اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الجهاد الأكبر ليس مجرد صراع مع النفس، بل هو دفاع عن حرية الآخرين وتجنب للتمركز حول الذات؛ فالفكر النقدي هو ترياق المعتقدات الهدّامة، وتغيير العالم دون تحول داخلي لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الوضع القائم.

حسِّن نفسك! – هذا هو كل ما يمكنك فعله لتحسين العالم – الثوري الحقيقي هو من يستطيع أن يثور على نفسه. (فتغنشتاين)
إذا كان «الجهاد الأكبر» عند نبي الإسلام وكثير من علماء المسلمين وعرفائهم هو «جهاد النفس»، فإن نطاق هذا الجهاد وامتداده وتأثيراته لا يظل محصوراً في ذهنية فردية شخصية، بل يقترن ضرورةً بموضوعية خارجية واجتماعية.
إن أهم تجلٍّ ومعيار موضوعي وخارجي لـ«جهاد النفس» هو الابتعاد عن الروح والنزعة الأنانية والدكتاتورية، والدفاع المستميت عن «حقوق الآخرين وحرياتهم»، أي حرية كل فرد من البشر؛ بشرٍ ليسوا بالضرورة متفقين معك في الرأي، ويعيشون بقيم مختلفة، بل ومتناقضة، مع قيمك.
من انخرط حقاً في جهاد النفس وكبح جماح ذاته وقهرها، لن يجرؤ أبداً، على غرار «داعش»، أن ينصب نفسه مكان «الله» ويدعو الأمم قاطبةً إلى الحرب. أجل، إن أبرز تجليات الإيمان هو خلق الأمن للآخرين، والمؤمن الصادق، قبل كل شيء وفوق كل شيء، همه أمن البشر الآخرين ويسعى لتحقيقه. في هذا الأفق التأويلي، المؤمن هو من يعيش ويدع الآخرين يعيشون.
من ناحية أخرى، من لم ينخرط في جهاد نفسه يظل مستعداً على الدوام لأن يعوض جهله وتكاسله بالجهاد ضد العالم ومن فيه. إنه في الواقع يعلق قلبه على هذا «الاحتمال» القائل: «بتحسن أوضاع العالم، ستتحسن أحوالنا»، بدلاً من أن يصوب بصره نحو تلك «الضرورة» القائلة: «بتحسن أفكارنا، ستتحسن أوضاع العالم».
إن القدرة على الشك والمساءلة والنقد هي الترياق الوحيد للأفكار المدمرة والإمكانية البشرية الوحيدة لنزع القناع عن المعتقدات الساذجة والطائشة. من هذا المنظور، «داعش» هي نتيجة الضعف والعجز في الفكر النقدي، أي العجز عن طرح الأسئلة وإثارة الشك في معتقدات المرء الذاتية.
ثمة حقيقة مرة في تاريخ المجتمعات البشرية تثير التأمل العميق: أكثر الأفكار تسميماً وتدميراً كانت دوماً أكثرها «بداهةً» وأكثرها «معصوميةً». لذلك، ليس من المبالغة القول إن «الفكر النقدي» هو أكثر الأنشطة الإنسانية ضرورة؛ لأن الفكر النقدي، في المقام الأول، هو «نقد ذاتي»، أي أنه موجه نحو «الذات» و«الأنا».
نترك الذات ونترك الأقرباء فكل ما هو ذاتنا صار الآن غيرنا (مولانا)
لا ينبغي أن يُفهم تعليم العرفاء القائل: «كن جلاد طبعك!» بفهم معوج مَرَضي على أنه صراع مع الطبائع والغرائز البشرية وقمع للأبعاد الحسية والجسدية للذات. في الواقع، المعنى النفيس والمبرر لهذا التعليم هو نوع من «النقد الذاتي الجذري»؛ إذ إن مقتضى «مجاهدة النفس» ليس الابتعاد المادي عن الناس واللجوء إلى الجبال والصحارى، بل الابتعاد عن أنانيات الذات وأنوياتها الخفية المتجذرة في تلك المعتقدات والأفكار «البديهية» و«المعصومة»، أي في يقينيات الإنسان التي لم تخضع للنقد.
العجب بالنفس، يا روحي، برهان على الجهل (حافظ)
يتملص الإنسان دوماً من مسؤولية أخذ ذاته على عاتقه، المقترنة بألم التفرد العيني والتفكير النقدي، ويفضل أن يعيش حياة قائمة على الدعة بقبول واتباع مطلقين لأقرب النماذج في بيئته. ثم إنه حين تورطه تلك النماذج ذاتها في تحديات وأسئلة جوهرية تفوق طاقته، يفضل بدلاً من النقد والمساءلة أن ينخرط في عداء وصراع مطلق معها، وهكذا، بعرض هزلي للحرية، يستمر على نحو أكثر جدية في اغترابه عن ذاته وخداعه لنفسه.
الجهود والانتفاضات الثورية إن لم تقترن بفعل نقدي (خلاق ومتأمل)، فلن تكون سوى كفاح يائس ينتهي به الأمر إلى إزهاق أعراض الثوار وإتعاب الأجيال المتعاقبة. بعبارة أخرى، فإن "العداء" لفكرة أو ظاهرة ما، يؤدي في نهاية المطاف إلى نقض غرضه الذاتي، وبدلاً من تجاوزها، يبتلى بالتماهي والاختلاط بها! فالخصومة الانفعالية غير النقدية مع أي "خصم"، هي في الواقع تثبيت وتأييد خفي له. وكما يقول ليشتنبرغ: "أن تكون ضد شيء ما هو تقليد له"
إن أي عزم وعمل ثوري لتغيير العالم، ما لم يسبقه تغيير جذري في تأويل فاعله للعالم والإنسان، لن يؤدي إلا إلى تثبيت الوضع القائم وترسيخه، بل وإعادة إنتاجه على مستوى أكثر استدامة وتدميراً. الإرادات الحديدية المتدرعة، في غياب الأفكار النيرة المنيرة، حتى وإن اقترنت بألف نية حسنة، لن تفضي إلى أي خير، بل لن تفعل سوى أن ترصف طرقات الجحيم.
.
.
.
.
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.