اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يرى محمد قوجاني أن تغيّر مواقفه ليس استحالةً بل تحوّل طبيعي، ويعرّف التنوير الديني متجاوزاً به شريعتي وسروش. لا يزال مهتماً بهذا التيار، لكنه لا يقبل التسليم المطلق لأي فكرة.

ليس واضحًا مع أي أستاذ ملكيان نحن نواجه. هو نفسه منذ سن السابعة عشرة وحتى الآن (أطال الله عمره) يقول بوجود 5 ملكيانات: الأصولي، والتقليدي، والحداثي، والوجودي، والأستاذ اليوم الذي يتحدث عن مشروع «العقلانية والمعنوية». ورغم أنه قد عبر كل هذه الأطوار، إلا أنه بلا شك لا تزال حية في الأستاذ عروق فكرية ونظرية من كل طور./ نحن لا نعرف حتى ما الذي تعنيه السلفية في تعريف الأستاذ حتى نفتخر بالاتصاف بها أو ننفي عن أنفسنا هذه التهمة. لو أردت الصدق، في فهم مفهوم السلفية ونوع نفوذها في التنوير الديني، أنا شخصيًا متأثر بالأستاذ مصطفى ملكيان!
فرهنك امروز/ بهزاد جامهبزرگ: في الأسابيع القليلة الماضية، شكل صدور العدد الأخير من مجلة مهرنامه والهوامش المتأثرة به، وكذلك نشر مقابلة مع مصطفى ملكيان وضع فيها مهرنامه ورئيس تحريرها في مركز الهجوم والنقد، فصلاً آخر من النزاعات الفكرية والاصطفافات المنبثقة عنها. ما تقرؤونه في التالي هو ردود محمد قوجاني على أسئلة فرهنك امروز. أسئلة طُرحت تحت تأثير الجدالات الأخيرة، ومع الالتفات إلى بعض الإبهامات والشبهات القائمة حول مشربه الفكري في المطبوعات التي كان يوجهها في السنوات الماضية. أُجريت المقابلة بناءً على رغبة محمد قوجاني بشكل مكتوب، وما يحدث دائمًا في هذا السياق، بالإضافة إلى بعض سوء الفهم وسوء التفاهم اللغوي، هو عيب طرح الأسئلة الفرعية وتحدي المُقابَل في طرح بعض الادعاءات. وهذه المقابلة لا تخلو من هذه الإشكالات.
سيد قوجاني! في الأسابيع الأخيرة تشكلت مباحث وانتقادات حول شخصكم ومجلة مهرنامه، والتي برأيي لا يمكن اختزالها في نزاع شخصي بين الأفراد. ما أتحدث عنه يشمل بالأحرى نزاع ثلاثة تيارات فكرية على الأقل في البلاد مع بعضها البعض: النيوليبراليون، واليساريون الوطنيون، والمتنورون الدينيون، الذين، بصرف النظر عن أنهم قد يقتربون من بعضهم في بعض المواضع، قد برزوا اليوم إلى ساحة الظهور في قالب فعل ورد فعل على بعض الإجراءات التي قام بها محمد قوجاني في مهرنامه. ومن هنا فإن هذه التوترات تكتسب أهمية لا من جهة تحليل رد فعل فرد أو مجموعة على مطالب مجلة وشخص، بل من جهة فهم مواقف واهتمامات التيارات المذكورة الراهنة. لذا أنوي أن نفحص معًا جذور بعض الصراعات اليوم. وللبدء، سأبدأ من الاستحالة الفكرية لشخصكم، التي هي مدعاي ومدعى بعض منتقديكم أيضًا. محمد قوجاني الذي كان يومًا شديد الاهتمام بتيار التنوير الديني وبوجوه مثل عبد الكريم سروش، وكانت المطبوعات التي يوجهها متأثرة إلى حد كبير بنظريات المتنورين الدينيين، ماذا حدث حتى تحدث فجأة عن «نهاية السروشية» واقترب من سيد جواد طباطبايي ورضا داوري أردكاني كقطبين مقابلين لسروش في الفضاء الفكري الإيراني؟
ما تذكرونه أنتم بعنوان «الاستحالة الفكرية» هو «تغير» طبيعي وعقلي في كل إنسان يقرأ ويفكر ويكتب ولا يبقى في مكانه ولا يتجمد ولا يصل إلى الجمود ولا يقبل التحجر. لو لم أكن قد تغيرت لكنت أجدر بالملامة مما أنا عليه الآن، حيث تغيرت، كما تقولون...
أما بعد... فاهتمامي بـ«التنوير الديني» لا يزال قائمًا. ما زلت أقرأ آثارهم وآراءهم بدقة وأتعلم منها وأنشرها. بصفتي المهنية (الصحفية) وبصفتي الدراسية (العلوم السياسية) على حد سواء، أرى أن التنوير الديني هو من أهم التيارات الفكرية الإيرانية المعاصرة وأكثرها تأثيرًا (وليس بالضرورة أفضلها وأنجحها). لكن لا الصحافة ولا الدرس الأكاديمي يسمحان لي بأن أتقبل آراء أي فرد أو نحلة – بما فيها تيار التنوير الديني – بلا «لمَ وكيف» و«لكن ولعل». ربما يكون من الضروري هنا أن ننقح بعض المصطلحات:
«التنوير الديني» كما تراه أنت وكثيرون يشمل المدرسة الفكرية «شريعتي/ سروش» (مع كل الاختلافات بينهما)؛ لكن هذا الحصر ليس منطقياً من وجهة نظري. لا شك أن المرحوم المهندس مهدي بازركان له فضل السبق على هذين العَلَمين الكبيرين، وهو الذي حظي في مسيرتي الصحفية باهتمام مقرون بالتأمل يفوق كل شخصيات تاريخ إيران المعاصر. بازركان هو أب تيار «التنوير المتدين» في تاريخ إيران المعاصر، وأنا أعتبر المسيرة السياسية لذلك الرجل العظيم ناجحة في مجملها؛ وإن كنت لا أراه معصوماً. من جهة أخرى، وباستثناء شريعتي وسروش وتلامذتهما، يمكن اعتبار كثير من مفكري الجامعة والحوزة ضمن مشروع «التجديد / التنوير الديني»، وقد كانت مجلة مهرنامه سبّاقة في تناولهم: المدرسة الفكرية لآية الله حسينعلي منتظري هي أهمها، وقد أوليناها اهتماماً بالغاً في مهرنامه، وكذلك المرحوم آية الله صالحي نجفآبادي، والمرحوم الأستاذ أحمد قابل، والمرحوم الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري، ومن الجيل الأصغر محمدعلي إيازي وعماد الدين باقي... سمعت أن أصدقاء «التنوير الديني من نمط الدكتور شريعتي والدكتور سروش» لا يعدّون هؤلاء في عداد نحلة التنوير الديني، ويطلقون عليهم في أحسن الأحوال لقب المجددين الدينيين، لكن هل هؤلاء الأصدقاء هم المكتب السياسي للتنوير الديني؟
وفضلاً عن ذلك، وكما أشرتم، فقد أتحت أنا وزملائي مراراً وتكراراً الفرصة للمنورين الدينيين الجدد لعرض أفكارهم. من همشهري (1379-1382) وشرق السابقة (1382-1385) إلى همميهن واعتماد ملي (1388) وشهروند امروز ومهرنامه وغيرها... مراراً، وإلى أن مُنعت جميع وسائل الإعلام الداخلية لأسباب سياسية وحكومية من نشر آراء الدكتور سروش (رسمياً وغير رسمي)، كانت صفحاتنا تحت تصرفه، بل في ذروة أحداث عام 1388 خُصص المجلد الأول من مهرنامه لحوار بين سروش دباغ وإحسان شريعتي، وفي العدد نفسه نُشر حديث للدكتور عبد الكريم سروش عن مولوي، وكان نشره في تلك الظروف محفوفاً بمخاطر كبيرة. ومع أن مجلة «نسيم بيداري» نشرت مؤخراً مقالاً له، وأُعيد طبع كتبه السابقة، مما قد يكون مؤشراً على تحسن الأوضاع، إلا أن العائق الرئيسي أمام نشر آراء الدكتور سروش في إيران يظل هو المضمون السياسي – الديني لتلك المقالات في نقد الحاكمية والتدين، ومنع الحكومة من نشر هذه المقالات، لا غير. ولو لم نكن معرضين للتوقيف والتعطيل، ومع كل انتقاداتنا لبعض مواقف الأستاذ الدينية، لما امتنعنا عن نشرها ودراستها فحسب، بل لكنا استقبلناها.
على أية حال... لنعد إلى سؤالكم: «كيف حدث أن تحدثنا فجأة عن «نهاية السروشية»؟»
الحقيقة أنه لم يحدث فجأة! كان هاجسي الأساسي كطالب في المدرسة ولاحقاً كطالب للعلوم السياسية في عقد التسعينيات هو الجمع بين التدين والنزعة التحررية. في نظري، «الدين» هو أهم مكونات «التقليد»، و«التقليد» هو أهم مكونات الثقافة الإيرانية ولا يمكن تجاهله، و«الحرية» هي أسمى قيمة اجتماعية حتى قبل «العدالة». من البديهي أنه لا ضرورة لأن أشرح سبب تديني (باعتباره أمراً خاصاً). يكفي أن هذا الهاجس كان ناشئاً من تنشئة أسرية ومنبثقاً من المواجهات التي كانت موجودة في فضائي المحيط. منذ مراهقتي كنت شاهداً على الجدل الفكري بين الماركسية والإسلام، وللإجابة عن أسئلتي كنت أرجع إلى آراء شريعتي ومطهري ثم سروش الذي كان في نظري جامعاً للاثنين. مطالعة الصحف وخصوصاً دراسة منشورات «سلام» و«كيان» قادتني نحو تيار التنوير الديني والجناح اليساري الإسلامي، لأنني مع تجنبي لليسارية لم أرد أبداً أن أقع في فخ اليمينية، ومن هنا اتجهت إلى جناح خط الإمام آنذاك، حتى أنني نشرت عدة مقالات واردة في سلام وواحدة في «كيان» كانت رداً على محمد جواد لاريجاني. عندما جئت إلى طهران وأصبحت طالب علوم سياسية، أضفت إلى درسي تلمذتي على التنوير الديني. كنت أحضر حيثما كان للدكتور سروش برنامج. وبالتبعية والطبع، اخترت من بين الأحزاب السياسية «منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية الإيرانية»، ومن خلال التعاون مع نشرة «عصر ما» صرت من أنصار المنظمة. كان ذلك أوج التنوير الديني واليسارية الإسلامية، ورغم أن الأصدقاء اليساريين لم يكونوا على وفاق مع سروش وكانوا بصدد نقده، إلا أنني كنت أميل إلى الجمع بينهم. حتى جاء الثاني من خرداد. وتحولت الحكومة إلى مختبر لآراء التنوير الديني واليسار الإسلامي. وكما قال الدكتور: «العقيدة في الاختبار». تدريجياً ظهرت التناقضات. «نظرية الحكومة الدينية الديمقراطية» كانت أهم نظرية سياسية للتنوير الديني وقد أصيبت بأزمة. ورغم أن حكومة قريبة من المثقفين الدينيين وصلت إلى السلطة، إلا أن تعايشها مع الأصوليين الدينيين كان يسير بصعوبة ومشقة، وانتهى الأمر إلى عدم الكفاءة وازدواجية الحكم. صار الجمع بين الدين والديمقراطية صعباً وطُرحت أسئلة أكثر جدية لم يكن التنوير الديني في نظري قادراً على الإجابة عنها. الهزيمة الأساسية حدثت عام 1379 وبدأت الانشقاقات الأولى من الجناح اليساري. أحد أهم تلامذة الدكتور سروش، أي أكبر كنجي، كتب «مانيفست الجمهورية» الذي كان متأثراً إلى حد كبير بالدكتور مصطفى ملكيان في نقده للتنوير الديني واليسار الإسلامي واعتبره قد انتهى. كان كنجي في الوقت نفسه ينقد نظرية «الديمقراطية الدينية» لسروش واستراتيجية «المشروطة» لسعيد حجاريان... في ذلك الوقت كان كل من باقي وكنجي في السجن. في زنزانة واحدة... بسبب العلاقة التي وجدتها مع باقي كنت أذهب لزيارته وبالطبع كنت أرى كنجي أيضاً. في تلك الأيام أعطاني أكبر كنجي النسخة الأولى من «مانيفست الجمهورية»، وعند قراءتها أدركت أن جيلاً من التنوير الديني قد بلغ نهاية الطريق. مانيفست الجمهورية، رغم أنه كان رسالة اقتباسية، إلا أنه كان له أهمية تاريخية تعادل بيان تغيير الأيديولوجيا لمنظمة مجاهدي خلق. في نظري، أدرك أكبر كنجي في السنوات الأخيرة خارج إيران أن ذلك النقد كان راديكالياً أكثر من اللازم، ودافع مراراً عن التدين والمثقفين المتدينين، لكنه استطاع في تلك الرسالة أن يُظهر تناقضات سروش بشكل جيد من الناحية النظرية. كنجي تحت تأثير ملكيان، وملكيان ربما بصورة لا واعية تحت تأثير محمد تقي مصباح يزدي، كان قد بسط أسئلة آية الله نفسها حول الدكتور، وبدلاً من أن يصبح أصولياً كمصباح أصبح حداثياً كملكيان. الأسئلة كانت واحدة لكن الأجوبة اختلفت. كلاهما (مصباح وملكيان) فهما أن الديمقراطية تتعارض مع التدين في مواضع، لكن أحدهما انحاز إلى الديمقراطية والآخر انحاز إلى الدين. في ذلك الوقت كتبت رأيي موجهاً إلى كنجي بشكل خاص، وقلت له إنكم ترون الطريق إلى الديمقراطية محصوراً في العلمانية الفرنسية، فانتبهوا أيضاً إلى التجربة الإنجليزية والأمريكية. أنا بناءً على دراسة آراء آية الله مطهري وآية الله منتظري، وكذلك في مصاحبة عماد الدين باقي، لم أكن أرى الطريق محصوراً في هذين المسارين، حيث كان للتدين دور محوري في طريق الحداثة. بالطبع كنت أرى هذين المجتهدين (مطهري ومنتظري) أكثر تقليدية من أن يستطيعا حل المعضلة الأهم، أي نسبة الحداثة والتدين. الصدع الأساسي الذي كان ينبثق منه تضاد الثيوقراطية والديمقراطية، لذا لم أحصر نفسي في هذا الفكر.
في تلك الأيام ذاتها، عاد سيد جواد طباطبائي إلى إيران بعد سنوات طويلة من الغياب عنها. كان طباطبائي قد أُقصي من الجامعة في النصف الأول من عقد السبعينيات، في تلك الفترة التي كانت فيها وزارة العلوم لا تزال بيد التيار اليساري، وذلك بضغط من التيار اليميني، ولم يتأوه أحد أسفاً عليه. كانت جريمة طباطبائي هي «إعادة تعريف» المقررات الدراسية للعلوم السياسية، وبينما كان بعض أفضل مثقفي اليسار الإسلامي من طلابه، أُقصي بهذه السهولة من الساحة العلمية في البلاد. كان مشهوراً عن طباطبائي أنه قومي وعلماني بل وملكي! (في تلك الأيام لم يكونوا قد وجهوا إليه بعد تهمة الماركسية الجديدة) لكننا كطلاب علوم سياسية كنا نعرف أن طباطبائي ليس سوى أستاذ للفكر السياسي، وبالصدفة كان ملماً بالفكر الإسلامي، وفيما يتعلق بالقومية، لم يكن سوى اهتمام طباطبائي الأكاديمي بـ«إيرانشهر» هو منشأ هذه التهمة.
في عام 1379 كنت قد خرجت للتو من السجن، وكنت بفضل محمد عطريانفر رئيساً لتحرير ملحق صحيفة همشهري. وصلت التموجات الناجمة عن النقد الداخلي للتنوير الديني إلى صفحات الصحيفة أيضاً. وكانت الأزمة النظرية لدولة الإصلاحات سبباً مضاعفاً. كان المثقفون العلمانيون ينتقدون التنوير الديني جنباً إلى جنب مع الأصوليين الدينيين؛ أشخاص مثل رامين جهانبكلو... كان سروش قد وجد منتقدين جدداً غير المتدينين: العلمانيين... لكن كل شيء لم يكن محصوراً في هذين التيارين أو الثلاثة: فبالإضافة إلى مجموعة من المثقفين الدينيين (في الداخل) وبشكل خاص مدرسة آية الله منتظري، تُرجمت آراء سيد حسين نصر تدريجياً واتضح أن هذا التقليدي الملكي!!! (التهمة التي كان يوجهها بعض المثقفين الدينيين لنصر، ورغم أنها بدت صحيحة إلا أنها كانت تشبه لائحة اتهام سياسية) لم يذهب بعيداً عن الصواب كثيراً في فهم الحداثة، كما أعيدت قراءة كتابات رضا داوري أردكاني واتضح أن الشخص الذي كان يُفترض أنه المنافس المحافظ لسروش كانت له علاقة أوضح مع رئيس دولة الإصلاحات، وكذلك كان سيد جواد طباطبائي قد عاد إلى إيران وهو يتحدث عن «حداثة أخرى». في عام 1381، ذهبت إلى سيد جواد طباطبائي وأجريت معه حواراً بتعريف من الدكتور علي رضا رجائي الذي كان هو نفسه تلميذاً لرضا داوري، وكان على عكس الدكتور سروش الذي اعتبره من «قبيلة» التنوير الديني، يكن اهتماماً كبيراً بداوري وطباطبائي. في ذلك الحوار (الذي نُشر في ملحق صحيفة همشهري وكان أول حوار لطباطبائي بعد عودته إلى إيران) أدركت كم هي الأكاذيب التي قيلت عنه. لم يكن ملكياً، ولا متعصباً لإيران، ولا نافراً من الدين... لا أعرف كم كان فهمي لطباطبائي مرتبطاً به، لكنني فكرت أنه يمكن متابعة المشروع الذي ضل طريقه للجمع بين الحرية والدين عبر «ليبرالية محافظة» (نزعة تحررية مهتمة بالتقليد). كان طباطبائي ومنتظري قد أتيا من منطلقين منفصلين: أحدهما من داخل الحداثة والآخر من داخل التقليد. لكن بدا لي أن هناك إمكانية للتحاور بينهما على النحو التالي: «1- السعي لفهم التقليد (الإيراني/ الإسلامي)، 2- استخراج السؤال من داخل الحداثة، 3- والسعي لجعل التقليد الذي أصابه العقم مثمراً ومخصباً.» [كتبت هذه الآراء لاحقاً بشكل أكثر تجسيداً في كتاب «ثلاثة إسلامات». كتاب جعلت فيه تجربة آية الله السيستاني في الفقه السياسي الشيعي محوراً لنقاشي.].
لقد اتضحت جهود طباطبائي في السنوات اللاحقة أكثر. كان يرى نفسه ليس منظّراً، ولا نبياً، ولا مثقفاً، ولا علامة، بل باحثاً في الفكر السياسي. حينما اعتلى سيد جواد طباطبائي المنصة بإصراري في مؤتمر الذكرى المئوية للثورة الدستورية (الذي أُقيم بهمة أحمد بورقاني وسيد مصطفى تاج زاده وصحيفة شرق في فترة رئاستي للتحرير) وتحدث عن أهمية الآخوند الخراساني في فكر الدعوة إلى الدستور، أصيب الجميع بالدهشة، وقال لي تاج زاده – الذي كان تلميذاً لطباطبائي في جامعة طهران – بهدوء في أذني: «كنت أظن أنه سيعكر صفو المؤتمر بأحاديثه في نقد الدين، لكن طباطبائي صار مثل جلال آل أحمد!...» [تشبيه كان قصد تاج زاده منه بلا شك مدح طباطبائي، لكن مما لا شك فيه أيضاً أن طباطبائي ينزعج من تشبيهه بجلال!]
لكن الالتفات إلى سيد جواد طباطبائي لم يكن استبدال «نبي فلسفي» بـ«نبي فلسفي آخر». في عصر ازدهار الفكر في سنوات 1373-1379، ظهر تدريجياً مبشرون كثر كان الجمع بينهم صعباً. كان عصر الهروب من الأيديولوجيا، وكان الأيديولوجيون قد ماتوا.
كان عقد الثمانينيات عقد احتكار التنوير في «الجمعية الإسلامية للمتنورين». كانت ذروة النزاع التنويري بين سروش وداوري، وقد انتهى ذلك النزاع لصالح سروش نظراً لنفوذه في السلطة آنذاك. اتهمت مجلة كيهان الثقافي التي كان يديرها تلامذة سروش داوري بالقرب من البلاط البهلوي، فحُذف داوري من تلك المجلة. لكن عقدي التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين كانا عقد التعددية: كان حسين بشيرية يكتب كراريس جديدة للعلوم السياسية، وكانت كتب داريوش شايغان وسيد حسين نصر تُنشر في إيران، وعاد شايغان وطباطبائي إلى إيران، وازداد الاهتمام بداريوش آشوري وعزت الله فولادوند. حتى آراء داوري وديناني قُرئت بشكل أفضل في هذه السنوات. والأكثر إثارة للاهتمام من كل ذلك كان المحاكاة الداخلية للتنوير الديني: كان السيد مصطفى ملكيان في أوج التشكيك إزاء التنوير الديني، وكما قال بنفسه، فقد وصل بعد سنوات الأصولية (1352-62) وسنوات التقليدانية (1363-67) وسنوات التحديثية (1367-74) إلى سنوات الاهتمام بالوجودية (1374-80). يقول هو نفسه إنه منذ عام 1374 وبتعبير آخر منذ عام 1376 تخلى عن التنوير الديني لأنه كان يرى المشروع غير ناجح ولا يزال يراه غير ناجح (مهرنامه، ع 32، ص 53). طبعاً لم يكن الأستاذ قد وصل بعد إلى العقد الأخير ليطرح «نظرية العقلانية والمعنوية»؛ لكنه كان أول من رفع راية الخروج من التنوير الديني. فأي عجب إذن إن لم يفعل باحث مثلي ذلك ولم يسأل، ولم يزدد في سؤاله جزماً يوماً بعد يوم بأن:
1- من الناحية اللاهوتية، كيف وصل التنوير الديني عملياً إلى نقطة بلغ فيها، بدلاً من التجديد في الدين، إلى المراجعة في الدين، حتى إن الدكتور سروش دباغ يتحدث عن «المتنور الديني غير المتدين»؟! أتذكر أن الدكتور سروش كان في دروسه في مسجد الإمام جعفر الصادق في أقدسية بطهران (التي وردت نصوصها أيضاً في أعماله المتقدمة) مدافعاً في البداية عن مشروع إحياء الدين، وكان يسعى إلى الإحياء على نهج الملا محسن الفيض الكاشاني وحجة الإسلام محمد الغزالي، كما كانت له سابقاً في «تفرج صنع» كلمات واضحة في نقد نظرية التنمية؛ ثم تعلق قلبه بإصلاح الدين والشريعة وتحدث عن القبض والبسط النظري للشريعة وتطور المعرفة الدينية. لقد تم عملياً تحويل «دين الإسلام» في التنوير الديني إلى معنوية بقراءة الدكتور مصطفى ملكيان. شيء في مصاف البوذية... يكفي أن نرجع إلى آراء الدكتور سروش والدكتور مجتهد شبستري بشأن القرآن. الدين الذي كان من المقرر أن «يُصلح» أو «يُحيى» (وهو نفسه معرض لخطر السلفية) قد تغير الآن. أنا بالطبع لست مدعياً لعلم الدين ولا مدعياً للبحث في الدين، ولكن من منظور تاريخ الفكر السياسي، فإن هذا التغير في الدور من «الدين السياسي» في آراء التنوير الديني إلى «الدين المعنوي» مثير للاهتمام بالنسبة لي. لقد كتبت تقريراً مفصلاً بهذا الشأن في العدد 27 من مهرنامه (آذر 1391) بعنوان «رسالة سروش/ حكاية داوري» حيث يوجد تفصيل القول... خلاصة الكلام هي؛ نعم يمكن أن يكون المرء «باحثاً دينياً غير متدين»، أما «المتنور الديني غير المتدين» فهو المربع المثلث أو ماء الحصرم المعدني.
2- من الناحية الاجتماعية، يبدو أنه في عالم اليوم ليس التنوير الديني فحسب، بل أصل التنوير ذاته موضع شك. كان المتنورون نخب عصر التنوير الذين حاربوا الخرافات باسم العقل الخالص. لكن في زماننا هذا، حيث تخصصت العلوم الإنسانية، لا يمكن لسردية كبرى باسم التنوير أن تفسر العالم. الاقتصاديون وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة والحقوقيون، لكل منهم مهارة ومعرفة لا تجتمع في علامة حكيم واحد. كلهم فلاسفة نوعاً ما، لكن عملهم ليس التفلسف، بل البحث. للوصول إلى الحرية والديمقراطية لا يمكن الرجوع فقط وفقط إلى مرجع تقليد تنويري واحد. آراء شريعتي حول الاقتصاد الحر وآراء سروش حول الديمقراطية ناقصة بشدة. فهم شريعتي للاقتصاد الحر والتحليل الطبقي خاطئ، وإدراك سروش للعلاقة بين الديمقراطية والحرية ناقص. إن ترجمة الدكتور سروش للمجتمع المدني إلى المجتمع الأخلاقي هي للأسف علامة على عدم كفاءة اللاهوت في فهم السياسة. حتى لو كان لاهوتاً جديداً، أو علماً جديداً للكلام، أو تنويراً دينياً. كان شريعتي بالطبع عالم اجتماع مشهوراً، وسروش متكلماً حاذقاً، وكلاهما خطيبين بارعين، لكن سردياتهما الكبرى ناقصة بشدة وغير مكتملة ومبهمة.
۳- من الناحية المعرفية، فإن الجمع بين التنوير والتدين في تركيب «التنوير الديني» محل تأمل. يمكن أن يكون هناك «مثقف متدين» (كما كان مهدي بازرغان وإبراهيم يزدي وآل سحابي) لكن «التنوير الديني» تركيب أيديولوجي يعود تاريخه إلى عقدي الستينيات والسبعينيات. حتى شريعتي كان يتحدث عن التنوير «المذهبي»، وكان بازرغان وسحابي أقل استخداماً لهذا التعبير. النقطة هنا هي: إذا كان التنوير الديني يهتم بالدين بوصفه «إيماناً» (تديناً) فهو في الواقع يدخل في الحيز الخاص للأفراد، وهذا أمر مذموم بحكم العقل وبحكم الشرع معاً. فكم من مثقفين غير متدينين (مثل الدكتور أمير ناصر كاتوزيان) كانوا ملتزمين بالشريعة، وكم من مثقفين دينيين ليسوا ملتزمين بالشريعة (أولئك الذين يسميهم سروش دباغ بالمثقف الديني غير المتدين). أما إذا كان التنوير الديني يهتم بالدين بوصفه علماً إلهياً (دراسة الدين)، فهذه حرفة لا تستدعي كل هذا التمايز، والعلم أساساً لا نسبة له بالأيديولوجيا. وبهذا المعنى تكون آن ماري شيمل أو هنري كوربان أيضاً مثقفين دينيين (وهو ما لم يكوناه بالطبع!). ثمة معنى ثالث ممكن للتنوير الديني، وهو المثقفون المتدينون الذين يعتقدون بـ «الدين السياسي». ومن البديهي أنه مع قبول «العلمانية السياسية» من جانب المثقفين الدينيين، فإن هذا المعنى القائل بأنهم يسعون إلى تأسيس حكومة دينية يصبح منتفياً أيضاً. وهكذا صار اسم المثقف الديني اسماً بلا مسمى. وحتى تعابير مثل داخل-ديني وخارج-ديني تفقد استخدامها تدريجياً وتتحول إلى مفاهيم معرفية، وسيكون تعبير المجتهد أو الباحث الديني أكثر استحقاقاً للمثقفين داخل-الدينيين. إن مقولة المثقفين الدينيين ليست سوى مقولة تاريخية تحولت إلى هوية اجتماعية لبعض الأفراد ولا تحمل معنى معرفياً. إن علماء الدين، شأنهم شأن علماء الاجتماع وعلماء السياسة والاقتصاديين، هم إحدى طوائف العلوم الإنسانية، وعليهم في فهم الدين أن يستفيدوا من المنهج العقلي والتجريبي، لا يهم إن كانوا متدينين أم لا، فهذا شأن بينهم وبين خالقهم. أتذكر أنه في عقد السبعينيات نفسه، في نقد كتبه هوشنغ كلشيري لترجمة بهاء الدين خرمشاهي للقرآن، اعترض المترجم على الناقد قائلاً: ما شأنك بالقرآن؟! كما يهاجم اليوم الأستاذ مصطفى ملكيان سيد جواد طباطبائي قائلاً: ما شأن ماركسي بـ «الليبرالية والتدين»...
والنتيجة هي أن معنى التنوير الديني يصبح كل يوم أكثر تاريخية مما كان بالأمس. لقد طرحتُ هذه الهواجس شخصياً على الدكتور سروش مرتين، مرة برفقة السيد عطريانفر في مكتب منشورات صراط، ومرة أخرى في منزل السيد جلايي بور في حفلة لأصدقاء المثقفين الدينيين. وقد استمع الدكتور، كما هي عادة الأستاذ الكبير، إلى كلامي بإصرار ولطف، وأبدى ملاحظات كانت في نظري جديرة بالتأمل، لكن هذه الحوارات لم تستمر بسبب الأجواء السياسية للأعوام الأخيرة وبُعده عن متناولنا. ما زلت بالطبع أعتبر الدكتور سروش من أذكى وأحكم المفكرين المعاصرين، وأتمنى أن أتحاور معه مرة أخرى. إنني أحمل هذه الأمنية لأنني ما زلت آمل في بزوغ نظرية الدكتور سروش حول «النزعة الاعتزالية الجديدة»، وأعتقد أنه يمكن من موقع هذا الفكر (التجديد الديني) أن تُقال كلمات جديدة. وكما استنتجت من خطابه الأخير حول علاقة الإسلام بالليبرالية، فإن الدكتور سروش نفسه قد أصبح واعياً بمحدوديات «التنوير الديني»، حيث قال بنفسه: «التنوير الديني ليس أعظم شأناً من النبوة حتى يبلغ الخاتمية!». وأنا أيضاً أؤكد، كما يقول المثل المعروف، أننا جميعاً نقف على أكتاف التنوير الديني، ولا ننكر أبداً دور هذا التيار الفكري في فهم التحديث والتدين، ولكن حتى الأطفال يبلغون الرشد يوماً ما!
لقد قلت في مقابلة أجريتها معك العام الماضي (والتي لم تُنشر بعد وهي محفوظة عندي): «لقد حاولت منذ طفولتي ومراهقتي أن أتجاوز فكرة أن أجد كل شيء في شخص واحد وأتخذه نبياً لي». وسأرد على هذا الادعاء بالقول إنه صحيح أنك لا تقيم علاقة من طراز نبي مع شخص واحد، بل إنك اخترت لنفسك أنبياء متعددين في مجالات مختلفة – فعلى سبيل المثال، تجري بينك وبين موسى غني نجاد علاقة من طراز نبي في مجال الاقتصاد – والسؤال هنا هو: كيف يمكن أن يولد من الجمع بين هؤلاء الأنبياء منظومة فكرية واحدة؟
كأنكم لا تؤمنون بختم النبوة! على أي حال، ليس لي نبي سوى محمد (ص) وأنا أقرأ آثار جميع أساتذة العلوم الإنسانية. لكي تعرفوا كيف يمكن الجمع بين هذه الآراء، أقدّم مقدمة وبضع نقاط:
لا ينبغي أن يؤدي تجاوز السرديات الكبرى والأيديولوجيات العظمى في ميدان الفكر إلى أن نصاب بالتناقض والعجز في ميدان السياسة. إن أهم نقطة ينبغي تعلّمها من هزيمة التنوير الديني هي ما يعلّمنا إياه ريتشارد رورتي: «أولوية الديمقراطية على الفلسفة». أنا لا أرفض أياً من المشاريع اللاهوتية للتنوير الديني، بل أعتقد أنه ينبغي مواصلة العمل بها جميعاً في المحافل العلمية والدينية والحوزوية والجامعية، لكن الإصلاح السياسي ليس مرهوناً بالإصلاح الديني أو الفلسفي. في رأيي، يمكن لليبرالية، لا كأيديولوجيا بل كمنهج وأسلوب حياة سياسي (الليبرالية السياسية)، أن توصلنا عملياً إلى الحرية. وكما قلت سابقاً في ندوة أسبوعية مثلث، لا أصرّ على لفظ الليبرالية، وأستخدمه فقط لتقريب المعنى (وقد أجريت حواراً تحليلياً حول هذا الموضوع مع إحدى وكالات الأنباء، لكنها لم تنشره بعد)، ربما كان تعبير التحررية أو الفكر الحر تعبيراً أنسب، لكن على كل حال، فإن قبول مؤسسة الانتخابات، والبرلمان، والتحزب، وحكم القانون، ومثال التنمية... هي من ثمرات الليبرالية. أما الليبرالية المعرفية والفلسفية والدينية فيجب بالطبع مناقشتها في المدارس والكليات، لكن الليبرالية السياسية هي واقع حياتنا اليومية، وهذه الليبرالية هي التي تعلّمنا أنه لا يمكن بلوغ الديمقراطية دون تنمية. في الأيام الأخيرة، قال أحد المثقفين المترجمين إن أولوية التنمية على الديمقراطية تؤدي إلى الفاشية! المثير أن هذا المفهوم مأخوذ من آراء هذا المترجم العزيز نفسه الذي ترجم كتاب ريتشارد رورتي وقام بتحرير كتاب فريد زكريا. نعم، الحرية مقدّمة على التنمية، لكن التنمية مقدّمة على الديمقراطية، لأن الديمقراطية دون تنمية أشبه بالشعبوية المحضة! لم يتحدث أي ليبرالي حتى الآن عن أولوية التنمية على الحرية، لكن الجميع يسلّمون بأولوية التنمية على الديمقراطية. هذا المعنى للديمقراطية وتمييزها عن الحرية ينبغي تعلّمه لا في اللاهوت، بل في العلوم الاجتماعية. والآن، بالعودة إلى سؤالكم، يمكن الالتفات إلى طيف واسع من أساتذة العلوم الإنسانية في طرح هذه المفاهيم، والدكتور موسى غني نجاد هو أحد أهمهم، لكن أسماء مثل الدكتور محمد طبيبيان، والدكتور مسعود نيلي، والدكتور سيد جواد طباطبائي، والدكتور محمود سريع القلم، والدكتور أحمد نقيب زاده، والدكتور داود فيرحي... من أساتذة العلوم السياسية والاقتصاد ينبغي الالتفات إليها أيضاً. هؤلاء الأساتذة ليسوا أنبياء، هم معرضون للسقوط كل يوم، وأحياناً يتفوق عليهم تلامذتهم. في الواقع، ينبغي الاهتمام بالنظرية بدلاً من الأستاذ. في رأيي، يمكن لمن يدافع عن المبادئ الأربعة: حكم القانون، والاقتصاد الحر، وحقوق الفرد، والتسامح الثقافي أن يتحدث عن الحرية، وكل من يتحدث عن هذه المفاهيم يمكن اعتباره تحررياً وفكراً حراً (أو ليبرالياً). من الضروري التذكير بأنني لا أدافع عن الليبرالية كأيديولوجيا، فالليبرالية هي أيديولوجيا لنفي الأيديولوجيات. كما أنني لا أدافع عن الليبرالية الفلسفية التي قد تتعارض مع التدين. أنا أدافع عن الليبرالية السياسية (الديمقراطية الليبرالية) التي هي منهج وأسلوب لحل النزاعات السياسية، والديمقراطية بالطبع جزء منها، وليس كلها. لقد تعلمت نظرية حكم القانون في هذا الفكر من سيد جواد طباطبائي، ونظرية الاقتصاد الحر من موسى غني نجاد، ويمكن في رأيي تعلّم تتابعها في فهم أهمية مؤسسة التنمية من محمود سريع القلم، وبالطبع يمكن تعلّم المبادئ الحكمية لهذا التبيين للحرية في الآراء الفلسفية للأستاذ الدكتور مهدي حائري يزدي. هل ترون أن الجمع بين هؤلاء المدرّسين الأربعة للعلوم الإنسانية (طباطبائي، غني نجاد، سريع القلم، ومهدي حائري يزدي) أمر مستحيل؟
اللافت هنا أن الدكتور مصطفى ملكيان تحدث مؤخراً أيضاً عن الديمقراطية الليبرالية باعتبارها أفضل أنواع الحكم، لكنني لا أستطيع القبول بأن جميع المثقفين الدينيين ليبراليون لأستجيب لدعوة الأستاذ إلى هذا الائتلاف السياسي. لأدلة متعددة أعتقد أن المثقفين الدينيين ما زالوا يدافعون عن الديمقراطية الاجتماعية، وأهم دليل لدي هو تحالفهم مع المؤسساتيين الاقتصاديين، وبالطبع مثال آخر على ذلك هو كلام الأستاذ ملكيان الأخير حيث قال إنه لا يقبل بفريدريش فون هايك! (اندیشه پویا، نوروز ۹۴) في الواقع، إن المثقفين الدينيين، بقدر ما تحدثوا عن «الإنسان المعنوي»، لم يشيروا قط إلى أهمية «الاقتصاد الحر» في تكوين «الحكم الحر». لذلك، وخلافاً لتصور الأستاذ، فإن تيار «التنوير الديني» ليس ليبرالياً، وبالطبع فإن مهرنامه ليست حزباً سياسياً كي تقبل اقتراح الائتلاف مع هذا الطرف أو ذاك!
في نص نشره هومان دوراندیش مؤخراً في الفضاء الافتراضي عن حواره مع مصطفى ملكيان - والذي يمكن من خلال ما قيل وما لم يُقل فيه التخمين بأن المقابلة تعود لأشهر مضت - وردت تصريحات تستدعي التأمل بخصوص منهجك الفكري ومجلة مهرنامه، وأهمها ترويج مهرنامه للسلفية. ما هي الصلة التي تراها بين هذا الاتهام ومحتوى مهرنامه؟
في مواجهة الأستاذ مصطفى ملكيان توجد عدة مشكلات:
۱- ليس واضحاً أي أستاذ ملكيان نواجه. هو نفسه يقر بأن له، منذ سن السابعة عشرة وحتى الآن (أطال الله عمره)، خمس شخصيات فكرية: الأصولي، والتقليدي، والحداثي، والوجودي، وأستاذ اليوم الذي يتحدث عن مشروع «العقلانية والمعنوية». ورغم أنه تجاوز كل هذه المراحل، إلا أنه بلا شك لا تزال حية في الأستاذ عروق فكرية ونظرية من كل مرحلة. على سبيل المثال، في هذه الأيام التي نُشرت فيها تلك المقابلة واتُهمت مهرنامه بالسلفية، صدر آخر كتاب للأستاذ بعنوان «في مهب الريح وحارس الزنبق» في مجلدين (نگاه معاصر، ۱۳۹۴) وهو يتضمن كلمات الأستاذ في سنوات ما قبل ۱۳۸۲ لكنه طُبع هذا العام. بعض عناوين الكتاب ومضامينه تذكرنا بشدة بجهود التنوير الديني. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الناشر المحترم يكتب في مقدمته، بما أن الأستاذ تجاوز هذه الرؤية: «الساحة المعرفية في مباحث العلوم الإنسانية محدودة بالشروط والإمكانات البشرية. وبتغير الشروط والمحدوديات يوجد إمكان الانقطاع المعرفي، والأستاذ ليس مستثنى من هذا الأمر.» أي أنه بينما يتطلع شغوفو «مدرسة العقلانية والمعنوية» إلى تلقي آخر آراء الأستاذ، يُطرح في السوق كتاب يروي انقطاع الأستاذ! إن مبادرة الناشر في تأريخ فكر الأستاذ ملكيان جديرة بالتقدير، ولكن إذا أردنا أن نستند إلى النص ونتحدث في الزمن الحاضر، فماذا نفعل بكل هذه القضايا المتناقضة؟ على سبيل المثال، في مهرماه ۱۳۷۹ قال الأستاذ ملكيان في حوار مع صحيفة إيران الحكومية: «الدين قابل للجمع تماماً مع الديمقراطية.» (نقلاً عن كتاب مشتاقي ومهجوري: ۱۳۸۵) هل ما زال الأستاذ يؤمن بهذا القول؟ ألم يتجاوزه؟ لا نعلم...
۲- معظم أعمال الدكتور ملكيان، ومنها ثلاثة كتب: «طريق إلى الخلاص» (۱۳۸۱) و«مشتاقي ومهجوري» (۱۳۸۵) وهذا الكتاب «في مهب الريح وحارس الزنبق» (۱۳۹۴) تفتقر إلى أدنى إحالة أو مرجع أو رجوع إلى النص. وهي مشكلة تظهر أيضاً في مقابلته الأخيرة، حيث لم يُحِل ولو مرة واحدة إلى جملة واحدة لي، أو لعماد الدين باقي، أو لسيد جواد طباطبايي. [كتاب سير في فضاء الروح مترجم، وله هوامش توضيحية ولغوية بدلاً من الإحالات] في الواقع، إن أسلوب الدكتور ملكيان، مثل غالبية المثقفين (الدينيين وغير الدينيين)، هو أسلوب خطابي، إنشائي، منبري (حديث) وغير بحثي. لم يكن الدكتور شريعتي والدكتور سروش (باستثناء أعمالهما المتخصصة في فلسفة العلم) من أهل الإحالات، وكانا ولا يزالان في الواقع مثل «الملالي المحدثين» (من النوع المنبري لا المدرسي). لذلك، ليس واضحاً من أي جملة أو مقالة لي يجب عليّ وعلى أمثالي إزالة الغموض.
۳- نحن لا نعرف حتى ما الذي يعنيه مفهوم السلفية في تعريف الأستاذ، حتى نفتخر بالاتصاف به أو ننفي هذه التهمة عن أنفسنا. في الحقيقة، إنني في فهم مفهوم السلفية ونوع تغلغلها في التنوير الديني، متأثر بالأستاذ مصطفى ملكيان! وتقرير القضية هو أن الأستاذ، كما قلت سابقًا، كان من أوائل المتنورين دينيًّا الذين شكّوا في التنوير الديني. أول مرة قال الأستاذ ملكيان في حوار مع أكبر كنجي (أسبوعية راه نو، يوليو ۱۳۷۷): «التنوير الديني مصطلح غير واضح، وإذا حاولنا إيضاحه، يتجلى عدم قابليته للتنفيذ». وبعد فترة، بحث عن جذور السلفية حتى داخل التنوير الديني: «برأيي، المصلحون الدينيون ليسوا بالضرورة مجددين، بل يمكنهم حتى أن يقفوا في وجه المجددين الدينيين... وبالصدفة كانوا يقولون يجب أن نعود إلى السلف، وأرادوا الوصول إلى منبع نقي ونظيف.» (مشتاقي ومهجوري، ص ۲۹۰)
لقد قمتُ العام الماضي أيضًا، في مقالتين مطوّلتين نُشرتا في خرداد وتير ۱۳۹۳ في مجلة مهرنامه الشهرية تحت عنوان «مأساة البروتستانتية الإسلامية»، بشرح هذه المفارقة العجيبة حول كيفية نشوء علاقة بين التنوير الديني والأصولية الدينية، وكيف ينبثق الاستبداد السياسي من الإصلاح الديني، وبيّنتُ كيف أثّرت آراء شريعت سنكلجي وحتى أحمد كسروي في خصومهم، وكيف نشأت صلة بين بعض مقولات علي شريعتي ومجاهدي خلق من جهة، وفدائيي الإسلام والإخوان المسلمين من جهة أخرى، وكما انبثقت الكالفينية من اللوثرية، انبثق الحكم الديني من التنوير الديني. من المحتمل بالطبع أن الأستاذ لم تسنح له فرصة دراسة هاتين المقالتين الطويلتين، وفي قراءته للندوة غير المنقّحة لوكالة أنباء مهر، اكتفى مثله مثل الآخرين على الأرجح بهذا العنوان الذي نُسب إليّ: «داعش مثقف». هذا العنوان استخدمته وكالة أنباء مشرق الأصولية ضدي، كما استخدمه موقع جرس الإصلاحي ضدي أيضًا، في حين أن كلامي في ذلك الحوار لم يكن سوى أن النزوع نحو نقاء الدين والصفائية ونبذ التأويل عن الإسلام لدى مفكري أهل السنة مثل ابن تيمية بدا في البداية أمرًا مباركًا وعقلانيًا، لكنه انتهى في النهاية إلى كارثة. إن إزالة الخرافات هي الهدف الأهم للسلفيين، وهابيين كانوا أم وهابيين جددًا، وهذا يُعتبر في بدايته عملًا تنويريًا. لكنه في النهاية، عبر إنكار الأوجه الإنسانية للحياة (وهي مزيج من العقل والعاطفة)، يفضي إلى نفي حرية البشر. فعلى سبيل المثال، كان كالفن وعبد الوهاب وداعش وطالبان جميعًا يعارضون صنع التماثيل وبناء الأضرحة. إنهم، باستغلالهم لعواطف العامة، يحتجّون بأن بناء الرموز الدينية بأموال الناس ليس ترويجًا للدين فحسب، بل هو شرك. لقد اعتبر المجددون الدينيون هذا العمل شركًا ورفضوا العمارة الدينية الفخمة. غافلين عن أنهم، بتبسيط الحياة البشرية وسلب الجماليات الفنية والمعمارية (كانت الكنيسة الكاثوليكية مصدر إلهام فني في العصور الوسطى)، يفرضون نوعًا من البرودة على الحياة، حتى إن شتيفان تسفايغ يرى أن هذا العنف البصري واضح في شوارع البلدان البروتستانتية مقارنة بالبلدان الكاثوليكية. في الواقع، يُظهر هذا المثال كيف أن النية الصحيحة لا تؤدي إلى نتيجة صحيحة. مثال آخر هو نفي مؤسسة الدين. فالمجددون الدينيون (مسيحيون ومسلمون) بنفيهم لطبقة مفسري الدين، يحتجّون بضرورة أن تكون علاقتهم بالله مباشرة، لكنهم في النهاية يُنتجون طبقة ممتازة جديدة تحل محل رجال الدين التقليديين. كون غالبية طالبان وداعش من «المهندسين» ناتج عن أن نفي التأويل الديني يؤدي عمليًا إلى نفي العلوم الإنسانية. وهو نفس ما حدث مع مجاهدي خلق. تبدو مسألة تعميم تفسير القرآن للوهلة الأولى أمرًا تقدميًا، لكن حينما تخرج جماعة فرقان من رحم هذا التيار، تصبح هذه المفارقة مثيرة للاهتمام: كيف يتشكل نوع من الأصولية الدينية من ذروة التجديد الديني. سأكتب تفصيل هذا البحث في كتاب جديد، لكن حتى هذا الحد من النقاش، أعتقد أنه بات واضحًا أن نقد التنوير الديني هو نقد للسلفية أيضًا. الأصولية بالطبع ليست حكرًا على الدين. فبعد الثورة الفرنسية، وباسم العقل الخالص وبناء معبد للعقل بدلًا من الكنيسة في عهد روبسبير، تشكلت أصولية العقل والأصولية العلمانية، في حين كان روبسبير مفتونًا بروسو، كما كان بول بوت مفتونًا بكارل ماركس. هل يمكن اعتبار هكذا أقوال في مهرنامه (والتي هي في حجم رسالة قيد النشر) ترويجًا للسلفية؟ هذا ليس كلامنا وحدنا. لقد نشر مؤخرًا مفكر معتدل ومستقل مثل الدكتور داود فيرحي (المتخرج من الحوزة والجامعة) كتابين في الفقه السياسي. هل، على سبيل المثال، حين يتناول الدكتور داود فيرحي في كتابه الأخير (فقه المشروطة) مضاعفات السلفية في نهضة الإصلاح الديني ونهضة العودة إلى القرآن، هل يقوم بترويج السلفية؟ باختصار، كل كلامي هو أن السلفية هي الابن بالتبني أو الابن غير المرغوب فيه للتنوير الديني والإصلاح الديني.
٤- للأسف، الأستاذ أيضًا ليس بمنأى عن بلاء الأصولية. فمنذ سنوات بعيدة، وفي توضيح أسوأ من المقابلة المذكورة، صدر عن الأستاذ ملكيان (حيث وُزّع كلام الأستاذ على الإنترنت بأسلوب تسجيل الصوت وحبسه، شأن المفتين والمرشدين) قوله إنه لا يؤمن بإسلام ٢ وإسلام ٣، وأراد أن يدفع عن نفسه تهمة توجيه الإهانة للإسلام التي وجهها له المحاور. سلّمنا... فلسنا مثل الأستاذ نبحث عن إسلام الأفراد وإلحادهم بالمصباح. هذا سكين قطعت يد الأستاذ. ولكن هنا تكمن مسألة:
تقسيم الإسلام إلى ١ و٢ و٣ (بالترتيب: ١. النص المقدس / ٢. تفسير النص المقدس / ٣. والعمل بالنص المقدس) هو في الأساس سعيٌ وراء الأمر الخالص، وكأن الأستاذ قد نسي أن النزوع إلى الخلوص هو أساس الأصولية. تقسيم الإسلام إلى إسلام حقيقي وإسلام تاريخي ليس منهجاً جديداً. لقد قال بذلك الشريعاتيون والسروشيون أيضاً. حاول الدكتور سروش من خلال تمييز الدين عن المعرفة الدينية أن يحصر التطور في المعرفة الدينية في البداية، لكنه انتهى من القبض والبسط النظري للشريعة إلى بسط التجربة النبوية. في الواقع، النزوع إلى الخلوص في الممارسة العملية ينتهي إما إلى النفي وإما إلى الأصولية: إما نفي الأمر المقدس أو تقديس الأمر الخالص... وهذا هو عين كلام طالبان وداعش: «الإسلام الفلسفي والإسلام الفقهي والإسلام الاجتماعي ليس هو الإسلام الحقيقي. يجب العودة إلى الإسلام الأصيل والخالص والنقي. يجب العمل كما عمل النبي والصحابة. كل هذا الفقه والفلسفة حجابٌ للدين». كما يقول أصحاب مدرسة التفكيك في المذهب الشيعي، وقد نقلت مدرسة التفكيك هذا المعنى إلى مدرسة التنوير الديني أيضاً.
٥- ومن المؤسف أيضاً أن الأستاذ مصطفى ملكيان قد نسي أدواره الفكرية السابقة. هجومه على التجديد الديني عجيب، فهو نفسه من واضعي هذا العنوان. لقد كان في تلك السنوات التي كان يرفض فيها التنوير الديني يضيف قائلاً: «اقتراحي هو ألا نسميه تنويراً دينياً، بل نسميه تجديداً دينياً أو مراجعة دينية». (مشتاقي ومهجوري، ص ١١٤) وأما من هم هؤلاء المجددون الدينيون من وجهة نظر الأستاذ: «المثقف الإسلامي، بأعمق وأوسع معاني كلمة الاجتهاد، هو من أنصار الاجتهاد وهو نفسه مجتهد». (المصدر نفسه) بالطبع لم يكن الأستاذ يحصر الاجتهاد في الفقه، لكن من العجيب أن ينظر إلى مجددين دينيين أمثال منتظري وقابل وباقي وإيازي بعين النفي والإنكار والتحقير. ألا يمكن حقاً اعتبار شخص مثل صالحي نجف آبادي، الذي فتح باب نقد الحديث والرواية في الحوزة العلمية، «مثقفاً» حتى بالمعنى الغربي للكلمة؟
مهرنامه ليست بالطبع لسان حال «التجديد الديني»، لكنها سعت، بالتزامن مع نقد التنوير الديني وبيان عارضة السلفية في طريقه، إلى فتح نافذة على مفهوم التجديد الديني. كانت ملفات تأبين آية الله منتظري وأحمد قابل، وكذلك الملفات حول التجديد الديني في الحوزة، من هذا القبيل. في تقرير التجديد الديني لدراسة التصادم بين التدين والتجدد، لا مناص من «قراءة النص» (لا النصية السلفية) و«دراسة التراث» (بتعبير عماد الدين باقي). يجب أولاً معرفة النص والتراث، ثم دراستهما على نحو مقارن (لا انطباقي) مع التجدد. وفي الاستمرار، فإن المجتمع والفرد هما من يختار بين التدين والتجدد، لكن في كثير من الأحيان يمكن الوصول إلى نسبة متوازنة بين التدين والتجدد. بشرط أن نضع الجوهرانية والنزوع إلى الخلوص جانباً. «الجوهري» في الدين قليل جداً لكنه كلي. إنه ليس ضيقاً بحيث لا يمكن الجمع بينه وبين شيء آخر. لذلك كان الإسلام منذ البداية «دولة» أكثر منه «ديناً»: أي أنه بأصول محدودة قد تقبل فروعاً متعددة وأمضاها. الفقه ليس مقدساً، وهو قابل للتغير من مجتهد إلى مجتهد، ومن مرجع إلى مرجع، ومن مجتمع إلى مجتمع، ومن زمان إلى زمان. كم هو حجم الاختلاف بين فقه منتظري وفقه السيستاني، وفقه قم وفقه النجف، وفقه الشيعة في إيران وفقه الشيعة في لبنان؟ (لقد كتبت مقالات عن مدرسة قم/ مدرسة النجف/ مدرسة أصفهان ومدرسة مشهد أو خراسان في مهرنامه، وستصبح كتاباً قريباً، وقد تناولت فيها هذه التمايزات) إذن، وعلى عكس رأي داعش وطالبان، لا توجد إمكانية للعودة إلى صدر الإسلام من الأساس. النبي الكريم محمد، لو كان بيننا، ومع أنه كان له دور في تحولات الزمان، لما كان ليعمل ضد الزمان، لأنه في زمانه أيضاً لم يعمل ضد الزمان. لقد صحح السنن الخاطئة وكان ليصححها، لكنه عمل بالسنن الصحيحة وكان ليعمل بها. وهذا هو عين الاجتهاد. بهذا المعنى، ليس الإسلام الحقيقي سوى الإسلام الواقعي. الإسلام المثالي هو الإسلام الراهن نفسه. الإسلام الباطني وحتى الروحي لا وجود له ولا نفع منه. الإسلام الظاهري هو عين الإسلام الروحي. الوصول إلى «الإنسان المسلم الخالص الذي لا خطيئة فيه، التقي الزاهد» في الممارسة العملية، يقودنا، شأنه شأن الإيديولوجيات الشيوعية، نحو الترويج لنظرية الإنسان الجديد الماركسي.
ترویج اخلاق و معنا و تقوا خوب است اما انسانها طبعا تمایل به بدی و مادیگرایی و بیتقوایی هم دارند. این انسانها را باید با آموزش و قانون مهار کرد. فقه در گذشته همین کار را میکرد اما در عمل مدتهاست ظرفیتهای خود را از دست داده است. باید ضمن تنقیح اصول فقه و حتی اجتهاد در اصول (مانند کاری که آیتالله منتظری دربارهی حقوق مومنان انجام داد و حقالناس را برتر از حق مومنان دانست و حتی برای فرقههای غیراسلامی حقوق شهروندی قائل شد) در فروع فقه به تغییر و تحول دست زد و البته آن را به قانون بدل کرد نه اینکه فقه را مبنای ادارهی جامعه قرار داد. فرآیند تبدیل فقه به قانون از راه دموکراسی میگذرد و نه دیکتاتوری.
با این اوصاف برخلاف نظر دکتر مصطفی ملکیان کار آیتالله منتظری عین فقاهت است: تنقیح اصول فقه و تحول در فقه. این کار را آیتالله خمینی هم انجام میداد و از این حیث نقش ایشان در تحول فقه چنان مهم بود که سعید حجاریان در مقالهای ارزنده نقش رهبر انقلاب را در تاسیس دولت مطلقه (نه توتالیتر) با نظر توماس هابز در اندیشه سیاسی غرب قیاس کرده است و نیز این کار مورد توجه فقیهان سنتی هم بود. از جمله مرحوم آیتالله سیدکاظم شریعتمداری تنها فقیه و مجتهد در ردهی مراجع تقلید و حتی روشنفکران چپ و راست بود که در سال ۱۳۵۷ از موضع «حاکمیت ملی» به مساله حکومت اسلامی میپرداخت.اجتهادی که ریشه در سنت فقهای مشروطیت داشت و از جمله مرحوم آیتالله سیدمحمدرضا گلپایگانی با همهی سنتگرایی از حریم و حوزه خصوصی حداقل در نهاد بازار دفاع میکرد و مرحوم آیتالله احمد آذری قمی حتی در دوره میانی اندیشه خود به نقد دخالت نهاد دولت در بازار میپرداخت و در آن دوران (دههی شصت) تنها کسی بود که از حدود ولایت فقیه سخن گفت. گرچه آذری قمی بعداً تحولات چپروانه و راستروانه بسیاری هم داشت. منظورم این نیست که این فقها لیبرال بودهاند اما میتوان رگههایی از تفکر آزادی و اختیار را در این آرای آنان یافت.
۶- متاسفانه روشنفکران دینی در عین آن که خود را لیبرال میخوانند چه به لحاظ نظری و چه به لحاظ عملی لیبرال نیستند. به لحاظ عملی لیبرال نیستند چون به نقد حوزه خصوصی سیدجواد طباطبایی و دیگران پرداختهاند و به لحاظ نظری هم لیبرال نیستند چون در پی طلب امر ناب هستند امتناع لیبرالیسم نظری در استاد ملکیان با اشباع لیبرالیسم عملی در ایشان هم ربط روشنی دارد. لیبرالیسم نظری از اساس بر حقوق فرد مبتنی است که رکن رکین آن پس از حق حیات، حق مالکیت است. فقه سنتی ما تا پیش از مرحوم آیتالله خمینی فقهی فردگرا بود که بر مبنای حق مالکیت بنا شده بود. اما فقیهان سیاسی ما از دوره انقلاب تحتتأثیر فضای فکری جامعه این مبنای لیبرالیسم را نادیده گرفتند و روشنفکری دینی هم در فقر نظریه اقتصاد سیاسی در دام اقتصاد چپ افتاد (این معنا را در مقالهای با نام لویاتان اسلامی در مجله مهرنامه بررسی کردهام) اما اگر بخواهیم یک متفکر مسلمان را در صحنه لیبرالیسم موفق بدانیم آن مرحوم مهدی حائری یزدی است که رای او درباره نسبت دین و سیاست و نظریه ولایت فقیه روشن است. حائری البته از نواندیشان یا روشنفکران دینی نبود و یک فیلسوف مسلمان محسوب میشد که اهمیت اصول فقه را به خوبی فهمیده بود. او حکومت را جز وکالت از باب مالکیت مشاع شهروندان نمیدید و برای جمع دین و آزادی (و نه الزاما دموکراسی سوسیالیستی و قرارداد اجتماعی از نوع ژانژاکروسو) نیازی به اصلاح دینی نمیدید. درستتر بگویم ضمن اذعان به ضرورت اصلاح دینی، اصلاح سیاسی را موکول به اصلاح دینی نمیدانست:
اصلاح دینی یک پروژه دانشگاهی / حوزوی است که باید به اهل آن واگذار شود. باید مصلح دینی زبان فارسی و عربی و غربی بداند، فقه و اصول و منطق خوانده باشد و... اما اصلاح سیاسی را میتوان با پذیرش لیبرالیسم سیاسی اجرا کرد. لیبرالیسم به مثابه یک روش تضادی با دینداری ندارد. چنان که آخوند خراسانی، میرزای نائینی، آیتالله شریعتمداری، آیتالله دکتر مهدی حائری یزدی محصولات آن را پذیرفته بودند. در چنین شرایطی امکان اصلاح دینی از سوی مجتهدین و روشنفکران هم بهتر فراهم میشود. در واقع بنده به عنوان یک دانشجوی علم سیاست عرض میکنم که باید کار اصلاح دین را به اهل دیانت و اصلاح سیاست را به اهل سیاست سپرد. این به معنای جدایی دین از دولت نیست امکان ندارد دین اسلام از دولت جدا شود. اما علم سیاست از علم الهیات جداست.
۷- في مقابلة الأستاذ ملكيان حديثٌ كثير لا يتسع المجال لطرحه كله هنا. لكن لا يمكن تجاوز سلوكه غير الأخلاقي مع الدكتور سيدجواد طباطبايي. لا يمكن القول إن ملكيان لم يقرأ أعمال طباطبايي، فقد شكره طباطبايي في مقدمة «جدال جديد وقديم» على مطالعة العمل قبل نشره، ولا يمكن أن ننسى أن ملكيان نفسه كان أول من نشر فصلاً من «تأملي درباره ايران» في مجلة «ناقد»، إذن فملكيان يعلم أن طباطبايي ليس ماركسياً فحسب، بل هو ناقد للماركسية. لكن الأسوأ من كل ذلك هو خلق نية بين عدم التدين وماركسية طباطبايي، مما يتحول إلى اتهام عقائدي، وهذا هو آخر عاقبة التنوير الديني والروحاني والباطنية حين تنقلب على الخلق: «الجمعية الإسلامية للمتنورين»!
أمر آخر في هذه المقابلة هو تحول «مهرنامه» من مجلة تنويرية إلى مجلة معادية للتنوير. بالطبع، لا أعتقد أن «مهرنامه» قد تحولت إلى مجلة معادية للتنوير، لكنها قطعاً شهدت تساقطات كثيرة منذ بداية الطريق حتى اليوم، وما زالت. في وقت ما، كان بابك أحمدي، وسروش دباغ، وخشايار ديهامي، وعزت الله فولادوند، وإحسان شريعتي، وناصر فكوهي... من الأسماء الثابتة في «مهرنامه»، وكان أمثال مراد فرهادبور ويوسف أباذري حاضرين فيها بالتناوب أيضاً. أما اليوم، فمنذ مدة طويلة لم يعد لهم فيها خبر، بل إن قسماً مهماً من هؤلاء المذكورين يُصنفون في عداد خصوم «مهرنامه»، وهي تتجه تدريجياً نحو كتّاب ثابتين بفضاء محدد سلفاً، مثل السيد عماد الدين باقي الذي يدعيه السيد ملكيان. ما علاقة هذه التساقطات بذلك النهج المعادي للتنوير المدعى؟
«مهرنامه» ليست مجلة تنويرية، وليست مجلة معادية للتنوير أيضاً. إنها مجلة شهرية للعلوم الإنسانية والاجتماعية تسعى إلى الارتقاء بالتنوير إلى مرتبة العلمية، وهذا بالطبع عمل شاق. نحن من جهة نتحاشى التحول إلى مجلة أكاديمية على غرار المجلات الجامعية (مجلات غالبيّة كتّابها ثنائية: أستاذ على وشك الترقية + طالب ينجز أطروحته)، ونتحاشى أيضاً التوصيف كمجلة تنويرية. كل ملف لدينا يشبه بحثاً، له مخطط أولي، وله فرضية، وله سؤال، والأشخاص القادرون على الإجابة عن تلك الأسئلة يتم اختيارهم من قبل رئيس التحرير والسكرتير المعني. لا أحد يملك عموداً ثابتاً في «مهرنامه»، وكل الأصوات تجد مكانها فيها. في كل ملف يوجد مؤيد ومعارض. يكفي أن تنظروا إلى قائمة كتّاب هذا العدد ٤١: هل هم محصورون في أنصار سيدجواد طباطبايي أو المدافعين عن التجديد الديني؟ ألا تصادفون إلى جانب عماد الدين باقي أو سيدجواد طباطبايي وموسى غني نجاد أسماء سعيد حجاريان، ومراد ثقفي، وحميد رضا جلايي بور، ومحمود سريع القلم، وأحمد نقيب زاده، وإبراهيم يزدي...؟ إذا كان حضور بعض الوجوه قد قلّ في «مهرنامه»، فهذا مرهون أكثر بموضوعات ملفاتنا، لكن وجوهاً ومفكرين جدداً وأكثر وأبرز قد حضروا أيضاً.
«مهرنامه» ليست ساحة للمونولوج. لقد كنا دوماً في سعي للحوار، ومع الأسف، فإن التنوير الإيراني، شأنه شأن شرائح المجتمع الأخرى، لا يرحب بالحوار كثيراً، لكن أساتذة العلوم الإنسانية هم في عداد أفضل أعوان «مهرنامه». أساتذة يتألقون في الجامعة لكن يتم تجاهلهم في المجتمع. وستسعى «مهرنامه» في المستقبل أيضاً لأن تكون مجلة «علمية» أكثر منها «تنويرية»، و«قضية»-محور أكثر منها «وجهاً»-محور.
لكن لنصل إلى الضجة المتعلقة بالعدد الأخير من «مهرنامه». غلاف بيجن جزني بذلك العنوان «المثقفون الإرهابيون» والأيدي الملطخة بالدماء. لا أعلم إن كنتم، مع العلم بردود الفعل المحتملة، قد تعمدتم إثارة الجدل والتخطيط له، لكن على أي حال، عُنوان وصورة طُرحا في الأكشاك وواجها برد فعل حاد من الطيف الفكري اليساري في الفضاء الافتراضي. حقاً، ما الذي كنتم تقصدونه من هذا العمل؟
هذا العنوان والصورة والملف ذاته يرتبط ارتباطاً مباشراً بسؤالكم السابق. غالبية كتّاب ذلك الملف كانوا من الأصدقاء اليساريين، لكنهم لم يحتملوا عنواناً واحداً. ثمة نقاط ضرورية بخصوص العنوان:
۱- كثيرون حكموا على العنوان دون أن يقرؤوا الملف والمجلة. بل إنهم ظنوا أنني كاتب مقالة بهذا العنوان، واتخذوا موقفاً ضدها دون أن يقرؤوا مقالتي! وبالطبع، ستُنشر مقالتي في العدد القادم شرفاً لهذا الكم من الهجوم!
٢- كنتُ على دراية كاملة بالعواقب المحتملة للعنوان، وقد طرحتُ هذه العواقب في هيئة التحرير، وكان الزملاء الحاضرون في الأيام الأخيرة من تنسيق الصفحات على وعيٍ بها، قليلاً أو كثيراً.
٣- في رأيي أن العنوان كان موفقاً في إصابة الهدف. لأنه أظهر، على نحو سقراطي، كم هي ضئيلة قدرة بعض المثقفين اليساريين على تقبّل النقد.
٤- سأكتب المقال الرئيسي في العدد ٤٢ من مهرنامه، لكن بإيجاز: نحن أطلقنا على فدائيي الخلق، وبالتحديد حلقة بيجن جزني، وصف «المثقفين الإرهابيين» لا «المثقفين القتلة»! الإرهاب هو قتلٌ، لكنه ليس «قتلاً محضاً»؛ إنه قتلٌ لأهداف يعتبرها القائمون به «مقدسة». منفذو العمل المسلح، سواء اتفقنا معهم أم اختلفنا، وسواء كانوا فدائيي الإسلام أم فدائيي الخلق، لديهم دوافع شريفة لا إجرامية... لكن نقدنا ينصب على الوسيلة لا الهدف. إذا ما أبيح لكل هدف أي وسيلة، وإذا ما سعى كل الطوباويين، أو كما يُقال كل المثاليين في العالم، إلى تطبيق مُثُلهم مستخدمين أسلوب الإرهاب، فسيحدث، كما يقول الفلاسفة، تزاحم وستندلع حرب أهلية. إذن، الإرهاب ليس هو الحل. وعليه، فإن وصف جزني ورفاقه بالإرهابيين ليس إهانة فحسب، بل هو، بالشرح الذي سأورده في العدد ٤٢ من مهرنامه، عين الإنصاف بحقهم.
سيد قوجاني! الانتقادات حول مقالتك الافتتاحية ليست قليلة. يبدو أن لديك ولعاً شديداً ببناء المدارس الفكرية والسياسية، وهو أمر ليس سيئاً في حد ذاته بالطبع. لكن حقيقة الأمر أن هذه المدارس التي تصنعها في مقالاتك وتبني عليها تحليلاتك هي تجريدية إلى حد كبير. في هذا المثال الأخير، تتحدث عن مدرستين: «المعهد العالي للبحوث في التخطيط والتنمية» (تلامذة المدرسة النمساوية) و«مكتب الدراسات والبحوث الثقافية بوزارة الإرشاد» (عشاق مدرسة فرانكفورت). وأعتقد أنك قد أخطأت في نسبة مكتب الدراسات والبحوث الثقافية إلى وزارة الإرشاد. لعل قصدك كان مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية التي تغير اسمها في عام ٧٢ إلى معهد العلوم الإنسانية. وإذا صحّ هذا، فإن حضور فرهاد بور في هذه المؤسسة يقتصر على توليه رئاسة تحرير عددين خاصين من مجلة «فرهنك» بعنواني «الظاهراتية ١» و«الظاهراتية ٢»، لا أكثر. وبالتالي، لا يُستشم منه عبق تأسيس مدرسة فكرية، على الأقل في هذه المرحلة. والآن، بغض النظر عن إيماننا بوجود واعٍ لهاتين المدرستين من عدمه، فإن تصورك للعلاقة بين الدولة ومثل هذه المؤسسات والمدارس في إيران هو تصور أقرب إلى المثالية القصوى. أن نتصور أن حكومة أكبر هاشمي رفسنجاني كانت تتطلع بشوق إلى بحوث مدرسة المعهد العالي للبحوث مثلاً، وأنها كانت تسير ببرامج التنمية الحكومية حذو النعل بالنعل مع بحوث تلامذة المدرسة النمساوية، هو نوع من التبسيط. هذا بالطبع هامش صغير على ذلك المقال. أما أصل الانتقادات فيتعلق بنقدك لأقوال يوسف أباذري، وهو نقد لا يزال قائماً. السؤال العام هنا: لماذا تتجاهل العالم العيني الملموس لكي تستقيم أجزاء مقالاتك الصحفية؟
يسرني أنك قرأت ذلك النقد قراءة نقدية في خضم هذا الصخب، لكنني أرى من الضروري التذكير ببضع نقاط:
١- جزء من هذه المقالة الافتتاحية كان في الواقع افتتاحية العدد الأول من صحيفة «مردم امروز»، والتي لم تُرَ كثيراً بسبب حداثة الصحيفة وموتها المبكر. لكن الدكتور أباذري قال لي في لقاء إنه رأى ذلك النقد من أكثر الانتقادات جدية لرأيه، وهو عازم على الرد عليه رداً وافياً. ونحن بدورنا، منذ شهور بل سنوات، متشوقون لكتابات الدكتور أباذري الجديدة، ونفتخر بأن مهرنامه قد أتاحت في هذه السنوات مجالاً لنقاش جاد حول النيوليبرالية والنيوماركسية، حتى أننا عرضنا على الدكتور أباذري مراراً مناظرة الدكتور غني نجاد فلم يقبل.
٢- بالمناسبة، ما قصدته هو بالضبط مركز الدراسات والبحوث الثقافية التابع لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وهو الاسم الذي ورد في صفحة بيانات النشر للأعداد الخمسة عشر الأولى من مجلة «أرغانون» وعلى ظهرها، وكان للسيد مراد فرهاد بور مقال في كل عدد من أعداد تلك المجلة.
۳- لم أقل إن الحكومات بحاجة إلى المؤسسات، لكن المؤسسات مؤثرة في تشكيل فكر الحكومات. لا شك أن دور مراكز أبحاث مثل مركز الأبحاث الاستراتيجية في رئاسة الجمهورية، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والمعهد العالي للبحوث في التخطيط والتنمية، وكلية الاقتصاد في جامعة العلامة الطباطبائي، ومعهد الدين والاقتصاد، وحسينية الإرشاد، وحلقة كيان... لا يمكن تجاهله في أفكار الحكومات وبرامجها.
۴- من العجيب أنكم، بصفتكم صحفيًا إلكترونيًا وورقيًا، لا تزالون تعتبرون كتابة المقال الصحفي تهمة! كتابة المقال، خصوصًا للمجلات والمطبوعات الثقافية، لا تختلف عن كتابة المقال للمجلات العلمية، ومرة أخرى لم توضحوا أين حدث التبسيط المفرط في المقال. وهذا المقال بالطبع له بقية، وسيتحول إن شاء الله إلى رسالة.
لكن في النهاية، أود أن أضيف نقطة إلى نقاطكم:
مهرنامه نصٌّ، والإحالة إليه من خارج النص، ما لم تكن موثقة، ليست أخلاقية. يمكن القول إن كلامنا خاطئ، لكن لا يمكن إقصاء مهرنامه من الميدان بكلام فضفاض ومهم وبهتان. لا حاجة إلى القسم بأن نقدنا (وهذه الـ
العلوم السياسية
الدين
العلوم السياسية
الدين
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٤ تعليق
تمام ابن حرف های ضد و نقیض و سر گردانی هایی که در مقاله بالا دیده می شود به این علت است که به فرمان پیامبر توجه نداشته اند، یعنی از قران توام با عترت فاصله گرفته اند.
آخرش به نظر خانم سودابه امیری میرسیم. ظاهرا مدام نظرات و تئوریهایی مطرح میشه و بعد خود تئوری ساز شروع به جرح و تعدیلش میکنه و آخرشم هیچی ازش باقی نمی مونه. ظاهرا در عرصه دینداری یا باید دین عوامانه داشت ، یا بی دین بود.
ظاهرا حرف شما درسته..
پاسخ من به نقل از این رباعی خیام است: قومی متفکرند اندر ره دین قومی به گمان فتاده در راه یقین میترسم از آن که بانگ آید روزی کای بیخبران راه نه آن بود (تفکر در دین) و نه این (ایمان)! پس "باز هم نفهمیدیم".