اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
ينظر كثير من مفكري العلوم الإنسانية إلى الصحافة بوصفها سطحية، في حين أن الصحفيين هم من ينقلون النظريات إلى المجال العام؛ تحليل للعلاقة بين الصحافة والفكر وتاريخ مجلات العلوم الإنسانية في إيران والعالم من منظور التنوير.

الصحفيون هم من زمرة الفنانين.
«غابرييل غارثيا ماركيث»
.
على ما يبدو، لا يتردد علماء الاجتماع في اعتبار الصحفيين – أو على الأقل قسماً كبيراً منهم، وخصوصاً محللي الصحافة ومعلقيها – من زمرة المثقفين، ومن حيث المبدأ، كانت الصحف والمجلات الأسبوعية والشهرية أهم وسيلة إعلامية للمثقفين على امتداد تاريخ الحداثة. لقد كان أشهر مثقفي العالم، أمثال كارل ماركس، وماكس فيبر، وريمون آرون، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وغابرييل غارثيا ماركيث وغيرهم... "صحفيين" في مرحلة ما، وذاع صيتهم أحياناً انطلاقاً من هذه المرحلة بالذات. ورغم ذلك، فإن غالبية المثقفين قد احتقروا الصحافة واعتبروها أمراً مبتذلاً وقليل الأهمية. لقد اعتُبرت الصحافة في الأدبيات الفكرية أحياناً بمعنى المعالجة السطحية للموضوعات الأساسية، وشُبِّه الصحفيون، على الرغم من سعة معارفهم العامة، بأنهم "محيطات بعمق شبر واحد". وهذا النوع من التعابير أكثر رواجاً بين المفكرين الجادين وأساتذة العلوم الإنسانية. ويفتخر بعض أساتذة الجامعة بأنهم لا يجرون أبداً مقابلات مع أية صحيفة أو مجلة، أو لا يرسلون إليها مقالات. والعلاقة القليلة التي تربط هؤلاء الأساتذة بالصحافة هي نشر المقالات في المجلات العلمية – البحثية التابعة لكليات العلوم الإنسانية، والتي تساعد عادةً في ترقية الرتبة العلمية والدراسية للأساتذة في الكليات، وعادةً ما يكون توزيعها محدوداً ومبيعاتها ضئيلة، وتوجد غالباً في المكتبات المتخصصة.
لكن ما هي العلاقة بين الصحافة والفكر؟ هل تساعد الصحف على نمو الفكر أم تجعله مبتذلاً؟ هل الصحافة عمل فكري، وهل يمكن اعتبارها، على الأقل في بعض المستويات، عملاً علمياً؟
لتوضيح النقاش، ينبغي الفصل بين عدة مواضيع وشرحها:
أ/ ليس كل الصحفيين يدّعون القيام بعمل فكري فحسب، بل إن غالبية الصحفيين لا يحبون أن يطلقوا على أنفسهم لقب مثقف:
فئة منهم تنشغل بـ "الصحافة الترفيهية" وتعتبر أن هدفها الوحيد هو جذب الجمهور. هذه الصحف هي الأعلى توزيعاً.
وفئة من الصحفيين اختارت "الصحافة التجارية". هؤلاء، الذين يُعتبرون أقدم قطاع في المجتمع الصحفي، يؤمنون بالإعلان أكثر من الإعلام، وهم في الواقع يزاولون نوعاً من التجارة الورقية أو الإعلامية.
أما الفئة الثالثة من الصحفيين فتنشغل بـ "الصحافة السياسية". أي أنهم يحاولون عبر وسائل الإعلام الاقتراب من السلطة السياسية. بالطبع، كل وسيلة إعلامية تنزع بطبيعتها إلى التأثير في مجال السلطة، لكن الصحفيين السياسيين يريدون الوصول بأسرع طريق ممكن إلى أكثر أنواع التغيير السياسي سطحية (مثل الانتخابات). والصحفيون الذين نتحدث عنهم في هذا المقال هم من النوع الرابع. تقع هذه الفئة بعد الصحفيين السياسيين وقبل موظفي المجلات المتخصصة في العلوم الإنسانية. والمقصود بهذه الفئة الأخيرة هم الأفراد الذين يحاولون، بأشكال مثل المراسلة الصحفية، وإعداد التقارير، والتحليل، وكتابة المقالات، تعميم نظريات العلوم الإنسانية. أي إخراجها من قالب النظرية إلى قالب التحليل، وترجمتها من الأدبيات الأكاديمية إلى الأدبيات الشعبية، ونقلها من الفضاء الذهني إلى المجال العيني للمجتمع.
هؤلاء "الصحفيون – المثقفون"، بتعبير ما، يقعون أيضاً في امتداد شريحتين اجتماعيتين: في هذا الترتيب، يأتي أولاً "المفكرون" (بمن فيهم المنظّر، والباحث، والمعلّم) الذين يتواجدون غالباً في الجامعات الحديثة أو المدارس القديمة، ويأتي ثانياً "المثقفون" (بمن فيهم الكتّاب، والفنانون، والصحفيون) الذين تشكل المراكز الثقافية والفنية والإعلامية مجال نشاطهم.
الصحفيون بهذا المعنى يندرجون ضمن مثقفي المجال العام، ذلك أنهم اشتهروا بأداتهم الثقافية أكثر مما اشتهروا بانتمائهم إلى فئة مهنية محددة. ولم تكن «كتابة المقال» كقالب أدبي في الماضي حكراً على الصحافة. ففي الثورة الفرنسية، كانت الرسائل والمقالات تُطبع على هيئة كراسات دورية مستقلة، وفي عصر «النهضة الإيرانية – الإسلامية» كان كتّاب مثل «سعدي» ينشرون آراءهم على شكل مجموعات من المقالات.
ب/ ليس كل المثقفين خصوماً للصحافة. فقسم كبير منهم، كالشعراء وكتّاب القصة والنقاد الأدبيين والفنيين، يتنفسون أساساً من خلال الصحافة وكانوا هم أنفسهم صحفيين. في العالم، كان غابرييل غارثيا ماركيث، وفي إيران أحمد شاملو، من هذه الفئة.
المشكلة الأساسية مع الصحافة تأتي من جانب مفكري العلوم الإنسانية (الفلسفة، علم الاجتماع، الإلهيات، العلوم السياسية، علم الاقتصاد والتاريخ). هؤلاء المفكرون يعتبرون تبسيط الفكر خيانة له، ويقدمون أحياناً التعقيدات الذهنية واللغوية للعلوم الإنسانية بوصفها ضرورة جوهرية لها تضيع في عملية التبسيط. والحقيقة هي أن تحويل سلعة العلوم الإنسانية (النظريات والأبحاث) إلى سلعة عامة في قالب الصحافة ليس له سابقة أو عمق كبير. ففي العالم، هذه المجلات قليلة ومحدودة، وتُنشر غالباً على شكل دوريات أكاديمية. هذا التقليد موجود في أوروبا أكثر من أمريكا، ومجلات مثل إسبري في فرنسا هي من المجلات القليلة الناجحة في مجال الفكر العام، وتُطرح المباحث الفكرية غالباً في قالب المجلات العامة. وكما قلنا، فإن حساب المجلات الأدبية والفنية منفصل في نقاشنا عن المجلات الفلسفية والتاريخية. في الواقع، هناك نوعان من المجلات الفكرية: مجلات الفن والأدب هي لغتها الرئيسية، وهي خارجة عن موضوع نقاشنا، ومجلات الفلسفة (بمعنى منهج التفكير العقلي وليس علم المعرفة والأنطولوجيا...) والتاريخ (بمعنى الدراسة التجريبية لنظريات العلوم الإنسانية وليس قصة السابقين) هي منهجها ولغتها الرئيسية. هذا النوع من المجلات نادر في المجال العام الغربي، لكننا سنبين في هذه الرواية أن إيران قد حظيت بالكثير من هذا النوع من المجلات. لكن قبل البدء بالنقاش، لنُخرج نوعاً آخر من مجلات العلوم الإنسانية من موضوع الحديث، وهي المجلات النظرية في المجال السياسي والعلوم السياسية. مجلات مثل فورين أفيرز وأمريكان إنترست وفورين بوليسي التي تُعتبر مجلات «تخصصية – عامة» وليست مجلات فكرية. هذه المجلات، التي لها أيضاً روايات يسارية مثل لوموند ديبلوماتيك ومنثلي ريفيو، تخرج أيضاً من دائرة المجلات الفكرية الفلسفية – التاريخية، وفي إيران هناك نماذج مثل اطلاعات سياسي – اقتصادي، وفصلنامه خاورميانه، وفصلنامه سياست خارجي من هذا القبيل.
الجيل الأول: الصحافة في خدمة الحداثة الآمرة
أما في إيران، فيمكن البدء بتأريخ مجلات العلوم الإنسانية بمجلة «كاوه»: نشأت مجلة «كاوه» إبان الحرب العالمية الأولى بعد سفر سيد حسن تقي زاده إلى ألمانيا وبرئاسة تحريره. صدر العدد الأول من كاوه في شهر شهريور من سنة 1290 يزدجردية، الموافق لسنة 1339 قمرية و1921 ميلادية. أي قبل 96 عاماً، في سنة 1294 هجرية شمسية، طُبع العدد الأول من كاوه.
كانت «كاوه» مجلة «محبة للألمان» أي مناصرة لألمانيا، وكانت تدافع رسمياً عن القيصر الألماني فيلهلم الثاني. كانت النظرية السائدة على كاوه هي التحديث الآمر، وكانت تهتم في البداية أكثر بالأخبار السياسية والعسكرية، خصوصاً خلال الحرب العالمية الأولى. كان كتّاب «كاوه» أشخاصاً مثل سيد حسن تقي زاده، ومحمد قزويني، وسيد محمد علي جمال زاده، ومع هزيمة ألمانيا في الفترة الثانية من هذه النشرة، طغت المواد العلمية والثقافية على المواد السياسية والاجتماعية. كان التاريخ والاقتصاد والأدب والحقوق من محاور «كاوه»، والجملة التاريخية لتقي زاده طُبعت لأول مرة في هذه المجلة: «يجب على إيران أن تتفرنج ظاهراً وباطناً وجسداً وروحاً، ولا شيء غير ذلك.»
كان تقيزاده ورفاقه في ألمانيا مفتونين بالتغريب والتحديث، ولكن على الطريقة الألمانية في التطوير القسري، وكانوا يبحثون عن بسمارك إيران: «قبول الحضارة الأوروبية وترويجها بلا شرط ولا قيد، والتسليم المطلق لأوروبا، والأخذ بآدابها وعاداتها ورسومها وترتيبها وعلومها وصناعاتها وحياتها وكل أوضاع الفرنجة دون أي استثناء (عدا اللغة)، ونبذ كل أنواع الغرور والاعتراضات غير المجدية الناشئة عن معنى خاطئ للوطنية يمكن تسميته بالوطنية الكاذبة [أمر ممكن]». كانت «كاوه» الصحيفة الجديدة التي كتبت هذا المقال بقلم تقيزاده في صدر دورتها الجديدة بعد هزيمة ألمانيا، وعرّفت «مسلكها ومقصدها» بأنه «ترويج الحضارة الأوروبية قبل كل شيء». كانت «كاوه» مروّجة للحداثوية القسرية، وكذلك كانت نشرة «نامه فرنكستان». صدرت «نامه فرنكستان» من مايو 1924 ولمدة عام بهمة أشخاص مثل مرتضى مشفق كاظمي، وأحمد فرهاد، وغلامحسين فروهر، والأكثر إثارة للاهتمام تقي أراني، الذي أعلن رسمياً أنه يريد جعل إيران أوروبية، وطُبعت فيها جملة مشابهة لكلام تقيزاده: يجب على إيران أن تصبح فرنجية المظهر روحاً وجسداً ظاهراً وباطناً. كان كتّاب «نامه فرنكستان» يمجّدون موسوليني ويبحثون عن «دكتاتور مثالي» لإيران ويمجّدون أتاتورك.
كانت مجلة أخرى من الجناح اليساري تدعى «دنيا» تقوم بالطريقة نفسها. كانت «دنيا» مدافعة عن الحداثوية والحضارة الأوروبية لكنها كانت تمزجها بالماركسية والمادية والاشتراكية. كان مؤسس «دنيا» أحد أعضاء هيئة تحرير نامه فرنكستان، الدكتور تقي أراني، الذي درس العلوم التجريبية في ألمانيا.
صدرت مجلة «دنيا» لأول مرة في فبراير 1934 في طهران برئاسة تحرير الدكتور تقي أراني. كانت المجلة تروّج سراً للمادية الجدلية، ولهذا السبب، وكذلك لعدم إثارة حساسية إدارة الرقابة، كانت تحاول أن تتخذ شكلاً «علمياً» (علوم طبيعية). وكانت تنشر أحياناً مقالات مثل «الذرة والبعد الرابع» (العدد 1)، و«القيم العظمى والصغرى للتكاملات» (العدد 2)، و«النوم والحلم» (العدد 3)، و«الطيران» (العددان 4 و5)، و«التلفزيون» (العدد 6) وغيرها. يروي أنور خامهاي، أحد مساعدي وتلامذة الدكتور تقي أراني، أن الدكتور أراني كان، لتضليل إدارة الرقابة، يدسّ المقالات الفلسفية بين المقالات العلمية ثم يرتبها وينظمها في المطبعة! في ذلك الوقت كانت الرقابة المباشرة سائدة على الصحافة، وكان المميز أو الرقيب يوقع صفحات المجلات مباشرة أو يحجزها. لكن في الأعداد الـ12 من «دنيا» لأراني (التي طبعت في 10 مجلدات) طُبعت مقالات أساسية في مباحث الفلسفة مثل «العرفان والأصول المادية» (الأعداد 1 و3 و4) والمادية الجدلية (الأعداد 6 و7 و8) و«البشر من منظور مادي» (الأعداد 9 إلى 12). كان الدكتور أراني في العدد الأول من «دنيا» يتبع خطاً مشابهاً لكاوه ونامه فرنكستان ولكن باتجاه ماركسي. بمعنى أنه كان يدافع عن التحديث القسري والحضارة الأوروبية: «دنيا وإيران التي هي جزء منها، في تغير دائم وتسير نحو التكامل من حيث الحضارة. في مسيرة التقدم هذه، تسير إيران أيضاً خلف أوروبا (وأمريكا). هذا هو الإكراه التاريخي. ويجب أن يكون الأمر هكذا. وهو كذلك بالفعل. ومهما صاحت حفنة من الأفيونيين أو عبدة القديم والموتى بأننا لا نريد هذه الحضارة الأوروبية، نحن أنصار السير القهقري، حضارة الهند وإيران القديمة كانت فوق الحضارات، صوت البلبل ورائحة الورد وماء ركناباد وكلستان سعدي، وخط النستعليق وسقاية ابن سينا، والسفر بالقافلة وغيرها وغيرها فوق الحضارة، فإن حفلات أمثال بيتهوفن، وعطر مصنع كوتي، والدفيئات العلمية، وكتب مثل كتاب ومارك، والخط اللاتيني والآلة الكاتبة، والعلوم والنظريات الجديدة مثل فرضية القياس، والأسلوب الجدلي، وأخيراً السيارة والراديو والطائرة وغيرها وغيرها ستدخل هذه الأرض وتدفع بكل مقدساتهم إلى خلف نوافذ المتاحف.»
البته ارانی با نویسندگان «كاوه» این اختلاف نظر را داشت كه «تمدن اروپایی خود دچار بحران و تضادهاست» و اصول مادی در اروپا باید به علوم و صنایع و هنرها هارمونی بدهد. ارانی «دنیا» را مجلهای معرفی میكند كه سعی دارد خواننده خود را با دنیای متمدن آشنا كند و در مقالات متعدد سعی كرد اصول تفكر مادی را در مباحثی مانند حقوق، زنان، اقتصاد، تاریخ، هنر و... به مخاطبان خود بیاموزد. مجلهی «دنیا» پس از 12 شماره توقیف شد. هیأت تحریریه «دنیا»از هستههای اولیه گروه 53 نفر بودند كه بعداً مؤسس حزب توده شدند. به جز ارانی افرادی مانند ایرج اسكندری و بزرگ علوی از مدیران و نویسندگان دوره اول «دنیا» بودند. پس از توقیف «دنیا» و بازداشت 53 نفر و مرگ تقی ارانی در زندان رژیم پهلوی «دنیا» به اسطوره ژورنالیسم ماركسیستی تبدیل شد و چندی در دههی پنجاه در خارج از ایران و سپس از مرداد 1358 تا اردیبهشت 1360 در داخل ایران به صورت نشریه سیاسی – تئوریك حزب توده ایران چاپ شد. نورالدین كیانوری در آخرین دوره دنیا هر شماره سرمقالهای سیاسی مینوشت اما چهره برجستهی این دورهی «دنیا» احسان طبری بود. جالب اینجاست كه اگر در سال 1312«دنیا» صراحتاً مجلهای ماتریالیستی بود در سالهای 1358 تا 1360 دنیایی كه با یاد و نام دكتر ارانی بر روی جلد چاپ میشد مقالات متعددی درباره تلقی ماركسیستی از اسلام یا تلقی اسلامی از ماركسیسم داشت و به یاد امام علی مقالات متعددی چاپ میكرد و از دین اسلام به عنوان «انقلاب محمد» یاد میكرد و در نقد لیبرالیسم و ترویج تئوریك جمهوری اسلامی و تجلیل از مواضع فكری امام خمینی، آیتالله طالقانی و دكتر شریعتی سنگ تمام میگذاشت. «دنیا»ی جدید با حوادث سال 1360 توقیف شد و به تاریخ پیوست در حالی كه از ماتریالیسم تا ماركسیسم اسلامی سیری شگرف را طی كرده بود.
نسل دوم، ژورنالیسم در خدمت ایدئولوژی
«كاوه» و «دنیا» دو نماد و شاخص نشریات «روشنفكری – علوم انسانی» در عصر پهلویها بودند. در دوره پهلوی دوم اینگونه ژورنالیسم بهخصوص در داخل كشور نمود شاخصی نداشت. آزادی عصر نهضت ملی به از رونق افتادن بحثهای نظری منجر شد و در دوره دیكتاتوری پهلوی دوم از سال 1340 تا 1357 هم، ماركسیستها (كه نبض روشنفكری ایران در دست آنها بود) در داخل ایران از تكرار تجربههایی نظری دنیا محروم بودند و ناسیونالیستها و اسلامیستها هم ضرورتی برای این بحثها نمیدیدند. در حوزه علمیه قم البته دو مجله شاخص حوزوی چاپ میشد.
مجلهی اول ماهنامهی «مكتب اسلام» (یا نام كامل آن: درسهایی از مكتب اسلام) بود. این مجله عامهپسند اما دارای نویسندگان برجستهای چون موسی صدر، عبدالكریم موسوی اردبیلی، ناصر مكارم شیرازی، جعفر سبحانی، علی دوانی و... بود كه زیر نظر و با حمایت آیتالله سیدكاظم شریعتمداری چاپ میشد. «مكتب اسلام» البته در چارچوب نظام فكری سنتگرایان و میانهروهای حوزه علمیه قم چاپ میشد و ظاهراً برای مجوز چاپ اولین مجلهی منظم حوزوی از مرجع تقلید وقت آیتالله بروجردی كسب رضایت شده بود. اقدامی كه به نوبه خود بازتاب و واكنش و گرتهبرداری از چاپ مجلهی دانشگاه الازهر مصر بود.
«مكتب اسلام» دغدغهای كاملاً دینی داشت و از حوزهی تاریخ اسلام، اصول عقاید شیعه، اوضاع مسلمانان جهان و حوزههای علمیه، مباحث اخلاقی و كلامی فراتر نمیرفت.
كان النظير المقابل لشهرية «مكتب اسلام» من هذه الزاوية في حوزة قم العلمية هو الحولية التي حملت اسم «مكتب تشیع»، والتي كان يصدرها تلامذة آية الله السيد روح الله الخميني. كانت هذه المجلة، على عكس اسمها، مجلة سياسية – نظرية في الغالب، ويقول أكبر هاشمي رفسنجاني، أحد مؤسسيها، بصراحة في مذكراته إنها صدرت كرد فعل على «مكتب اسلام». ثمة تشابهات واضحة في المنهج وأسلوب المعالجة (وليس في المحتوى والمضمون) بين «مكتب تشیع» و«دنيا». لم تكن «مكتب تشیع» مجلة لاهوتية، لكنها كانت تنظر إلى العالم من منظور اللاهوت الإسلامي – الشيعي، وبهذا المعنى كانت مجلة أيديولوجية. صدرت «مكتب تشیع» من عام 1338 حتى عام 1344. في عددها الخامس الصادر في خرداد 1342، نُشرت مقالات بقلم: محمد تقي فلسفي، وعلي غلزاده غفوري، ونعمة الله صالحي نجف آبادي، وعلي حجتي كرماني، والسيد محمد بهشتي، وجعفر سبحاني، وأبو الفضل موسوي زنجاني، وأكبر هاشمي رفسنجاني، ومحمد تقي جعفري، ومحمد جواد حجتي كرماني، والسيد هادي خسروشاهي. في افتتاحية هذا العدد من المجلة، وُصف طريق إنقاذ المجتمع بأنه استخدام قوة الدين، ولكن مع التنظيم الصحيح، وتصفية المؤسسة الدينية، والتعاليم الخاصة، وهو ما يوضح الطابع الإصلاحي للمجلة. كتب السيد محمد بهشتي في العدد نفسه مقالاً ضد التحريفات والخرافات الدينية، وكتب هاشمي رفسنجاني مقالاً عن علاقة العرب بإسرائيل. في الواقع، يمكن اعتبار «مكتب تشیع» داعية للإسلام السياسي من داخل الحوزات العلمية؛ مجلة كانت فريدة من نوعها في بابها.
في السنوات الأخيرة من نظام بهلوي، ومع انضمام مجموعة من الماركسيين التائبين إلى النظام الملكي وارتباطهم بالقوميين الملكيين، تشكل حزب رستاخيز. كان حزب رستاخيز حزباً فاشياً تقرر أن ينتج، بصفته الحزب الموحد للملكيين، منظّرين وكوادر ومثقفين للنظام وثورته البيضاء. إن حضور الماركسيين السابقين في جلسات المكتب السياسي لحزب رستاخيز جعل الملكيين ينشغلون لأول مرة بمصطلحات مثل «جدلية الثورة البيضاء». كانت غرفة فكرية كهذه بحاجة إلى مجلة أيضاً. إلى جانب صحيفة رستاخيز، صدرت تدريجياً في العام الشاهنشاهي الجديد مجلة باسم «اندیشههای رستاخیز» (أفكار رستاخيز) والتي كانت الجهاز النظري لحزب رستاخيز. كانت مجالات اهتمام هذه المجلة في العلوم الإنسانية هي علم الاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ. كان مهدي قاسمي رئيس تحرير «اندیشههای رستاخیز»، وفي عددها الثاني الصادر في آبان من العام الشاهنشاهي 2535، الموافق لعام 1355 هجري شمسي، نُشرت مقالات لعبد المجيد مجيدي، وشابور راسخ، وعناية الله رضا، وأمير طاهري. كانت المجلة داعية للثورة البيضاء، وسعت إلى تنمية نوع من التنوير الملكي. كان أمير طاهري أحد هؤلاء المثقفين، وقد كتب في مقالته: «لقد خلق الشاهنشاه، بطرحه فكرة تأسيس حزب رستاخیز ملت ایران، ظاهرة جديدة، تنظيماً سياسياً ليس فقط غير مسبوق في بلادنا، بل لم يكن له مثيل في أي مكان آخر من العالم ولا يزال». ثم يسخر الكاتب من الديمقراطيات متعددة الأحزاب، ويدّعي بالطبع أن حزب رستاخيز لا يروج لنظام الحزب الواحد الشمولي، لأن قائد البلاد هو الشاهنشاه! ويوضح أن «الأثر العملي للنظام الشاهنشاهي في حياة إيران يظهر في شكل قيادة عسكرية (فرماندهی) لا زعامة (رهبری)... القرار النهائي تتخذه القيادة العسكرية لأن عملية صنع القرار لا يمكن أن تكون انعكاساً لموازين القوى المختلفة في كل لحظة وموقع خاص». يرى الكاتب أساساً أن للديمقراطية الشاهنشاهية معنى جديداً: «الانتصار العددي لهذا الرأي أو ذاك لا يعني بالضرورة تحوله إلى قرار وطني. للبلاد مصالح لن تُترك لمجرد فرز أصوات بنعم ولا».
الجيل الثالث، الصحافة في خدمة المعرفة الدينية
مع انتصار الثورة الإسلامية، حلّ بمجلات العلوم الإنسانية ما حلّ بها في فترة الحركة الوطنية. كانت الحريات السياسية تدفع الصحفيين إلى التعبير المباشر عن نظرياتهم، وبقيت خطابات منظّري العلوم الإنسانية المعقدة حبيسة الكليات نفسها. حتى مجلة مثل «دنيا» مالت إلى السياسة العملية أكثر من السياسة النظرية، وبعد تعطيل الصحافة عام 1360، خرج هذا النوع من المجلات من الساحة. ومنذ منتصف الثمانينيات، صدرت مجلات تنويرية مثل «آدينه» و«دنياي سخن» ذات ميول فنية وأدبية أكبر، ولم تكن تعنى كثيراً بالعلوم الإنسانية. لكن ظهر نوع من المجلات أصبح لاحقاً صانعاً للخطاب في مجال التنوير والعلوم الإنسانية. وقبل أن نتناول هذا النوع من المطبوعات، ينبغي بالطبع أن نشير إلى مجلة باسم «اندیشه اسلامی» كان يصدرها «الدكتور محمد مجتهد شبستري». يمكن اعتبار هذه المجلة في الواقع المحاولة الأولى لتيار جديد يُدعى التنوير الديني لدخول مباحث العلوم الإنسانية، وهو التيار الذي أصدر لاحقاً أهم مجلة في هذا المجال في الثمانينيات باسم «كيهان فرهنگي». صدر العدد الأول من مجلة «كيهان فرهنگي» الشهرية في فروردين عام 1363 كملحق لصحيفة كيهان. كتب أحد رؤساء تحرير هذه المجلة لاحقاً أنه لم يكن مقرراً في البداية أن يكون اسم المجلة «كيهان» الثقافية، حتى إذا ما خرجت مؤسسة كيهان يوماً من دائرة نفوذ المتنورين الدينيين، لا تضيع المجلة أيضاً، لكن إصرار المشرف آنذاك على المؤسسة حال دون تسمية المجلة الجديدة باسم مستقل. ربما لم يكن مديرو كيهان آنذاك يعلمون أن هذا الاسم كان قد استُخدم قبل الثورة لمطبوعة برئاسة تحرير الدكتور محمد أمين رياحي.
كانت «كيهان فرهنگي» في البداية مجلة تقليدية. فعلى عكس رأي الدكتور آراني، كانت تعتزم طرح التقاليد الدينية والتقليديين الدينيين، وفي كل عدد تضع على غلافها أحد علماء الدين أو أساتذة العلوم الإنسانية في مجالات الفلسفة، والإلهيات، والأدب، والتاريخ، وعلم الكلام، والفقه، والفنون التقليدية كالعمارة والخط. لكن ما جعل «كيهان فرهنگي» بارزة هو حضور منظّر الجمهورية الإسلامية آنذاك الدكتور عبد الكريم سروش. كان سروش، بصفته عضواً في المجلس الأعلى للثورة الثقافية، من الكتّاب الدائمين في كيهان فرهنگي، وكان نفوذه فيها كبيراً لدرجة أنه بعد نشر مقال للدكتور رضا داوري ضد كارل بوبر، وجّه إنذاراً للمجلة بأنه سيتوقف عن التعاون معها إن لم تتدارك الأمر. كان هذا أول جدال قلمي في «كيهان فرهنگي»، وقد وقع حول نشر ترجمة كتاب «المجتمع المفتوح» لبوبر، وبانتصار الدكتور سروش، انسحب رضا داوري منها. أما الحدث الأهم التالي فكان نشر سلسلة مقالات «القبض والبسط النظري للشريعة» في «كيهان فرهنگي». هذه المقالات، التي أصبحت مانيفستو التنوير الديني، كانت تتناول تحت عنوان «نظرية تطور المعرفة الدينية» فكرة أن المعرفة الدينية لا مناص لها عبر الزمن من الخضوع للمعرفة العصرية، ويجب أن تتغير وتتطور. كان سروش في ذلك الوقت، بتمييزه بين الدين والمعرفة الدينية، يرى أن المعرفة الدينية (أي معرفتنا بالدين) وحدها هي المحتاجة إلى التطور. أثارت نظرية سروش هجوماً من النقاد الذين سُمّوا لاحقاً بالأصوليين. وكان أهم ناقديه صادق لاريجاني، خريج الحوزة العلمية في قم، والذي كان قد ترجم سابقاً مقالة «كشكول وفانوس» لبوبر ونشرها كملحق لكتاب سروش «ما العلم؟ ما الفلسفة؟». كان هذا النزاع، الذي تشكّل لاحقاً في صورة ثنائية الإصلاحيين الدينيين والأصوليين الدينيين، ذروة صناعة الخطاب في «كيهان فرهنگي». وإن كانت قائمة كتّاب هذه المجلة تضم أيضاً أسماء مثل محمد مجتهد شبستري، ومحمد جواد لاريجاني، وحسين غفاري، ورضا داوري وغيرهم.
كان وجه تميّز «كيهان فرهنگي» هو اهتمامه باللاهوت الجديد وعلم الكلام الحديث. لم تكن هذه المجلّة تُولي العلومَ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية اهتماماً يُذكر، مفضّلةً التركيز على الفلسفة والدين. غير أن التحوّلات السياسية التي أعقبت وفاة آية الله الخميني أسفرت عمّا كان يتوقّعه مديرو «كيهان فرهنگي» الأوائل، حيث طُرد الإصلاحيّون الدينيّون من مؤسسة كيهان، وسلكت «كيهان فرهنگي» درباً آخر. انشغلت لفترة بالفن والأدب، ثم آلت بالكامل إلى أيدي المفكّرين الأصوليّين الإسلاميّين. ومنذ نوفمبر/تشرين الثاني 1991، شرع مديرو وكتّاب «كيهان فرهنگي» الأوائل في إصدار مجلّة جديدة باسم «كيان». كانت نقطة تميّز «كيان» عن سلفها الصالح هي الصراحة لا الموضوع. فقد أولت «كيان» أيضاً اللاهوتَ الجديد اهتماماً يفوق سائر فروع العلوم الإنسانية، وخلت من العلوم الاجتماعية. وكان نجم «كيان» هو سروش أيضاً، وطوال عقد من صدورها، نُشرت أهم مقالات عبد الكريم سروش في «كيان». وكان أكبر كنجي، وسعيد حجاريان (تحت الاسم المستعار جهانكير صالح بور)، وآرش نراقي، ومحمد مجتهد شبستري وغيرهم... من أهم كتّاب «كيان». مرّت «كيان» بمرحلتين في حياتها الصحفية: في المرحلة الأولى برئاسة تحرير محمود شمس، كانت تميل أكثر إلى التنوير العام، ولكن مع فوز السيد محمد خاتمي في 23 مايو/أيار 1997 وانفصال مجموعة من «كيان» والتحاقهم بالصحف اليومية، تولّى إبراهيم سلطاني رئاسة التحرير في المرحلة الجديدة، واكتسبت المجلّة طابعاً أكثر تنظيراً. صارت «كيان» في هذه المرحلة أشبه بالمجلاّت الأكاديمية، وأسهمت عبر أعداد خاصّة حول العنف، والمجتمع المدني، والتعدّدية الدينية وغيرها... في تعزيز الأدبيات اللاهوتية في إيران. بلغت «كيان» ذروة الصحافة التنويرية الدينية في مرحلتها الأولى بحواراتها مع كارل بوبر ومانويل ليفيناس، وفي مرحلتها الثانية بحواراتها مع نصر حامد أبو زيد ويورغن هابرماس.
غير أن أهمية «كيان» ظلّت بالطبع كامنة في نظريات سروش ونقود معارضيه. فنظرية «أسمن من الأيديولوجيا» (المناهضة لأدلجة الدين)، ونظرية «الحكومة الديمقراطية الدينية» (المدافعة عن الجمع بين الدين والديمقراطية)، ونظرية «الصراطات المستقيمة» (المبشّرة بالتعدّدية الدينية) كلّها جرت على طريق سروش وقلمه ولسانه في «كيان».
أُوقفت «كيان» عام 2000، لكن بعد 5 سنوات ظهرت لها صورة في قالب مجلّة «مدرسة» في ربيع 2005. كان نجم «مدرسة» هو سروش أيضاً، بل كانت أكثر «سروشية» من المجلاّت الأخرى المنتمية لهذا التيّار الفكري، غير أن «مدرسة» خطت أيضاً من دائرة الفلسفة واللاهوت الجديد إلى مجالات أخرى من العلوم الإنسانية كالعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية. لم يصدر من «مدرسة» أكثر من 6 أعداد، لكن في هذه المدّة القصيرة نُشرت فيها مقالات مهمّة لمحمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، وآرش نراقي، وعبد الكريم سروش. ومن أهم النجاحات الصحفية لمدرسة كان نشر حوار عبد الكريم سروش مع جون هيك. حوار كان راوياً لآخر مشاريع التنوير الديني الكبرى. فالتّيار الذي بدأ تقليدياً في «كيهان فرهنگي» وبلغ الحداثة الدينية في «كيان»، صار في «مدرسة» من أنصار التعدّدية الدينية، واعتُبر جون هيك من هذا المنظور نموذجاً فكرياً جديداً حلّ عملياً محلّ كارل بوبر، أو كان مكمّلاً له على الأقل في الساحة اللاهوتية.
من عام 1984 حتى عام 2007، وعلى مدى 23 عاماً، يمكن من خلال دراسة ثلاث مجلاّت هي «كيهان فرهنگي» و«كيان» و«مدرسة» تبيّن نشأة وتطوّر تيّار يُدعى التنوير الديني، الذي أدخل مفاهيم كالإصلاح الديني، والليبرالية الدينية، والديمقراطية الدينية، والتعدّدية الدينية إلى أدبيات العلوم الإنسانية في إيران. تيّار انتقل من المطالبة بالديمقراطية الدينية إلى العلمانية السياسية.
قام الإصلاحيون الدينيون في السنوات التي تلت مجلة كيان أو بالتزامن معها بعدة تجارب أخرى في الصحافة الفكرية. وكانت مجلة «راه نو» (الطريق الجديد) من أهمها، حيث صدرت لعشرين أسبوعاً متتالياً. يمكن اعتبار راه نو المجلة الأكثر سياسية بين مجلات المثقفين الدينيين، إذ مزجت بين النظرية والممارسة السياسية. تكررت هذه التجربة لاحقاً في مجلة «آفتاب» (الشمس) الشهرية. لكن آفتاب وقعت بدورها ضحية للسياسة. في السنوات الأخيرة، أصدر بعض الإصلاحيين مجلة نظرية باسم «آئين» (المنهاج)، ورغم امتيازها السياسي-الاجتماعي، فقد أولت اهتماماً أكبر بالإلهيات والأخلاق والدين. كانت «آئين» منشوراً لجبهة المشاركة الإسلامية الإيرانية، لكنها لم تكن مجلة حزبية. كما أصدرت مجموعة من الإصلاحيين الدينيين في التسعينيات مجلة باسم «إيران فردا» (إيران الغد). تحولت إيران فردا لاحقاً إلى الناطق السياسي للتيار الوطني-الديني في إيران، لكنها كانت في العامين الأولين من نشاطها مجلة فكرية ونظرية أكثر منها عملية. كان من كتّاب إيران فردا عزت الله سحابي، وحسن يوسفي أشكوري، وأحمد زيد آبادي، ورضا عليجاني، وكان المرحوم سحابي من بينهم الأكثر اهتماماً بعلم الاقتصاد ومسألة التنمية. تمثلت قضية إيران فردا المركزية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لإيران، لكنها تحولت لاحقاً إلى مجلة سياسية بالكامل. تجلى هذا الخطاب أيضاً في بداية التسعينيات في مجلة «فرهنغ توسعه» (ثقافة التنمية) الشهرية. وهي مجلة حاولت، بحضور اقتصاديين وعلماء اجتماع، دراسة الأسس النظرية للتنمية. بعد عامين، مالت «فرهنغ توسعه» تدريجياً من خطاب التنموية نحو اليسارية، وتحولت إلى مجلة اشتراكية، وأبدت اهتماماً بالقضايا الاجتماعية أكثر من القضايا الاقتصادية. المثير للاهتمام هنا أن الاهتمام بالتنمية، سواء في إيران فردا أو في فرهنغ توسعه، كان من قِبَل المثقفين الدينيين، بينما كان المثقفون العلمانيون يطالبون في الغالب بالاهتمام بمسألة المساواة، وعلى هذا الأساس صدرت بعد فترة مجلات مثل «نقد نو» (النقد الجديد) و«فصل سبز» (الفصل الأخضر) ذات الميول الاشتراكية. كانت «نقد نو» مجلة ذات خطاب متميز في بابها. لكنها مُنعت من الصدور بعد فترة.
الجيل الرابع، الصحافة لنقد الحداثة
في السنوات التي كان فيها مصباح العمر للدورة الأولى من «كيهان فرهنگي» يخبو نحو الظلام، قامت مجموعة من المديرين السابقين لمؤسسة كيهان ممن كانوا لا يزالون يشغلون مناصب في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بإصدار فصلية باسم «نامه فرهنگ» (رسالة الثقافة) وكان رئيس تحريرها الدكتور هادي خانیكي. صدر العدد الأول من «نامه فرهنگ» في خريف عام 1369 هـ.ش، وكانت شكلاً أكثر تخصصاً وموضوعاتية من «كيهان فرهنگي»، وقد تصدرت في أعدادها الثمانية الأولى طرح مباحث مثل حوار الأديان والثقافات، والتبادل الثقافي، والحداثة والتنمية. لكن باستقالة سيد محمد خاتمي من وزارة الإرشاد الإسلامي، آلت هذه المجلة أيضاً إلى يد الجناح الفكري الآخر من الإسلامويين. لم تكن «نامه فرهنگ» في دورتها الأولى غافلة عن سروش، وبشكل عام كانت تُعرف بأنها مجلة تنتمي إلى الإصلاحيين المسلمين، وتهتم بالعلوم الاجتماعية أكثر من الإلهيات، ولكن منذ ربيع عام 1372 هـ.ش أصبح الدكتور رضا داوري أردكاني رئيساً لتحرير «نامه فرهنگ»، وكان يُعرف آنذاك بأنه أحد وجوه النموذج الأصولي الإسلامي. ويبدو أنه كان من المقرر في البداية أن يكون سيد مرتضى آويني أيضاً من مديري «نامه فرهنگ»، بل وشارك في المائدة المستديرة حول «أزمة الهوية» في العدد الأول من الدورة الجديدة، ولكن برحيل آويني، كان رضا داوري هو من خاض فترة مهمة ومشرقة من رئاسة التحرير. يُحتمل أن يكون الدكتور رضا داوري أهم أستاذ فلسفة قبل منصب رئاسة تحرير مجلة عامة في إيران واستمر فيه لعقد من الزمان. كان الدكتور رضا داوري، متأثراً بالفلسفة القارية ومدرسة هايدغر ورمزه الإيراني فرديد، ناقداً للحداثة، بينما كان الدكتور عبد الكريم سروش، بتعاليم الفلسفة التحليلية ومنهجية بوبر، ذا مقاربة إيجابية تجاه الحداثة. كان سروش يعتقد آنذاك أنه يمكن اتخاذ مقاربة انتقائية في التعامل مع الحداثة وفصل جيدها عن رديئها، أما داوري فكان يرى الحداثة كلاً لا يتجزأ. وجد هذان الفكران لاحقاً في عقدي السبعينيات والثمانينيات ممثليهما في الساحة السياسية، وأفضى تنافسهما الفكري إلى تنافس سياسي. وعلى الرغم من ذلك، انتهجت «نامه فرهنگ» صحافة مهنية. في المائدات المستديرة لهذه الفصلية، جلس أشخاص مثل محسن كديور، ولي رضا هنر، وسيد جواد طباطبايي، وسيد مرتضى آويني وآخرون معاً، وأصبحت افتتاحيات رضا داوري نماذج مشرقة للنثر الفلسفي في أيامنا هذه. كان كل عدد يُخصص لموضوع واحد، وكان العمل باهراً لدرجة أنه حتى في فترة عودة سيد محمد خاتمي إلى السلطة، لم ينته عمل رضا داوري في نشر المجلة؛ وإن كان الأصوليون قد أقالوه لاحقاً من رئاسة التحرير وتوقفت «نامه فرهنگ». كان رفيق رضا داوري ومحبه في النظرة النقدية للحداثة هو سيد مرتضى آويني. كان آويني في عام 1368 هـ.ش مديراً لمجلة «سوره»، التي وإن كانت ذات مقاربة أدبية وفنية، إلا أنها مالت تدريجياً نحو المباحث الفلسفية. تشكلت «سوره» على قاعدة مجلة أدبية وفنية في عقد الستينيات، كان يصدرها الجناح الأدبي والفني للمثقفين الدينيين. كان كتاب هذه المجلة في عقد الستينيات (التي صدرت في 15 مجلداً) أشخاصاً مثل محسن مخملباف، قيصر أمين بور، سيد حسن حسيني وآخرين. لكن التحولات نفسها التي انتزعت «كيهان فرهنگي» من أيدي المثقفين الدينيين أوقفت أيضاً «مجلة سوره»، وفي عام 1368 هـ.ش حلت محلها شهرية «سوره». كان أهم أقسام «سوره» الجديدة افتتاحيات سيد مرتضى آويني. كان آويني، متأثراً بآراء هايدغر وفرديد وداوري، ينقد الحداثة وينفيها ويعدد مظاهرها في السينما والأدب والفلسفة. ومن هذا المنطلق، كان آويني ناقداً جاداً لسروش وخاتمي. لكن «سوره» لم تكن مجلة علوم إنسانية، وكما قلنا كان آويني يعتزم لعب الدور الرئيسي في الدورة الثانية من «نامه فرهنگ». لكن الوقت لم يسعفه. في هيئة تحرير «سوره»، كان يكتب كاتب اسمه شهريار زرشناس، وكان يتبع الخط الفكري نفسه لآويني وداوري. كان زرشناس ناقداً جاداً للحداثة الأدبية والفلسفية، وكتب عدة ردود على آراء سروش، لكن تميزه الرئيسي عن آويني كان في أن سيد مرتضى آويني لم يكن يتلقى توجيهاته من الجناحات السياسية، وكان يُعتبر مفكراً مستقلاً ومثقفاً. كان آويني بالطبع ينتقد تركيب المثقفية والتدين (من موقع التدين)، لكنه كان عملياً مثقفاً بكل ما للكلمة من معنى. كان عارفاً بالسينما جيداً ومتمكناً من الأدب الغربي، وكان له في نقده للمثقفين حدود فاصلة مع صحيفة كيهان (برئاسة تحرير مهدي نصيري، رجل الدين الشاب الأصولي الناقد للتنوير الديني). إذا صرفنا النظر عن هذه الخصائص لآويني، يمكن اعتبار مجلة «مشرق» برئاسة تحرير شهريار زرشناس وريثة «سوره» آويني. صدر العدد الأول من شهرية «مشرق» في دي ماه عام 1373 هـ.ش، وكان كتابها أشخاصاً مثل أحمد فرديد، رضا داوري، محمد علي رجبي (دواني)، يوسف علي ميرشكاك وشهريار زرشناس. لم تدم «مشرق» أكثر من 6 أعداد وتوقفت في شهريور ماه عام 1374 هـ.ش، لكن الخط الفكري لنقد الحداثة استمر من قبل الصحفيين
ي اصولگرا در این سالها در چند قالب دنبال شد:ترك مهدي نصيري في تلك السنوات صحيفة كيهان وأطلق أسبوعية «صبح». كان نصيري في «صبح» ناقداً لليبرالية الاقتصادية والسياسية، لكن مع فوز خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 1376، فضّل مهدي نصيري تحويل «صبح» إلى مجلة شهرية نظرية نسبياً ينتقد فيها الحداثة. وبعد فترة، أغلق مهدي نصيري تلك المجلة الشهرية بيأس واتجه إلى نشر الكتب. وكان كتاب في رفض الحداثة والدفاع عن الدين التقليدي أهم أعماله. في السنوات الأخيرة، عاد مهدي نصيري مجدداً إلى الصحافة، وهو الآن يصدر مجلة فصلية باسم «سمات» لا يقتصر محورها على نقد التجدد والفلسفة الحديثة، بل يتعداه إلى نقد الفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي. يرى مهدي نصيري، مثل مرتضى آويني، أن الصحافة من أمراض العصر الحديث التي لا تستطيع إظهار جوهر الفكر، ولهذا قلّص بمرور الوقت انشغاله بالصحافة من اليومية إلى الشهرية ثم إلى الفصلية، لكنه لم ينقطع عن الصحافة.
أما شهريار زرشناس، فمنذ آذار 1389، حاول تحت إشراف مجلس «فرهنگ عمومی» إصدار مجلة بالاسم نفسه ينتقد فيها التجدد. في هذه المجلة الجديدة، على عكس مشرق، الأولوية للمعالجة السياسية والحزبية للتجديديين، والتصدي لـ«الحرب الناعمة» في صدارة الأولويات. تضم «فرهنگ عمومی» كتّاباً مثل رضا داوري، يوسفعلي ميرشكاك، رضا رهگذر، بيام فضلينژاد وشهريار زرشناس، وتوجه نقداً صريحاً وجريئاً لـ«مهرنامه».
مجلة «سوره» بعد سيد مرتضى آويني، تجزأت بداية إلى عدة مجلات شهرية متخصصة (الشعر، الأدب القصصي، النقد السينمائي... إلخ)، وتحولت «سوره» إلى مجلة فصلية متخصصة في المباحث النظرية لفلسفة الفن (برئاسة تحرير سيد علي ميرفتاح). وبعد فترة، تحولت إلى مجلة عامة ذات نهج نقدي برئاسة تحرير سيد عبد الجواد موسوي. حافظت «سوره» الرابعة على هذا النهج العام برئاسة تحرير وحيد جليلي، ولم تتجنب الخوض في المسائل السياسية، ومؤخراً، منذ آذار 1389، بدأت الدورة الخامسة من سوره باسم «سوره انديشه» التي يتمحور موضوعها حول إنتاج «العلوم الإنسانية الإسلامية»، ولها، مثل «فرهنگ عمومی»، نظرة نقدية لتجربة مهرنامه. النقطة المهمة في كل هذه المجلات، بالطبع، هي اهتمام زبائنها بالدكتور رضا داوري ونقد التجدد. مثل الإصلاحيين المسلمين، يمكن التعرف على هؤلاء الأصوليين المسلمين من خلال تأريخ المجلات من سوره إلى سوره انديشه. طريق قاد من التقليدية الدينية إلى الأصولية الدينية، وأحياناً الأصولية الشيعية. بعضهم، مثل مهدي نصيري في مجلة «سمات»، وسّع نقد التجدد ليشمل نقد الفلسفة، وآخرون، مثل هيئة تحرير «سوره انديشه»، يسعون إلى تسجيل الأصولية كأيديولوجيا جديدة.
الجيل الخامس، الصحافة في خدمة التقليدية
سعى الأصوليون الإسلاميون، ردًا على هيمنة الإصلاحيين الإسلاميين ونفوذهم في عقدَي الستينيات والسبعينيات، تدريجيًا إلى طرح أقاليم فكرية أخرى في مجلاتهم. أقاليم طالها الصمت لسنوات. كان أحد هذه الأقاليم المهمَلة هو التقليدانية. التقليدانية التي انبثقت من تعاليم سيد حسين نصر في إيران كان يمكن أن تبدو فعالة في معركة الأصوليين مع الإصلاحيين الدينيين، لكنها في النهاية لم تكن ذات صلة بالأصولية ولا بالأصولية المتشددة. أولى الإشارات إلى الفن جرت في مجلة سورة في مرحلتها الآينية. كانت نظريات نصر حول الفن الإسلامي، وكذلك كتاب داريوش شايغان عن هنري كوربان، من الموضوعات التي حظيت باهتمام سيد مرتضى آويني. لاحقًا، وإلى جانب الفرديد والداوري، طُرحت آراء نصر في «المشرق» و«سورة» و«نامه فرهنگ» و«صبح». قامت نظرية نصر على رفض الحداثة واستبدالها بالتقليد. رافق الأصوليون هذا المشروع في البداية، حتى أن مهدي نصيري لقي ثناءً من سيد حسين نصر. لكن في استمرار الطريق، وبالنظر إلى الموقع التنفيذي وحكومة الأصوليين، ظهرت زوايا اختلاف مع التقليديين. دافع التقليديون عن السلطنة الإسلامية وأولوا العرفان الإسلامي قيمة تفوق الفقه. ولاية الفقيه لم تكن تستنتج من داخل التقليدانية، وفي النهاية كان يُستخرج منها شكل من أشكال الولاية العرفانية. من هنا، كان الاهتمام بالتقليدانية في المنشورات الأصولية موجودًا فقط بقدر ما تنخرط في نقد الحداثوية. وكانت النتيجة أن اتجه التقليديون إلى إصدار مجلاتهم الخاصة. إحدى أولى المحاولات في هذا المجال كانت إصدار فصلية «نقد ونظر» في حوزة قم العلمية. هذه المجلة المتخصصة في الفلسفة والإلهيات لم تكن بالطبع تقليدانية، لكنها أدت دورًا مهمًا في طرح التقليدانية. صدر العدد الأول من «نقد ونظر» في شتاء عام 1373. كان ناشر هذه المجلة مكتب التبليغات الإسلامية لحوزة قم العلمية، وكانت هيئة تحريرها تضرب بجذورها في ثلاث تجارب:
الأولى – فقهاء الحوزة العلمية في قم المجددون، الثانية – المثقفون الدينيون، والثالثة – الجيل الجديد من الباحثين في الإلهيات والفلسفة. كان أثر التجربة الأولى فقط في الأعداد القليلة الأولى، ولم يتمكن المثقفون الدينيون أيضًا من السيطرة على أجواء المجلة، لكن جيلًا جديدًا من المفكرين في الفلسفة والإلهيات ظهر مع «نقد ونظر». كان سيد جواد طباطبائي، حسين بشيرية، والأهم من ذلك كله مصطفى ملكيان من هذه المجموعة. لا يمكن وصف مصطفى ملكيان بالتقليدي، لكن مقاربته للفلسفة والعرفان غير الديني في ضوء نظرية «المعنوية» المستقلة عن الشريعة جذبت انتباه الأوساط الفلسفية في «نقد ونظر». بعد فترة، أصدرت «نقد ونظر» عددًا خاصًا حول موضوع التقليديين الدينيين وطرحت آراء رينيه غينون، وشوان، وكوربان وغيرهم من أساتذة الفلسفة التقليدانية.
خرجت «نقد ونظر» بعد بضع سنوات من يد رئيس تحريرها ذي الذوق الرفيع أكبر قنبري، الذي فضل متابعة عمله في إطار نشرة مستقلة. الآن أصبحت «نقد ونظر» فصلية متخصصة لكن دورها في المجال العام تضاءل. منذ اسفند عام 1384، وجد التقليديون منبرهم الفلسفي. قبل الثورة الإسلامية، كان التقليديون يصدرون عن جمعية الحكمة والفلسفة مجلة باسم «جاودان خرد» بإشراف سيد حسين نصر، والتي صدرت منها أعداد قليلة أيضًا في السنوات الأخيرة، لكن منبرهم العام هو شهرية «اطلاعات حكمت ومعرفت» التي صدر عددها الأول قبل 6 سنوات في مثل هذه الأيام. القصة هي أن مجموعة من تلاميذ الدكتور سيد حسين نصر ومحبيه، ممن وصلوا إلى السلطة في فترة الأصوليين، كانوا راغبين في عودته إلى إيران. لكن بالنظر إلى رئاسة نصر لمكتب فرح بهلوي قبل الثورة الإسلامية، بدا هذا الإجراء مستحيلًا ما لم تتضح علاقة نصر بالثورة الإسلامية. يبدو أن الأمر وصل إلى شخصيتين معتدلتين أصولية وإصلاحية. يقول الدكتور علي أكبر ولايتي ردًا على أحد منتقدي الدكتور نصر أو المقربين منه: لماذا لا يوضح موقفه من الثورة؟ بالاستدلال على أنه إذا كان نصر مهتمًا بالفلسفة والعرفان، فهل يمكنه إنكار مكانة الإمام الخميني في الفلسفة والعرفان الإسلامي؟ كان رد نصر بالإحالة إلى رسالة أشير فيها إلى الإمام الخميني أيضًا. ترجم هذه الرسالة الدكتور إن شاء الله رحمتي وطُبعت كملحق خاص لجريدة اطلاعات بإدارة سيد محمود دعائي، ومنذ ذلك الحين وُضع حجر الأساس لشهرية بحثية باسم «اطلاعات حكمت ومعرفت» والتي لا تزال مستمرة حتى الآن. ورغم أن نصر لم يعد إلى إيران، إلا أن معظم أعماله تُرجمت الآن إلى اللغة الفارسية، وقد أصدرت هذه الشهرية 72 عددًا منتظمًا.
في شهر إسفند (فبراير/مارس) من عام 1382 ه.ش، صدرت مجلة أخرى باسم «ناقد» حملت على جبينها اسم مصطفى ملكيان كمشرف. هذه المجلة لم يصدر منها أكثر من أربعة أعداد، لكن يمكن تتبع الاتجاهين المزدوجين للتقليدانية (السنّتگرايي) من خلال مراجعة مجلتي «نقد ونظر» (ولاحقاً «ناقد») و«اطلاعات حكمت ومعرفت»: الاتجاه الأول الذي تمحور حول مصطفى ملكيان، سعى إلى فصل التقليدانية عن الأصولية وطرح نظرية «الروحانية المستقلة عن الشريعة»، متبعاً نوعاً من العقلانية القريبة من المذاهب اللاشرعية، وقد تحول عملياً إلى حليف فكري للإصلاحيين الدينيين.
أما الاتجاه الثاني، المتمحور حول سيد حسين نصر، فيبحث عن التقليدانية في التصوف والتفلسف الإسلامي، ورغم أنه لا يشدد كثيراً على الشريعة ويقترب أحياناً من نظريات التعددية الدينية، إلا أنه يُعرف في المجمل بقربه من الأصوليين الدينيين. في حوزة قم العلمية، صدرت بالطبع مجلات مهمة أخرى في السنوات التي تلت الثورة الإسلامية، لكنها تحولت جميعاً تدريجياً من مجلات عامة إلى مجلات متخصصة. في عقد الثمانينيات، وإلى جانب «كيهان فرهنگي»، كان مكتب مؤسسة كيهان في قم يصدر مجلة نصف شهرية باسم «كيهان انديشه» في مجال المعارف الإسلامية والعلوم الإنسانية، نُشرت فيها مقالات مهمة مثل «سير تحول وتطور الاجتهاد» بقلم آية الله محمد إبراهيم جناتي، و«نقد تهافت الفلاسفة للغزالي» بقلم سيد جلال الدين آشتياني. كانت هذه المجلة قريبة جداً من تقاليد الفلسفة الإسلامية والفقه الإسلامي في حوزة ومدرسة قم، لكنها توقفت عن الصدور في العقد الأخير. كما كانت مجلة «حكومت إسلامي» (الحكومة الإسلامية) التي كانت تصدر في التسعينيات عن أمانة مجلس خبراء القيادة في قم، تُعتبر من أعرق المجلات في مجال الفقه السياسي والفكر السياسي الإسلامي. كان رئيس تحرير هذه المجلة مهدي مهريزي، وفي دورتها الأولى نشب نقاش مهم بين فقيهين كبيرين هما آية الله عبد الله جوادي آملي وآية الله الدكتور مهدي حائري يزدي حول الحكومة الإسلامية، ويُعد هذا النقاش أحد أهم مباحث الفكر الإسلامي في العقود الأخيرة:
الجيل السادس، الصحافة من أجل العلوم الإنسانية
في عقد الثمانينيات، لم يتبقَّ الكثير من المثقفين العلمانيين في المجتمع الإيراني في ساحة الصحافة. كان عدد المطبوعات الحكومية يفوق المطبوعات الخاصة، وكانت مجلات مثل «آدينه» و«دنياي سخن» تفضل الخوض في الفن والأدب على التاريخ والعلوم الإنسانية. لكن في تلك السنوات نفسها، بادرت مؤسسة انتشارات آگاه في طهران إلى إصدار سلسلة من المقالات في قالب عُرف باسم «كتاب آگاه» و«نقد آگاه». كان «نقد آگاه» مختصاً بنقد كتب العلوم الإنسانية، لكن كل نقد فيه كان يُعتبر مقالة مستقلة وقيمة بذاتها، أما «كتاب آگاه» فكان يضم مقالات خالصة في العلوم الإنسانية. يمكن القول بكل جرأة إن «كتاب آگاه» كانت المجلة الوحيدة التي أدركت مفهوم وأهمية العلوم الإنسانية في عقد الثمانينيات. لم تكن هذه المجلة غارقة في الفن والسياسة مثل «كتاب جمعه»، ولا جعلت الفلسفة والإلهيات محوراً لها مثل «كيهان فرهنگي». كان للاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ والقانون مكانة مرموقة في «كتاب آگاه» و«نقد آگاه»، وقد أصدرت في وقتها أعداداً خاصة حول المدينة والتحضر، والتخطيط العمراني، والمسائل الزراعية والفلاحية. كان أحمد أشرف، وداريوش آشوري، وفرهاد دفتري من كُتّاب «كتاب آگاه». كانت «كتاب آگاه» مجلة من الطراز الأول، لكنها للأسف لم تستمر.
لكن في عام 1370 ه.ش، أصدر خشايار ديهيمي مجلة جديدة باسم «نگاه نو» (نظرة جديدة)، قدمت فهماً جديداً للعلوم الإنسانية من خلال نشر آراء وترجمات مقالات لكُتّاب ومثقفين بارزين في العالم. في دورتها الأولى، وخصوصاً في أعدادها الخمسة الأولى، نشرت «نگاه نو» ترجمات خالصة لنصوص وموضوعات من العلوم الإنسانية. كانت الأعداد الخاصة مثل «القومية» و«الثورة» غير مسبوقة، واستمر هذا النهج لاحقاً في فترة رئاسة تحرير علي ميرزايي حتى العدد 44، حيث صدرت أعداد خاصة مثل «الاشتراكية». ضمت «نگاه نو» كُتّاباً بارزين مثل مصطفى رحيمي، وداريوش آشوري، ومحمد رضا نيكفر وغيرهم، ونُشرت فيها واحدة من أفضل الرسائل في فهم هايدغر بقلم نيكفر. هذه المجلة الشهرية التي تحولت مع مرور الزمن إلى فصلية، غيرت حجمها وشكلها منذ عام 1379 ه.ش، لكنها لا تزال تُعتبر أحد المصادر الموثوقة لفهم الفكر العلماني الإيراني، رغم أن النهج الأدبي والفني للمجلة قد طغى على نهج العلوم الإنسانية في دورتها الجديدة.
كان عقد التسعينيات عصر نهضة الصحافة الإيرانية. في خريف عام 1993، أصدر مراد ثقفي الفصلية «غُفتُوغو» (حوار). كانت «غُفتُوغو» تنتمي إلى خطاب التنوير العلماني، لكن تميزها عن «نِگاه نو» (نظرة جديدة) كان في أنها أولت التأليف قيمة أكبر من الترجمة، وإن كانت «نگاه نو» قد تخلت لاحقاً عن محورية الترجمة واتجهت نحو التأليف. في تلك السنوات، كانت وزارة الإرشاد الإسلامي تصدر فصلية باسم «أرغَنون» كانت رائدة في ترجمة النصوص الأساسية في الفلسفة والإلهيات والعلوم الإنسانية. لكن «غُفتُوغو» كانت، بالمعنى الدقيق للكلمة، مجلة إيرانية. والحقيقة أن «غُفتُوغو» كانت مؤثرة في طرح موضوع المجتمع المدني قبل أن يتحول إلى شعار سياسي في عام 1997. في الوقت نفسه، تناولت مجلة «كيان» هذا الموضوع أيضاً، لكن هاجس «كيان» ظل هو العلاقة بين المجتمع المدني والمجتمع الديني. كانت «غُفتُوغو» في مقاربتها السوسيولوجية للمباحث النظرية مجلة فريدة من نوعها، وبتخصيصها أعداداً متعددة لموضوعات مثل حوار الثقافات، والإسلام السياسي، والدولة الحديثة، والأحزاب السياسية، والليبرالية السياسية، ومؤسسة الدولة ومؤسسة السوق وغيرها... كانت تُعد من المجلات المؤثرة في عقد التسعينيات. كما يُعتبر كتّاب «غُفتُوغو» مثل مراد ثقفي، وكاوه بيات، ورامين جهانبكلو، وزرير مرآت وغيرهم... من الباحثين المخلصين لمنهج العلوم الإنسانية. لقد ساعدت النظرة العلمانية لـ«غُفتُوغو» إلى موضوعات العلوم الإنسانية في إزالة الغموض عن هذه العلوم، وهذه المجلة، رغم أنها تصدر في السنوات الأخيرة بشكل غير منتظم وبدون التماسك والتحديد الهادف اللذين ميزاها في التسعينيات، لا تزال تُعد من أكثر المجلات إخلاصاً لمضمون العلوم الإنسانية.
كانت أهمية «غُفتُوغو» تكمن في أنها كانت تؤمن بالمجتمع المدني أكثر من مؤسسة الدولة، ولهذا كانت أقرب إلى تقليد «كتاب آگاه» منها إلى «دنيا». كما أصدر المثقفون العلمانيون في التسعينيات شهرية باسم «جامعة سالم» (المجتمع السليم) التي لعبت دوراً مهماً في ترويج النظرة العلمانية للمجتمع المدني والحياة الاجتماعية والاقتصاد الحضري. كانت «جامعة سالم» واحدة من أكثر المجلات تطبيقية في العلوم الاجتماعية. كانت مقالات محمد قائد فيها جديرة بالقراءة وتقدم سرداً علمانياً للحياة الاجتماعية. كانت «جامعة سالم» تقدم مقالات وتقارير شيقة عن القضايا الجزئية، وبفضل إرثها لتقليد صحافة «آيندكان» (القادمون)، كانت أيضاً مهذبة ومنمقة في اللغة والتعبير. لاحقاً، تكرر جزء من هذه اللغة والتعبير في مجلة «لوح» برئاسة تحرير محمد قائد، والتي وإن كانت مخصصة نوعاً ما لمجال التربية والتعليم، إلا أنها كانت تُعد من المجلات الناجحة في العلوم الإنسانية. للمثقفين العلمانيين خارج إيران أيضاً تجارب صحفية مؤثرة. لقد نشرت فصليات وحوليات العلوم الإنسانية مثل «إيران نامه» (رسالة إيران)، بغض النظر عن موقفها السياسي، أبحاثاً مهمة في مجال العلوم الإنسانية ينبغي تناولها في حديث مستقل.
الصحافة ومعرفة الليبرالية
لكن أين تقع «مهرنامه» (رسالة الشمس) في هذا التأريخ الصحفي؟
«مهرنامه» هي شهرية نابعة من التجارب الصحفية لمثقفي إيران المعاصرين:
من الناحية المهنية، نعتبر «مهرنامه» شهرية إخبارية – تحليلية، معيارها في تناول موضوعات العلوم الإنسانية هو كونها موضوعية. لكل ملف يُنشر في «مهرنامه» سبب وداعٍ. ترى هيئة تحرير «مهرنامه» أن تناول الموضوعات الأزلية والأبدية ليس من عمل المجلات. نحن نختار موضوعاتنا بناءً على أخبار الشهر، وهذا بالذات ما يفصل «مهرنامه» عن المجلة الأكاديمية.
نحن صحفيون، لا كلمة أقل ولا كلمة أكثر. هيئة تحرير «مهرنامه» هي مجموعة من المراسلين والمحررين وكتّاب المقالات الشباب في السنوات الأخيرة للصحافة الإيرانية، معظمهم درسوا في تخصصات العلوم الإنسانية أو لديهم خبرة وتفاعل في هذه المجالات مع الأساتذة والخبراء والمثقفين. لا تعتبر هيئة تحرير «مهرنامه» نفسها منظّرة أو باحثة، لكنها تنظر إلى كل ملف في «مهرنامه» كمشروع، وربما كنوع من أطروحة تعليمية وبحثية، تتبع القواعد المشتركة للصحافة والبحث؛ أي أن فيها طرح الموضوع أو الإشكالية، ودراسة النظريات، ورفض النظريات ونقدها والدفاع عنها، ودراسة المصادر والببليوغرافيا. في العامين الماضيين، بذلنا جهداً كبيراً للاقتراب في كل ملف من هذا الأسلوب العلمي والمهني عبر تقسيم الملفات إلى فصول.
هيئة تحرير «مهرنامه» هي في الوقت ذاته متسائلة، ناقدة وباحثة. نحن مخلصون لمنهج الصحافة النقدية ونستخدم منهج التحليل النقدي إزاء جميع التيارات السياسية والفكرية. يتجلى جزء كبير من هذه النظرة النقدية في صيغة الأسئلة التي نطرحها على الأساتذة، ويُنشر بعضها على شكل مقدمات ومقالات افتتاحية لكل ملف. تحتفظ «مهرنامه» لنفسها بحق النقد، حتى لو كان بدائياً أو طلابياً أو حوزوياً، لهيئة تحريرها الشابة. وإن اعتبره بعض الأساتذة عناداً!
تضع العلوم الإنسانية منهج تحليل قضايا الساعة في متناول هيئة تحرير «مهرنامه»، لا أن تكون هي نفسها موضوع «مهرنامه». لسنا مجلة متخصصة في نظرية المعرفة، بل نسعى إلى تطبيق منهج التحليل العقلي والتاريخي والتجريبي في «مهرنامه» لمعالجة قضايا الساعة (الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية والثقافية). نحن نأتي بالعلوم الإنسانية إلى المجال العام، لا أن نذهب بأنفسنا إلى المجال التخصصي.
«مهرنامه» مجلة تنتمي إلى المجال العام. جمهورنا هم المواطنون والطلاب والمثقفون المهتمون بنقاشات العلوم الإنسانية والذين اجتازوا مستوى من التعليم العام. لسنا مجلة متخصصة لا تصلح إلا لأساتذة العلوم الإنسانية.
تنظر «مهرنامه» في مجال العلوم الإنسانية إلى علمي الفلسفة والتاريخ نظرةً جوهرية ومنهجية. نظرة جوهرية لأنها تعتبر هذين العلمين أمَّ العلوم الإنسانية، ونظرة منهجية أي أنها تستخدم منهج الفلسفة في الاستدلال والاستنتاج المنطقي، ومنهج التاريخ في الدراسة الموضوعية والتجريبية لمفاهيم العلوم الإنسانية. نحن نعتبر العلوم الإنسانية ضمن العلوم التجريبية، ومن هذا المنطلق نطالب بإزالة الغموض عن العلوم الإنسانية.
تمنح «مهرنامه» الأولوية بين العلوم الإنسانية للمعارف الأكثر دقة وتجريبية. العلوم السياسية، والاقتصاد، والحقوق، وعلم الاجتماع هي من العلوم التي لقيت تجاهلاً في المجلات التنويرية في عصرنا مقارنة بالفلسفة (نظرية المعرفة) والإلهيات (علم الأديان). نحن نعتبر هذه العلوم ضرورة ملحة للمجتمع المدني الإيراني للانتقال إلى الديمقراطية.
تتذكر «مهرنامه» تقاليد جيدة للمثقفين الدينيين والمثقفين العلمانيين. لكنها، على عكسهم، لا ترى أن المشكلة الأساسية للمجتمع الإيراني هي علمنة الدين وإزالة الغموض عنه. إن نزع السلطة عن جميع المناسبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكذلك الدينية هو الشاغل الرئيسي لـ «مهرنامه». لقد أولى المثقفون الدينيون والعلمانيون (الذين يقتربون من بعضهم أكثر فأكثر كل يوم) في العقود الماضية اهتماماً مفرطاً لدور الدين في الحياة الإيرانية، وسعوا أحياناً إلى الحرية عبر نظريات مثل المادية الجدلية، أو نظريات مثل الحكم الديمقراطي الديني وأي نوع من الحكم الديني أساساً، وأحياناً عبر نظريات مثل العلمانية السياسية، لكن «مهرنامه» ترى أن الشرط الأول للوصول إلى الحرية هو التحرر من الدولةانية في الاقتصاد والدين والثقافة والحياة. وبهذا المنطق، لا تولي «مهرنامه» ولاءً لتقليد «التنوير الديني» ولا لتقليد «التنوير العلماني» ولا لتقليد «الأصولية الدينية» ولا لتقليد «التقليدية الدينية»، بل تطرحها جميعاً وتنقدها. نحن، بصفتنا «مراسل فكر» و«مؤرخ تفكير»، نعتقد أن «التحررية» وحدها هي القادرة على تغيير أي نوع من الاستبداد، من الشمولية الدينية إلى الشمولية العلمانية والشمولية الاشتراكية. لا يمكن الحكم على اهتمام «مهرنامه» بالمفكرين التحرريين في الاقتصاد والسياسة والحقوق والفلسفة إلا من خلال هذا التحليل.
ترغب «مهرنامه» في أن يحل المثقفون المتخصصون محل المثقفين العموميين. لقد ولى زمن المثقفين الكبار الموسوعيين. يمكن لكل مثقف أن يكون لديه مجال تخصصي في العلوم الإنسانية وأن يتجنب إبداء الرأي في مجال تخصصي آخر.
تعتزم «مهرنامه» تعريف الفاعلين التنفيذيين مثل السياسيين والمدراء والدبلوماسيين والتجار بالأسس النظرية لأعمالهم، وربط المثقفين وعلماء العلوم الإنسانية بالتجارب العملية لهؤلاء الأفراد. حواراتنا مع السياسيين والمدراء والدبلوماسيين (الذين يمكن أن يلعبوا دوراً مهماً في التحررية) هي من هذا القبيل، وليس من النوع الذي تتناوله المجلات الحزبية والتجارية والحكومية.
وأخيراً، ترى «مهرنامه» بعد عامين فراغاً في مكان الأفكار الليبرالية والبراغماتية في التنوير الإيراني، وتعتزم بتواضع، مع احترامها لدور المثقفين الدينيين في فهمنا لليبرالية ودور المثقفين العلمانيين في فهمنا للحداثة، ودون تأييد جميع أوجه الليبرالية، أن تطرح الليبرالية بمعناها العلمي في الفكر السياسي، دون الالتفات إلى معناها المغلوط في المجادلات والاصطفافات السياسية في إيران المعاصرة، نقداً وتمحيصاً. وفي الوقت نفسه، نعتقد أنه على الرغم من أن الحداثة جعلت عالمنا أكثر قبولاً، إلا أنه لا يمكن بلوغ الحداثة إلا بالرجوع إلى التراث، ونقد الحداثة أحياناً، وخصوصاً تجنب ما وصل إلينا تحت مسمى الدولة المطلقة الحديثة قدر الإمكان. قد تكون هذه النظرية قريبة من فكرة المحافظة، لكن لا ضير في أن الحرية قد يمكن اكتسابها في المحافظة والتمسك بالتراث. دون الدخول في الأدبيات السائدة للسياسة الإيرانية اليوم. إن اهتمام «مهرنامه» بموضوعات مثل الفلسفة الإسلامية والفقه الشيعي هو من هذا القبيل. ما زلنا نسعى إلى «تفسير العالم» لا «تغيير العالم»، فهذا ليس من شأن مجلة شهرية للعلوم الإنسانية، ولكن لتفسير هذا العالم الجديد نحتاج إلى ارتياد مجاهل. يبدو أن النزوع إلى الحرية والرأسمالية، والليبرالية والمحافظة، والمجتمع المفتوح وسيادة القانون هي من بين هذه المجاهل.
قال أحد أساتذة العلوم الإنسانية المشهورين ذات يوم: «الصحافة ليست سوى ملء الصفحات»، لكننا نعتقد أن الصحافة هي كتابة تاريخ الأفكار. لولا الصحفيون لظلت نظريات العلوم الإنسانية منفية في الكليات. هذا ما يخبرنا به تاريخ إيران المعاصر.
.
.
.
.
الفلسفة
العلوم السياسية
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.