اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
الحوار ليس أداةً للحقيقة، بل هو غاية في ذاته وضربٌ من اللعب. يستند مسعود زنجاني إلى آراء شيلر وغادامير ليرى في الحوار نمطاً من الوجود يخلع فيه الطرفان دروعهما، وتكون الحقيقة حدثَ الحوار نفسه لا هدفاً له.

الحوار ليس أداةً للوصول إلى أي هدف، حتى «الحقيقة». الحوار هو الهدف في ذاته، وبهذا المعنى، فإن جدوى الحوار كامنة في لا جدواه (لا هدفية). ينبغي تأويل الحوار الغادامري في أفق أنطولوجي – بالمعنى الهايدغري – لأنه في المقام الأول «نمط من أنماط الوجود في العالم». وذلك على النقيض من الحوار الأفلاطوني الذي هو «نمط من أنماط المعرفة» وينتمي إلى مستوى إبستيمولوجي. في الحوار الغادامري، الحقيقة ليست نتيجة لأي «منهج»، بما في ذلك منهج الحوار. في هذا الأفق التأويلي، الحقيقة هي «انكشاف» لـ«حدث»، و«استعداد» و«انفتاح» طرفي الحوار شرط لتحققه واختباره.
.
۱- يقول فريدريش شيلر، الكاتب المسرحي والشاعر والفيلسوف المثالي الألماني في القرن الثامن عشر: «لا يكون الإنسان إنساناً بالكامل إلا عندما يلعب، كما أنه لا يلعب إلا عندما يكون إنساناً بالكامل». من وجهة نظر شيلر، أهم ما يميز «اللعب» هو أنه لا يوجد فيه أي انشقاق أو فجوة بين «الرغبة الداخلية» و«الواجب الخارجي» للإنسان. في اللعب، تتطابق رغباتنا وواجباتنا مع بعضها تماماً، ومن ثم لا يجد الفرد أي تعارض أو تخاصم في ذاته. في اللعب، بعيداً عن أي شكل من أشكال «الازدواجية» و«الاغتراب» (الألينة)، نتحقق في أنقى وأجمل أنماط وجودنا ونصبح إنساناً بالكامل. من وجهة نظر شيلر، اللعب هو حل لتجاوز المواجهة بين «الحس والعقل»، ومخرج من التقابل بين «الأخلاق والطبيعة». اللعب هو إمكانية التحقق الجمالي للإنسان.
من وجهة نظر شيلر، يمكن اعتبار اللعب أيضاً مصالحة بين مقولتي «الحرية والضرورة». فرغم أن اللعب لا معنى له بدون حرية اللاعبين، إلا أن أياً من اللاعبين ليس «فاعلاً لما يشاء». حرية جميع اللاعبين مشروطة ومحدودة ومقيدة بـ«قاعدة اللعب». في الواقع، قاعدة اللعب ليست مانعاً للحرية، بل هي شرط تحققها. الحرية بلا حدود، أساساً، ليست ممكنة ولا مفيدة، كما أن الحرية، في غياب المسؤولية، تكون دوماً في مهب الخطر وتخلق المخاطر. أبرز سمات اللعب، على حد تعبير كانط الذي تأثر به شيلر كثيراً، هي كونه «غاية في ذاته»، لأن اللعب ليس أداة لأي غاية خارجة عنه. الاستقلالية (الحرية) والاكتفاء الذاتي (الاستقلال) هما خاصيتان بنيويتان للعب.
۲ ـ من وجهة نظر هانس – غيورغ غادامر، الفيلسوف الألماني في القرن العشرين، «الحوار لعب»؛ بأعمق معانيه. يرى غادامر، في نظريته في الفهم (الهرمنيوطيقا)، أن كل فهم هو تأويل، وكل تأويل هو حوار بين المؤوِّل (القارئ) والنص يجري بينهما كلعب. بالنسبة لغادامر، اللعب استعارة تُبيِّن الخصائص الأساسية للحوار. الحوار هو أسمى أنواع اللعب.
إحدى الخصائص التي تلفت نظر غادامر في اللعب هي أن فاعلية اللاعبين لا يمكن أن تكون أحادية الجانب ومتسلطة وعدوانية بالكامل. بعبارة أخرى، رغم أن فاعلية اللاعبين لا تضيع بالكامل في اللعب، إلا أن هذه الفاعلية لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تظهر بشكل أناني واحتكاري، بل ينبغي، قدر الإمكان، أن يُعبَّر عنها بشكل متحفظ ومحب للآخر. في اللعب، يفقد الفاعل المتسلط سلطته بحرية وشغف، وبالطبع يكتسب من خلال ذلك سلطة أوسع ومن نوع آخر. في اللعب، يُكتشف ويُختبر نوع آخر وأسمى من السيطرة، يمكننا مع طقس الطاو أن نسميه «السيطرة من الأسفل» أو «السيطرة الأنثوية». يحوِّل اللعب الفاعل المتجنب والعدواني إلى فاعل متقبل ومضيف. في اللعب، يجد الفاعل فاعليته لا في تهديد الآخر وتثبيت ذاته عليه، بل في تحديد ذاته وتعليقها في مواجهة الآخر. الخاصية المهمة للعب، بالنسبة لغادامر، هي الإزهار الذاتي وإعادة الخلق الذاتي.
في اللعب، لا تعود السلطة، في المقام الأول، ملكًا للاعبين، بل للعب نفسه. في الواقع، قبل أن يدفع اللاعبون اللعبَ إلى الأمام، يكون اللعب هو الذي دفعهم ويدفعهم سلفًا. اللعب ليس فقط فنَّ ممارسة اللعب، بل هو، في الآن ذاته، «فن الانقياد للعب». اللعب، قبل كل شيء وفوق كل شيء، يستلزم «القدرة على تقبّل الهزيمة». من هذا المنظور، ثمة تشابه بنيوي بين الحوار واللعب. بنية الحوار، شأنها شأن بنية اللعب، أنثوية وعاشقة. والآن، إذا ما فكرنا في أفكار شيلر وغادامير سالفة الذكر معًا، يمكننا القول: «لا يحاور الإنسان إلا حين يكون إنسانًا بالكامل، كما لا يكون الإنسان إنسانًا بالكامل إلا حين يحاور.»
في الحوار، يكون الطرفان «متبادلَين» في الانفتاح كي تُطرَح معتقداتُهما وتحيزاتُهما وافتراضاتُهما المسبقة المختلفة – بالمعنى الفلسفي للكلمة – على محك اللعب؛ أي أنهما يسمحان لبعضهما البعض بزعزعتها وتقويضها، وعند الاقتضاء، تدميرها. بلغة بسيطة، الشرط الأول للخطوة الأولى في اللعب هو أن يفتح الجميع حراسَهم على اللعب، وبمعنى ما، على بعضهم البعض. في اللعب، بقول اللاعبين «نعم» للعب، يكون لسان حالهم: «اللعب ليس مزاحًا بالنسبة لنا. نحن نأخذ اللعب على محمل الجد، ولكن مهما يحدث فليكن مرحَّبًا به. إذا انكسرت رؤوسنا، فلتسلم رأس اللعب!» في الحوار أيضًا، ما ينكشف ليس صوابَ أحد طرفي الحوار، بل حقيقةُ الحوار نفسه. من هذه الناحية، الحوار هو القدرة على المقامرة، والمخاطرة، والوله، وفقدان الذات. الحوار «مغامرة».
ينتقد غادامير، مقتفيًا أثر هايدغر، في نظريته عن الحوار، «مركزية الحقيقة» في فهم أفلاطون للحوار. ونعلم بالطبع أن كل نقد هو، سلفًا، علامة احترام. من وجهة نظر غادامير، إن الاشتغال على أفلاطون ليس اهتمامًا وبحثًا تاريخيَّين، بل استجابة لحاجة وضرورة مُلِحَّتين لفهم مشكلات ثقافتنا الراهنة والمحورية ومن ثم حلها. إذا كنا منصتين وامتلكنا فن الإصغاء، فسيكون لأفلاطون حينئذ الكثير ليقوله لنا. من وجهة نظر غادامير، ليس من الممكن أن ننبذ أفكار فيلسوف مؤسس للتقليد كأفلاطون دفعة واحدة ونتجنبها، وليس من المفيد أن نستعيد تلك النظريات، بمحتواها التاريخي نفسه، بالكامل ونقبلها كلها. من وجهة نظر غادامير، ينبغي أن تخضع التقاليد الفكرية والفلسفية، في الآن ذاته، للاقتباس والنقد.
يُعلّمنا أفلاطون أن سقراط، بوصفه أحكم الناس في العصور (النموذج الأمثل للفيلسوف)، هو، في المقام الأول، واعٍ بجهالاته، لا بحقيقة الأمور. ولكن بزعم أفلاطون، ليس مقدرًا للفيلسوف (النموذج الأمثل للإنسان) أن يبقى جاهلًا إلى الأبد، بل يمكنه، بل ينبغي له، عبر العقل، أي عبر منهج الحوار (الديالوغ) والجدل (الديالكتيك)، أن يخرج من الجهل ويبلغ الحقيقة. هنا يدخل غادامير في حوار نقدي حول فكرة «الحوار» مع أفلاطون. يضع غادامير، في اقتباسه النقدي من أفلاطون، بدل الفكرة الأفلاطونية «الحوار الموجَّه نحو الحقيقة»، فكرة «الحوار بصفته حقيقة»، ويقلب تلك العلاقة الأفلاطونية العتيقة بين الحقيقة والحوار رأسًا على عقب. بالنسبة لغادامير، «الحقيقة من أجل الحوار، وليس الحوار من أجل الحقيقة». من وجهة نظره، لا توجد حقيقة وراء الحوار أو خارجه يمكن بلوغها بمساعدة الحوار وبمنهجه. الحقيقة هي طريق الحقيقة ذاته. «الحقيقة هي الحوار نفسه».

الحوار ليس أداة للوصول إلى أي هدف، حتى «الحقيقة». الحوار هو الهدف ذاته، وبهذا المعنى، فإن كلية الحوار تكمن في لاهدفية (انعدام الغاية) فيه. ينبغي تأويل الحوار الغاداميري في أفق أنطولوجي – بالمعنى الهايدغري – لأنه، في المقام الأول، «نمط من أنماط الوجود في العالم». وذلك على النقيض من الحوار الأفلاطوني الذي هو «نمط من أنماط المعرفة» وينتمي إلى مستوى إبستيمولوجي. في الحوار الغاداميري، الحقيقة ليست نتيجة لأي «منهج»، بما في ذلك منهج الحوار. في هذا الأفق التأويلي، الحقيقة هي «انكشاف» «حدثٍ» تكون «استعدادية» طرفي الحوار و«انفتاحهما» شرط تحققه وتجربته.
۳ ـ الحوار هو مصير الإنسان. فالإنسان لا يتحقّق إلا في الحوار، وحين يُسدّ باب الحوار، يضيع الإنسان، وتقوم العُنف، وتتسمّم الثقافة. والعدمية، في أعمق تجلّياتها، هي «نسيان الحوار». وليس من الجور أن نقول، من هذا الوجه، إن عصرنا، رغم أنه رفع شعار الحوار أعلى مما رفعته كل العصور، هو أعدميّتها. وهذا الوضع ناتج عن فهوم محدودة ومغلوطة للحوار، وبعبارة أخرى، عن افتقاد الوعي المتناسب مع الحوار.
يمكن القول إن ثمّة فئتين اليوم تُفسدان لعبة الحوار:
الأولى، هم الأشخاص المُحقّون الذين يظنّون أن الحقّ والحقيقة عندهم، ويريدون الحوار ليكشفوا به عن أحقّيتهم وحقيقة آرائهم للآخر. هؤلاء يخلطون مقولات مثل «الجدل» و«الخطابة» و«التفاوض» و«المناظرة» بالحوار، أي «المكالمة» بالمعنى الدقيق للكلمة.
مفكّران اثنان معًا، لا يقومان بـ«مناظرة»، بل بـ«مكالمة» (حوار). مقولات مثل «المناظرة» و«التفاوض» هي أنماط تواصلية تتناسب مع المجالات الخارج-ثقافية مثل السياسة والاقتصاد، ولها اعتبارها وإمكانها النسبي في تلك المجالات نفسها. والمشكلة المقلقة هي توظيفها، كالمناظرة مثلاً، في مجال الفكر والثقافة، مما قد يكون شديد الضرر.
منطق المناظرة هو منطق السعي إلى القوة والهيمنة. أمّا منطق الحوار فهو منطق السلام وحبّ الآخر. في المناظرة، يرى كلّ طرف نفسه مُحقًّا ووجهة نظره عين الحقيقة، ولذا يسعى إلى التغلّب على الآخر. لكن شرط الحوار هو أن يؤمن كلّ من طرفَي الحوار، أولاً، بمحدودية وجهة نظره؛ وثانيًا، أن يعرف قدرًا من الحقيقة عند الآخر.
أمّا الفئة الثانية، فهم الذين لا يرون الحقيقة في قبضتهم كما تراها الفئة الأولى، لكنّهم أتوا ليتحاوروا كي يخرجوا بقبضة ملأى، أي مملوءة بالحقيقة. وهذه الفئة أيضًا لديها تصوّران خاطئان عن الحوار. الأول هو ظنّهم أن للحوار نهاية، في حين ينبغي أن يُقال لهم: «الحوار لعبة غير تامّة.» في لعبة الحوار، لا توجد سوى أوقات مستقطعة ليتواصل اللعب أكثر حرارة وجدّية. وخطؤهم الثاني هو أنهم، فضلاً عن تصوّرهم نهاية للعبة الحوار، يتوقّعون أن يكون هناك إعلان نتيجة في نهاية اللعب، وأن يُحدَّد فائز وخاسر في النهاية. في الواقع، هؤلاء يُقيّمون الحوار إيجابًا إذا كانت له نتيجة معيّنة وخلاصة واضحة. الحوار يمثّل اللعب في أنقى صوره. الحوار لا يفرّ من «الغاية» بمعنى «الهدف» فحسب، ولا يريد أن يكون وسيلة لشيء آخر، بل إنه قلق أيضًا من «الغاية» بمعنى «النهاية»، ويريد فقط «الاستمرار»، أي أن يستمرّ اللعب؛ أن يدوم «السير».
الحوار ليس «وسيلة» لإحقاق الحقّ وإظهار الحقيقة. الحوار ليس «برنامجًا» له بداية ونهاية قائمتان على الإرادة. الحوار ليس «مشروعًا»، بل هو «عملية»؛ عملية لا بداية لها ولا نهاية. أيّ بداية تُتصوَّر للحوار هي بداية نسبية، كما أن أيّ نهاية مفترضة للحوار ليست نهاية مطلقة. الحوار هو «حدث».
بهذا المعنى، للحوار هدف، وهدفه ليس أقلّ من تحوّل جوهري باطني وولادة جديدة. الحوار هو نهضة فكرية وروحية. من هذا المنظور، هدف الحوار ليس كشف الحقيقة للآخر، بل كشف حدّ «لا-حقّية» الذات. دافع الحوار، لكلّ واحد من المتحاورين، في الدرجة الأولى، ليس قلب «الآخر»، بل إحداث ثورة راديكالية في «الذات». لا يمكن لأيّ من طرفَي الحوار، بعد تجربة حوارية، بوصفها حدثًا وجوديًّا، أن يكون في كيانه كما كان من قبل، وأن ينظر إلى «الآخر» و«العالم» كما كان ينظر إليهما سابقًا. الحوار هو «فتح للعالم» روحاني؛ ليس للجميع بالطبع، بل هو مكافأة لأولئك الذين لديهم «انفتاح على العالم» باطني وذهني. بهذا المعنى، الحوار هو اكتشاف الذات من جديد في الآخر. الحوار هو «معرفة الذات».
باقتباس من أبيقور يمكن القول إن «الفائز الحقيقي في أي حوار، هو من ينهزم؛ لأنه كان لديه ما يتعلمه وتجاوز ذاته». وكما يمكن القول، إلهاماً من عبارة لفيتغنشتاين في «الثقافة والقيمة»، «في ماراثون الحوار، الفائز الحقيقي هو من يصل متأخراً؛ أو من لا يصل أبداً».
على أية حال، هدف الحوار هو «ألا يبلغ هدفاً» و«أن يظل في الطريق دائماً». الحوار هو فن «عدم التعصب للرأي»، وفن «الانهزام».
.
.
.
.
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
نوشته بسیار ارزشمندی گردآوری کردید با قلمی بسیار شیوا
قلم خوب و منسجمی بود. به نویسنده اش تبریک می گویم.
سلام و احترام مطلب خیلی جالبی بود چطور می شه با نویسنده ارتباط گرفت ممنون از راهنمایتون
مطلب خوبی بود. تشکر از نویسنده محترم و سایت صدانت.