اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يناقش الفيلسوف الكندي توماس هوركا، في حوار مع نايجل واربرتون، مفهوم اللذة ومكانتها في الحياة الطيبة. ويمثل التمييز بين اللذات الحسية وتلك الناشئة عن الاعتقاد بوقوع أحداثٍ ما، المحورَ الرئيسي لهذا النقاش.

علي كلاني طهراني (مترجم): لطالما استحوذ السؤال عن معنى اللذة ودورها في حياة الإنسان على أذهان وأقلام العديد من الفلاسفة والمنظرين على مر قرون متطاولة. وتسعى فروع الفلسفة المعاصرة المختلفة، كل بدورها، إلى بلوغ إجابة مناسبة عن المسائل والأسئلة المتعلقة باللذة ومفهومها المقابل أي الألم. ومن هنا، فقد قدّموا تنظيرات وتطبيقات معرفية بديعة حول هذه المفاهيم الأساسية. البروفيسور توماس هوركا (1952)، الفيلسوف الكندي، وهو أحد الأعضاء المنتخبين في الجمعية الملكية الكندية، ويشغل منذ عام 2002 كرسي الأستاذية المتميزة للدراسات الفلسفية في جامعة تورنتو، وقبل ذلك كان أستاذًا للفلسفة في جامعة كالغاري (Calgary) لمدة عشرين عامًا، يسعى للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الفيلسوف البريطاني الشهير نايجل واربرتون حول معنى اللذة ومفهومها، وأنواعها، وعلاقتها بالمفاهيم القيّمة الأخرى في الحياة مثل الفن والمعرفة. ينصب مجال دراسات توماس هوركا وأبحاثه الرئيسي على الفلسفة السياسية وفلسفة الأخلاق، ولا سيما الأخلاق المعيارية. وتتمحور معظم أعماله المنشورة حول نظريات الأخلاق المطلقة. كما نشر هوركا مقالات عن الحكم الأخلاقي، والعقاب، والقومية، والصداقة، وأخلاقيات الحرب. صدر كتاب هوركا الجذاب وغير الأكاديمي، والذي ربما كان السبب الرئيسي لدعوة نايجل واربرتون له، بعنوان
توماس هوركا: هذا هو الموضوع الذي أنوي الحديث عنه. أعتقد أن النفعيين مثل جيرمي بنثام كانوا يرون أن اللذة شيء واحد، إن جاز التعبير "كريات لذة" (pleasure pellets)، لكنني أرى أن هناك أنواعًا مختلفة من الشعور الجيد. عندما أقول إن اللذة جيدة، لا أعني أن "اللذة" وحدها هي الجيدة. لذا، فإن أفضل حياة ليست بالضرورة أكثر حياة ممتعة. النجاح قيمة إنسانية؛ المعرفة قيمة إنسانية؛ أن تكون شخصًا صالحًا أخلاقيًا قيمة إنسانية؛ ومع ذلك، فإن اللذة أيضًا قيمة إنسانية، ولا أعتقد أن تصور حياة جيدة بدون لذة أمر ممكن. اللذة عنصر ضروري للحياة الجيدة. ولكن، كما قلت، هناك أنواع مختلفة من اللذة. أول تمييز هو بين اللذات التي هي مجرد إحساس ولا تتعلق بشيء، واللذات التي تتعلق بشيء (لذة أن يحدث شيء). لنفترض أنك تأكل الشوكولاتة، مغمض العينين ومركز على إحساسك، (نوع من الإحساس البالغ المتعة من أكل شوكولاتة غنية بالكريمة)، لكن لذتك ليست تتعلق بشيء. أنت لا تستمتع "بأن شيئًا" ما قد حدث. هذه اللذة هي مجرد نوع من الإحساس الذي هو (بالنسبة لنا) ممتع.
نايجل واربرتون: إذن أنت تقول إن هذه اللذات البسيطة هي في الحقيقة أحاسيس، أحاسيس ممتعة.
توماس هوركا: كل واحدة منها ستكون إحساسًا معقدًا مصحوبًا بوجه من اللذة والمتعة، بالإضافة إلى عناصر أخرى تميز إحساسًا ممتعًا عن إحساس ممتع آخر. لذا، فإن لذة أكل الشوكولاتة المشار إليها أعلاه هي مزيج من اللذة وطعم الشوكولاتة وكثرة الكريمة. لذة التسمير بالاستلقاء تحت الشمس سيكون لها وجه من اللذة وسيشعر الشخص بالرمال الساخنة تحت جسده. إذن، كل واحدة منها هي مجموعات مختلفة تمامًا، لكنها تمتلك وجهًا من اللذة.
نايجل واربرتون: وماذا عن الحالة الأخرى؟ حالة لذة "أن يحدث شيء" (pleasure that something)؟
توماس هوركا: حسنًا، هذا يحدث عندما تستمتع "بأن" شيئًا ما قد حدث. تعتقد أن حدثًا ما قد وقع في العالم (أو سيقع) وتستمتع بأن مثل هذا الحدث سيقع في المستقبل. لذا، يمكنك أن تستمتع بأن فريق ليفربول قد أحرز هدفًا قبل خمس دقائق. يمكنك أن تستمتع بأن طفلك قد بدأ للتو في المشي. يمكنك أن تستمتع بأن المستمعين قد أعجبوا بمحاضرتك وطرحوا أسئلة دقيقة في نهايتها. إذن، أنت تستمتع بأن شيئًا ما قد حدث. هذا أكثر تعقيدًا بكثير من نوع الإحساس الجسدي المحض، لأنك لا تستطيع أن تستمتع بأن ليفربول قد أحرز هدفًا قبل خمس دقائق دون أن تفكر في أن ليفربول قد أحرز هدفًا قبل خمس دقائق. على سبيل المثال، قد نعتقد أن الحيوانات يمكنها أن تحظى بلذات جسدية محضة: يمكنها أن تأكل اللحم وتستمتع بأكله، لكنها لا تستطيع أن تستمتع بأن ليفربول قد أحرز هدفًا ما لم تكن لديها فكرة أن ليفربول قد أحرز هدفًا، ومعظم الحيوانات لا تملك القدرة على فعل ذلك.
نايجل واربرتون: إذن، يجب أن نفرق بين اللذات المحضة، مثل أكل الشوكولاتة، واللذات مثل لذة "أن" يكون ليفربول قد أحرز هدفًا. هل هذه هي كل أنواع اللذة المختلفة التي نعرفها؟
توماس هوركا: لا. أعتقد أن هناك تمييزاً آخر بين ما نسميه الملذات الصريحة والملذات الأعم (الممتدة). لذا دعوني أضع النوع الأول إلى جانب الملذات المحضة التي ليست من نوع "لذة كون". إذا اختبرت لذة جسدية، كتناول الشوكولاتة أو الاستحمام في الشمس، فإن هذه اللذة عادة ما تكون محدودة بجزء من جسدك، فتشعر بلذة الشمس على ظهرك أو لذة الشوكولاتة في أعضاء تذوقك. وبالمثل، يكون الإحساس بالألم محدوداً عادة بجزء من جسدك: تشعر بالألم في مرفقك الأيمن أو فخذك الأيسر. لذا فهي موضعية، كما أنها عناصر منفصلة في وعاء الوعي. قد تكون لديك أحاسيس متعددة في وقت واحد. قد تشعر بألم في مرفقك الأيمن، وتستمتع بالشمس بينما تأكل الشوكولاتة، وتحس بحرقة في فخذك الأيسر، كل هذا يحدث في لحظة واحدة. إنها عناصر منفصلة في وعيك. الملذات البسيطة الأكثر امتداداً هي ملذات من نوع "أن تكون في حال جيد". تشعر أنك بخير بشكل عام. أنت مبتهج إجمالاً. الآن، هناك ملذات لا تقتصر على جزء من جسدك. أنت لا تشعر بالمزاج الجيد والحال الطيب في مرفقك الأيسر أو فخذك الأيمن. هذا النوع من اللذة ليس له موضع جسدي، وليس مجرد عنصر منفصل إلى جانب عناصر أخرى في وعاء الوعي، بل يخيم على الوعي. هذا الإحساس يستوعب حالتك النفسية كلها. ويمكن أن يكون متفاوت الشدة. قد تكون حالتك جيدة بعض الشيء، أو قد تكون مبتهجاً وهو نوع من الحال الجيد المكثف. الأحوال، لأنها تستوعب الوعي برمته، تختلف عن الملذات الجسدية. إنها تشبع الوعي، وتكون خلفية للحالات النفسية الأخرى. مثل طبقة رقيقة من اللون الأزرق في لوحة تجعل كل شيء يبدو مائلاً إلى الزرقة قليلاً. وبالطبع، يقابلها الحال السيئ أو الاكتئاب حيث يستوعب الإحساس السلبي وعاء وعيك.
نايجل واربرتون: إذن الأحوال كلية جداً ولا تتعلق بشيء، على عكس العواطف التي تتعلق بشيء ما.
توماس هوركا: نعم، هذا صحيح. إذن الحال الجيد أعم وأوسع من اللذة الجسدية، لكننا لا نزال في قسم الإحساس البسيط وليس "لذة كون". علاوة على ذلك، هناك نوع أعم وأوسع من الإحساس الجيد يقع في قسم "لذة كون". معظم ما وصفته من "لذة كون" كان حدوث أشياء معينة. مثلاً، أستمتع بكون ليفربول قد سجل هدفاً، أو بكون طفلي قد تعلم المشي، أو بكون الناس قد قدّروا محاضرتي. لكن يمكن استخدام "لذة كون" في موضوعات أوسع بكثير، وأحد هذه الموضوعات هو الاستمتاع بحياتي ككل والشعور بالرضا عنها. لست أنظر إلى بعد واحد من حياتي فحسب، بل أرى حياتي ككل متكامل، منذ مراحلها الأولى، حتى الوقت الحاضر، وأخطط للمستقبل الذي أمامي. أنظر إلى حياتي الشخصية، وعملي، وهواياتي ونشاطاتي، وأصدقائي، إلى كل هذه الأشياء، وأشعر حيالها بشعور جيد. أستمتع بكون حياتي قد سارت في هذا المسار. هذا نوع من "لذة كون". أستمتع بكون شيء ما قد تحقق (أو كان قد تحقق). لكن هذا شيء أوسع بكثير من تسجيل ليفربول هدفاً: إنها حياتي ككل متكامل. أريد أن أراجع الخطوط العريضة لهذا التمييز الرباعي. إذن لدينا أربعة أنواع من اللذة: (أ) ملذات بسيطة وموضعية (الملذات الجسدية)؛ (ب) ملذات بسيطة وممتدة (نوع من الحال الجيد الشامل)؛ (ج) "لذة كون" وخاصة (لذة كون ليفربول قد سجل هدفاً)؛ (د) "لذة كون" وأكثر امتداداً (الشعور بالرضا عن حياتي ككل). هذه أنحاء الشعور الجيد، لكنها تختلف عن بعضها البعض.
نايجل واربرتون: إذن لدينا الآن تصنيف علمي. لكن كيف يمكننا مقارنة هذه الملذات المختلفة ببعضها البعض؟
توماس هوركا: أودّ أن أعود قليلاً إلى النزعة البنثامية، لأنني أعتقد أن هذه الأنواع الأربعة من اللذة تنطوي على شعور جيد، جميعها تتضمن نوعاً من الرنين الإيجابي، وهذا الرنين الإيجابي يكون حماسياً إلى حد ما. من وجهة نظري: كل ما يهم هو مقدار الرنين الإيجابي الذي تحصل عليه. إذا تأملت الكلمات التي نستخدمها في الإنجليزية فحسب، فإن كلمة "لذة" تبدو تافهة بعض الشيء. لن تمدح شخصاً بجملة "لقد كرّس حياته كلها للملذات". لكن السعادة تحمل دلالات إيجابية أكثر من اللذة. أريد أن أكون سعيداً، هذا يبدو أفضل. عادة ما يستخدم البشر كلمة السعادة لشيء أوسع بكثير من تلك الأنواع الأربعة من المشاعر الجيدة المذكورة أعلاه. لذا أعتقد أنك ربما تميل أكثر لتسمية شخص يعيش حالة مزاجية جيدة وشاملة بأنه سعيد، بينما إذا حصل على لذة معينة من تناول الشوكولاتة، فستستخدم كلمة لذة وليس سعادة. بالإضافة إلى ذلك، إذا استمتع شخص ما "بأن" نادي ليفربول سجل هدفاً أو أن ابنته تعلمت المشي، فلن تقول إن هذا الحدث جعله سعيداً. لكن إذا كان لدى شخص ما شعور جيد تجاه حياته ككل، فإننا نميل للقول إنه شخص سعيد. لقد عرّف العديد من الفلاسفة السعادة بأنها الرضا والشعور الجيد تجاه الحياة ككل. لذا إذا استخدمت هذه الكلمة (السعادة) بدلالاتها الإيجابية لأشكال أوسع من الشعور الجيد، فأعتقد أن هذا محاولة منك لإقناعنا بأنها أفضل، لكنني لا أقتنع بهذا. فكر في هذه الأغنية "كل حب هو حب جيد"، حسناً، كل شعور جيد هو شعور جيد. شدته فقط هي ما يهم.
نايجل واربرتون: إذن أنت تقول إن اللذة شيء جيد بغض النظر عن كيفية الحصول عليها. يبدو أنه يمكن الاستنتاج أن الشخص الذي كرّس حياته للملذات البسيطة والبدائية ولديه تجارب مكثفة كثيرة، يمكن أن يعيش حياة سعيدة وممتعة بقدر شخص كرّس حياته أكثر لاتباع العقل والفكر.
توماس هوركا: أنا لا أقول إن حياة الشخص الأول جيدة بقدر حياة الشخص الثاني، لأن اللذة ليست الشيء الجيد الوحيد. لكن إذا سألت عن مقدار اللذة (مقدار الشعور الجيد) الموجود في حياة ما، فيمكن القول في الجواب: إن اللذة في هذه الحياة تعادل اللذة في الحياة التأملية التي وصفتها. دعنا نقارن بين مثالين. على جانب، هناك شخص لذائذيّ، شخص يقضي حياته في تناول الأطعمة الشهية والمغامرات الشهوانية، لكنه لا يعتقد أنه يعيش بأفضل طريقة. إنه يعاني من الشعور بالذنب بسبب أفعاله، وبالتالي لا يشعر برضا كبير عن حياته، وليس لديه شعور جيد تجاه حياته ككل. ومع ذلك، لديه كل هذه الملذات الخاصة والمكثفة. وعلى الجانب الآخر، لدينا راهب زاهد طعامه الخبز والماء، وملذاته الجسدية قليلة جداً، لكنه من ناحية أخرى، لديه نوع من الشعور بالرضا المستدام (غير المكثف)، نوع من الاستقرار الشامل، حالة مزاجية جيدة تستحوذ على وعي الشخص. إنه يفعل ما يعتقد أنه صواب. يخدم إلهه ويشعر بالرضا عن حياته. إنه لا يقفز فرحاً، لكنه يشعر برضا كامل عن الطريقة التي يقضي بها حياته. هؤلاء الأشخاص يستمتعون بطرق مختلفة، لكن قد لا يكون هناك جواب لسؤال من يستمتع أكثر. إنهم متساوون، أو متساوون تقريباً؛ لا يمكن القول إن حياة أحدهما أكثر بهجة وإمتاعاً من حياة الآخر. الشخص اللذائذي لديه كل الملذات الجسدية المكثفة، لكنه نادراً ما يختبر لذة الحالة المزاجية الجيدة أو "لذة أن" الشاملة. الشخص الزاهد لديه نوع من الحالة المزاجية الجيدة المستدامة، والرضا عن الحياة، لكنه لا يختبر الكثير من الملذات الجسدية. ما يكسبه شخص في شكل معين من اللذة يكسبه شخص آخر في شكل آخر من اللذة. يمكن الافتراض، في نهاية اليوم، أنهم عاشوا بطرق مختلفة حياة ممتعة وبهيجة بالقدر نفسه.
نايجل واربرتون: لقد تحدثنا عن اللذة فحسب دون الالتفات إلى كيفية نشوئها، لكن في الحياة الواقعية، من المهم الانتباه إلى كيفية نشوء اللذة. فالاستمتاع بتعذيب الحيوانات ليس أمراً جيداً.
توماس هوركا: لا يسعني إلا أن أوافق بشدة. لقد تحدثنا عن اللذة بوصفها شيئاً جيداً في الحياة وقلت: لا أعتقد أنها الشيء الجيد الوحيد. ثمة عناصر أخرى للحياة الجيدة، مثل النجاح، والمعرفة والفهم، وأنواع معينة من العلاقات الشخصية، وكذلك أن تكون صالحاً من الناحية الأخلاقية. لذا، واستناداً إلى مقولة بنثام الشهيرة، إذا تساوى مقدار اللذة، فإن لعبة "بوشبين" (pushpin) تكون بنفس جودة الشعر. (بوشبين هي اسم لعبة تعود للقرن الثامن عشر تشبه إلى حد كبير لعبة البولك). قد يكون هذا صحيحاً بقدر ما يتعلق الأمر باللذة، فكلاهما جيدان بالتساوي؛ لكن الشعر يتطلب توظيف القدرات الفكرية، والفهم، والشعور التعاطفي التي تُضاف إلى اللذة وتضفي على قراءة الشعر قيمة أكبر بكثير مقارنة بنوع مماثل من اللذة موجود في لعبة بوشبين. لقد تحدثت عن شخص يستمتع بتعذيب الحيوانات. حسناً، لقد قلت إن كون المرء صالحاً أخلاقياً هو شيء جيد، وبالطبع فإن كون المرء سيئاً أخلاقياً (شريراً) هو شيء سيء. إذا كنت تستمتع بألم الآخرين ــ لنقل السادية تجاه إنسان أو حيوان ــ فبإمكانها أن تكون ذات قيمة إيجابية من حيث كونها ممتعة؛ لكن لها قيمة سلبية أيضاً: لأنها خبيثة وتنطوي على نوع من النظرة الإيجابية نحو الشوق والتلذذ بفعل سيء هو معاناة شخص آخر. لذلك، فهذا الفعل جيد بقدر ما هو ممتع، وسيء بقدر ما هو شرير. هذه اللذة أسوأ من لذات مماثلة لا يكون متعلقها شريراً؛ بل وأسوأ من ذلك عندما يكون ألم الآخرين الذي يستمتع به الشخص السادي ألماً عظيماً. وعليه، فإن لذة السادية شريرة في مجملها: فسوءها، الناجم عن الشر، يفوق خيرها النابع من اللذة.
نايجل واربرتون: مما قلته يمكن أن نستنتج بوضوح أنك، رغم اهتمامك البالغ بموضوع اللذة واعتبارك إياها أحد الأشياء الجيدة في الحياة، لست نفعياً، وتنكر هذه الفكرة القائلة بأن اللذة هي الشيء الجيد الوحيد الممكن للبشر.
توماس هوركا: نعم، أنا لست نفعياً ولست (بشكل أكثر تحديداً) لذائياً بشأن القيم. وفقاً للتقليد، هناك اعتراضان أساسيان على مذهب اللذة، الأول يتعلق بالملذات الحمقاء والثاني بالملذات الناشئة عن الشرور الأخلاقية. فالملذات الحمقاء، مثل لذة لعبة الدبابيس عندما تُقارن بالشعر، ولذات الدلتاوات والأبسيلونات في رواية "عالم جديد شجاع"[2] (Brave New World) أو تلك الملذات التي توفرها آلة التجربة لروبرت نوزيك للبشر. إذا كان كل ما هو قيّم هو اللذة، فإن لعبة الدبابيس تكون بنفس جودة الشعر. الدلتاوات والأبسيلونات الذين يقولون "نحن سعداء هنا" هم في الواقع أصحاب أفضل الحيوات، ويجب علينا جميعاً أن نتجه إلى آلة التجربة. لكن معظمنا لا يفكر بهذه الطريقة. في نظرنا، حياة أقل متعة لكنها تتضمن أنشطة حقيقية، ونجاحات حقيقية، ومعرفة وفهماً حقيقيين لمكانتنا في العالم (بالمقارنة مع حياة خيالية) هي أفضل من حياة تتضمن ملذات أكثر لكنها تفتقر إلى هذا النوع من الخيرات. لذلك فأنا أرفض النفعية أو مذهب اللذة، أولاً وقبل كل شيء لأنها تقدّر الملذات الحمقاء والأنشطة التي تتضمن التساؤل وتوظيف المهارة وما شابه ذلك بنفس القدر. السبب الثاني لمعارضتي يتعلق بالملذات الشريرة أخلاقياً، إذ يظن اللذائي المتعصب أن اللذة التي يستمدها معذّب من ألم ضحيته تجعل الوضع أفضل. إذا استمتع المعذّب بألم ضحيته، فعلينا أن نشجعه لأن هذا أفضل من عدم اكتراث المعذّب بألم ضحيته. وفقاً لمذهب اللذة، لا توجد آلام ومعاناة جيدة. لكن إذا كنتم تعانون من مصيبة، فهل من الجيد أن أشعر أنا بألم توأمي بالشفقة إزاء المصيبة والفاجعة التي حلت بكم؟ سأقول لكم إن هذا أمر جيد، لأن الألم المقرون بالشفقة هو رد فعل مناسب ولائق على المصيبة التي حلت بكم، وبناءً على ذلك فهو أمر جيد. لكن وفقاً لمذهب اللذة: من الأفضل ألا نتألم لمصائب الآخرين، فهذا مجرد ألم عبثي. يجب أن تنسوه أو، إن أمكن، أن تستمتعوا به. لكن تقبّل هذا الأمر صعب، أو على الأقل لا أستطيع أنا تقبّله.
نايجل واربرتون: لكن اللذة جيدة. كيف يمكننا تقييم اللذة بالمقارنة مع خيرات الحياة الأخرى؟
توماس هوركا: سؤالكم الأخير في غاية الصعوبة. لا توجد إجابة بسيطة عليه. لقد تحدثنا عن موضوعات متمايزة تماماً للقيمة. اللذة في جانب، والمعرفة والنجاح في جانب آخر. أعتقد أن اللذة جيدة لكني أعتقد أن تلك الأشياء الأخرى غالباً ما تكون أكثر أهمية، وأحد تلك الأشياء هو صورة من الفضيلة تتضمن التلذذ بالأشياء الجيدة. لذلك إذا كانت حياتكم تحوي كل القيم الأخرى (فهمكم للعالم من حولكم، الأهداف الصعبة التي تسعون إليها وتحققونها، وكونكم فاضلين أخلاقياً) فإن أحد جوانب فضيلتكم الأخلاقية سيكون أنكم تستمتعون بمعرفة وفهم العالم من حولكم وبنجاحاتكم، وستكون حياتكم حاوية على اللذة. جزء من قيمة هذه اللذة يعود لكونها لذة، لكنها في نظري تكتسب قيمة أكبر لأنها لذة ناشئة عن شيء جيد (أي فهمكم ونجاحكم). لقد سألتموني سؤالاً صعباً للغاية، قد يأتي بعض الفلاسفة إلى هنا ويقولون: حسناً، المعرفة والنجاح جيدان لكن ما يهم هو الشعور باللذة ما دامت ليست شريرة جداً ولا حمقاء تماماً. أنا أميل إلى الموقف المقابل. إذا كان لدى كل منا نموذج من آلة التجربة لنوزيك في المنزل، سيقول بعض الفلاسفة: إذا قضيتم معظم فترة ما بعد الظهيرة داخل تلك الآلة لحظة وصولكم من العمل إلى المنزل، فستحظون بحياة أفضل. سأقول أنا: تصرفوا بنفس الطريقة التي تقننون بها مشاهدة التلفاز وتصفح الإنترنت للأطفال. استخدام آلة التجربة قيّم نسبياً، لكنه إذا عطّل بشكل كبير النجاحات والعلاقات الشخصية فإنه يضر بأشياء أخرى أكثر قيمة بكثير.
.
.
[1] Thomas Hurka
[2] عالم جديد شجاع "brave new world" هي رواية خيال علمي نُشرت عام 1932 بقلم الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي.
.
.
.
.
نقاش حول هذا المقال٢ تعليق
سلام. بسیار بحث جالبی بود به نظر من ارزشها مهمتر از لذت ها هستند و ما باید دنبال لذتهایی باشیم که حاوی ارزش بیشتر ، فایده بیشتر و ماندگاری طولانی تر هستند. تشکر
ممنونم. استفاده کردم