقيرًا أو غنيًا، مثقفًا أو غير مثقف، فرغباتنا لا نهائية، ولذلك لا ينبغي لي أبدًا أن أتكلف وألتزم بتلبية رغبات الآخرين.
أما حاجات الإنسان فليست لا نهائية. الحاجات هي أشياء إذا لم تُلبَّ، فإن البنية الجسدية والذهنية والنفسية للشخص الذي لم تُلبَّ حاجاته ستضطرب عاجلًا أم آجلًا. الآن، دون أن أرغب في الخوض في مباحث دقيقة في هذا الباب قيلت في مواضع أخرى، أود أن أقول إن لهذه الحاجات حدودًا، الحاجات لها نهاية، وينبغي أن نتكلف تلبية حاجات الآخرين، لا أن نتكلف تلبية رغباتهم التي لن تقف عند حد. هذه هي النقطة الأولى. النقطة الثانية هي أن تلبية رغبات الآخرين ليست بالضرورة خدمة لهم. فكثيرًا ما إذا لبيت رغبات الآخرين، لا أكون قد خدمتهم فحسب، بل أكون قد خنتهم. بعبارة أبسط، أكون قد ساعدته لكنني لم أخدمه، والمساعدة تختلف كثيرًا عن الخدمة.
ليس الأمر أنني إن استسلمت لرغبات أي شخص، في أي مرحلة عمرية كان، وبأي درجة من الثقافة كان، أكون قد خدمته؛ فكثير من هذه الرغبات إن بقيت دون تلبية كان خيرًا لها من أن تُلبّى. وعليه، فلا مبرر لأن أقوم ظاهريًا بعمل إنساني بينما أنتهك في الواقع أحكام وقواعد الأخلاق، لأن أحكام وقواعد الأخلاق تقتضي أنه إذا تعارض ما يروق لشخص مع مصلحته، فعليّ حتمًا أن أضحي بما يروق له في سبيل مصلحته. أي إذا كانت رغباته لا تتوافق مع احتياجاته، فيجب عليّ حتمًا أن أضحي برغباته لأجل احتياجاته وألا أستسلم لرغباته. هذا التفريق مهم من هذه الناحية، لكن ثمة نقطة ثالثة، وهي أنني أساسًا، ليس فقط من يتلقى المساعدة مني، بل حتى أنا نفسي كمُقدِّم للمساعدة، لو كنت أكتفي باحتياجاتي ولا أستسلم لرغباتي، لربما كان متلقي المساعدة أساسًا لم يقع في براثن ذلك الفقر. إن الغالبية الساحقة من الفقر الذي ابتُلي به بنو البشر على مر التاريخ كان سببه أن أناسًا استسلموا لرغباتهم ولم يكتفوا باحتياجاتهم.
عندما لا أكتفي باحتياجاتي وأسعى وراء رغباتي، حينها أصير متجاوزًا لحدودي، وحينها أصير طمّاعًا في الاستثمار، وأصير باحثًا عن الربح، وألجأ إلى التقصير في العمل، وألجأ إلى إساءة العمل، وألجأ إلى الاحتكار، وألجأ إلى الاختلاس، وألجأ إلى التطفيف، وألجأ إلى المغالاة في البيع، وألجأ إلى الغش، وألجأ إلى الخداع، وألجأ إلى ألف عمل آخر، وتلك الأعمال الأخرى هي ما يجعلكم فقراء. تلك الأعمال التي قمت بها أنا، الذي لم أرد الاكتفاء باحتياجاتي وأردت تلبية رغباتي، واقتضاءً لرغبتي في تلبية رغباتي، انجررت تبعًا إلى التجاوز، ذلك التجاوز الذي لم يكن ليتحقق إلا بأن أحيد عن الموازين الأخلاقية وألجأ إلى التطفيف والمغالاة في البيع والاختلاس والغش والاحتيال وأمثال هذه الأمور، وهذه الأمور هي ما جعلكم فقراء. أنتم لم تكونوا مذنبين في فقركم، بل أنا، الرأسمالي المتجاوز، أنا الثري الطمّاع الذي لم أرد الاكتفاء بضرورياتي، أنا من أوصلكم إلى هذا الحال.
لو أن كل من يمتلك إمكانيات مالية، سواء حصل عليها عن طريق الزراعة أو تربية المواشي أو الصناعة أو التجارة أو الخدمات، أيًا كانت هذه الطرق الخمس التي حصلوا منها على ثرواتهم، لو أن الذين وصلوا إلى ثروة من هذه الطرق الخمس اكتفوا بضروريات حياتهم واكتفوا باحتياجاتهم، لربما لم يتسببوا في هذا القدر من الفقر والبؤس للآخرين، حتى يأتوا بعد ذلك ليمدوا يد المساعدة لهؤلاء الآخرين الذين كانوا هم أنفسهم سببًا في إفقارهم، ويساعدوهم ويتظاهروا بنجدتهم.
تلتفتون، حسنًا، لهذا النقاش معارضون بالطبع، فقد قال البعض إن تجاوز البشر وحرصهم وطمعهم هو بالضبط ما أوصل قافلة البشرية إلى ما هي عليه الآن، وما أوجد هذه الثقافة والحضارة، وأنا بالطبع أعارض هذا القول تمامًا، وأعتقد أنه لو أن كل من يملك قوت يومه، بل وأكثر من قوت يومه ممن يستطيعون امتلاك الثروات، لو أن هؤلاء اكتفوا باحتياجاتهم، لما اضطروا للحصول على هذه الثروات إلى ارتكاب كل هذا الظلم والتعدي والاعتداء، الذي نتج عن ذلك الظلم والتعدي والاعتداء الأخلاقي ظاهرة اقتصادية واجتماعية اسمها الفقر. لهذه الأسباب الثلاثة، أعتقد أن من المهم جدًا أن ننظر بعقلانية إلى ما يحتاجه فقراء ومحرومو مجتمعنا، ونعمل على تلبيته، قد يكون ذلك ممكنًا.
حقاً، إن المساعدات التي أقدمها للآخر قد تُصرف من قِبَل ذلك الآخر، بسبب عدم الانتباه لهذه النقطة، في تلبية رغبات ليست في صالحه على الإطلاق، فتُلبى تلك الرغبات وتبقى احتياجاته دون تلبية كما كانت. من المسلَّم به أن الطفل لا يحب كيس البطاطس المقلية بقدر حبه للحليب والتفاحة، لكنني إن كنت شفيقاً به ومشفقاً عليه، فسأحرص بالتأكيد على أن تُصرف المساعدة التي قدمتها لهذا الطفل على التفاح أو الحليب، لا على البطاطس المقلية. لكن، من المسلَّم به أيضاً أن هذا التمييز لم يعد بإمكان الأفراد القيام به فرادى، بل لا بد من أن ينتظم في هذا الاتجاه عقلانيةٌ جمعية، وأن يُقال إننا جئنا لكي نكتفي، لا باحتياجات الفقراء فحسب، بل حتى باحتياجاتنا نحن، في حدود الحاجة فقط، وليس في حدود إشباع الرغبات التي لا حدَّ تتوقف عنده.
من هنا أنتقل إلى النقطة التالية، وهي أن الواقع المؤسف هو أن الفقر المادي يخلق، إلى حد ما، فقراً ثقافياً أيضاً، ومن هذه الناحية، فإن كثيراً ممن يعانون الفقر المادي لا يمتلكون، من الناحية الثقافية، ذلك التهذيب الذي يمكّنهم من الاستخدام الأمثل لمساعدة المجتمع لهم. هذا أيضاً يتطلب تهذيباً، وكما قال القدماء، يتطلب عقلاً معاشياً، أعرف به أنا، كمُستحق للمساعدة، في أي الأمور يجب أن أصرف المساعدة التي قدمتها لي، وفي أيها لا أصرفها، على أي شيء أنفقها، وفي أي شيء لا أبددها. هذا يتطلب تهذيباً، يتطلب عقلاً معاشياً، فإن كنت فقيراً مادياً، فمن البديهي أنني لا أملك ذلك التهذيب الثقافي، هل ترون ما أعنيه؟
من هذا المنطلق، رأينا بأعيننا مراراً أناساً كانوا يتلقون المساعدة، لكن تلقي المساعدة لم يكن يصب في صالحهم في نهاية المطاف، لأنهم كانوا يصرفون المساعدة التي تلقوها في غير محلها. حسناً، من هذه الناحية أريد أن أنتقل إلى نقطة ثانية، وهي أن من أعظم أعمال الخير التي يمكننا القيام بها، بعد تقديم المساعدة المالية، هو أن نعلّم المستحقين طريقة استخدام المال، وطريقة استخدام الممتلكات، وطريقة استخدام المساعدات التي يتلقونها من الآخرين، وألا نتركهم لحالهم. لأننا حين نتركهم لحالهم، فإننا ننطلق من افتراض مسبق، وهذا الافتراض هو أنهم يعرفون أفضل منا في أي شيء يجب أن يصرفوها، لكن هذا الافتراض ليس مسلَّماً به. هذا لا يعني أن نتدخل تدخلاً تفصيلياً في كل صغيرة وكبيرة، هل ترون؟
كلا على الإطلاق، فهذا يتنافى مع عزة نفس ذلك الشخص الفقير. لا، بل بمعنى أنه ينبغي تقديم توعية للفقير، وحتى لي أنا كمُعين للفقير، يُقال له فيها: إنك لا تحتاج من الطعام والشراب لأكثر من هذا، ولا تحتاج من الملبس لأكثر من هذا، ولا تحتاج من النوم لأكثر من هذا. ليعلم أن كل ما أنفقه فوق هذا، فهو إلى حد معين إنفاق يتجاوز حاجته، وإذا تجاوز حداً أعلى صار ينفق في الاتجاه المعاكس لاحتياجاته تماماً. في الواقع، إن تجاوزت حد ضروريات حياتي، فإلى حين تجاوزي لحد الاحتياجات، أكون فقط أبدد مالي، لأني أنفقه على ما لا حاجة لي به. أما إن مضيت قدماً وتجاوزت ذلك، فشيئاً فشيئاً أبدأ في إنفاق مالي على ما لا أحتاجه فحسب، بل على ما هو في الاتجاه المعاكس لاحتياجاتي تماماً، هل ترون ما أعنيه؟
هذا التهذيب لا يوجد للأسف لدى مستحقي المساعدة في المجتمع، وهذا التهذيب هو ما ينبغي التأكيد عليه دائماً بأن أفضل مكان ليس بالضرورة هو أفخمه، فخبراء المكان والمسكن يعرفون ما هي الخصائص التي يجب أن تتوفر في المكان والمسكن المناسبين، وهذه الخصائص لا ترتبط كثيراً بمواد بنائه وجماله وتجميله. تماماً كما يخبرني خبير التغذية بأنك، بناءً على عمرك وجنسك وطول قامتك ووزنك، تحتاج في كل يوم وليلة إلى هذا المقدار من الكالسيوم والبروتين والفيتامينات، ومعنى هذا أنك كلما استهلكت أكثر من هذا، فأنت تبدد مالك بلا طائل، وبالطبع إن زاد هذا الاستهلاك أكثر، فأنت شيئاً فشيئاً تبدأ في إلحاق الضرر بنفسك. وهذه النقطة هي من النقاط التي أرى أن بيتر سينغر لم ينتبه إليها في هذا الكتاب، وهي أن هذا التهذيب يجب أن يكون موجوداً أيضاً. بتعبير آخر، ما تعطوني إياه، يجب أن تعلموني أنا الفقير الطريقة الأفضل والأمثل لاستهلاكه. هذه هي النقطة التالية. النقطة الثالثة التي أود طرحها:
أي أنني أنا شخصياً، لكي أتمكن من مساعدة الآخرين، ولكي لا يقع الآخرون أصلاً في هذا الوضع، يجب أن أمارس البساطة في العيش وأتعلمها، هل تتفضلون بالانتباه؟ أشار السيد جلايي بور إلى هذه النقطة، وهي أن للبساطة في العيش سمتين عظيمتين، فعندما طُرحت حركة البساطة في العيش وخصوصاً ثورو في أواخر القرن التاسع عشر في أمريكا وأوجدت حركة، كان مقصود أشخاص مثل ثورو من البساطة في العيش هو أنك إن لم تكن بسيط العيش لا يمكنك أن تلبي احتياجاتك الذهنية والنفسية والروحانية العميقة، لا يمكنك.
لأنني عندما لا أكون بسيط العيش، وأكون من أهل الحياة المترفة والأرستقراطية، فبطبيعة الحال لا أحد يمنحني هذه الحياة المترفة والأرستقراطية مجاناً، يجب أن يكون لدي دخل حتى أتمكن من إدارة هذه الحياة، وللحصول على الدخل يجب أن أعمل، ولأن استهلاكي كثير فأنا أطلب دخلاً كثيراً، ولأنني أطلب دخلاً كثيراً يجب أن أصرف معظم ساعات نهاري وليلي في شغلي ومهنتي، وعندها لا يستطيع مطلقاً أن يلبي احتياجاته الذهنية، لا يستطيع أن يلبي احتياجاته النفسية والروحانية والمعنوية.
كان يقول: لكي لا تُهمل احتياجاتكم الذهنية والنفسية والمعنوية والروحانية وتبقى عملياً دون تلبية، تعالوا واقتصروا في احتياجات أجسادكم على حد الضروريات، اقتصروا على حد الضروريات البيولوجية والفيزيولوجية، اعرفوا كم تحتاجون من مسكن ونوم وطعام وشراب وملبس وكم من إشباع للغريزة الجنسية وكم من راحة ونزهة، اقتصروا على حدها، لأنكم لستم أجسادكم فقط، لديكم احتياجات ذهنية ونفسية وروحانية ومعنوية أيضاً، كان هذا غرضهم، كانوا يقولون إن لم نلتزم بالبساطة في العيش التزاماً عملياً جاداً، نكون قد سمّنا جسداً فقط، أي أحد ساحات وجودنا، لكننا نسينا ساحات وجودنا الأخرى. لكننا بعد هذه الحركة، وخصوصاً منذ عام 1924 حين أصبحت حركة عامة في العالم وتبنى أناس الدفاع عن ثورو،
انتبهنا تدريجياً إلى نقطة ثانية، وهي أنه بغض النظر عن ذلك المطلب، يوجد بحث آخر، وهو أن البساطة في العيش تقضي على الفقر أيضاً. لماذا البساطة في العيش تقضي على الفقر؟ ليس فقط لأنني إن كنت بسيط العيش أستطيع أن أعطي فائض دخلي للفقراء، هذا موجود، لكن لسبب ثانٍ، وهو أنني إن كنت بسيط العيش لا أسمح أصلاً بنشوء الفقر في المجتمع، لا أن الفقر ينشأ وأنا أساعد، أولئك البسطاء في العيش يتبنون نمط حياة بحيث يمنع نفس نمط حياتهم نشوء طبقة أو شريحة أو فئة تُسمى الفقراء، يجب أن ننتبه لهذا أيضاً. هذا الانتباه إلى أن البساطة في العيش، بالإضافة إلى النقطة التي انتبه إليها أمثال ثورو، هي واجب أخلاقي، ليس في اتجاه القضاء على الفقر، بل أسمى من ذلك، في اتجاه منع نشوء الفقر. الإنسان البسيط في العيش يتبنى نمط حياة بحيث، على الأقل بقدر ما له من تأثير في المجتمع، لا يقع أناس بسببه في الفقر، هل تنتبهون؟ لا يقع أناس بسببه في متاعب مادية ومعيشية. هذه كانت نقطة أخرى أردت طرحها. أما النقطة الأخيرة التي أريد طرحها فهي أننا يجب أن نأخذ طاقتنا في الأخلاق بعين الاعتبار دائماً.
دائماً، حياتي الأخلاقية تحتاج إلى طاقة، والآن سأضع سائر أقسام الأخلاق جانباً وأريد أن أتحدث عن أخلاق الإنفاق، أخلاق الإنفاق تحتاج إلى طاقة أيضاً، ويجب أن أراعي طاقتي في أخلاق الإنفاق، ماذا يعني هذا؟ يعني أنه من الممكن أن تكون لدي من الناحية النفسية والذهنية قابلية دفع مبلغ كذا توماناً لمؤسسة خيرية كذا، ولأن لدي هذه القابلية الذهنية والنفسية، حتى لو كان لدي عشرة أضعاف هذا المبلغ من الثروة يمكنني دفعه لهذه المؤسسة، لكن طاقتي وقابليتي الذهنية والنفسية ليست أكثر من ذلك المبلغ.
حسنًا، إذا دفعتُ هذا المبلغ، ولنقل عشرة تومانات، لمساعدة الفقراء، فمنذ اللحظة التي أُقدم فيها هذا الدفع وحتى اللحظة التي أعيش فيها وما دمتُ موجودًا وعلى قيد الحياة، فإني أجني منفعة معنوية من هذه المساعدة التي قدمتها للمحتاجين. لكن إذا كانت طاقتي على الإنفاق هي عشرة تومانات، ثم جئتُ لسبب ما وتبرعتُ بثلاثين تومانًا، مثلًا لأنك تراقب عملي، أو لكي يعلم الآخرون كم دفعتُ، أو لأي سبب آخر، فأنا الذي كانت لدي الإمكانية والطاقة النفسية لإنفاق عشرة تومانات، جئتُ ودفعتُ ثلاثين تومانًا، فمنذ اللحظة التي دفعتُ فيها الثلاثين تومانًا، أبدأ بالانحطاط المعنوي. لماذا؟ لأن عشرين تومانًا منها كانت فوق طاقتي، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد ذلك إنفاقًا، فأبدأ بشتم هذه المؤسسة، وأشتم الفقراء الذين ساعدتهم، وأشتم نفسي، وأبصق على نفسي وألعنها، وأُوبخها وأُقرّعها.
لقد رأينا كثيرًا أفرادًا لم تكن لديهم الطاقة والقابلية للقيام بعمل أخلاقي، وقاموا به، فانتهى العمل الأخلاقي إلى الإضرار بهم. ينبغي للعمل الأخلاقي أن يتحقق في أقصى درجات الحرية. لقد قلتُ مرارًا: على عكس العمل الحقوقي والقانوني الذي يجب أن يتحقق في سياق الإكراه والقوة القسرية، أي أنه يجب أن تكون هناك دائمًا قوة قسرية تدافع عن القانون، فعلى العكس من ذلك، يجب أن يتحقق الأخلاق والعيش الأخلاقي في سياق الحرية المطلقة. عندما يتحقق في سياق الحرية المطلقة، أجد ارتقاءً معنويًا بالعمل الأخلاقي، هل تنتبهون؟ دعوني أوضح لكم بمثال بسيط لطالما استخدمته: إذا مدّ فقير يده في الشارع، وكانت لدي الإمكانية والطاقة لدفع ألف تومان، وأعطيته ألف تومان، فمنذ أن أقوم بهذا العمل، أكون سعيدًا بنفسي، وسعيدًا بهذا الفقير الذي هيّأ لي فرصة وإمكانية للإنفاق، وسعيدًا بأني قمت بهذا العمل. لكن لأنك كنت تتبعني وتنظر إليّ.
كم كنتُ سأعطي للفقير؟ لو لم تكن أنت موجودًا، كنتُ سأعطيه ألف تومان، لكن لأنك تراني، أعطيته عشرة آلاف تومان بدل ألف. هذه التسعة آلاف تومان الزائدة عن طاقتي النفسية والذهنية، منذ اللحظة التي أُعطي فيها هذه العشرة آلاف تومان، أشتمك، وأشتم الفقير الذي أخذ المساعدة مني، وأشتم نفسي. أشتمك قائلًا: ألا تستطيع أن تصرف نظرك؟ هل كان لا بد أن تُحدّق في يدي وهي تدخل جيبي لترى كم ستُخرج؟ صِرتَ كذا وكذا. ألا تستطيع أن تصرف نظرك؟ وأشتم ذلك الفقير قائلًا: ألم يكن بإمكانك أن تنتظر دقيقتين حتى يبتعد عني هذا المرافق، ثم تأتي إليّ وتمد يدك عندما أكون وحدي؟ وأشتم نفسي قائلًا: حسنًا، هم كانوا ينظرون، كان ينبغي أن تفعل ما كنتَ ستفعله، لماذا لم تفعل ما كنتَ ستفعله؟
انظروا، لقد دفعتُ تسعة آلاف تومان إضافية، لكنني لم أحظَ بأي متعة معنوية، لأنني لم أنتبه لطاقتي. نحن، للأسف، لأننا لا ننتبه لهذه الطاقة، وأحيانًا لأسباب يكون من أهمها عادةً حب الظهور والاستعراض، نأتي ونقوم بأعمال في سبيل مساعدة الآخرين تفوق طاقتنا، تفوق وسعنا، لا تفوق طاقتنا المالية وإمكانياتنا المالية، لا، الإمكانيات المالية موجودة، لكنها تفوق طاقتنا النفسية والذهنية. نحن لسنا بهذا القدر من الإيثار، ولسنا بهذا القدر من التضحية بالنفس. حسنًا، ينبغي أن أساعد بقدر ما أنا مُؤثر وبقدر ما أستطيع أن أُضحي بنفسي. عندما أُساعد.
أجد ارتقاءً معنويًا، وأجد نموًا واستكمالًا معنويًا. لكن عندما لا أنتبه لهذا، حينها أمقت نفسي، وتدريجيًا تقل رغبتي في العمل الأخلاقي، لأنني لم أحظَ بتلك المتعة المعنوية من العمل الأخلاقي، تلك المتعة التي كانت لتحفزني على عمل أخلاقي لاحق وآخر يليه، وهكذا. هل تنتبهون؟ من هذه الناحية، هذه النقطة مهمة جدًا، وهي أن كل واحد منا، في الوقت الذي ينبغي له آنًا بعد آن أن يرفع طاقته الأخلاقية، إلا أنه يجب عليه في كل آن أن يعتني بالطاقة الأخلاقية التي يمتلكها في تلك اللحظة.
هذا أشبه بأن أقول لكم إنه في الوقت الذي ينبغي للمرء فيه أن يضيف إلى علمه ومعلوماته لحظة بلحظة، إلا أنه ينبغي أن تتحدث في كل لحظة بقدر معلوماتك. أحب أن تزداد معلوماتك، وعليك أنت أيضاً أن تزيد معلوماتك باستمرار، لكن لا يمكنك، بفضل المعلومات التي ستحصل عليها في المستقبل، أن تفتح فمك الآن وتتحدث. أنت تفتح فمك الآن فتحدث بقدر معلوماتك الحالية. وبالمثل، يمكنني أن أقول إنه من الجيد أن ينمي المرء قابليته في الإنفاق إلى درجة، كما قال السيد المسيح، أن تعطي بحيث لا تدري شمالك بما فعلت يمينك. ينبغي أن أبلغ من القابلية مبلغاً يجعل شمالي لا تدري أبداً بما فعلت يميني.
ينبغي أن أبلغ تلك المرتبة، لكن ما لم أبلغها، عليّ في كل لحظة أن أراعي قابلية ذلك الظرف الزماني والمكاني والحالي الخاص، وإلا أصابني التذمر تدريجياً وفقدت الدافع لأنشطتي اللاحقة. من هذا المنطلق، أردت أن أقول إن على المؤسسات أن تنتبه ألا تضع الآخرين في ظروف تجعلهم يتطوعون فوق طاقتهم. فعندما يتطوعون فوق طاقتهم، يخرج المال الزائد من أيديهم وأذيالهم دون أن يحققوا أي ارتقاء معنوي. يمكن تحقيق الارتقاء المعنوي بمال أقل، وقد يؤدي بذل مال أكثر، على العكس، إلى الانحطاط والسقوط المعنوي.
أذكر هذه النقطة لأن من قالوا بحق إنه إذا اطلع الآخرون على بذل وعطاء الآخرين، فإن هذا بحد ذاته يشجعهم، ومن الجيد أن نضع المحسنين الكبار في مرأى ومسمع الآخرين ونقول إن هذا السيد أو هذه السيدة قام بهذا البذل والعطاء. وهذه النقطة صحيحة بحق، فهي تمنح المرء دافعاً، لكن بشرط ألا يؤدي هذا الإظهار إلى أن يتطوع الشخص فوق طاقته، وأن يضره هذا التطوع فوق الطاقة. هذا يعني أن العيش الأخلاقي ليس فقط من أجل تحسين الحياة الاجتماعية، بل هو أيضاً من أجل إعمار روح الشخص الذي يعيش أخلاقياً. أنا إن ساعدت بعشرة أضعاف، أكون قد حسنت المجتمع، لكن ربما لم أساعد روحي في اتجاه إعمارها، بل خطوت في اتجاه تدميرها. الأخلاق هي أخلاق إيثارية وأخلاق تحقيق ذات، كما أشار فلاسفة الأخلاق مراراً إلى أننا في الأخلاق لا نريد فقط أن نؤثر غيرنا، بل نريد أن نحقق ذواتنا نحن أيضاً. لذا، ينبغي أن يتشكل الإيثار بطريقة لا تتعارض مع تحقيق ذاتي.
كما شعرتم، أشرت فقط إلى بضع نقاط شعرت أن كتاب بيتر سينغر لم ينتبه إليها، وإلا فإن كل النقاط موجودة في كتابات بيتر سينغر بأكثر صورة علمية، وأدق صورة، وأكثر صورة إنسانية وإحساناً. حقاً، إن كتب بيتر سينغر ليست مجرد كتب في فلسفة الأخلاق. أولاً، هناك صدق وإنسانية تتألق في هذه الكتب لا تجدها بالضرورة لدى فيلسوف أكاديمي. والنقطة الثانية هي أنك لم تعد تستطيع أن تقرأ الكتاب ولا تتغير. لذا، إذا كنت لا تريد أن تتغير، فعليك ألا تقرأ كتابه. وإذا قرأته، فستشعر تدريجياً بالخجل من قيمة حياتك الحالية. وما أجمل أن تكون بين أيدينا كتب نشعر، عندما ننتهي منها، بشيء من الغثيان من حياتنا الحالية، بل لعلنا نتقدم نحو تحول ما. فحيث لا يكون هناك غثيان، لا يكون هناك تحول في نظري. كتب بيتر سينغر، ليس هذا الكتاب فحسب، بل كتبه الأخرى كذلك، عندما ينتهي المرء منها يمقت نفسه ويقول: إذا كان هؤلاء بشراً، فما نحن؟
.
.

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة للحضور الكرام، والشكر للقائمين على هذه الندوة، إن شاء الله تكون ذات أثر طيب. في هذه الأيام، جميعنا مفجوعون بموت فرهاد وآزاد خسروي ومتأثرون بقصة هذين الأخوين المحزنة، وأعتقد أنه لو تدخل عدد أكبر من المواطنين في إيران بشكل إيثاري وفعّال لأمثال هؤلاء، لما آل بهم المصير إلى هذا. لعل لسان حال الكثيرين منا هو: الصدر ملآن بالألم، وا أسفاه من دواء! ولكن، وإن كانت صدورنا جميعًا ملآنة بهذا الألم، إلا أنه في رأيي توجد بلسمة أيضًا، ومن المحتمل أن يكون نشر فكرة الإيثار الفعّال وأنشطته الفردية والجماعية إحدى هذه البلسمات.
في هذا السياق بالذات، فيما يتعلق بقضايا الكولبر، ومنح الأطفال الكولبر منحًا دراسية، وهي خطوات تعتزم مؤسسة دار الأكرام الخيرية اتخاذها في هذا المجال، وستُخصص تبرعاتكم لهم بشكل فعّال وشفاف، تُعد من جملة الإجراءات الإيثارية الفعّالة الأخرى التي يمكننا جميعًا القيام بها، أو أنشطة المناصرة والدعوة لتنفيذ سياسات تحل هذه المشكلة بشكل جذري، ومنها اتفاقية التجارة الحرة بين إيران والعراق، أو مشروع الكارانه أو التشغيل العام المقترح، وتأمين الكولبرين، وأنواع أخرى من سياسات الرفاه الموسعة للعدالة التي تجعل التنمية عادلة ومتوازنة في إيران، هي من جملة الإجراءات التي يمكننا من خلال التدخلات الجماعية والمؤسسية في هذا المجال أن نمنع ضياع أمثال فرهاد وآزاد.
أما الآن، فدعوني أتطرق إلى موضوع هذه الندوة. الإيثار الفعّال هو فلسفة وحركة أو حملة اجتماعية في آنٍ معًا. أستاذي العزيز السيد ملكيان في موقع يسمح له بتناول البعد الفلسفي لها بشكل أفضل بكثير، فهذا من اختصاصه، ولن أتطرق أنا إلى هذا البعد. وتلبية لدعوة المنظمين، سأتناول أكثر حملة الإيثار الفعّال، كما بدت لي، في البلدان النامية والمتقدمة على الأقل، كانت أقوى حركة خيرية شهدناها في العقد الماضي. سأقدم هذه الحملة كما فعلت في مقدمة الكتاب، وإذا ما سنحت الفرصة، سأعرض في النهاية بعض التقييمات الانتقالية حول هذه الفلسفة والحملة.
الفكرة التي تقوم عليها فلسفة وحملة الإيثار الفعّال بسيطة جدًا، وهي أن علينا جميعًا أن نسعى لتحقيق أقصى خير ممكن، وقد أوضح بيتر سينغر ذلك هنا أيضًا. ولمعرفة أي عمل خيري يحقق أكبر أثر خيري، يجب أن نقوم بقياس عقلاني قائم على الأدلة التجريبية. بتعبير آخر، من وجهة نظر أنصار هذه الفكرة والحملة، فإن عدم السرقة، وعدم إيذاء الآخرين أو قتلهم، وعدم الكذب، وتجنب المعتقدات والسلوكيات غير الأخلاقية، ليست كافية لحياة أخلاقية. يجب علينا، بالإضافة إلى ذلك، أن نقوم بفعل الخير قدر الإمكان.
مصطلح الإيثار الفعّال نفسه استُخدم لأول مرة من قبل ويليام ماك... في عام 2012، أي أن سينغر نفسه لم يستخدم هذا التعبير في البداية. في عام 2013، عندما كنت أحضر درسه في الأخلاق العملية في برينستون، لم يكن يستخدم هذا المصطلح، لكنه في كتاب نشره عام 2009 بعنوان "الحياة التي يمكنك إنقاذها"، طرح هناك الأفكار المحورية لحركة الإيثار الفعّال هذه. وقبل ذلك أيضًا، في عام 1972، في مقالة بعنوان "المجاعة والوفرة والأخلاق"، طرح في رأيي الأساس الرئيسي لهذه النظرية، على الأقل في الساحة الأكاديمية. الجملة التي قالها في تلك المقالة كانت: إذا كان بإمكاننا منع حدوث أمر سيئ {كالمرض والجوع...} دون أن نضحي بشيء ذي أهمية أخلاقية أكبر، فنحن ملزمون أخلاقيًا بفعل ذلك. لكن على أية حال، منذ عام 2012، قام ويليام ماكسكيل، أستاذ الفلسفة في جامعة أكسفورد، وكان شابًا جدًا، من مواليد 1987، بتأسيس مؤسسة لتنظيم الأنشطة الإيثارية الفعّالة والمؤسسات المرتبطة بهذا النوع من الأنشطة، وبعد ذلك بدأ سينغر نفسه أيضًا باستخدام هذا التعبير.
السؤال الآخر للصداقة الفعّالة في المقام الأول هو كيف يمكننا الاستفادة من مواردنا، سواء كانت مالاً أو وقتاً أو قدراتنا… لتحقيق أقصى قدر ممكن من الإحسان، وهذا يقوم على افتراضين مسبقين رئيسيين: الأول أننا ملزمون بعد تلبية احتياجاتنا غير الكمالية باستخدام دخلنا ووقتنا وقدراتنا لتلبية احتياجات الآخرين، والثاني أن جميع المساعدات وأعمال الخير ليست متساوية في القيمة، ونحن مكلفون بمساعدة أهداف الخير التي تحقق بشكل فعّال أقصى خير ممكن، إلى الحد الذي يمكننا فيه إجراء تقييم عقلاني. حسنًا، لقد أكدت العديد من المدارس الأخلاقية على ضرورة فعل الخير، لكن ضرورة التقييم العقلاني لترتيب أهداف الخير هذه هي من أبرز ثمار حركة الإيثار الفعّال التي شهدت نموًا ملحوظًا في العقد الماضي. في الدفاع عن هذا الافتراض المسبق الأول بأننا ملزمون بفعل الخير وحتى التخلي عن نفقاتنا، كما يسميها، الكمالية، بالإضافة إلى الحجج التي يقدمها سينغر في كتبه، هناك تجربتان ذهنيتان على وجه الخصوص أصبحتا واسعتي الانتشار وتمتعتا بقدرة إقناعية كبيرة، والكثيرون الآن يعرفون سينغر وهذه الحركة الفكرية من خلال هاتين التجربتين الذهنيتين.
لقد طُرحتا في نفس كتاب عام 2009، سأستعرضهما بسرعة شديدة، على الأرجح أنكم سمعتم بهما. الأولى تقول: افترض أنك تمشي في حديقة ورأيت طفلاً يغرق في بحيرة الحديقة الضحلة، إذا قررت بسرعة وقفزت في الماء لإنقاذه، فسينجو الطفل ولن يكون هناك أي خطر عليك، لكن حذاءك الغالي الثمن الذي ترتديه سيتلف. ثم يسأل: هل نحن ملزمون هنا بإنقاذ ذلك الطفل أم لا؟ الأصدقاء الذين يعتقدون هنا أننا ملزمون، رغم أن حذاءنا سيتلف، بالقفز في الماء ودون التعرض لخطر خاص، لإنقاذ ذلك الطفل، فليرفعوا أيديهم… يبدو أن جميع الحاضرين تقريبًا يتفقون مع سينغر على أننا ملزمون بفعل ذلك.
السؤال التالي الذي يطرحه هو: ما هو الفرق الجوهري بين ذلك الطفل الذي وقع في الماء أمام عينيك ويمكنك إنقاذه بسهولة، وبين أطفال آخرين نعلم أنه بتكلفة أقل بكثير من حذائنا الفاخر كنا نستطيع إنقاذ حياتهم؟ هناك الآن جمعيات خيرية فعّالة، سواء في إيران أو على المستوى العالمي، نعلم أنها تقوم بهذا العمل. إذا لم ننقذهم، فنحن في الواقع اخترنا ألا يتلف حذاؤنا. ومن ثم، فإن البُعد الجغرافي وكونهم ليسوا أمام أعيننا ولا يتركون تأثيرًا عاطفيًا علينا، ليست أسبابًا كافية وعقلانية لرفع هذه المسؤولية عن كاهلنا.
التجربة الذهنية الثانية التي يعرضها، وهي أيضًا قوية في رأيي، تقول: افترض أن قطارًا يتحرك بسرعة وأنت ترى أنه سيصطدم بعدة أطفال يلعبون على سكة القطار. أنت تقف بجانب محول السكة. أنت لست المتسبب في قتلهم، لكن يمكنك تحريك هذا المحول فيتحول القطار بدلاً من الاصطدام بهؤلاء الأطفال وقتلهم، إلى السكة الجانبية ويصطدم بسيارتك الفاخرة الموجودة على سكة القطار. في هذه الحالة، ما هو واجبك؟ الأصدقاء الذين يعتقدون أننا في هذه الحالة ملزمون بتحويل محول السكة وخسارة سيارتنا بدلاً من مقتل الأطفال، فليرفعوا أيديهم. حسنًا، لهذا تبعات ثقيلة جدًا. إذا قبلت بهذا، فحينها يسألك بيتر سينغر: ما الفرق بين هذا وبين بقية نفقاتك الكمالية؟
أنت في كل مرة تشتري سيارة، أو منزلاً فاخرًا، أو تذكرة صف أول لحفل موسيقي، أو تذكرة درجة رجال الأعمال في الطائرة، وأي نوع من النفقات الكمالية، والمجوهرات، والسيارات والمنازل باهظة الثمن، فأنت في الواقع تختار أن يموت أولئك الأطفال، لأنه بتكلفة أقل بكثير من تلك السيارة الفاخرة يمكن إنقاذ عشرات بل مئات الأطفال من خلال أساليب التدخل الفعّالة المتاحة لنا الآن. ومن بين هذه الأساليب جمعيات خيرية بتكلفة بضعة دولارات تنقذ حياة العديد من الأطفال. بالإضافة إلى هذه التجارب الذهنية، فإن الأمثلة الملموسة التي أشير إليها في الكتاب، إلى جانب الحجج المستخدمة، تؤثر إجمالاً بشكل كبير على المتلقي. ولطالما كان السؤال بالنسبة لي: لماذا لا تُطرح مثل هذه الحجج والكتب التي لا يمكنك قراءتها دون أن تتغير، في إيران من قبل المترجمين والفلاسفة؟
كثير من الكتب التي تُترجم إلى الفارسية في مجال الأخلاق العملية والمعيارية لا تؤثر كثيرًا في القارئ، وأنا لا أنكر قيمتها، لكن يبقى السؤال لدي: لماذا لا تُترجم الكتب التي تكون أولًا أوسع جماهيرية، وثانيًا ثبت أنها أكثر تأثيرًا في تغيير سلوك القارئ في بلدان أخرى؟ وهذا الكتاب هو أحد تلك الكتب. سينغر نفسه في فلسفة الأخلاق من أنصار مذهب النفعية القائمة على الفعل، وهو يتقبل جميع نتائجها بشجاعة، ولكن حتى لو كنتم، مثلي، لا تتفقون مع النفعية القائمة على الفعل أو النظريات العواقبية الخالصة، وتميلون ربما إلى أنواع من الفضيلية، أو النفعية القائمة على القاعدة، أو نظريات تركيبية أخرى، أو الواجب الأخلاقي، فلا يزال بإمكانكم الدفاع عن دعوى سينغر الرئيسية ودعم الحركة المنبثقة عن هذه الأفكار.
إن الكثير من رؤى سينغر وحججه قابلة للدفاع عنها وقيمة حتى من منظور الفضيلية والواجب الأخلاقي والعواقبية القائمة على القاعدة، ويمكنها على الأقل أن تكون أحد العوامل التي تؤخذ في الاعتبار في حكمنا وقرارنا الأخلاقي. ولهذا السبب، رحب بهذا الكتاب وهذه الحركة كثير من الفلاسفة الذين تختلف أسسهم الفكرية عن سينغر، ومنهم نايغل وديريك بارفيت، رغم أنهم ليسوا من أنصار النفعية.
لقد تحولت فكرة الإيثار الفعّال هذه، منذ حوالي عشر سنوات، إلى حركة انبثقت عنها مؤسسات عديدة وهي في توسع مستمر. وإذا استمرت على هذا المنوال، فمن المحتمل أن يكون لها فروع في معظم بلدان العالم. تنشط هذه الحركة حاليًا في جامعات البلدان المتقدمة وبعض المدن الكبرى في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وقد استقطبت عشرات الآلاف من المؤيدين، لكنها الآن تتوسع أيضًا في العديد من عواصم البلدان المتقدمة. ويمكن أن نأمل، خاصة بعد نشر هذا الكتاب في إيران، أن نبدأ، ولو في طهران كبداية، في إنشاء مؤسسات لنشر هذه الفكرة وتقوية وتنسيق الإيثار الفعّال. يؤكد المنضمون إلى هذه الحركة كثيرًا على أسلوب حياة الإيثار الفعّال، وفي أسلوب الحياة هذا، ثمة تركيز كبير على العيش ببساطة، ومن المهم جدًا تخصيص جزء كبير من دخلك لأحد هذه الأهداف الخيرية ذات الأولوية التي تُختار بناءً على تقييمات عقلانية.
وإذا كنتم لا تستطيعون القيام بذلك، فعلى الأقل حاولوا أن تمتهنوا مهنة تقدم خيرًا كثيرًا بذاتها، أو تدر دخلًا كبيرًا للمساعدة في تلك الأهداف الخيرية. كما أن تخصيص جزء من جسدكم للإيثار الفعّال، كالتبرع بالدم أو نخاع العظم، هو أيضًا من الأمور التي تحظى باهتمام كبير في أسلوب الحياة هذا. وقد أظهرت سلسلة من الدراسات التجريبية أن معظم الناشطين في هذه الحركة يبلغون عن زيادة في المعنى والسعادة في حياتهم بعد الانضمام إليها. وكما قال سعدي: "نعیمان از طعام لذت برند و کریمان از اطعام".
من بين المؤسسات والمنظمات التي انبثقت عن هذه الحركة، أعود شخصيًا إلى بعضها كثيرًا، وأردت أن أقترح عليكم أن تبحثوا عنها في غوغل قدر الإمكان وتطلعوا على مواقعها، فهي مفيدة جدًا ويمكنها عمليًا أن تساعدكم كثيرًا في تعزيز أسلوب حياة الإيثار الفعّال لديكم. أحدها هو درس الإيثار الفعّال نفسه الذي يقدمه بيتر سينغر، وهو متاح لحسن الحظ مجانًا للجميع على موقع كورسيرا، وإذا ما اجتزتم ذلك الصف عبر الإنترنت، فسيشجعكم ذلك كثيرًا على تطبيق هذه التغييرات في أسلوب حياتكم اليومي.
أُنشئت منظمة تُدعى "الحياة التي يمكنك إنقاذها" عقب صدور كتاب سينغر ذاك عام 2009، وقام بتأسيسها هو ومجموعة من تلاميذه، وقد تعهّد حتى الآن 20 ألف شخص عبر هذا الموقع بتخصيص جزء من دخلهم بانتظام لتلك الأهداف ذات الأولوية التي يُعرّفها الموقع نفسه. يحتوي الموقع على حاسبة، وقد اقترحتُ شخصياً على كثير من أصدقائي أن تذهبوا إلى الموقع وتذكروا ما لديكم من مداخيل ومصادر، فتقترح الحاسبة مبلغاً، وتقترح نسبة مئوية للعطاء المنتظم، وكلما زاد دخلكم اقترحت نسبة مئوية أعلى، على غرار أنظمة الضرائب التصاعدية. كما يحتوي على ألعاب للعطاء يمكن تنفيذها في الجامعات والنوادي، وقد شاعت كثيراً في البلدان الأوروبية والأمريكية.
أنتم تمارسون هذه الألعاب، وبطبيعة الحال في نهاية اللعبة تزداد رغبتكم في الانضمام إلى هذه الحركة وإلى الخيارات الإيثارية الفعّالة، وتكون محفّزة جداً.
منظمة "أعطِ ما استطعت" هي برأيي أفضل منظمة انبثقت عن هذه الحركة لتحديد أولويات الأهداف الخيرية. جميع المؤسسات الخيرية الأكثر شهرة من حيث الأثر الخيري خضعت للدراسة من قبل هذه الهيئة، ومن بين المؤسسات الخيرية الشفافة والفاعلة، تم التعريف بتلك التي تحقق خيراً أكبر عملياً بناءً على اختبارات صارمة للغاية.
معظمها إما تساهم في الحد من الأمراض المؤلمة والتي يمكن تجنبها، مثل التخلص من الديدان المعوية لدى الأطفال، والوقاية من العمى والملاريا، والتي يمكن الوقاية منها أو علاجها بتكلفة زهيدة جداً، أو أنها تستفيد من مؤسسات خيرية توصل مباشرة المال الذي تتبرعون به إلى أشد الناس فقراً، وجميعها تتمتع بشفافية مالية كاملة. وإذا كانت لديكم حسابات بغير العملة المحلية، فأعتقد أن الالتفات إلى توصيات هذا الموقع أمر يُوصى به كثيراً.
هناك منظمة أخرى اسمها "التبرع بما تستطيع"، ومن داعميها الجادين، إضافة إلى سينغر نفسه، توماس بوغ، كما يجادل ديريك بارفيت نفسه في كتابه "عن ما يهم" بأن علينا أن نتبرع بما لا يقل عن عشرة بالمئة من دخلنا، ويسعى هذا الموقع إلى تطبيق ذلك عملياً. الأشخاص الذين ينضمون إلى هذا الموقع يُخصم عشرة بالمئة من إجمالي دخلهم بانتظام من حسابهم ويُخصص للأهداف التي يحددها الموقع نفسه. انضم إلى هذا الموقع حتى الآن أكثر من 50 ألف شخص، ويُخصص بانتظام عشرة بالمئة من دخلهم عبر هذا الموقع لتلك الأهداف. منظمة 80 ألف ساعة من المواقع التي أقترحها شخصياً على كثير من أصدقائي الشباب، أي شخص يسأل ماذا أفعل لأحقق أكبر قدر من الخير أو أي تخصص أدرس، أقترح أن تزوروا هذا الموقع. تملؤون استبياناً، ومن بين آلاف الوظائف التي فحصها الموقع، تلك الحالات التي اعتبرها الموقع محققة للخير، لكل منها ملف تعريفي، وبناءً على هذا الاختبار الذي تجيبون عليه، يخبركم أيها أنسب لكم وما هو المسار لاختيار كل وظيفة.
والفكرة هي أننا نعمل 80 ألف ساعة، وطوال حياتنا، وبناءً على فلسفة الإيثار الفعّال، نحن مكلفون بأن نقضي 80 ألف ساعة في عمل يحقق خيراً أكبر. وقد حاول هذا الموقع أن يحدد من بين آلاف الوظائف 300 أو 400 وظيفة هي الفاعلة في تحقيق الخير، ويساعدنا إن أردنا شغل هذه الوظائف أن نجد المسار. آلاف الأشخاص غيّروا مسارهم الوظيفي عبر هذا الموقع، حتى في عقود حياتهم الثانية والثالثة والرابعة أو الخامسة. المثير للاهتمام أنه بناءً على الأبحاث الصارمة لهذا الموقع التي أُجريت بالتعاون مع مئات المتخصصين، فإن أكثر الوظائف تحقيقاً للخير، بغض النظر عن اهتماماتكم وخبراتكم ومواهبكم، هي التالية: أولاً، البحث نفسه حول أي الأهداف أكثر تحقيقاً للخير. ثانياً، تنظيم حملات المناصرة أو الحملات لتقوية حركة الإيثار الفعّال، لأنهم أظهروا أن قليلاً من الجهد الجماعي في هذا المجال يؤدي إلى زيادة كبيرة في مساعدة الآخرين، ولهذا فإن مساعدتكم في نشر هذه الفكرة أكثر والقيام بحملات في هذا المجال ستكون من أكثر الوظائف فاعلية.
ثالثاً، أن تصبح بيروقراطياً مؤثراً أو قائداً سياسياً في سبيل المساعدة على زيادة القدرة على وضع السياسات واتخاذ القرارات كخادم للخير العام في الحكومات والمؤسسات الدولية على حد سواء. ثم البحث والتنظيم في مجال المخاطر الوجودية التي قد تتسبب في انقراض البشرية، ومنها الذكاء الاصطناعي، والحد من المخاطر البيولوجية والفيروسية، والأمن النووي، والتغيرات البيئية. ثم النشاط لتحسين الصحة في البلدان شديدة الفقر، وهو فعال جداً، والنشاط للحد من استهلاك اللحوم وتقليل معاناة الحيوانات في جميع البلدان، لا سيما في مزارع التربية الصناعية، وللأسف فإن كلا الأمرين ضعيف جداً في إيران. لدينا نشطاء في مجال حقوق البيئة والحيوان، لكن نشطاء حقوق الحيوان لدينا يركزون غالباً على الحيوانات الأليفة، لا على تقليل استهلاك اللحوم وتخفيف معاناة حيوانات المزارع في مزارع التربية الصناعية. وأخيراً، النشاط في سبيل خفض استهلاك السجائر في البلدان النامية، وإحداها إيران، وفي هذا المجال أيضاً لا نملك نشاطاً فعالاً يُذكر في إيران. تُظهر مجمل الدراسات التي أجراها باحثو هذا الموقع أن هذه الأهداف تُحقق خيراً فعالاً أكثر من سائر الوظائف، وأقترح إن كنتم أنتم أو أصدقاؤكم ومعارفكم تفكرون في أي مسار وظيفي وتعليمي ستختارون، أن ترجعوا إلى هذا الموقع.
وهناك مؤسسة أخرى أحبها شخصياً وهي منظمة "مقيّمو الجمعيات الخيرية الحيوانية" التي تسعى لتحديد وتعريف أفضل الأنشطة والجمعيات الخيرية التي تقلل من معاناة الحيوانات، حتى لو لم تكن لدينا في إيران، فهناك نماذج جيدة غير إيرانية لها. وبينما نقتل سنوياً 60 مليار خنزير وبقرة وخروف ودجاجة لاستهلاك لحومها، وذلك في ظروف تربية مليئة بالمعاناة، يعتقد العديد من النشطاء الآخرين في الإيثار الفعال أن تقليل هذا القدر من المعاناة أولى من أي هدف خيري آخر، حتى من تقليل معاناة البشر. ومنظمة "أعطِ مباشرة" هي أيضاً إحدى المنظمات التي تساعد في إيصال المال الذي تدفعه إلى أيدي أفقر البشر في العالم، ممن يعيشون في ثلاث دول هي كينيا وأوغندا ورواندا.
واستناداً إلى دراسات أخرى لدعاة الإيثار الفعال، وخلافاً لتصور الكثيرين في إيران، فإن إعطاءكم المال لأفقر المواطنين يخفف من المعاناة أكثر من أي تدخل حكومي، ويساعد في حياتهم بشكل أكبر. فحتى أكثر الحكومات كفاءة لا تعلم مثل أفقر المواطنين أين الأفضل أن يُنفق هذا المال، ومن هذا المنطلق أُنشئت هذه المؤسسة، فالمال الذي تدفعونه يصل مباشرة إلى أشد الناس فقراً، ولا يُنفق أي جزء منه على البيروقراطية والجمعيات الخيرية. تعلمون أن جزءاً كبيراً من تبرعاتنا الخيرية يُنفق على بيروقراطية الجمعيات الخيرية.
وهناك مركز آخر للإيثار الفعال يديره ويليام ماكسويل، وهو يدير جميع هذه الأنشطة، بما فيها المؤتمر السنوي والنشرة الإخبارية وموقع "ثمانون ألف ساعة" هذا. لقد انتهى وقتي ولن أصل إلى النقود، وإذا ما سنحت الفرصة في قسم الأسئلة والأجوبة، سأطرح هناك أربعة أو خمسة نقدات وُجهت لهذا التيار، والتي لا تمس جوهره بالطبع، من أجل زيادة الفعالية. أقول هنا بهذا القدر إننا في إيران، وللأسف، رغم أن حجم تبرعاتنا الخيرية كبير، فإننا لا نولي اهتماماً يُذكر للقياس العقلاني لاختيار الجمعية الخيرية والهدف الخيري وفق المعايير العالمية، ومجموعة الجمعيات الخيرية المحلية والعائلية والوطنية لدينا غالباً ما تفتقر إلى الشفافية ولا تتناول هذه الأهداف الفعالة بأكثر الأشكال فعالية. جمعية دار الإكرام الخيرية في نظري هي إحدى الجمعيات الخيرية الفعالة في إيران، والتي تنفق بشكل شفاف المال الذي تدفعونه على أحد الأهداف التي تُعد، وفقاً لهذه الدراسات نفسها لدعاة الإيثار الفعال، من أولى أهداف العمل الخيري، ألا وهو مساعدة الأطفال المتسربين من التعليم على الدراسة. هذا العمل، وفقاً لهذه الدراسات، أكثر فعالية حتى من بناء المدارس. وآمل، نظراً لأن مكتب كردستان في طور إعادة الافتتاح للمساعدة في إعادة الدراسة على الأقل للمراهقين والأطفال الذين يعملون الآن كحمالين، أن يساهم أصدقاء هذا الجمع وغيرهم ممن تتواصلون معهم في مساعدة دار الإكرام لتحقيق هذا الهدف. شكراً جزيلاً لكم
.
.

.
.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الدين
الفن
الأدب
نقاش حول هذا المقال٦ تعليق
بسیار اموزنده بود گفتارهای جلایی پور و ملکیان. کاش ناشربه برشهای کوتاهی ازکتاب که برای ایجاد انگیزه کاربرد دارد دسترسی می داد. هم برای کار نیک وهم برای خواندن کتاب.
ممنون که متن کامل نوشتاری و صوتی این نشست رو منتشر کردید. برقرار باشید.
سلام کاربر نیایش از نظرات شما استفاده کردم.فقط یک سوال از نظر سینگر چرا ما باید به فقرا کمک کنیم؟ صرف لذت؟ لذت از چی؟
با سلام متشکرم از شما فایده گرایان اعمالی را درست و منطقی می دانند که مبتنی بر “سود و لذت” این جهانی باشد. بنا بر استدلال سینگر که "معیار شخص بودن" را در کمک کردن به دیگران (معیار اصلی) می داند. و ما به انسانهای فقیر کمک می کنیم که اولاً:هم سود و هم لذت به خودمان و هم به فقرا برسانیم چون هم ما یک (شخص) محسوب می شویم و هم فقرا . در واقع حسِ بخشندگی و کمک کردن به دیگران از لحاظ روانشناختی موجب می شود که خودِ شخص کمک کننده نیز احساس ارزشمندی و "لذت" داشته باشد. ثانیاً:فیلسوفان اخلاقِ فایده گرا معتقد هستند که تنها( لذت) است که باعث می شود انسان به حیاتِ خود ادامه دهد. با کمک کردن به فقرا موجب می شود که امید به زندگی و لذت بردن از زندگی ,, در فقرا نیز افزایش پیدا کند.. در واقع ( لذتِ دوسویه) هم در ما و هم در فقرا ایجاد می شود..
پیترسینگر فیلسوف پرآوازه ایی است که مدافع سرسخت حقوق حیوانات است و خوردن گوشت حیوانات را اخلاقی نمی داند ,در صورتیکه کشتن" جنینِ انسان و نوزاد "را اخلاقی میداند؟!
اینجاست که به جای محکوم کردن یا اثبات کردن افواهی باید به استدلال های او و عمقش پی برد و اگر هم نقدی است به استدلالاتش نمود .