اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
فشلت محاولات أسلمة العلوم الإنسانية؛ بل صارت العلوم الإسلامية والمؤسسة الدينية والنظام الحاكم تُعتبر «بشرية» وقابلة للخطأ. ويوسع شبستري نطاق زوال القداسة ليشمل مصادر الدين ذاتها، ويرى الحوار النقدي مع التراث الديني ضرورة.

۱- أعتقد أننا، نحن الإيرانيين، ينبغي أن نواصل نقاشاتنا الجادة حول التراث الديني الإسلامي، وتحليله ونقده والاستفادة منه، لأن بناء مستقبل أفضل من الحاضر لا يتيسر إلا بسلوك هذا الطريق وما يليه من خيارات. لا أرى من الصواب الدعوة إلى نبذ الحوار النقدي مع التراث الديني الإسلامي والانطلاق من روحانية بلا دين.
۲- زعم قادة الثورة الدينية لعام ۱۳۵۷ بعد انتصارها أنهم يريدون إدارة البلاد بالعلوم المستمدة من الوحي (العلوم الإسلامية). وقد أعلنوا على مدى عقود قداسة هذه العلوم ومبادئها وأطلقوا عليها صفة المطلق، وتبعاً لذلك قدّسوا القائمين عليها، وسمّوا النظام الحكومي المنبثق عنها بالنظام المقدس، وقالوا إنها جميعاً متصلة بالوحي الإلهي وخارجة عن نطاق التغيير أو الاستبدال. لقد سعوا إلى ألاّ تُرى تلك العلوم والقائمون عليها والنظام المنبثق عنها في نظر الأمة على أنها خطّاءة، ومعرضة للخطأ والانحراف وقابلة للنقد (بشرية). قالوا إن هذا الثالوث، لاتصاله بالوحي الإلهي، ينبغي أن يكون حَكَماً على كل المعارف والأعمال والسلوكيات والخيارات والقرارات السياسية، ومنها العلوم الإنسانية التي تلعب دوراً رئيسياً خاصة في مجال السياسة والحكم. لقد أحيا أولئك القائمون، بطريقة ما، فكرة أحادية مصدر المعرفة الإنسانية التي تجاوزناها منذ قرون، من جديد في إيران. وفي سياق هذه الأحادية المصدرية، بُذلت على مدى العقود الماضية جهود كثيرة تحت عنوان أسلمة العلوم الإنسانية في الجامعات، وأُنفقت في سبيلها إمكانيات مادية ومعنوية هائلة. غير أن كل هذا لم يسفر عن أية نتيجة. فحتى الآن، لم يتم إنتاج كتيب واحد من ۵۰ صفحة يمكن أن يُطلق عليه اسم علوم إنسانية مُأسلمة، لأن هذا الأمر لم يكن ممكناً.
۳- ولكن، في هذه العقود الأربعة الماضية، وإن لم تتأسلم العلوم الإنسانية، فقد حدث أمر مهم آخر تدريجياً وتبلور وتشكل، لم يكن أبداً مما توقعه مصممو ومنفذو مشروع أسلمة العلوم الإنسانية. هذا الأمر هو أنه بدلاً من أسلمة العلوم الإنسانية، تمت «أنسنة العلوم الإسلامية».
۴- معنى هذا الادعاء هو أنه في إيران المعاصرة، وبفعل الامتداد التاريخي للثورة والتحولات الاجتماعية والأحداث السياسية المنبثقة عنها، زالت تماماً قداسة تلك العلوم والقائمين عليها والنظام، وانمزقت حجب الوهم، وانكشفت الماهية العارية والحقيقية لتلك العلوم والقائمين عليها والنظام الحكومي. تلك الظواهر المذكورة لم تعد تُرى إلهية، بل صارت كلها «بشرية»، أي خطّاءة، قابلة للوقوع في الخطأ والانحراف، أسيرة لمخالب شرور السلطة، وقابلة للنقد. لقد اتضحت حدود كل منها، وانكشفت عيوبها وقدراتها على الملأ، وانفصلت الحقائق عن الأوهام بشأنها: ۱٫ اتضح وانكشف أنه على مدى العقود الأربعة الماضية، لم تُدار إيران بالعلوم المستمدة من الوحي (لأن هذا لم يكن ممكناً)، بل أُديرت عملياً بنفس العلوم الإنسانية التي كانوا يسعون إلى إزالتها (وتدل على هذه الحقيقة بوضوح أمثلة كصياغة عدة برامج تنموية ورؤية عشرينية وما شابهها). ۲٫ اتضح وانكشف أن القائمين على العلوم الإسلامية (مؤسسة رجال الدين، والمرجعية، والحوزات العلمية) هم أيضاً خطاؤون، واقعون في الخطأ، متأثرون بإغراءات السلطة والمصالح الفئوية... وقابلون للنقد. ۳٫ اتضح وانكشف أن تعبير النظام المقدس للجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس سوى شعار دعائي، وأن هذا النظام، كسائر أنظمة العالم، غير مقدس. هذا النظام يقوم بنفس الأعمال الجيدة أو السيئة التي تقوم بها الأنظمة الأخرى في العالم. حكام إيران، مثل سائر الحكام، خطاؤون، واقعون في الخطأ، وقابلون للنقد. إذن، ما حدث هو أن تلك الظواهر التي كان يُدّعى في السنوات الأولى لانتصار الثورة أنها إلهية وتلفها هالة من القداسة، تُرى اليوم كلها بشرية (إنسانية). وبهذا الشكل، فإن العلوم الإسلامية هي التي صارت إنسانية، وليس العكس.
۵- اليوم في الأوساط العلمية الإيرانية التي تتمتع بقدر كافٍ من الدقة والتعمق، تجاوزت هذه النظرة الإنسانية الثالوثَ المتمثل في العلوم الإسلامية والمؤسسات الدينية والنظام الحكمي، لتصل إلى النظرة الإنسانية لمصادر العلوم الإسلامية، أي القرآن والسنة النبوية والإجماع والعقل. لقد طرح أفراد هذا الكلام المهم القائل بأن القرآن والنبي والسنة النبوية يجب أن يُنظر إليهم أيضاً نظرة إنسانية. للقرآن والنبي إنسانية أيضاً، ولغتهما هي لغة إنسانية، ويمكن دراسة شرح هذا الكلام وتفصيله في كتابات مثل المقالات الخمس عشرة "قراءة نبوية للعالم" وملحقاتها وكتاباتها المكملة.
.
.
.
.
.
.
الدين
الدين
الدين
الفلسفة
علم الاجتماع
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.