اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يؤدي تآكل قوة الإرادة جراء استنزاف طاقة الدماغ الناتج عن اتخاذ القرارات وضبط النفس إلى إضعاف التحكم الذاتي. ويقود هذا الإرهاق إلى خيارات غير مناسبة؛ لذا ينبغي أن تُتخذ القرارات المهمة في بداية اليوم.

الإنسان الاقتصادي، وفقًا لتعريف الاقتصاد التقليدي، هو فرد يسعى دائمًا إلى اختيارات تحقق أقصى منفعة له. يُفترض أنه يمتلك معلومات كاملة، وذهنًا لا محدودًا، وقدرة عالية على معالجة المعلومات، ولكن هل يتصرف الإنسان بهذه الطريقة في العالم الواقعي؟ يحدد الاقتصاد السلوكي، بوصفه علمًا متعدد التخصصات، أخطاءً في اتخاذ القرار تجعل الفرد عاجزًا عن القيام بالاختيار الأمثل. نسعى في هذا النص إلى تناول أحد العوائق التي لا تسمح للإنسان بالتفكير بعقلانية واختيار الخيار الأفضل. إن تآكل القدرة على الإرادة أو ego depletion ظاهرة معروفة في مجال علم النفس، حيث يواجه الدماغ، بسبب قيامه بأعمال ذهنية مختلفة، من بينها اتخاذ القرار أو ضبط الذات لمنع ظهور بعض المشاعر والأفعال، انخفاضًا في مصدر الطاقة، مما يؤدي إلى تراجع قدرة الفرد على ضبط الذات. ضبط الذات أو self-control عملية ذهنية ضرورية لتنظيم سلوك الفرد من أجل بلوغ أهداف محددة. وتُعرف هذه القدرة على ضبط الذات اصطلاحًا بالإرادة (willpower). الإرادة أشبه بعضلة إذا ما أفرطت في استخدامها، أصابها التعب.
في هذا السياق، أجرى عالم النفس المسمى «روي بوميستر Roy Baumeister» وزملاؤه تجربة مثيرة للاهتمام. قُسِّم المشاركون في هذه التجربة إلى ثلاث مجموعات. في الغرفة التي اختيرت موقعًا للتجربة، كانوا قد خبزوا كعكات الشوكولاتة؛ بحيث ملأت رائحتها أرجاء الغرفة. وُضع للمجموعتين من المشاركين الحاضرين في الغرفة نوعان من المأكولات على الطاولة، طبق يحتوي على كعكة الشوكولاتة وطبق يحتوي على فجلات حمراء وبيضاء. أما المجموعة الثالثة، التي اعتُبرت المجموعة الضابطة، فلم تكن حاضرة في هذه الغرفة وشاركت فقط في قسم اختبار حل الأحجية. طُلب من كل مجموعة مشاركة في الغرفة أن تتناول نوعًا واحدًا فقط من المأكولات. بعد بضع دقائق، طُلب منهم الشروع في حل أحجية صُممت لهذا الغرض. في هذه التجربة، قيس متوسط الوقت الذي استغرقته كل مجموعة قبل التوقف عن حل الأحجية. المجموعة التي تناولت الفجل توقفت عن حل الأحجية أسرع من المجموعة التي تناولت الكعكة والمجموعة الضابطة؛ وذلك لأنهم ببذلهم الطاقة للامتناع عن أكل الكعكة، فقدوا جزءًا من طاقتهم الذهنية وأصيبوا بالإرهاق الذهني.
الاختيار، مثله مثل ضبط الذات لمنع الانجراف وراء إغراء القيام بعمل مُنعنا عنه، يتطلب جهدًا ذهنيًا وبذلًا للطاقة. نظرًا لأن قدرة الدماغ محدودة، فإن القرارات المتعددة تؤدي إلى نشوء ظاهرة تُدعى إرهاق القرار (decision fatigue)، وهذا الأمر سيؤدي إلى تدهور قرارات الفرد اللاحقة خلال اليوم. كلنا نتخذ قرارات كثيرة يوميًا. بعض القرارات صغيرة؛ مثل ماذا أتناول على الفطور اليوم، وماذا أرتدي... إلخ. وبعض القرارات كبيرة، مثل أي تخصص أختار للدراسة، وأين أشتري منزلًا... إلخ. عادة ما يغفل الأفراد عن كون مصدر طاقة دماغهم محدودًا، وأن القرارات الكثيرة، وإن تكن صغيرة، خلال يوم واحد يمكن أن تسبب إرهاقًا للذهن وانخفاضًا في ضبط الذات. عادة في وقت الإرهاق، يتخذ الأفراد القرارات بإحدى طريقتين: إما ألا يقوموا بأي اختيار، أو أن يختاروا بلا مبالاة.
لقد لوحظ إرهاق اتخاذ القرار لدى القضاة أثناء النظر في القضايا القضائية، ولدى الأطباء عند وصف المضادات الحيوية. وقد أظهرت دراسةٌ أُجريت للإجابة عن سؤال ما إذا كانت القوانين والوقائع وحدها تؤثر على القرارات القضائية، أن عوامل أخرى، مثل العوامل المرتبطة بعلم النفس، يمكنها أيضاً أن تؤثر على القرارات القضائية. وذلك على النحو التالي: بالنسبة للقضاة، على مدار اليوم ومع مرور الوقت، تتضاءل فرصة أن تشمل قضيةٌ ما الإفراج المشروط وأن تكون النتيجة لصالح السجين. أو بالنسبة للأطباء، مع مرور الوقت يزداد احتمال وصف المضادات الحيوية في الحالات غير الضرورية. ونظراً لأن الأطباء يتخذون يومياً قرارات عديدة بشأن نوع العلاج للمرضى، فإنهم يعانون من استنزاف الطاقة الذهنية، وتتناقص قدرتهم على مقاومة القرارات غير الملائمة على مدار اليوم. ووفقاً لدراسة، تبيّن أنه مع مرور الوقت في اليوم الواحد، يزداد معدل الوصف غير الملائم للمضادات الحيوية من قبل الأطباء. وقد اقتُرحت آليات لتآكل قوة الإرادة، بعضها على المستوى البيولوجي. أظهر الباحثون أن النشاط الذهني في جزء من الدماغ (القشرة الحزامية الأمامية) المرتبط بالإدراك، قد انخفض لدى الأفراد الذين يعانون من تآكل قوة الإرادة. وتشير أدلة أخرى إلى أن هذا الانخفاض في الإرادة ناتج عن انخفاض إمداد الدماغ بالوقود. الدماغ هو أحد الأعضاء ذات الاستهلاك العالي للطاقة، والذي يتغذى باستمرار بكمية محددة من الجلوكوز. وقد طرح الباحثون فرضية مفادها أنه عندما يمارس الدماغ أنشطة ضبط النفس، فإن سرعة استهلاكه للسكر تفوق سرعة استبدال السكر المستهلك. والآن إذا نظرنا إلى حياتنا، فسنجد أننا أيضاً منخرطون إلى حد ما في هذه الظاهرة. لذا يُوصى باتخاذ القرارات المهمة في بداية اليوم، وفي الوقت الذي لم ينضب فيه مصدر طاقة الذهن بشكل كبير بعد.
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم الاقتصادية
العلوم الاقتصادية
البيئة
العلوم الاقتصادية
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.