اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
«عبد الكريم سروش لا يسعى إلى تجاوز الدين»؛ حوار نقدي مع هومان دوراندیش وسروش دباغ يتقصى المشروع الفكري لسروش في العقود الثلاثة الأخيرة، وأثر آرائه في خروج بعض تلامذته من الدين، ودفاعه عن الإصلاح الديني.

بارانشهر؛ هومان دوراندیش – لقد بلغ تيار التنوير الديني الليبرالي، المتمحور حول آراء الدكتور عبد الكريم سروش، عامه الثلاثين تقريباً الآن. سروش، وإن كان مريداً لمولانا، إلا أنه شيّد، على غرار الفردوسي، خلال هذه الأعوام الثلاثين، قصراً شامخاً من العقل! لقد دمقرط، بقراءته العقلانية والإنسانية للدين، ذهنية شريحة واسعة من المتدينين في المجتمع الإيراني. كثير من المتدينين ذوي النزعة القشرية والأيديولوجية في إيران ما بعد الثورة، صار تدينهم متوافقاً مع الديمقراطية بفعل انتشار تعاليم سروش وتأثيرها الفاعل. ومن مواليد الخمسينيات والستينيات الشمسية، برز شباب كثيرون في السبعينيات والثمانينيات، كانوا، اقتداءً بسروش، يطالبون بدين يجمع بين الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ويدافعون عنه. سروش، دون مبالغة، هو أهم مفكر وأكثر مثقفي إيران تأثيراً في حقبة ما بعد الثورة، وقد تلقت القوى الاجتماعية المنادية بالديمقراطية في المجتمع الإيراني أكبر قدر من التأثير الفكري منه. لكن في هذه العقود الثلاثة، لم تجرِ الأمور كلها وفق مراد هذا «المراد كثير المريدين». القصر الشامخ الذي بناه حجراً حجراً برأسمال من الصبر والعقل، يواجه الآن معول النقد غير المسبوق من تلامذته، وربما تصيبه الرياح والأمطار بأذى! بعض تلامذته ومحبيه خرجوا من الدين بصمت. لا يكتبون شيئاً في نقده، لكنهم لم يعودوا يعتقدون بتعاليمه. هؤلاء يعتبرون أنفسهم ليبراليين ديمقراطيين أراهم سروش باب الخروج من الدين، وها هم الآن من خارج الباب ينظرون بدهشة إلى استمرار سكنى الأستاذ في هذا «البيت العتيق». أما سروش فيرى الدين بيتاً كاللغة والوطن. وهو لا يرى اللغة الفارسية وأرض إيران خاليتين من العيوب والنقائص؛ لكنه يعد توديع الوطن واللغة توديعاً غير عقلاني ومحرقاً للهوية. إنه يعتقد أن بيت الدين مانح للمعنى والطمأنينة والهوية، وهذا البيت، شأنه شأن بيتي «الوطن» و«اللغة»، ينبغي ترميمه؛ حتى لو استغرق هذا الترميم وإعادة البناء سنين طويلة، وتطلب همة كهمة الحكيم الطوسي. ثمة رأيان نقديان متضادان حول عبد الكريم سروش ومشروعه الفكري في الأوساط الثقافية. البعض يرى سروش قديس مانويل إيران المعاصرة. أي رجلاً طيباً قلبه غير متدين لكن عقله يرى التدين ضرورياً للمجتمع. والبعض الآخر يراه مفكراً متحذلقاً ليس متديناً شخصياً، ويسوق جمهوره الغفير بانحدار لطيف نحو وادي «التحرر من الدين». يبدو أن مثل هذه الآراء مجحفة، وتُطرح في بعض المحافل الخاصة للمجتمع الثقافي الإيراني مع تجاهل عمر كامل من أقوال سروش وأفعاله الدينية؛ لا سيما الرأي الثاني، الذي هو شديد التآمرية، ويتجاهل تحولات سروش الفكرية، ويروج لفكرة أن سروش كان يريد منذ ثلاثين عاماً إيصال جمهوره إلى ذلك الوادي. في حين أن عبد الكريم سروش كان يقول صراحة في عام 1370: «نحن نفرق بين كلمات النبي وكلمات القرآن... كلمات النبي هي تفسير للقرآن وليست القرآن نفسه.» (أسمن من الأيديولوجيا: الاعتقاد الديني، الحكم الديني). لكنه الآن، في مسار أبحاثه الدينية، توصل إلى أن كلمات القرآن هي نفسها كلمات النبي. لعل الرأي المنصف هو أن سروش، طيلة حياته الفكرية، تقدم متكئاً على عصا «العقل»، وبلغ الآن «حدود التدين». ولهذا أيضاً، حين ظهر بعصا أنيقة تروق للمريدين في برنامج «برغار»، ثار مريدوه على تحليله العقلاني للوحي، وقال كل منهم بلسانه: العقلاء نقطة برغار الوجود ولكن/ العشق يعلم أنهم في هذه الدائرة حائرون! على أية حال، أياً تكن نسبة عبد الكريم سروش إلى الدين قلباً وعقلاً، فهو مفكر لم تثمر مدرسته إلا تخريج الديمقراطيين. بعض هؤلاء الديمقراطيين صاروا بلا دين، وأغلبيتهم ما زالوا متدينين على ما يبدو. أما التلامذة الذين خرجوا من تحت عباءة سروش، سواء بلا دين أو مع دين، فهم يصبون الماء في طاحونة الحرية والإنسانية، ويدافعون، مثل أستاذهم، عن دين حدّي لا أذى فيه لأحد.
النص التالي هو حوار نقدي مع سروش دباغ حول المشروع الفكري لعبد الكريم سروش. في ثنايا هذه المقابلة، تظهر نظرة نقدية للمسار الفكري لعبد الكريم سروش خلال العقود الثلاثة الماضية، والافتراض الأساسي لهذا الحوار هو وصول الدكتور سروش إلى "حدود التدين". إن ماهية التبعات الدينية لهذا المسار الفكري هي إحدى المسائل المحورية في المقابلة. إن تحليل مسألة تأثير آراء عبد الكريم سروش في تجاوز التدين ناتج عن هاجس اجتماعي ويهدف إلى توضيح طبيعة وتبعات مشروع فكري مهم في المجتمع الديني الإيراني؛ وإلا فإن المُحاوِر شخصياً ليس قلقاً من خروج زيد وعمرو من دائرة الدين والتدين. كما أن نظرة عابرة إلى إيران اليوم تُظهر بوضوح أن التدين لا يصنع بالضرورة حياة أخلاقية ورفاهاً دنيوياً وسعادة أخروية. ومع ذلك، فقد طُرحت خلال المقابلة انتقادات لاذعة وحادة في بعض الأحيان، بعضها تحليلات من المُحاوِر، والبعض الآخر آراء مطروحة في طبقات من الفكر العام في المجتمع الإيراني. إن سعة الصدر والتسامح العاليين اللذين أبداهما جناب سروش دباغ في هذا الحوار النقدي كانا حقاً موضع احترام وإعجاب بالنسبة لي. إن سعة الصدر هذه، النابعة من لين ليبرالي، من الجيد أن تكون نموذجاً يحتذى به سائر المثقفين الدينيين. بالطبع، بقيت بعض أسئلة المقابلة دون إجابة. ورغم أن هذه المقابلة استغرقت حواراً دام خمس ساعات، إلا أن ضيق الوقت كان سيد الموقف ولم يتسنَّ طرح العديد من الأسئلة. لقد تحدث الدكتور سروش في آخر مقابلة صحفية له عن ضرورة إجراء حوار نقدي بين المسؤولين رفيعي المستوى في الجمهورية الإسلامية و"الصحفيين المستقلين والشجعان". كم هو جميل أن يعمل هو شخصياً بموجب هذه الوصفة، والآن بعد أن واجهت آراؤه في فهم الدين انتقادات عديدة من أنصار تيار التنوير الديني، أن يخوض على الأقل حوارات نقدية عميقة مع صحفيين شجعان ومستقلين خارج البلاد. إن الإجابة على أسئلة المهتمين المتفرقة عبر البريد الإلكتروني وتلغرام أو في نهاية جلسات المحاضرات، بدلاً من أن تفوح منها رائحة الحوار، تكتسب لون المونولوغ. وفي هذا الحوار أيضاً، بقيت بعض الأسئلة (حول فقدان حجية الوحي وعَرَضية معظم الآيات المتعلقة بمعرفة الله في القرآن نتيجة لتعاليم عبد الكريم سروش) دون إجابة لهذا السبب بالتحديد، وهو أن الإجابة عنها كانت منطقياً تقع على عاتق الدكتور سروش وليس على عاتق نجله الفاضل. سروش دباغ، الذي يعمل الآن باحثاً ومحققاً في قسم "الدراسات الدينية" بجامعة تورنتو، دافع في هذه المقابلة بصدق وعلمية عن مشروع الإصلاح الديني. ومع ذلك، فإن الضغوط التي يواجهها المثقفون الدينيون دفعت هذا المثقف الديني الشاب والواعد إلى أن يلجأ قليلاً إلى باب المصالح، وأن يشطب ويعدل بعض إجاباته، وأن يترك بعض الأسئلة دون إجابة، وأن يقول على طريقة البيضاوي: ربما في وقت آخر!
*****
قبل حوالي ثلاثة عقود، ووفقاً لرواية الدكتور سروش، أقسم أحمد فريد في أحد دروسه أن عبد الكريم سروش لا دين له. وقبل عقدين من الزمان، ادعى آية الله جوادي آملي أن سروش لا يسعى إلى إحياء الدين بل إلى إماتته. الآن، لدى معظم المثقفين الدينيين انتقادات جدية لآراء الدكتور سروش الأخيرة. بعض هؤلاء يعتبرون هذه الآراء غير إسلامية، وآخرون، كانوا من أقرب تلامذة الدكتور سروش، يعتبرون هذه الآراء مقدمة للخروج من الدين أو حتى عين الخروج من الدين. لماذا وصل الأمر إلى هذا الحد، ولماذا أصبح تلامذة الدكتور سروش ورفاقه الفكريون يشكون إلى هذه الدرجة في إسلامية أفكاره؟
بسم الله. آمل أن نجري حوارًا نقديًا جيدًا حول تطورات ومناقشات التنوير الديني الأخيرة، التي نشأت إثر آراء عبد الكريم سروش في فلسفة الوحي؛ لا سيما وأن بعض تلامذة السيد سروش القدامى والمقربين قد دخلوا على الخط. أما بخصوص الأستاذ أحمد فرديد، فلا أعتقد أننا بحاجة إلى التوقف طويلاً واعتبار مزاعمه في هذا الشأن حجة. لقد أدلى فرديد بتصريحات لاذعة بحق كثير من عظماء هذه الديار، ووجه أحيانًا اتهامات متعددة؛ من المرحوم بازركان إلى المرحوم شريعتي والسيد سروش وآخرين. إن أسلوب حياة فرديد نفسه، وفقًا لأقوال تلامذته، لم يكن ذا صلة تُذكر بالتدين والتشرع بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. فأن يتهم مثل هذا الشخص الآخرين بالإلحاد، لأمر ينطوي على سخرية. إذا ما انتبهنا إلى مقال داريوش آشوري في نقد فرديد، وإلى أحاديث بعض الأشخاص الذين كشفوا تدريجيًا عن خصال فرديد الشخصية، أعتقد أن بوسعنا القول إن هذا النمط من كلام فرديد، سواء عن السيد سروش أو عن غيره، لا قيمة له ولا ينبغي اعتباره شيئًا أو الالتفات إليه. بطبيعة الحال، لا أنوي الآن الحديث عن الشأن الفلسفي لفرديد، وخصوصًا نفوذه بين شريحة من النخب الفكرية في المجتمع الإيراني. إجمالاً، أعترف له بشأن ما، فهو على أية حال قد ابتكر مفاهيم رسخت في فضائنا الفكري والفلسفي؛ كمفاهيم «التغرب» و«العدمية» و«الإحالة التاريخية». وهذا القدر نفسه يُظهر أهميته وذائقته الفلسفية والأدبية. بالطبع، لم تكن لفرديد يد في الكتابة، ويبدو أن هذا العجز كان يؤرقه. كما لم يكن قويًا في الخطابة، لكنه كان ذا ذائقة لافتة وصاغ مفاهيم؛ والأهم من ذلك، أن شخصيات مهمة مثل داريوش شايغان وداريوش آشوري ورضا داوري، وهم وجوهنا الثقافية البارزة في العقود الأخيرة، قد تأثروا بفرديد بقوة في مرحلة ما. إذن، فرديد فاعل مهم في فضائنا الفكري والثقافي، لكن ذلك النمط من كلامه، كما قلت، لا قيمة له البتة. كما أدلى آية الله جوادي آملي، بصفته رجل دين تقليدي وفيلسوفًا صدرائيًا، بمثل هذا الكلام. إن تعبير «إماتة الدين»، في رأيي، تعبير قاسٍ لكنه ليس غير متوقع. ففي نهاية المطاف، فقيه وفيلسوف تقليدي، صار بالصدفة فيلسوفًا رسميًا أيضًا، لا يحمل عادةً رأيًا حسنًا تجاه التنويريين الدينيين؛ تمامًا كما لم يكن أمثال هؤلاء يحملون رأيًا حسنًا تجاه المرحوم شريعتي. على أية حال، طرح مثل هذه الأقوال ليس مستبعدًا، لكن ينبغي أن يُقام دليل لصالحه. كون قول ما غير أرثوذكسي لا يدل بالضرورة على إماتة الدين. علاوة على ذلك، لقد رأيت أفرادًا كثيرين أو قرأت رسائلهم يقولون فيها إننا إذا كنا لا نزال في هذا العصر نعتقد بالتفاعل مع الساحة القدسية للعالم و– بتعبيرهم هم – بقيت فينا بقية من تديننا، فإنما يعود ذلك إلى أقوال التنويريين الدينيين، وإلا فمنذ سنوات بل عقود لم تعد كلمات رجال الدين عن الدين تحرك فينا ساكنًا. إذا ما أخذنا هؤلاء الأفراد أيضًا في الاعتبار عند الحديث عن إحياء الدين، فبالمصادفة هم كثر ممن يشكلون جمهور التنويريين الدينيين. أما أن تلامذة سروش يرددون الآن كلام فرديد نفسه، فأنا أشك حقًا في صحة ذلك. جزء من النقاد، أي السادة محمود صدري وعلوي طبر وغيرهم، لا يدّعون ذلك. هؤلاء الأشخاص هم نقاد لآراء السيد سروش المتأخرة. هذا الإعلان عن المعارضة هو حق لهم، وهو في نظري جزء من مقتضيات طرح نظرية جديدة ومثيرة للتأمل. حين يُقال كلام غير مألوف، تكون مثل هذه المعارضات طبيعية، ويستغرق الأمر بعض الوقت حتى نصل إلى حكم جمعي بشأنه. هذا النوع من النقاد يعتبرون هذه الأقوال، في أقصى تقدير، غير مبررة أو بدعة غير مقبولة. وأشار شخص واحد بالطبع إلى أن آراء السيد سروش الأخيرة تنطوي على خروج من الدين. بصرف النظر عن عدم أهليته في هذا الشأن، للأسف فإن مثل هذه الادعاءات – بأن عبد الكريم سروش قد ادعى النبوة – هي من قبيل البهتان والافتراء؛ في نظري، إن مثل هذه الادعاءات معلولة أكثر مما هي معللة. هذه الادعاءات المعلولة لا يمكن دحضها بالدليل لأنها ليست من سنخ المواجهة المعرفية ولا وزن لها في ميزان التحقيق. بالطبع، يمكننا أن نناقش في هذا الخصوص أين يقع الحد الفاصل بين الإصلاح الديني والخروج من الدين؟ إذا لزم الأمر، سنتطرق إليه لاحقًا. إذن، خلاصة جوابي هي أننا إذا تجاوزنا فرديد وجوادي آملي، فإن بعض المثقفين الدينيين لديهم انتقادات جدية لآراء السيد سروش الأخيرة، وكانت مواجهة شخص واحد معلولة ومن قبيل الافتراء والتهمة. الخروج من الدين يختلف تمامًا عن طرح أقوال غير مألوفة. من يطرح أقوالاً غير مألوفة يكون قد ابتعد عن الأرثوذكسية الدينية. وفي تاريخ الإسلام، كان أشخاص مثل عين القضاة الهمداني، والحلاج، والشيخ شهاب الدين السهروردي، وملا صدرا في مر
ز حرکت میکردند و فاصلۀ چشمگیری با ارتدوکسی دینی داشتند و کموبیش هزینۀ سخنان نامتعارفشان را هم پرداختند.في مقال «علل الإقبال على دعوة الأنبياء» (المدخل الأول من كتاب «الآيين في المرآة»)، كتب الدكتور سروش: «ما نُفي عن ساحة النبي ليس كون كلامه موزونًا ومنغمًا، بل كونه متخيَّلًا. أي أن النبي لا يتكلم كلامًا خياليًا. الوحي، ظاهريًا، يتاخم عالم الخيال. وأدنى قدر من عدم الدقة يتسبب في انزلاق المرء إلى مهاوي الشبهات. قال بعضهم إن الوحي من جنس الغريزة، أو أن كلام الأنبياء في مصاف أعمال الشعراء. هذه الأقوال، بالمعنى الدقيق للكلمة، ’ملحدة‘.» كُتب هذا المقال عام 1367. أي أنه حتى من منظور سروش عام 67، فإن سروش اليوم يتكلم بأقوال ملحدة. أولًا، ما رأيكم في هذه الآراء المتناقضة في علم الوحي؟ وثانيًا، إذا كان من حق الدكتور سروش أن يقول إن من ينظرون إلى الوحي بهذه النظرة، نظرتهم ملحدة، فلماذا لا تقرون هذا الحق للآخرين في أن يقولوا إن أقوال سروش اليوم عن الوحي ملحدة؟
نعم، هذا الجزء من كتاب «الآيين في المرآة» يبتعد بمسافة معتبرة عن آراء السيد سروش الحالية حول الوحي؛ سواء اعتبرنا الوحي تجربة نبوية، أم رؤيا رسولية. جوابي هو أنه، شأنه شأن أي مفكر آخر، قد تجاوز بعض أقواله السابقة ولم يعد يقبل بها اليوم. شخصيًا، لا أستسيغ تعبير الإلحاد، واقترحت قبل بضع سنوات في مقال أن نستخدم بدل كلمة «الإلحاد»، بما تحمله من عبء معنوي سلبي، كلمة «اللاأدرية الإلهية». علاوة على ذلك، فإن السيد سروش، في مقابلته مع ذلك الصحفي الهولندي، ومن باب تقريب المعنى إلى الذهن، اعتبر التجارب الوحيانية من سنخ التجربة الشعرية. على أية حال، فإن علم الوحي الحالي لدى الدكتور سروش قد قطع مسافة شاسعة عن علم الوحي لديه في عقد الستينيات الشمسية. وأنا أرى هذا التجاوز. كما أنني لا أستسيغ استخدام كلمة الإلحاد، لا بشأن آراء السيد سروش الحالية ولا بشأن آراء الآخرين المتقدمة والمتأخرة. والدكتور سروش نفسه اليوم، أي بعد مناظرته ومراسلاته مع آية الله منتظري، ابتعدت صورته عن الارتداد والإلحاد مسافة كبيرة عن الصورة التي كان يحملها عن هذه المقولات قبل ثلاثة عقود، وربما لم يعد يستخدم هذه التعابير. قبل بضع سنوات، أجريت معه نحو ثلاثين جلسة حوار حول سيرة عبد الكريم سروش، تغطي مجمل حياته الفكرية والسياسية حتى نهاية عام 1392 الشمسي. في أحد تلك الحوارات، سألته: كنتم في يوم من الأيام، في مقال «التنوير والتدين»، قد استخدمتم تعابير قاسية نسبيًا بحق فروغ فرخزاد ومحمد علي فروغي؛ فهل ما زلتم تدافعون عن تلك التعابير الآن؟ فقال: «لا، عندما أنظر الآن، أرى أن تلك التعابير لم تكن تعابير جيدة؛ لا بشأن فروغ فرخزاد ولا بشأن محمد علي فروغي.» وفي مقال «لنتعلم من التاريخ» في كتاب «تفرج صنع»، رسم السيد سروش مسارًا شبه حتمي للتاريخ؛ لكنه قال في تلك الحوارات صراحة إنه يفكر اليوم بطريقة أخرى، وإنه لو أتيح له أن يكتب ذلك المقال مرة أخرى، لما كتبه بتلك الصورة؛ وقد قال هذا الأمر أيضًا قبل بضع سنوات في إحدى محاضراته. في عالم الفكر، كانت هناك دائمًا وبشكل طبيعي مثل هذه الحالات. أي أن أناسًا كانت لديهم آراء، ومع مرور الزمن، تغيرت آراؤهم.
حتى الآن، وباستثناءكم، وأنتم ابن الدكتور سروش، لم يبرز أي شخصية بارزة في تيار التنوير الديني لتأييد نظرية الرؤيا الرسولية. هل يمكن أن تكون هذه النظرية بداية خروج الدكتور سروش من تيار التنوير الديني؟ وإذا حدث ذلك، فما هي العواقب التي يمكن أن يخلفها هذا الانفصال على تيار التنوير الديني؟
مؤخراً عُقدت في طهران جلسات لنقد ودراسة نظرية الحلم الرسولي بحضور السادة محسن آرمين، حبيب الله بيمان وبعض أساتذة الفلسفة والإلهيات. لا أقول بالطبع إن أحداً دافع عن هذه النظرية في تلك الجلسات، لكن مجرد نقدها ودراستها ينمّ عن أهمية هذه الفكرة. وفي الوقت نفسه، أود أن أضيف هذه النقطة وهي أن الدفاع الصريح عن هذه النظرية، دينياً كان أم سياسياً، لن يكون قليل المخاطر. يمكن التخمين أن بعض الأشخاص قد يكونون على استعداد، بعد بضع سنوات، أي بعد أن تهدأ العاصفة، للدفاع عن أجزاء من هذه النظرية. لا أقول بالطبع إن هذا حتمي؛ بل أخمن فحسب أن الأمر سيكون كذلك. أما بخصوص طريق التنوير الديني وخروج السيد سروش من هذا المسار، فينبغي أن أقول إن تصوري ليس أن هذه النظرية هي بداية خروج الدكتور سروش من تيار التنوير الديني. هو نفسه أيضاً ليس لديه هذا التصور؛ لأن هذه النظرية، بمعنى من المعاني، تقع في استمرار "بسط التجربة النبوية"، وفضلاً عن ذلك، فهي لا تزال، من أجل شرح ميكانيزم وآلية الوحي، معنية بإعادة القراءة النقدية للتراث الديني وإقامة نظرية بديلة. في رأيي، إن إعادة القراءة النقدية للتراث الديني هي ما يشكّل قوام تيار التنوير والتجديد الديني. ما دام المرء منهمكاً في إعادة القراءة النقدية هذه ولا يزال يستشهد بهذا التراث، فإنه يُعتبر متنوراً أو مجدداً دينياً. علاوة على ذلك، أعتقد أن المجددين الدينيين يشملون المجددين المتدينين والمجددين غير المتدينين. أي أنه لا ينبغي بالضرورة أن يكون المجددون الدينيون متدينين. ما داموا معنيين بالتراث الديني ومتعاطفين معه ومنهمكين في إعادة قراءته نقدياً، فهم في تيار التجديد الديني حتى لو لم يكونوا شخصياً متدينين. لكن الدكتور سروش يعتبر نفسه مسلماً ويتأسى بالتراث الديني لكنه قال أقوالاً شاذة. لا أتصور أن الحلم الرسولي هو بداية خروج الدكتور سروش من التنوير الديني؛ لأنه إجمالاً من جنس بسط التجربة النبوية ويسعى لدراسة ميكانيزم الوحي؛ أي أن له صبغة فينومينولوجية وهرمنيوطيقية؛ وليست له صبغة إبستيمولوجية. بعبارة أخرى، إن الحلم الرسولي يفترض مسبقاً الحجية الإبستيمولوجية للوحي ويتخذ مقاربة فينومينولوجية تجاه الوحي. أتصور أن هذه النقاشات ستمضي قدماً، وبعد مرور بضع سنوات، ستقل غرابة وبداعة هذه الأقوال ويصبح الحوار حول هذه النظرية أكثر تيسراً. ردود الفعل ناجمة إلى حد ما عن كون هذه الأقوال غير مألوفة، وناجمة إلى حد ما أيضاً عن الغفلة عن أن هذه المباحث ناظرة إلى ميكانيزم الوحي. إذا جاء أحدهم وقدم نظرية بديلة في علم الوحي، بل وسعى أصلاً – دعوني أكن أكثر صراحة – إلى إقامة نسق لاهوتي بديل تكون توحيده ومعاده ونبوته مختلفة عن النسق اللاهوتي التقليدي القديم، فإنه يبقى أيضاً في صلب هذا التراث نفسه. بأي معنى؟ بمعنى أنه من أجل إقامة الشواهد النصية والأدلة، لا يزال يولي وجهه شطر التراث الإيراني-الإسلامي الضخم. سواء السيد سروش أم السيد شبستري، لا يزالان في صلب تيار التجديد الديني، وبأمثال هذه الأقوال لا يخرجان من هذا التيار، بل يفتحان فقط طريقاً جديداً أمام هذا التيار. لكن مدى تأثير هذه الأقوال ورسوخها في الأذهان، هو سؤال تتوقف إجابته على مرور الزمن والتجربة التاريخية. أي أنه بعد عشر إلى عشرين سنة على الأقل، سيتضح إلى أي حد كانت هذه النظرية مؤثرة ووجدت لها موطئ قدم في المجتمع الديني الإيراني. وإن لم تكن مؤثرة، فستصبح جزءاً من تاريخ الفكر الديني. مؤخراً كانت الذكرى الأربعون لوفاة محمد نخشب. الآن الكثير من آراء نخشب أصبحت جزءاً من تاريخ الفكر الديني في إيران. أي أن آراءه اليوم لها مؤيدون ومتعاطفون أقل. وبعد مئة عام أيضاً، فإن عموم النظريات الحالية المطروحة في فضاء الإصلاح الديني في المجتمع الإيراني، أو جزء منها على الأقل، ستتحول إلى جزء من تاريخ الفكر الديني في إيران وستُدرس من هذه الجهة.
كتب الدكتور سروش في أحد هوامش كتابه «القبض والبسط في الشريعة النظرية»، مشيراً إلى بيان المكتب المركزي لممثلي الولي الفقيه في الجامعات: «ورد في هذا البيان الجملة المدهشة التالية: «إننا نعتبر الترويج لأفكار تسعى إلى جعل الدين تابعاً لمتغير آخر من متغيرات المعارف البشرية أمراً خطيراً ويعني نفي الحكم الديني والإسلامي.» ودهشتي نابعة من أن فكرة لم تُفهم بعد على نحو صحيح، كيف صارت تُعتبر خطيرة.» أي في حوالي عام 1370، قال ممثلو الولي الفقيه في الجامعات إن القبض والبسط يؤدي إلى نفي الحكم الإسلامي، وقال الدكتور سروش ضمناً إن هذه النظرية لا تؤدي إلى هذه النتيجة. لكن مرور الزمن أظهر أن الحق كان مع ممثلي الولي الفقيه. أي أن نفي الحكم الديني كان أيضاً إحدى ثمرات نظرية القبض والبسط. والآن أيضاً يقول بعض المثقفين الدينيين الناقدين لـ«الحلم الرسولي» إن آراء من هذا القبيل تمحو في نهاية المطاف الحدود بين التدين واللادينية. أولاً، ما رأيكم في ذلك الحدس الصائب لممثلي الولي الفقيه، وثانياً، هل من الممكن أن تكون تنبؤات منتقدي الدكتور سروش صحيحة هذه المرة أيضاً؟
في «القبض والبسط في الشريعة النظرية»، يدور الحديث عن أفهام مختلفة للدين، ولم يُتطرق إلى الحكم الديني. في مقالة «الحكم الديمقراطي الديني»، التي كُتبت بعد سنوات قليلة من القبض والبسط، استدل الدكتور سروش على أنه إذا جعلنا الفهم الديني سيالاً، فقد نتمكن من الجمع بين رضا الخلق ورضا الخالق. في مقالة «تحليل مفهوم الحكم الديني» التي كُتبت عام 75، اعتبر السيد سروش أن وظائف الحكم هي أولاً وبالذات تلبية الاحتياجات الأولية (أي الأمن والصحة والاقتصاد...). على كل حال، لقد سار الدكتور سروش في هذا المسار خطوة بخطوة. ومن منظور تاريخي أيضاً، كان لمرور الزمن دوماً دور مؤثر في اتضاح آثار ونتائج الأفكار، حتى بالنسبة للمفكرين وأصحاب الأفكار أنفسهم.
كان ممثلو الولي الفقيه يقولون إن من طرح القبض والبسط، سينتهي به الأمر إلى نفي الحكم الديني. والآن يقول أصدقاء الدكتور سروش إن من طرح «الحلم الرسولي»، سينتهي به الأمر إلى الخروج من الدين أيضاً.
كلتا الدعويين بحاجة إلى دليل. لا أعلم ما الدليل الذي ساقه ممثلو القيادة آنذاك على أن القبض والبسط يؤدي بالضرورة إلى نفي الحكومة الدينية. أريد أن أقول إن السيد سروش سار بنفسه في هذا الطريق ووصل إلى مقالة «تحليل مفهوم الحكومة الدينية» ثم إلى فكرة «الحكومة ما فوق الدينية». لكن ثمة ثلاث ملاحظات. الأولى، أنه لا يمكن من ذلك المثال المتعلق بالقبض والبسط أن نستنتج أن حدس المنتقدين اليوم سيكون صائباً. أي، حتى لو افترضنا أن ذلك الأمر قد حدث هناك، فلا يمكن منطقياً أن نستنتج أن القصة نفسها ستجري وتسري بالضبط بشأن نظريات الدكتور سروش حول الوحي. الملاحظة الثانية، أن الأصدقاء الذين لديهم هاجس الخروج من الدين اليوم، عليهم أن يبينوا بالدليل لماذا يؤدي الحلم الرسولي والنظريات المشابهة له إلى الخروج من الدين. لم أرَ حتى الآن دليلاً واحداً يُساق لتأييد هذه الدعوى. ينبغي أن يُقام دليل مقنع يبين لماذا تنتهي آراء الدكتور سروش الوحيانية الأخيرة منطقياً إلى الخروج من الدين أو العدول عن التدين. الملاحظة الثالثة نابعة من «أخلاق الاعتقاد». في أخلاق الاعتقاد، يتم التفريق بين دافع اختلاج النظرية في ذهن المفكر، ودافع طرح النظرية، والأدلة المؤيدة والمعارضة للنظرية، وأخيراً الآثار والنتائج المترتبة على النظرية. إذن، علل تشكل النظرية في ذهن المفكر، وعلل مشاركتها مع الآخرين، والأدلة وصدق الدعاوى وكذبها، وعلاقة الأدلة بالدعاوى ونسبتها إلى بعضها البعض، وأخيراً الآثار والنتائج المترتبة على الدعاوى، ينبغي فحص كل منها على حدة. في أخلاق الاعتقاد، علينا أن نبدأ من المرحلة الثالثة لا من المرحلة الأولى أو الثانية؛ لأن هاتين المرحلتين ليست لهما شأن معرفي؛ بل لهما شأن تفسيري ويقدمان سياق وزمان ظهور نظرية ما. كما يمكننا أن نقول بشأن القبض والبسط إن عقداً من الحياة في ظل الثورة والحكومة الدينية كان من علل ودوافع عبد الكريم سروش لطرح هذه النظرية. هذا الكلام صحيح تماماً لكنه لا يحل محل أدلته المؤيدة لدعاوى القبض والبسط. كلامي هو أننا في مواجهة نظريتي «بسط التجربة النبوية» و«الحلم الرسولي»، ينبغي أن نفحص النواقص المحتملة في أدلة هاتين النظريتين. إذا كانت الأدلة المسوقة لصالح هاتين النظريتين موجَّهة، فينبغي التسليم بآثار ونتائج هاتين النظريتين أيضاً. بتعبير آخر، لا ينبغي أن نبدأ النقاش من الآثار والنتائج. إذا كانت الأدلة موجَّهة، فلا يمكن القول بعد ذلك إننا لا نقبل النظرية لأننا لا نستحسن نتيجتها. على المنتقدين ألا يبدؤوا النقاش من العواقب؛ بل عليهم أن يتناولوا الأدلة نفسها. إذا كانت الأدلة مقنعة ومثبِتة للدعاوى، فيجب التسليم بلوازم النظرية المنطقية أيضاً. في الوقت نفسه، فإن رأي صاحب النظرية في هذا المجال مساعد ويمهد الطريق. إذا سألتم الدكتور سروش أو سألتموني – وأنا متعاطف مع نظرية الحلم الرسولي – فجوابنا هو أن هذا النمط من الوحيانية يؤسس لنظام لاهوتي جديد، لا أنه يتضمن الخروج من الدين. هذا النمط الجديد من التدين يبتعد عن التدين التقليدي لكنه يبقى مع ذلك في قلب التراث الإيراني-الإسلامي؛ وإن كان يبتعد عن التيار الرئيس للتراث الإيراني-الإسلامي.
قبل متابعة لباب السؤال السابق، لا بأس من أن أُذكّر بهذه النقطة من مقالة «الاعتقاد الديني، الحَكَم الديني» التي قال فيها الدكتور سروش، في هذه المقالة التي هي في الأصل مقابلة نُشرت عام 1370: «رفض الآراء الفقهية وقبولها لا يضران بأصل التدين ... لكن الكلام في الآراء الكلامية، هو كلام في أصل التدين أو في فهم الدين. إن بحثاً كلامياً حول وجود الله أو حقيقة الوحي ... يمكنه أحياناً أن يُخرج شخصاً من دائرة الدين أو أن يمنح دينه ماهية ومضموناً جديدين.» يبدو أن خلاف الدكتور سروش الآن مع بعض المثقفين الدينيين هو أن نظريات مثل الحلم الرسولي تمنح تدين المؤمنين المعتقدين بهذه الآراء ماهية ومضموناً جديدين، لكن المنتقدين يعتبرون الحلم الرسولي مصداقاً لهذا الجزء من تلك الجملة المذكورة وهو أن «بحثاً كلامياً حول حقيقة الوحي يمكنه أحياناً أن يُخرج شخصاً من الدائرة.»
نعم، أنا أيضًا أوافق على الجزء الثاني من كلام السيد سروش. وللنقاد بالطبع الحق في أن يوافقوا على الجزء الأول من الجملة، لكن ينبغي أن يكونوا قادرين على أن يظهروا بدليل وجيه أن هذه المباحث حول الوحي، أدت إلى الخروج من الدين أو قد تؤدي إلى هذه النتيجة. أنا، لأنني أعترف بالتعددية وبأساليب الحياة المختلفة والروايات المختلفة للدين، أعتقد أنه ما دام يتم الاستشهاد بالتراث الديني وينظم الشخص تجاربه وأدلته في إطار هذا التراث، ويشير إلى آثار المتقدمين في هذا التراث ويعالجها، ويشرح إبداعاته وابتكاراته ويوضحها في قلب هذا التراث، فإنه لا يزال في قلب الأسرة الإيرانية-الإسلامية الواسعة والكبيرة؛ حتى لو قدم أسلوبًا جديدًا من التدين، بل وحتى لو أسس نظامًا لاهوتيًا جديدًا يكون توحيده ومعاده ونبوته مختلفة بشكل معتد به عن التوحيد والمعاد والنبوة الأرثوذكسية. على كل حال، من الأفضل للنقاد أن يعالجوا الأفكار نفسها، وأن يقيموا أدلة مقنعة ضد الأفكار. مجرد القول والتأكيد على أن هذه الأفكار تؤدي إلى مكان ما، هو خطأ من الناحية المنهجية ولا يؤدي إلى نتيجة. إذا كانت فكرة ما وجيهة، فأينما تؤد، ينبغي قبولها منطقيًا.
ممثلو المرشد في ذلك الوقت وأشخاص مثل عبد العلي بازركان ومحسن آرمين في الزمن الحالي، قالوا ويقولون أدلتهم في رفض القبض والبسط أو الحلم الرسولي، لكنكم تقولون إن هؤلاء الأشخاص لم يقيموا حتى الآن دليلاً على لماذا تؤدي هذه النظريات الخاطئة (وفقًا لرأي هؤلاء الأشخاص بالطبع)، إلى الخروج من الدين. لكن النقطة التي أفكر فيها أنا هي أن مفكري علم الأفكار في حالات كثيرة، يستنشقون شيئًا ما. أي أن رائحة شيء ما تصل إلى مشام عقلهم حتى لو لم يستطيعوا إقامة دليل محكم وواضح على إثباته. بالنظر إلى أن استنشاق نتائج القبض والبسط كان صحيحًا، ألا ينبغي التأمل أكثر في استنشاق نتائج الحلم الرسولي؟
أفهم ما تقولون لكن الحقيقة هي أن قصة الاستنشاق ذاتية جدًا. لا أريد أن أنكر احتمال صحة الاستنشاق ووقوع الحدس الناشئ عنه، لكن المشكلة هنا هي أنه بخصوص استنشاق نتائج فكرة ما، وبسبب الطابع الذاتي للاستنشاق، لا يمكن النقاش بشكل موضوعي وبين-ذاتي. لكن بخصوص الأدلة المؤيدة أو المعارضة لنظرية ما، يمكن النقاش بشكل عيني وبين-ذاتي. الاستنشاق إذا تمت صياغته بشكل موضوعي في قالب أدلة، يمكن الحديث عنه، لكن ما دام استنشاقًا ولا يستند إلى أدلة، لا يمكن قول شيء عنه نفيًا أو إثباتًا. أنا أيضًا الآن لا أستطيع أن أقول شيئًا عن تخمينات هؤلاء الأصدقاء النقاد؛ لأن هذه الحدوس والتخمينات، كما تقولون، في مرحلة الشم.
بقليل من الدعابة، يجب أن أقول إذا كان المرء يستطيع أن يستنشق رائحة الله، فربما يستطيع أن يستنشق رائحة الإلحاد واللادينية أيضًا!
لا بأس؛ فقط بشرط أن تكون رائحة الإلحاد ورائحة اللادينية قابلة للصياغة. أقول بصدق، إنني بإنصاف لا أستنشق رائحة الإلحاد واللادينية من هذه المباحث الوحيانية. في النقود المقدمة، يُرى نوع من الجوهرانية. إذا اعترفنا بالتعدد ولم نعتبر التيار الرئيسي لفهم الدين هو التيار الوحيد الممكن، فإن آراء السيد سروش الأخيرة هي عدول عن القراءة الأرثوذكسية وليست أكثر من ذلك. إذا اعترفنا بالكثرة، فإن هذه الآراء تقدم في الواقع رواية أخرى للتدين. إقامة البديل لا تعني الخروج من الدين والعدول عن التدين. السيد نيكفر، الذي لديه مقاربة جوهرانية للدين، يعتبر داعش الممثل الوحيد للتدين في العالم المعاصر ويعتبر أي ابتعاد عن داعش نوعًا من العدول عن التدين. أي كأن لدينا رواية واحدة عن دين الإسلام ولا غير. إذا لم تكن رواية داعش هي الرواية الوحيدة الممكنة عن الإسلام وكان لدينا إسلامات بديلة مثل الإسلام التقليدي، والإسلام التقليديوي، والإسلام الإصلاحي، فإن المباحث الوحيانية الجديدة تقع في إطار الإسلام الإصلاحي. بالإضافة إلى ذلك، في قلب هذا الإسلام الإصلاحي نفسه، توجد نحل متنوعة؛ أي أننا في أسرة الإصلاح الديني لدينا أيضًا آراء ومدارس مختلفة.
الملاحظات التي تطرحونها في نقد الجوهرانية وجيهة، لكن الدكتور سروش نفسه كتب صراحةً في مناظرته مع السيد بهمن بور: «إن الإسلام رهنٌ بالاعتقاد بالذاتيات والالتزام بها». أي أنه هو نفسه يقر بأننا إذا ابتعدنا عن بعض الأمور نكون قد خرجنا من الإسلام. والآن يدور النقاش حول تحديد المصداق. أي هل هذه الأمور التي يبتعد عنها الإصلاح الديني هي من ذاتيات الإسلام التي لا تنفك عنه أم لا؟ ما أريد قوله هو أن السيولة التي تقصدونها لا يمكن أن تتمدد إلى حد لم يعد معه شيء اسمه «ذاتي الدين».
إذا قال أحدهم صراحةً إنه لم يعد يعبأ بالتوحيد والوحي والنبوة، فقد خرج من الدين. أو إذا أمكن إثبات أن كلام مفكر ما لم يعد له، منطقياً، أية صلة بالتراث الإسلامي، فإن الادعاء بخروجه من الدين يكون صحيحاً. لكن ما دام الشخص نفسه يدعي التدين ولا يقول إنه لا يقبل بالتوحيد والنبوة والمعاد والوحي، ويسعى إلى تقديم فهم جديد لهذه المقولات، فإنه لم يحد عن ذاتيات الدين. السيولة مقبولة ضمن هذا الإطار العام. مشروع الإصلاح الديني يسعى إلى تأسيس نسق لاهوتي جديد، لا إلى إيجاد شريعة أو دين جديد، والابتعاد عن الإيمان بالله أو التدين والذهاب نحو الإلحاد أو اللادينية أو اللاأدرية.
إذا قال أحدهم: أنا أعتبر محمداً (ص) نبياً، لكني أعتقد أن الصورة التي رسمها النبي عن الله ليست صورة صحيحة، ألا يكون بذلك قد انفصل عن ذاتيات الدين الإسلامي؟
إذا قال إنه يؤمن بتوحيد ونبوة لا مقابل لهما في التراث الإسلامي، فإنه في هذه الحالة يكون قد حاد عن ذاتيات الدين الإسلامي وانفصل عنه. لكن كما تعلمون، فإن لأقوال السيد سروش في هذا الباب مقابلاً في التراث الإسلامي. لقد قال العرفاء والفلاسفة مثل هذه الأقوال، لكنهم لم يكونوا التيار الرئيسي والسائد في النهر الجاري للتراث الديني. لأقوال سروش الأخيرة صياغة جديدة، لكنها ذات صلة جديرة بالتأمل بآراء بعض الفلاسفة والعرفاء المسلمين في صلب التراث الإيراني-الإسلامي؛ لقد عبر عن مثل هذه الأقوال غير الأرثوذكسية عين القضاة الهمداني، والسهروردي، وابن عربي، والمولوي، وملاصدرا وغيرهم... نحن نتحدث عن تراث يمتد لألف وأربعمئة عام. أقوال عبد الكريم سروش، وإن لم تكن تكراراً لأقوال السابقين، إلا أنها ذات صلة بآراء طائفة من العرفاء والفلاسفة المسلمين الذين كانوا، أولاً، وبشهادة آثارهم، يعتبرون أنفسهم مسلمين (أما ما كان يدور في دواخلهم فلا نعلمه)، وثانياً، طرحوا آراءهم في إطار التراث الإيراني-الإسلامي. إلا إذا أردنا قراءة النوايا، وهو موقف خاطئ وغير مبرر وله صبغة ذاتية وغير معرفية.
هناك نقطة أخرى في رد الدكتور سروش على بيان ممثلي الولي الفقيه في الجامعات، وهي أن الدكتور سروش يقول في رده على كاتبي ذلك البيان: «الدين ليس تابعاً لأي معرفة. المعرفة الدينية هي التابعة للمعارف الأخرى». لكنه لاحقاً في «بسط التجربة النبوية» و«القرآن كلام محمد» و«الرؤيا الرسولية»، قال الدكتور سروش بوضوح إن الدين أيضاً تابع للمعارف البشرية؛ ولأن العلم والمعرفة كانا محدودين في زمن النبي ومجتمعه، فقد تسرب هذا القصور إلى دين النبي. أي أنه يبدو أن الحق في هذه المسألة كان مع ممثلي الولي الفقيه، ويبدو أن الدكتور سروش لم يكن واعياً كثيراً بهذه النتيجة المترتبة على نظرية القبض والبسط.
لدي ملاحظتان. أولاً، إن رواية مكتب ممثلي الولي الفقيه لنظرية القبض والبسط ليست وجيهة. لأن النظرية تتحدث عن حوار وعلاقة ثنائية الاتجاه بين المعارف بعضها مع بعض، وليس أن القبض والبسط يقول إن المعرفة الدينية فقط هي التي تتأثر بسائر المعارف. الملاحظة الثانية هي أن...
أعتذر عن مقاطعتكم. لكن الدكتور سروش في مقالات القبض والبسط لم يتطرق إلى تأثير المعرفة الدينية على سائر المعارف. فقط في نهاية المقالة الثالثة أشار في جملة واحدة إلى مثل هذا التأثير.
لقد عُنيت نظرية «القبض والبسط» في الغالب بتأثير المعارف البشرية على المعرفة الدينية. أوافق على ذلك. فبسبب الفضاء والزمان والسياق الذي أفضى إلى تشكّل نظرية القبض والبسط، كانت هذه النظرية منصبّةً في معظمها على إظهار تأثير المعارف البشرية على المعارف الدينية. لكن إذا ما نظرنا إلى الأمر منطقياً وإلى المنظومة المعرفية لهذه النظرية، فينبغي القول إن نظرية القبض والبسط تفتح الباب أيضاً أمام تأثير المعرفة الدينية على سائر المعارف البشرية. على أية حال، هذه هي قراءتي لنظرية القبض والبسط؛ رواية يمكن تبريرها من الناحية المعرفية واستخلاص لوازمها المنطقية.
في السنوات الست والعشرين الماضية، أي بعد الانتهاء من كتابة القبض والبسط، لم يتطرق المثقفون الدينيون أبداً إلى موضوع مثل تأثير الفيزياء أو علم الفلك أو علم النفس أو علم الاجتماع من المعرفة الدينية.
نعم، لقد كان النقاش في هذا المجال أقل. لكن يمكن القول منطقياً إن نظرية «القبض والبسط» تقر بمثل هذه اللوازم المعرفية.
بقيت نقطتكم الثانية حول بيان ممثلي مكتب القيادة دون أن تُذكر.
نعم. النقطة الثانية هي أن الدكتور سروش كان بإمكانه من حيث المبدأ أن يقف عند القبض والبسط وألا يطرح المباحث اللاحقة. أعني أن البحث في بسط التجربة النبوية والقرآن كلام محمد والرؤيا الرسولية هي أمور أخرى مختلفة تماماً، ويمكن تصور أنه بعد القبض والبسط لم يدخل في هذه المباحث إطلاقاً. القبض والبسط ناظر إلى فهم النص المقدس، أما مباحث مثل «التجربة النبوية» و«القرآن كلام محمد» و«الرؤيا الرسولية» فهي ناظرة إلى تكوّن النص المقدس نفسه. أي أنها تقع في مرتبة ومرحلة أخرى وليست من اللوازم المنطقية للقبض والبسط.
لكن الدكتور سروش قال دائماً إن هذه هي ثمرات ونتائج القبض والبسط.
إنها نتيجة القبض والبسط في صلب منظومته اللاهوتية-الدينشناسية؛ على الرغم من أن هذه المباحث ناظرة إلى مقامين. القبض والبسط يتعلق بفهم النص المقدس، لكنه في «بسط التجربة النبوية» و«القرآن كلام محمد» و«الرؤيا الرسولية» تقدم خطوة إلى الأمام وعالج طبقات أكثر أساسية. نعم، هناك صلة ونسبة بينها، إذا أردتم صياغة المنظومة الدينشناسية واللاهوتية لعبد الكريم سروش. لكن هذا لا يعني أن بسط التجربة النبوية ينبثق منطقياً من صلب القبض والبسط. أنا منتبه إلى أن السيد سروش قال إن بسط التجربة النبوية هو المجلد الثاني للقبض والبسط، لكن هذه الجملة لا تدل على صلة ونسبة منطقية؛ بل إن عبد الكريم سروش يقول إن رأيي في كيفية «فهم النص المقدس» كان كذا، والآن أقول في «تكوّن النص المقدس» كذا. لكن من المتصور منطقياً أنه كان سيتوقف عند نفس القبض والبسط ولا يتقدم أكثر.
قال الدكتور سروش مؤخراً: «المثقفون الدينيون هم أولئك الذين أدركوا جيداً أزمة الفكر الديني في العصر المعاصر، ولهذا السبب لديهم نظرة نقدية إلى الأسس. وبالتالي فإن تدينهم مينيمالي أو حدّي. أي أنهم يقللون قدر الإمكان من الأمور غير القابلة للدفاع ليصلوا إلى ذلك الحد الأدنى القابل للدفاع ويحافظوا عليه.» إذا نظرنا إلى المسار الفكري للدكتور سروش في الثلاثين سنة الماضية، فمن الجلي تماماً أن الأمور الدينية غير القابلة للدفاع في نظره تزداد سنة بعد سنة، و«ذلك الحد الأدنى القابل للدفاع» يتناقص باستمرار. أي كأننا نواجه قبضاً في الشريعة لا بسطاً في الشريعة.
لقد قال بصراحة إن مراد الشارع هو قبض الفقه وبسط الأخلاق. لكن في سؤالكم هذا وفي بعض أسئلتكم الأخرى، هناك نوع من النظرة القائمة على الرقم والعدد. ماذا يعني أن يقل أو يكثر؟ هل يعني أنه نقص خمسة وزاد ستة؟ أنا في بحثي عن علم الدين، أفكر غالباً في المناهج والأدلة التي تُقام. لا أعلم إن كان العدد والرقم مهماً هنا لدرجة أن تقولوا إن حجم الأمور الدينية قد تقلص؟ نحن نعلم أنه في العقود الأخيرة تمت إزالة الخرافات مما يُعتبر من الأمور الدينية؛ وهذا العمل لم يقتصر على المجددين الدينيين. لقد قام بهذا أيضاً مصلحون دينيون – مثل مطهري وقابل – أي أنهم قللوا من مقدار الخرافات الدينية. كتب مطهري أيضاً أنه لو جمعنا الروايات التي ينقلها الوعاظ غير المؤهلين حول واقعة عاشوراء، لبلغت أكثر من خمسمائة مجلد كتاب. هل هذا هو المقصود بالعدد والرقم؟ إذا كان الأمر كذلك، فنعم، يجب إزالة هذه الزوائد.
لم يكن الدكتور سروش، وقت صدور كتابيه «أوصاف البارسين» و«الحكمة والمعيشة»، يجد مشكلة في قبول كائن اسمه المَلَك، لكنه في العقد الأخير، على ما يبدو، أخرج الملائكة أيضاً من ذلك «الحد الأدنى القابل للدفاع». فهو مثلاً في مناظرته مع آية الله السبحاني، وصف الملائكة بأنهم «كائنات خيالية». أي أننا هنا لم نعد أمام خرافات عاشوراء، بل أمام مسألة وجود كائنات اسمها الملائكة، وهو ما يؤكد عليه القرآن في كل موضع منه.
المعذرة، أظن أنكم لم تدركوا على وجهه الصحيح شأن «عالم الخيال» في هذه المباحث. «الخيال» في هذا السياق ليس بمعنى التخيلات وغير الواقعي، كما يُقال اليوم في اللغة اليومية فلان صار خيالياً؛ كلا. «عالم الخيال» من المفاهيم التي لها سابقة في التراث الفلسفي والعرفاني الإسلامي وقد استُخدمت فيه؛ تكلم عنه السهروردي، وكذلك مولوي وغيرهما. وبتعبير أدق، عالم الخيال هو عالم تكون فيه الصورة بلا مادة. حين قال مولوي في «المثنوي»: «صرتُ عرياناً من الجسد وهو من خيال/ أختال في غايات الوصال»، كان يعني هذا المعنى من عالم الخيال. ومن ثم، لا تصير الأنطولوجيا في هذه المباحث نحيفة وهزيلة. بل إن الدكتور سروش استشهد في تلك المناظرة القلمية مع آية الله السبحاني بـ«الميزان» للعلامة الطباطبائي. وقد أوردت في مناظرتي الأخيرة مع حجة الإسلام واعظي، والتي نُشرت روايتي لها في مقالة «حوار في مربع الوحي»، أن السيد واعظي قال إن مَلَك الوحي في المباحث الوحيانية الجديدة يُختزل إلى أمر ذاتي كان في خيال نبي الإسلام. فأجبتُ بأن في التراث الإسلامي من كان له مثل هذا الفهم، كالفارابي وابن سينا ومولوي، أولاً، وثانياً أن الكلام في هذه المباحث هو عن التأكيد على الجانب الذاتي، لا إنكار الجانب الموضوعي لمَلَك الوحي. ويشير السيد سروش في مناظرته مع السيد السبحاني إلى هذه النقطة أيضاً، وهي أن العلامة الطباطبائي كان يرى أن المراد من كون الملائكة مجنحة هو وظيفتها. وقد شرح مولوي حضور الملائكة في عالم الخيال في الدفتر الثالث من المثنوي؛ حيث يقول جبرائيل للسيدة مريم: «يا مريم انظري فإني نقش مشكل/ أنا هلال وأنا خيال في القلب». الملائكة نقش مشكل؛ أي هم ذاتيون وأنفسيون، وموضوعيون وآفاقيون معاً. في هذه المباحث، يُفترض وجود الملائكة وعالم ما وراء الطبيعة إجمالاً. أي أن ثمة حقيقة اسمها المَلَك أو حقيقة اسمها الساحة القدسية مفترضة. في الفهم التقليدي للدين، يُتكلم عن المَلَك كما لو أنه ظاهرة موضوعية تماماً مثل هذه الطاولة التي أمامي الآن. لكن السيد سروش، اقتفاءً ببعض العرفاء والفلاسفة المسلمين، أكد على أن مَلَك الوحي كان في قوة خيال النبي وكان النبي يراه. لمَلَك الوحي حقيقة لكننا لا نعلم ما كانت تلك الحقيقة. شأن من يناقش الملائكة ويُبرز جانبهم الذاتي ويسلط عليه الضوء يختلف كلياً عن شأن من يرفض أساساً الله والوحي ومَلَك الوحي وعالم ما وراء الطبيعة. على أية حال، التفسير الفلسفي لهذا الأمر هو أن الملائكة كانوا يظهرون للنبي في قوة الخيال.
بالطبع، لقد استخدمت «الخيال» بنفس المعنى الذي عارضه الدكتور سروش عام 67 حين قال «النبي لا يتكلم كلاماً خيالياً». لكن بصرف النظر عن هذه النقطة الفرعية، فإن الإنسان العامي حين يقرأ القرآن يتقبل بسهولة أن لدينا كائناً اسمه الجن في هذا العالم. لكن عالماً مؤمناً لا يعتقد على الأرجح أن الجن كائن واقعي. إنه يحاول أن يقدم تفسيراً جديداً للجن. يبدو الآن أن الملائكة في فكر الدكتور سروش قد لاقت مصير الجن في فكر هذا العالم الافتراضي نفسه.
يدرك العاميّ والفيزيائيّ ظواهرَ مختلفةً كالبحر والمطر والطاولة وما شابهها بطرقٍ متباينة. يتفاعل الأفراد مع الظواهر على مستوياتٍ مختلفة. فالفارسيّ العاميّ والأديب البارز، وإن قرأ كلاهما غزلَ حافظ، إلا أنهما لا ينالان المتعةَ ذاتها من سماعه أو قراءته. وبطبيعة الحال، يمتلك ذلك الأديبُ فهماً أعمقَ لشعر حافظ. والجنّ والمَلَك على هذا المنوال أيضاً. ولا شكّ أن التدين المعيشيّ يبعد عن التدين العرفاني والتدين الفلسفي. في هذه المباحث المتعلقة بعلم الوحي، يُسعى إلى تبيين آلية علاقة الطبيعة بما وراء الطبيعة والميتافيزيقا. نحن لا سبيل لنا إلى تجارب النبي وما جرى في ضميره. وفي هذه المباحث، يُفترض إجمالاً أن أموراً تُدعى الجنّ والمَلَك كانت لها حقيقةٌ تحدث عنها النبي. لكن أصل الكلام يدور حول تبيين تجربة النبي وفهمها. وقبل الخوض في المَلَك والجنّ وكيفية تبيينهما وتفسيرهما، دعوني أتطرق إلى أهم مفهوم ديني – أي الله. يبعد إلهُ العالِم عن إله العاميّ أميالاً. فبالنسبة لكثير من الناس، لا تكون لا نهائيةُ الله مطروحةً على الإطلاق. إنهم يرون الله سلطاناً جالساً في السموات يخاطب عمراً وزيداً؛ تماماً كملكٍ أرضي. أي أن حقيقةً تُدعى الله مطروحةٌ في أذهان المتدينين، لكن هذه الحقيقةَ نفسها تصبح، من نقطةٍ معينة، وكما يقول المناطقة، مشتركاً لفظياً. فهناك فيلسوف أو إلهيّ يتحدث عن الله، وهناك متدين معيشيّ أيضاً. وكما يقول مولوي: «ذاك الشحاذ يقول الله من أجل الخبز/ والتقيّ يقول الله من أجل الروح». كلاهما يستخدم اللفظَ نفسه، لكن مدلولَ هذا اللفظ المشترك ومصداقَه مختلفان. فإذا كان مفهوم الله على هذا النحو، فالجنّ والمَلَك أولى بذلك.
اعتبر الدكتور سروش، في مناظرته الكتابية مع حجة الإسلام بهمن بور، أن حقن «الحق» في الفقه الإسلامي القائم على التكليف هو مصداقٌ لـ«الاتكاء على التراث وتجاوزه». وبالنظر إلى أن ذلك «الحد الأدنى القابل للدفاع عنه» من الإسلام قد تضاءل أكثر فأكثر في نظر الدكتور سروش كلما تقدمنا، يبدو أنه يمكن استخدام عبارة «الاتكاء على الدين وتجاوز الدين» في وصف مسار المشروع الفكري للدكتور سروش وغايته أيضاً. أي نوعٌ من التجاوز المحترم للدين.
قد يقول حَكَمٌ أو مراقبٌ شيئاً كهذا، لكن تصوري أن السيد سروش نفسه لا يرى مشروعه الفكري على هذا النحو. وأنا أيضاً، بصفتي شخصاً انصبّ جزءٌ من تنقيباتي المعرفية في السنوات العشر الأخيرة على مشروع الإصلاح الديني وكنتُ مراقباً عن كثب لتحولات هذا المشروع، لا أفهمه على هذا النحو. يمكن للآخرين أن يتبنوا مثل هذا التلقي، لكن عليهم أن يقيموا أدلتهم أيضاً. أنا أرى طرحَ المباحث الجديدة مرحلةً جديدةً من تيار الإصلاح الديني. وإقبال لاهوري أيضاً، الذي لم يُعرف قدرُه في بلدنا كما ينبغي، تحدث في كتاب «تحديث الفكر الديني» عن إعادة النظر في كامل المنظومة الإسلامية. إن تعبير «التحديث» تعبير ذكي وجذاب. وسبب تأكيدي على أهمية إقبال هو أن المشروع الفكري لعبد الكريم سروش يقع في استمرارية مشروع إقبال. أي مشروع تحديث الفكر الديني. يرى الدكتور سروش أن جهده الفكري منصبٌّ على إعادة القراءة النقدية للفكر الديني وتقديم نسقٍ لاهوتي بديل. لكن هذا المشروع، وفقاً للتوضيح الذي قدمته في إجابتي عن الأسئلة السابقة، يقع داخل إطار تراث الفكر الديني؛ تراثٌ له سيولته الخاصة، لكنه ليس بلا قيود ولا خطوط حمراء. وما دام فكرُ مفكرٍ ما منصبّاً على هذه المقولات ويعيد قراءة هذا التراث الديني، فهو يندرج تحت هذا المشروع. إن مباحث إقبال حول الوحي والمعاد غير أرثوذكسية أيضاً، لكنه هو أيضاً لم يخرج عن مشروع الإصلاح الديني، وما زلنا اليوم نعتبر إقبال مصلحاً دينياً.
يقول الدكتور سروش، متأسياً بإقبال لاهوري، إن كاملَ منظومة الفكر الإسلامي بحاجة إلى إصلاح. لو كان لديكم سيارة أو منزل يعتقد الخبراء أنه بحاجة إلى إصلاح في كل جزء منه، فمن الأفضل أن تستبدلوا ذلك المنزل أو السيارة بدلاً من أن تضيعوا وقتكم في إصلاح لا ينتهي لممتلكات خربة من الألف إلى الياء. ما أريد قوله هو أن الترويجَ لرأي كهذا بشأن الإسلام يؤدي إلى خروج كثير من الأفراد غير المقلدين والمتعلمين من هذا الدين. لا سيما أن هذه الشرائح باتت تمتلك اليوم «منطق الحياة» وليست على استعداد لتضييع عمرها في دراسة ظاهرة (أي الإسلام أو الفكر الإسلامي) يعترف أنصارُها والمشتغلون الرئيسيون بها أنفسُهم بأن كل جزء فيها معيب.
صحيح أن إقبال استخدم تعبير reconstruction، لكن تشبيه الدين (وهو ظاهرة اجتماعية) بالبيت، وهو أمر ملموس له حدود وثغور محددة، أي له سقف وباب وجدران، ليس تشبيهاً دقيقاً. لقد استخدم إقبال استعارة «إعادة البناء» للتأكيد على ضرورة الإصلاح الجذري. النقطة الثانية هي أن البشر أحرار؛ لا أحد مجبر على الانشغال بمشروع ما. أفراد مختلفون، ما داموا يرون أنفسهم معنيين بمشروع الإصلاح الديني وتنحل مشكلاتهم المعرفية والعملية عبر هذا المشروع، فإنهم يستفيدون منه. لكن إذا أصيبوا بالإحباط، فإنهم يتركون هذا المشروع. المشاريع كثيرة؛ البر والبحر واسعان والناس كثيرون. حتى إن شخصاً ما قد يرى هذا المشروع ضرورياً من الناحية الثقافية فحسب، أي دون أن يكون له ارتباط عقائدي به، لكنه يعتقد أنه في ظل الظروف الراهنة لبلدان العالم الثالث لا سبيل سوى الإصلاح الديني. سواء بين المخاطبين أو بين الفاعلين، إذا لم يعد أحدهم يرى هذا المشروع مفيداً من نقطة معينة فصاعداً، فمن البديهي أنه سيتركه.
لكن يا جان، سؤالي كان: عندما نقول إن هذا الشيء الذي ننشغل به، أي الفكر الإسلامي، فيه خلل في كل مكان ويحتاج إلى إعادة بناء وترميم وإصلاح، ألا يؤدي الترويج لهذه الرؤية إلى نقض الغرض؟ الإنسان العاقل يقول لنفسه: لماذا أصرف عمري وهمتي وفكري في إصلاح أو دراسة إصلاحات شيء خرب أساساً؟
تعبير «فيه خلل في كل مكان» هو تعبيركم أنتم؛ المفكرون الدينيون الجدد لا يستخدمون مثل هذه التعابير. علاوة على ذلك، بأي معنى تستخدمون «العمر»؟ المسعى هو تقديم بديل عن «الفكر الإسلامي القائم»، ومن نقطة معينة فصاعداً، يمضي العمل في قلب هذا النظام البديل وتُحل وتُرفع تلك الخرابات، بتعبيركم.
عندما نقول إن منظومة كاملة تحتاج إلى إصلاح، فهذا يعني أن فيها خللاً في كل مكان، أليس كذلك؟ بالمناسبة، استعارة «البيت» وعبارة «ترميم البيت» هذه هي للدكتور سروش نفسه. لقد كتب في كتاب «الرازداني والروشنفكري والتدين»: «الدين هو بيت المثقف الديني الذي يبنيه بنفسه، لا أن يشتري بيتاً جاهزاً … فهو حتى يتعرف على كل لبنة من لبناته بدورها ويفحصها ويضعها في مكانها المناسب، لا يكتمل البيت ولا يطمئن القلب. ولهذا السبب فإن المثقف متحرك، دائم السعي. لأنه في عمل دائم لبناء وترميم بيته.» هل من العقلاني أن نختار الإقامة في بيت يفترض أن نكون دائمي الانشغال بترميمه؟
الترميم في رأيي هو ذاته تقديم نظام لاهوتي بديل. طبعاً، لهذا الأمر جانب شخصي إلى حد ما. بمعنى أنك لا تستطيع أن تتجاهل تجاربك الخاصة أيضاً، كإنسان له أحوال وتجربة حياتية معينة. دعني أقلها هكذا: يمكنك أن تقول لفيلسوف منشغل دائماً بالعمل في فلسفة كانط أو فلسفة هيغل ويصرف عمره في فلسفة هذين الفيلسوفين ويسعى دائماً لتقديم رواية منقحة لآرائهما الفلسفية: لماذا تصرف عمرك في تنقيح فلسفة كانط؟ أريد أن أقول إن هذا سؤال مشترك الورود. بعض الأعمال، من نقطة معينة فصاعداً، تتحول إلى جزء من هوية الناس وتجربتهم الحياتية. قل لفيلسوف: لا تعمل في الفلسفة بعد الآن؛ لقد ناقش هذا العدد الكبير من الفلاسفة حتى الآن؛ هل توصلوا إلى نتيجة؟ أو قل لشاعر: لا تكتب شعراً بعد الآن! طبعاً أنتم لم تقولوا هذا وأنا أضرب مثلاً. على أية حال، قد يقول ذلك الفيلسوف: أنا مشغول بإعادة بناء بيت فلسفتي. ويقول ذلك الشاعر: أنا أضيف إلى بيت الشعر. على أية حال، إذا وجهت مثل هذا النقد لذلك الشاعر والفيلسوف الافتراضيين، فسيقولان إن الاشتغال بالفلسفة والشعر هو جزء من تجربتنا الحياتية وعملنا واهتمامنا، ونحن في خضم هذا العمل نعطي لأنفسنا معنى وتصبح حياتنا ذات معنى. يمكن لمثقف ديني أن يقدم جواباً كهذا أيضاً. أريد أن أقول: إضافة إلى الأهمية الاجتماعية والسياسية لعمل المثقف الديني، انظر إلى هذا الجانب من المسألة أيضاً.
يقول الدكتور سروش في كتابه «القبض والبسط» إنه إذا تزايدت مواضع التعارض بين العلم والدين، فإن المؤمنين يصابون تدريجياً باليأس من حقانية دينهم. وعلى هذا المنوال، يمكن التساؤل: إلى متى وإلى أي مدى سيستمر مشروع إصلاح الدين؟ إذا رأى المؤمنون أن دينهم برمته (أي ليس الفقه فحسب، بل معرفة المعاد ومعرفة الله في دينهم) بحاجة إلى إصلاح راديكالي لا نهاية له، فسيخلصون شيئاً فشيئاً إلى أن دينهم مشوب بالخطأ وعدم الصواب من أوله إلى آخره، وأن صدره وعجزه بحاجة دائمة إلى الإصلاح. ومن البديهي أن نشوء مثل هذا التصور سيؤدي إلى تساقط الأتباع الأكثر تعقلاً لمثل هذا الدين.
لا تقل إنهم يخلصون إلى أن دينهم «مشوب بالخطأ وعدم الصواب من أوله إلى آخره». هذا التعبير خاطئ وغير مُسوَّغ؛ أقصى ما يمكن قوله هو أنهم يخلصون إلى أن «فهمهم» للدين خاطئ. أنا لا أدعي أن حدوث ذلك مستحيل تاريخياً. لكن دعنا نمضي في الحوار بناءً على نفس الأسس التي قام عليها القبض والبسط. قولك إن المؤمنين قد يخلصون إلى أن دينهم معيب من أوله إلى آخره، ينبغي التعبير عنه بأن بعض المؤمنين قد يخلصون إلى أن «فهمهم» للدين يجب أن يُصلَح إصلاحاً عميقاً.
دعنا نستخدم كلمة «القرآن» بدلاً من عبارة «دين المؤمنين».
يجب أن نقول فهمهم للقرآن؛ أو فهمهم للنص المقدس. النص المقدس، في عالم الهرمنيوطيقا، ليس شيئاً سهلاً كاللقمة السائغة! ففي مقام التحقق والواقع الفعلي، ليس للنصوص المقدسة قراءة واحدة. قُل إن بعض المؤمنين قد يخلصون إلى أن فهمهم للنص المقدس يعاني من مشكلة وعائق. حسنٌ جداً! يستمع المؤمنون إلى أحاديث الإصلاحيين، فإن قبلوا تلك الأحاديث فنعم المطلوب؛ وإن لم يقبلوها تركوها. أما قولك «دينهم»، فهذا الكلام فيه ابتعاد عن أسس القبض والبسط؛ أسسٌ أراها مهمة ومُسوَّغة وفتّاحة للآفاق. الإنسان الحداثي العاقل، يرى أن الإسلام التقليدي لا يرضيه، ولا يقتنع بالإسلام التقليدوي النصري-الشواني، وواضح ما في الإسلام الأصولي من إيلاف للقلب وطردٍ للنفوس. يمكنه أن يدرس الإسلام الإصلاحي من إقبال وشريعتي وبازركان وصولاً إلى سروش وشبستري. فإن وجد النظام البديل الذي يقدمه هؤلاء لفهم النص المقدس والتراث الديني مُرضياً للعقل ومقنعاً، واصل تدينه؛ وإلا تجاوزه. برأيي ينبغي صياغة المسألة على هذا النحو.
لكن المشكلة التي تثيرها آراء الدكتور سروش القرآنية الراديكالية في العقد الأخير، هي أنه في فترة طرح نظرية القبض والبسط كان منهمكاً في إصلاح المعرفة الدينية، أما الآن فيبدو أنه منهمك في إصلاح الدين نفسه. أي أنه كان يؤكد سابقاً على ضرورة إصلاح الفهوم الخاطئة للدين (وكان جوابك على هذا المنوال أيضاً)، أما في العقد الأخير فلم يكن مدار بحثه وانشغاله الرئيسي هو أن تفسير العلامة الطباطبائي الفلاني مشوب بالخطأ؛ بل يقول إن الآية القرآنية الفلانية مشوبة بالخطأ؛ لأن النبي كانت معرفته العلمية محدودة وكان شديد التأثر بالثقافة العربية، وتلك الثقافة كانت مشوبة بالخرافات، ولهذا السبب تسلل الخطأ وعدم الصواب إلى القرآن نفسه. بعبارة أخرى، لقد امتد عمل الدكتور سروش من إصلاح تفسير الميزان إلى إصلاح القرآن.
إن كنت تعني نظرية الرؤيا الرسولية، فهو قد اقترح فيها براديغماً جديداً. وفي الوقت نفسه، لم يتحدث الدكتور سروش عن تسلل الخطأ إلى النص المقدس، بالصياغة التي قدمتها أنت؛ بل أكد على عدم توافق «ظواهر بعض الآيات» مع معطيات العلوم الحديثة.
لكن مكتوباته تدل ظاهراً على ما هو أكثر من عدم توافق «ظواهر بعض الآيات» مع المعطيات العلمية. على أية حال، كان سؤالي السابق ناظراً إلى المناظرة القلمية بين الدكتور سروش وآية الله سبحاني، لا إلى نظرية الرؤيا الرسولية.
سنصل إلى ذلك أيضاً! لنبدأ الآن من الحلم الرسولي. في الحلم الرسولي، يقول إنه ينبغي حدوث تحول بارادايمي في فهم القرآن وتفسيره. اقتراحه هو أن ننصرف، بدل التفسير، إلى تعبير النص المقدس؛ ذلك أن الوحي كان ذا صبغة سمعية بصرية وليس سمعياً فحسب. هذه نظرية تهدف إلى تبيين ميكانيزم الوحي وتقديم نظرية بديلة لفهم الوحي من وراء هذا الحجاب الذي دام أربعة عشر قرناً. من الجيد أن ننظر إلى مناظرته مع السيد سبحاني في ضوء هذه النظرية المتأخرة. لقد كتبت في مقالي «من بسط التجربة النبوية إلى الحلم الرسولي» أن النبي لم تكن له لغة خاصة، ولم يكن بإمكانه استخدام لغة خاصة. إذا ما تجلت لنا الوجهة السمعية البصرية للوحي، فسيكون مدلول ذلك أن سياق الوحي وزمانه قد تسربا إلى أحلام النبي. خلاصة القول هي: خذ الحب ودع المكيال المردود. بتعبير آخر، تنشأ سعة في مفهوم «التخاطب». هذا بالطبع فهمي لنظرية الحلم الرسولي. أي أن مخاطَب النص المقدس، وفقاً لهذه النظرية، يختلف عن «المخاطَب» في التلقي التقليدي. في الواقع، تريد هذه النظرية أن تقول: في يومنا هذا، حيث تقدم العلم الحديث واتسعت معارف البشر أكثر من الماضي، ما هي مقتضيات «أن يكون المرء مخاطَباً بالنص المقدس». دعوني أحكِ لكم ذكرى مناسبة لهذا النقاش. في بعض صفوفي في تورنتو، يحضر طبيب متخصص في الأشعة. انتقدني مرة قائلاً: لقد ذكرت في مقالك «لاهوت التنوير الديني» أن الآية «خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» تتعارض مع علم الطب الحديث (لأنه لا يوجد بين الصلب وعظام الصدر فضاء يخرج منه ماء دافق أو مني) وبناءً على ذلك تقول إننا لا نتعامل مع المعنى الحرفي لهذه الآيات لأن النص المقدس ليس كتاباً علمياً، ونحن أساساً لا نتوقع هذا من القرآن. أصرّ ذلك الطبيب على أنه وإن كنا نحن الأطباء لا نعرف الآن وجود فضاء بين الصلب والترائب يخرج منه المني، إلا أنه بالتأكيد سيُكشف يوماً ما عن وجود مثل هذا الفضاء بين الصلب والترائب؛ وانتقدني على هذا الأساس. في الواقع، يعود اختلافه معي إلى تلقي كل منا لـ«كونه مخاطَباً بالوحي». أحد معاني «مخاطَب الوحي» هو أن يقرأ الشخص نص القرآن كأي نص متعارف عليه آخر، ويفهم آياته بمعناها الحرفي، ويقارنها بالنظريات العلمية، ويسعى بتكلف إلى شرح أن آية قرآنية ما تشير مثلاً إلى الانفجار العظيم. في ظل نظريات مثل «القرآن كلام النبي» و«الحلم الرسولي»، تم تقديم فهم أكثر تنقيحاً لمفهومي «التخاطب» و«مخاطَب الوحي». في الواقع، إن الرسالة التي كان من المقرر إيصالها، وفقاً لهذه النظريات، لم تكن ذات صلة بهذه الدقائق والظرائف البيولوجية والفيزيولوجية. تعاليم القرآن الفيزيولوجية والبيولوجية مستمدة من علم العصر (وهل كان يمكن أن تكون غير ذلك؟) ولكن الرسالة الأساسية الكامنة في قلب هذه الآيات هي أمور أخرى. بهذا المعنى، يحدث تحول في معنى «كون المرء مخاطَباً».
هذا «خذ الحب ودع المكيال المردود»، إذا أردنا أن نقولها صراحة، ألا يعني ذلك أنه من وجهة نظر عالم أو فيلسوف حديث أو حتى مواطن حديث واعٍ، ليست كل آيات القرآن صحيحة ومفيدة، وأن بعض آيات القرآن فقط هي التي تنفعنا اليوم؟
لماذا تستخدم تعبير «تنفعنا»؟ أنا أقول إنه ينبغي لنا أن نصحح ونحدد توقعاتنا من لغة الدين والنص المقدس. إذا فعلنا ذلك، فسنصوغ المسألة بشكل آخر.
أنت تقول الشيء نفسه الذي قلته أنا، ولكن، كما يقول شاملو، بأسلوب أكثر صقلاً ورهافة!
ما قلته يختلف في صياغته وعباراته عما قلته أنت. في مواجهة النصوص الإلهامية-الفنية-الروحية، يجب تغيير معنى «المخاطَب». أي أنه في مواجهة هذه النصوص، ينبغي أن يكون لدينا تلقي آخر لمفهوم «المخاطَب».
أي أن الفيزيائي الذي يعتبر علم الفيزياء حجة، ليس مخاطَباً بكل آيات القرآن.
بأي معنى لا يكون مخاطبًا لجميع الآيات؟ إذا كان ينتظر أن يجد في القرآن حقائق مرتبطة بعلم الفيزياء، أو يريد أن يتخذ هذه الحقائق مؤيدة لآرائه العلمية، فلا ينبغي له أن يقصد القرآن. وإلا، فهو مخاطب بجميع الآيات. فمثلًا، طبيب الأشعة نفسه الذي ضربته مثلًا، كان يقول إن ما ورد في القرآن يطابق تمامًا منجزات العلم الحديث. وفي الحالات التي تبدو متعارضة، سندرك يومًا ما هذا التطابق في نهاية المطاف. من وجهة نظري، مواجهته للقرآن غير مبررة من الناحية المنهجية، وهي قائمة على تصور خاطئ للغة النص المقدس وعلى توقع غير صائب من الدين. وفي الوقت نفسه، وفقًا لروايتي، يمكنه هو أيضًا أن يكون مخاطبًا بجميع الآيات إذا ما تبنى مناهج مبررة.
قال الدكتور سروش في "رازدانی و روشنفکری و دینداری" (معرفة السر والتنوير والتدين) إن مفكري وفلاسفة العالم الغربي "بذلوا قصارى جهدهم للإبقاء على الدين بشكل من الأشكال ... وإن تخلوا عنه فكان عن كره." يبدو أن الدكتور سروش قد بذل مثل هذا الجهد في الثلاثين عامًا الماضية، ولكن بالنظر إلى مساره الفكري والتضاؤل المستمر لذلك "الحد الأدنى المقبول"، فإذا مضى التنوير الديني على هذا المنوال، فمن المحتمل أن يتخلى الجيل القادم من التنوير الديني، مثل المثقفين الأوروبيين، عن الدين كرهًا أو بلا كره. لا سيما أن الدكتور سروش نفسه قال إن الإسلام في المجتمعات الإسلامية سيجد في نهاية المطاف مكانة شبيهة بمكانة المسيحية واليهودية في العالم الغربي.
أما أن يفعل الجيل القادم من المجددين الدينيين هذا، فأنت على الأرجح تقصد الجيل الذي يلي جيلي. لا أعلم. وأنت أيضًا لا تعلم؛ إنما تضع تخمينات. لا أستطيع الآن أن أقول شيئًا نفيًا أو إثباتًا عن مشربهم ومرامهم. أما النقطة التي أثرتها بخصوص الإسلام والمسيحية، فنعم، وردت في إحدى كتابات عبد الكريم سروش. وأنا لا أعترض عليها. أي أن دينًا حدًا أدنى، إنسانيًا بقوة، يمكنه أن يبقى. في العام الماضي، درّستُ في "مؤسسة السهروردي" في تورنتو عدة جلسات عن "تاريخ عصر التنوير". كان من المثير للاهتمام بالنسبة لي أن أرى بين مفكري الغرب من القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، ظهور شخصيات مثل إيراسموس وكانط. كان إيراسموس وبعض المصلحين الآخرين يقومون بهذا العمل. أي أنهم، على عكس المثقفين الفرنسيين، وخصوصًا أصحاب الموسوعة، الذين كانوا في صراع مع التراث الديني، كان أناس مثل إيراسموس يسعون إلى الحفاظ على الدين أو التدين. رواية أصحاب الموسوعة هي رواية واحدة للحداثة وعصر التنوير. كانت لدينا روايات أخرى نراها بالضبط في الوضع الراهن للدول الغربية اليوم. الفرق بين فرنسا وإنجلترا وألمانيا مثير للاهتمام من هذه الناحية. إذا أردت أن أتحدث عن تجربتي الحياتية، فإن الجزء الفرنكوفوني من كندا (أي مقاطعة كيبيك)، المتأثر بالأفكار الفرنسية والذي نرى فيه نوعًا من مناهضة التراث، يختلف كثيرًا عن الجزء الأنغلوفوني من كندا المتأثر بإنجلترا. إنجلترا وألمانيا وهولندا في أوروبا، علاقتها بالدين والتراث الديني تختلف عن فرنسا. على حد فهمي، فإن مشروع الإصلاح الديني في إيران له نسبة وشبه بما كان يقوم به إيراسموس أو كانط، وليس بما كان يجري في التراث الفرنسي. كان عمل إيراسموس وكانط نوعًا من التنقية النقدية للتراث، وكان يفسح المجال لنوع من النظرة الروحية أو للحياة الدينية العقلانية والأخلاقية. مشروع الإصلاح الديني في بلدنا وفي الشرق الأوسط عمومًا، في رأيي، سيمضي على هذا النهج والسياق. أما أن يؤدي هذا المشروع بالضرورة إلى العدول عن التدين، فهي نقطة ينبغي التحفظ في إبدائها. لا يزال هناك في الغرب الآن أناس يؤمنون بالدين العقلاني والأخلاقي ويعيشون به. لكن في الوقت نفسه، وبسبب التحولات العديدة التي حدثت، فإن المجتمع في الغرب علماني. علماني ليس فقط بالمعنى السياسي، بل بالمعنى العقائدي أيضًا. وفي الوقت نفسه، علينا أن نفهم هذه الحقيقة بشكل صحيح وألا نستسلم للدعايات الشائعة. في أمريكا، خمسون بالمئة من المجتمع متدين. وفي أوروبا أيضًا، وضع الدين في ألمانيا وإنجلترا، وخصوصًا في جنوب القارة، يختلف كثيرًا عن وضع الدين في فرنسا والدول الإسكندنافية. نعم، لم يعد الدين في العالم الغربي أساسًا للشرعية السياسية، لكنه لا يزال حاضرًا في المجال العام وفي المجتمع المدني في العديد من الدول الغربية. إذا كان المقصود أن إصلاحنا الديني قد يصل إلى هذه النتيجة، فليست لدي مشكلة مع ذلك، وأعتقد أن المسار عمومًا هو هذا المسار.
ولكن عندما يفحص التنوير الديني الليبرالي، المتمحور حول الدكتور سروش، الدينَ كلَّه بالعقلانية الحديثة، ويخلص في مسارٍ دام قرابة ثلاثين عاماً إلى أن كثيراً من الأحكام الفقهية الإسلامية جائرة، وأن كثيراً من الأخبار الأخروية فيه غير معقولة ولا مقبولة، يشعر المرء بأن هذا الجهد الفكري آخذٌ في الانتهاء إلى نقض الغرض. أي أن هذا الدين يظل يتضاءل وينحف، ويضطر المتدينون المحدثون في نهاية المطاف إلى التخلي عنه.
هذه تأويلات وملاحظات تذكرونها أنتم. لم ترد في مباحثه تعابير من قبيل عدم معقولية الأخبار الأخروية للدين ولا جور كثير من الأحكام الفقهية. إن الفكر الديني الجديد بهذه الرواية يقدم نسقاً لاهوتياً بديلاً. يمكن إدراج مجمل هذه المباحث المطروحة في إطار هذا النسق اللاهوتي البديل. في مقالة «لاهوت التنوير الديني»، حاولت أن أعرض النموذج اللاهوتي للتنوير الديني بروايتي أنا (وهو من جنس اللاهوت التنزيهي) وعلاقة مستويات هذا النموذج المختلفة وارتباطها (أي التجربة الدينية والمعرفة الدينية والفعل الديني). بقدر ما أستطيع الآن أن أرى الأفق وأعيد قراءة هذه التجربة – التي تمتد، كما تقولون، ثلاثين عاماً – فإن كثيراً من المقولات والآراء الراهنة لم تكن على الأرجح حاضرة في أذهان فاعلي تيار الفكر الديني الجديد في بداية هذا الطريق. لقد صارت تجربتهم المعيشة في هذه الأعوام الثلاثين أكثر ثراءً، وحدثت تحولات عديدة في مجالات السياسة والمعرفة والمجتمع. وإذا وضعنا كل هذا إلى جانب بعضه، فإن حصيلة مشروع الإصلاح الديني هي تقديم نسق لاهوتي بديل يبعد أميالاً عن النسق اللاهوتي التقليدي؛ لكن هذا النسق البديل لا يزال في صميم هذا النسق الديني أو التقليد الإيراني-الإسلامي. أما أن استمرار هذا المسار سيؤول إلى نبذ الدين، فإن تجربة مثقفي العالم الغربي تدل على أن ذلك لن يحدث بالضرورة. لقد أوردت مثال كانط وإيراسموس، في مقابل التقليد الفرنسي، عن قصد. فليس كل أبطال عصر التنوير قد نبذوا الدين، لا طوعاً ولا كرهاً.
لقد ورد في القرآن مراراً في وصف أهل النار قوله: «خالدين فيها أبداً»؛ لكن الدكتور سروش قال صراحة إن جهنم ليست أبدية حتى لهتلر. هذا الكلام يعني أن كل تلك الآيات المتعلقة بالعذاب الأبدي لا تستقيم مع العقل. فلنترك الحكم للقارئ وننتقل إلى السؤال التالي. يقول كارل بوبر في نقده «مفسري المدرسة»: «لطالما كانت مهمة المدرسة حفظ تعاليم مؤسسها ونقلها. وإذا حاول عضو من المدرسة تغيير عقيدتها، يُطرد بوصفه مبتدعاً وتنقسم المدرسة... لكن في بعض الأحيان، يتعين على العقيدة التقليدية للمدرسة أن تكيف نفسها مع الظروف الخارجية الجديدة (كالمعرفة المكتسبة الجديدة التي صارت جزءاً من الملك العام مثلاً). وفي مثل هذه الحالات، يتم التغيير في العقيدة الرسمية للمدرسة على الدوام تقريباً بصورة خفية، وعبر إعادة تفسير العقيدة القديمة؛ بحيث يمكن القول لاحقاً إنه لم يطرأ أي تغيير فعلي على العقيدة المذكورة. وتُنسب العقيدة المغيّرة حديثاً (التي لا يُقال إنها تغيرت) إلى شيخ المدرسة الذي أسسها في الأصل». قولكم إن هذا النسق اللاهوتي البديل لا يزال في صميم النسق الديني أو التقليد الديني، أليس شبيهاً بهذا الذي ينسبه بوبر إلى «مفسري المدرسة» في نقده لهم؟
إن مشروع الإصلاح الديني يستشهد بالتقليد الديني ويصوغ إبداعاته ويؤوّلها في إطار مكونات هذا التقليد المختلفة، ومن ثَم فهو يختلف عما نقلتموه عن بوبر.
كوننا، على حد تعبيركم، نبتعد أميالاً عن الفهم التقليدي للدين ولكننا نظل نعتبر أنفسنا في إطار التقليد الديني، هو تأييد لقول بوبر نفسه حين يذكر أن مفسري المدرسة المحدثين، رغم طرحهم أقوالاً جديدة شتى، يظلون يرون أنفسهم متصلين بتلك المدرسة، ويحدث في الواقع انقطاع خفي عنها.
إذا كان هذا هو ما يعنيه بوبر، فأنا لا أتفق معه. دعوني أنقل لكم ذكرى عن جون هيك؛ لعلها تفيد. في الأيام التي كنت أدرس فيها في إنجلترا، سنحت لي فرصة لقاءات متعددة مع جون هيك. أتذكر أن هيك قال لي في أحد اللقاءات إنه لا يزال يعتبر نفسه مسيحياً؛ مع أنهم كانوا قد طلبوا منه الاعتذار عن الكنيسة ولم يعد قسيساً بالمعنى الشائع للكلمة. سألته: أنت لا تؤمن بالتثليث ولا بولادة مريم العذراء (وكان لهيك أيضاً رأيه الخاص في الله، أي أنه كان يرى الله متعالياً على ثنائية الإله الشخصي والإله غير الشخصي)، فأي شكوى لديك إذاً من أن الكنيسة لا تعتبرك مسيحياً؟ أجابني قائلاً إن مايستر إيكهارت أيضاً قال كلاماً شبيهاً بهذا في القرن الرابع عشر الميلادي. وذكر أسماء عدة آخرين من اللاهوتيين والمتصوفة المسيحيين ممن كانت لهم مثل هذه العقائد. كان هيك يقول صحيح أنني لا أؤمن بالتثليث وقد ابتعدت عن التيار السائد في المسيحية، لكن لكلامي هذا قائلون في التقليد المسيحي الممتد لألفي عام، وبهذا المعنى، أنا متصل بتقليد المسيحية وأعتبر نفسي مسيحياً. كان هيك يقول إن الذين أخرجوني من الكنيسة، أقصى ما يمكنهم قوله هو أنهم أخرجوني من التيار السائد للمسيحية. في ضوء كلام هيك هذا، الذي أتعاطف معه، يجب أن أقول إنني لا أعرف ما الذي يعنيه بوبر بتعبير «سراً». فكل من جون هيك وعبد الكريم سروش قالا بصراحة إنهما على مسافة من الأرثوذكسية الدينية. لو أراد المرء أن يخفي شيئاً، فعليه أن يخفي هذا الابتعاد عن الأرثوذكسية بالذات. على أية حال، أنا أؤمن إيماناً عميقاً بذلك المعنى الموسع لـ«التقليد» وأعتقد أن هذه التنقيبات التي يقوم بها المجددون الدينيون لها صلة بالتقليد وليست منقطعة عنه ولا منسلخة منه.
تعبير «سراً» لا يدل على الابتعاد السري عن الأرثوذكسية الدينية أو «التيار الرئيسي»، بل يدل على الخروج السري من دين أو مذهب.
المجددون الدينيون لم يخرجوا سراً من التقليد الديني، بل خرجوا علناً من الأرثوذكسية الدينية، والخروج من الأرثوذكسية لا يعني الخروج من التقليد الديني. مؤخراً أقرأ كتابات عين القضاة؛ كان لعين القضاة أيضاً آراء غير أرثوذكسية كهذه. في التقليد الإسلامي بالمعنى الواسع للكلمة، كان عين القضاة وابن سينا وشيخ الإشراق وملاصدرا والغزالي – الذي كفّر ابن سينا – حاضرين، وصولاً إلى الفقهاء الأرثوذكس والمحتسبين كالأمير مبارز الدين في عصر حافظ. أنا أستخدم التقليد الديني بهذا المعنى الموسع؛ تقليد يشمل كل هؤلاء الأفراد.
أليس من الأفضل بدل «التقليد الديني» بهذا المعنى الواسع جداً، أن تقول تاريخ الدين؟ كل هؤلاء الأفراد حاضرون في تاريخ الدين أو تاريخ الفكر الديني.
التقليد مؤلف من هذه المكونات نفسها. ليس للتقليد معنى معقد؛ تقليدنا الديني مؤلف من الفقه وعلم الكلام والفلسفة والتفسير والعرفان وحامليه.
ولكن ليس كل رأي في تاريخ الفكر الديني يحظى بتأييد الشارع.
نعم، هذه الآراء المتنوعة تشكل معاً التقليد الديني. وأنا لم أقل إن كل هذه الآراء تحظى بالضرورة بتأييد الشارع. التقليد أشبه بنهر جارٍ وسارٍ انساب في طول التاريخ. آثار الفلاسفة والعرفاء والفقهاء والمتكلمين والمفسرين و... شكلت معاً التقليد الديني المتين.
يبدو أن الغزالي كان قلقاً جداً في أيامه الأخيرة من أن يموت كافراً. كان همه أن يكون قد خرج من الدين دون أن يدري. لكن يبدو أن المجددين الدينيين، بمجرد أن يقولوا إننا مسلمون، ترتاح ضمائرهم تماماً بأنهم، مهما تكن آراؤهم شاذة، سيخرجون من الدنيا مسلمين. والذكرى التي نقلتها عن جون هيك تؤيد هذه النقطة. لكن وفقاً لرأي الغزالي، ليس كل من يعتبر نفسه مسلماً هو بالضرورة مسلم (بالمعنى الحقيقي للكلمة لا بالمعنى القانوني).
ما هو المعيار والمحك الذي نملكه لنقول إن شخصاً يعتبر نفسه مسلماً ليس مسلماً؟
المعيار الذي قدمه الدكتور سروش للإسلام هو «الرجوع إلى الكتاب والسنة وفهمهما». لكنكم أنفسكم تقولون في مقال «التنوير الديني والمتنورون دينياً» إنه يمكن أن يكون لدينا مثقف ديني غير متدين لكنه يرجع باستمرار إلى الكتاب والسنة بقصد فهمهما. حتى بعض معارضي الدين يرجعون باستمرار إلى الكتاب والسنة لنفي الدين.
لا إشكال في ذلك؛ «إثبات الشيء لا ينفي ما عداه». هو يقول إن معيار التدين أو معيار كون مشروع ما دينياً هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، لكن هذا لا يعني أن من لا انتماء عاطفياً لهم بالتراث الديني لا يرجعون إلى الكتاب والسنة. أتصور أن كلام السيد سروش ليس في مقام التمييز بين المسلم وغير المسلم، بل هو ناظر إلى تقديم معيار ومحك لتشخيص ما إذا كان عمل فكري ما لا يزال يندرج ضمن مشروع الإصلاح الديني أم لا.
لكن الدكتور سروش قال بالضبط: «معيار التدين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وفهمهما؛ هذا هو وحسب».
نعم، لكن هذا الأمر لا ينفي رجوع معارضي الدين إلى الكتاب والسنة. وكما تقولون، قد يرجع منكرو الدين باستمرار إلى الكتاب والسنة للعثور على أدلة ضد الدين.
ربما كان من الأفضل أن نقول الرجوع المتعاطف إلى الكتاب والسنة. لكن قيد «المتعاطف» هذا لا يحل المشكلة أيضاً؛ لأنه كما تقولون، المثقف الديني غير المتدين يتعاطف مع الدين أيضاً.
يمكن أن يكون الأمر كذلك. بمعنى أنه يمكن لشخص ما أن يتصور من حيث المبدأ «قراءة تحررية» للتراث الديني لكنه لا يكون متديناً. تحررية في المجال الاجتماعي والسياسي؛ لا أن يكون لديه مثل هذا الاعتقاد من الناحية اللاهوتية. بهذا المعنى، من المتصور تماماً أن لا يكون لمفكر ديني جديد انتماء عاطفي ديني لكنه يدفع قدماً بجزء من مشروع الفكر الديني الجديد. أي أن يساعدنا في تقديم قراءة تحررية للتراث الديني على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. هذا حكمي بالطبع، والدكتور سروش لم يقل مثل هذا الكلام.
الرجوع الإنكاري إلى الدين ليس موضع نقاشنا. والرجوع المتعاطف لا يدل بالضرورة على التدين. لذلك، على ما يبدو، لم يتبق سوى الرجوع المؤمن. أي أننا، استكمالاً لجملة الدكتور سروش، يجب أن نقول إن معيار التدين هو الرجوع المؤمن إلى الكتاب والسنة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحال هو: عندما نرجع إلى الكتاب والسنة لكننا لا نقبل توصيفات النبي لله والملائكة، فهل ما زلنا في مقام الرجوع المؤمن؟
إن الرجوع المؤمن إلى الكتاب والسنة له أصناف أيضاً. العلامة الطباطبائي كان مؤمناً أيضاً لكنه قال كلاماً شاذاً وغير مألوف بشأن كيفية نزول الملك على ذهن النبي؛ وكذا بحثه في الأخلاق شاذ جداً، حتى أن المرحوم المطهري قال في نقد المرحوم الطباطبائي: إن هذا الكلام الذي تقولونه قد قاله راسل أيضاً. على أية حال، إن الرجوع المؤمن للعلامة الطباطبائي يبتعد عن الأرثوذكسية الدينية أيضاً، لكنه كان يعتقد أنه بصدد فهم وتبيين المباحث والمقولات الدينية بطريقة فلسفية ووجيهة. إذن، أولاً ليس الرجوع المؤمن نمطاً واحداً، وثانياً كان هناك أفراد مختلفون كان رجوعهم إلى الكتاب والسنة، من منظورهم، مؤمناً لكن نتيجة رجوعهم ابتعدت عن الأرثوذكسية الدينية. لم يكن الطباطبائي على وفاق مع القراءة التقليدية للوحي. وتصور سروش وشبستري لآلية الأمر الوحياني يبتعد أيضاً عن القراءة التقليدية. لكن كل هؤلاء المفكرين الثلاثة متفقون مع أصل الوحي والنبوة. لذلك فإن خروجهم عن الأرثوذكسية الدينية لا يعني خروجهم من وادي الإسلام.
أطرح السؤال السابق بشكل آخر. ما شأن المؤمن في مواجهة آراء نبيه الدينية؟ اتباع النبي والقرآن أم إصلاح تعاليم النبي والقرآن؟ إذا اعتبرنا رأي النبي في مجال الزراعة غير صحيح، فلا غبار علينا منطقياً؛ لكن إذا اعتبرنا بعض آراء النبي بشأن الله والمعاد غير صحيحة أيضاً، فيجب أن نجيب عن هذا السؤال المهم: لماذا أصبحنا أصلاً أتباعاً لمثل هذا النبي؟
سخن از نادرست بودن آراء پیامبر در خصوص خدا و معاد در میان نیست. ملاحظه کنید، در قرآن اشاراتی به خدای بیصورت و غیر انسانوار وجود دارد. در ذیل نظریات وحیشناسانۀ جدید میتوان گفت، به روایت متن مقدس، پیامبر تصاویر متفاوتی از خداوند داشته است. اگر پیامبر نگارنده یا راوی متن بوده باشد، میتوان این مسئله را بررسی کرد که پیامبر چه تصورات و تجربههایی از خدا داشته است. بله، به روایت متن مقدس، به نحو اغلبی خدای انسانوار بر پیامبر متجلی شده است. در آیاتی از قرآن هم این تصویر ترسیم شده است که گویی قوانین صلب و سختی بر جهان هستی حاکم است. یعنی یک نظام علی و معلولی که طبیعت از آن تبعیت میکند؛ مثل نحوۀ نزول باران یا لقاح گیاهان. این تصویر صبغۀ دئیستیک دارد، یعنی به خدای فلسفی نزدیک است؛ خدایی که جهانی را مبتنی بر یک سری قواعد و قوانین خلق کرده و از این قوانین نمیتوان عدول کرد. این هم روایت دیگری از امرمتعالی در آیات قرآن است. البته بسامد این قرائت کمتر از خدای شخصی و انسانوار است. تصویر دیگری هم از خدا در قرآن داریم که شبیه خدای عرفاست. یعنی خدای وحدت وجودی. این خدا اوصاف انسانی ندارد. آیاتی مثل «هو الاول و الاخر الظاهر و الباطن» و «فاینما تولوا فثم وجه الله» به این تلقی از خداوند اشاره دارند. در رفرم دینی، که یک نظام الهیاتی بدیل ارائه میشود، میتوان چنین گفت که با توجه به اکثریت مخاطبان متن مقدس، که متوسطان بودند، پیامبر ناگزیر از ترسیم یک خدای انسانوار بوده است. اسپینوزا هم میگفت پیامبران هم در قوۀ خیال با امر وحیانی مواجه می شدند و مبتنی بر آن با مردم سخن میگفتند. یکی از مؤلفههای مواجه شدن با ساحت قدسی در قوۀ خیال، تصویری بودن امر متعالی است تا سخنان برای اکثریت مخاطبان قابل فهم باشد. اما در متن مقدس، رد پاهایی هم برای کسانی گذاشته شده که میتوانند از مواجهۀ مبتنی بر عنصر خیال فراتر روند. این رد پاها، آیاتی است که صبغۀ دئیستیک دارند که خدایی واضع قوانین صلب و سختِ حاکم بر جهان هستی را ترسیم میکنند، و دیگری آیاتی که خدایی بیصورت را ترسیم کردهاند؛ آیاتی مثل «لیس کمثله شیء.» بنابراین، به روایت متن مقدس، که محصول رویاها یا تجارب پیامبر بوده، اولاً این سه نوع مواجهه با امر متعالی را میتوان از یکدیگر تفکیک کرد، ثانیاً این سه نوع مواجهه با امر متعالی، که در قرآن دیده میشود، ناشی از تفاوت مخاطبان در زمانۀ تکون متن مقدس بوده است. این تفاوت میان مخاطبان هنوز هم دیده میشود. نواندیشی دینی متاخراین نکته را تشخیص داده و برای اینکه مخاطب غیر عامی بتواند ارتباط موجهتری با امر متعالی برقرار کند، فقرات دیگرِ متن مقدس را برمیکشد و در نظام الهیاتیاش پررنگ میکند. در پروژۀ رفرم دینی، تفاوت درک آدمیان از امر متعالی مورد توجه است و به رسمیت شناخته میشود. به این معنا که بسیاری از مردم شاید جرأت و رغبت مواجهه با خدای بیکرانی را که بیصورت و بیرنگ و بیتعین است، نداشته باشند. ما این واقعیت را باید در سنخ دینشناسیمان مد نظر قرار دهیم. شاید بتوان گفت که نواندیشی دینی میکوشد تصاویر دیگری از اوصاف انسانی خداوند بدست دهد. اخیراً مصاحبهای از پوپر میخواندم که در آن از احوال ندانمانگارانهاش پرده برگرفته است. پوپر در جایی از مصاحبه میگوید: «گرچه من یهودی نیستم، اما به این نتیجه رسیدهام که حکمت سرشاری در این فرمان یهودی وجود دارد که میگوید: نام خداوند را به عبث بر زبان نیاور». فکر میکنم مراد پوپر از این سخن، یا دست کم تلقی من، این است که خداوند را که یک امر رازآلود و مهیب است، نباید بیجهت خرج کرد و ساحت قدسی هستی را دستمالی کرد. نباید با نسبت دادن اوصاف درشت و زمخت انسانی به خداوند، که گویی چون سلطانی در آسمان نشسته و به ما مینگرد و امر و نهی میکند، او را تنزل داد و فروکاست. امر متعالی، به قول گابریل مارسل، از جنس راز است؛ رازی که خصلت رازآمیزش را هیچگاه فرونمینهد؛ رازی که بیتعین و بیرنگ و بیکرانه است. اگر قرار باشد دربارۀ خدا به مثابه یک امر عادی و موجودی که در عداد سایر موجودات است سخن بگوییم، این همان به عبث بر زبان راندن نام خداوند و یا، به تعبیر من، دستمالی کردن ساحت قدسی هستی است. من این سخن پوپر را اینگونه میفهمم. اگر چنین باشد، به نظرم نواندیش دینی میتواند به دینداران معیشتاندیش بگوید وقتی که دربارۀ اوصاف انسانوار خداوند در قرآن تذکار میدهم، میخواهم بگویم فکر نکنید خدا یک چیز دم دستی است؛ آن خصلت رازآلودگی و مهیب بودنش را از او نگیرید و او را دستمالی نکنید. در واقع، نواندیشی دینی به دیندار معیشتاندیش میگوید بهتر است درکی متعالی و منقحتر از خداوند داشته باشی.
إذا قلنا ذلك، فإن المجدد الديني يظل مخلصًا لروح النص المقدس، وبمقتضى «خذ حبوبه فالمكيال مردود»، يمكنه أن يقول للمتدينين ذوي النزعة المعيشية: أدركوا لوازم هذا القول الحكيم ولا تذكروا اسم الله عبثًا. إذا كان الأمر كذلك، فإن مشروع التجديد الديني، بما يمنحه من عمق للصفات البشرية لله، يظل في إطار التراث الديني.لقد شبَّه الدكتور سروش، إن لم أكن مخطئاً، الدينَ بالمتجر أيضاً حيث يمكن لمختلف شرائح الناس أن يجدوا فيه بضاعتهم المنشودة. ولأن مهمة الأنبياء كانت تقريب البشر إلى الله، فلعلنا نستطيع القول إن الصورة البشرية لله، في متجر الدين، هي بضاعة تليق بعامة الناس، بينما الإله غير المتصوَّر وغير البشراني يليق بالخاصة. وعليه، يحق للخاصة أن يتجاوزوا معظم الآيات القرآنية المتعلقة بمعرفة الله.
ماذا تقصدون بالتجاوز؟ كما أفهم، التجاوز هنا بمعنى أن يبلغوا بواطن تلك الآيات ويلتفتوا إلى المعنى الكامن وراءها؛ بتعبير سبهري: «يجب أن نتجاوز / ونصير رفيق درب الآفاق البعيدة». هكذا واجه عموم العرفاء والفلاسفة، على مر التاريخ، التعاليمَ المندرجة في التراث الديني.
في تتمة الجملة ذاتها: «معيار التدين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وفهمهما؛ هذا هو، ولا شيء سواه»، قال الدكتور سروش: «ولكن ما نتيجة هذا الرجوع؟ يمكن أن تكون أيَّ شيء؛ ما دام مدلَّلاً وموجَّهاً ومنهجياً.» إذا رجع شخص إلى الكتاب والسنة وخلص إلى أن استدلالات المشركين والمنكرين من أقوام عاد وثمود ولوط وحتى قريش كانت أرجح من استدلالات أنبيائهم، فهل يظل متديناً؟ لا سيما أن الدكتور سروش كتب قبل نحو عقدين: «إن ما ورد في القرآن: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، لم يكن معناه ترك الناس ليختاروا الأحسن، بل إن القرآن نفسه هو الذي عرَّف القول الأحسن.»
كتب الدكتور سروش في كتابه «القبض والبسط» صراحةً: «الدين نفسه حق. أي أن جميع أجزائه حق. فهل يُعقل أن يؤمن شخص، مؤمن، بمذهب ديني ويعتقد أن فيه أقوالاً باطلة؟! … جميع أجزاء الدين حق … في المعرفة الدينية، يختلط الحق بالباطل، أما في الدين نفسه، فليس لدينا اختلاط بين الحق والباطل. ما هو موجود هو الحق الخالص.» يتناقض هذا الرأي بوضوح مع آراء الدكتور سروش الحالية؛ إذ صرّح في العقد الأخير بأن في القرآن أقوالاً خاطئة وباطلة. إذن، ألا يمكن القول إن سروش الحالي ليس «مؤمناً» من وجهة نظر سروش الذي كان يكتب «القبض والبسط»؟
هذا يشبه التحول نفسه الذي تناولناه في بداية الحوار. في «القبض والبسط» كان الحديث عن تبيين كيفية فهم النص المقدس، أما في مباحث السنوات العشر الأخيرة، فالمطروح هو قصة الوحي نفسه وكيفية تكوّن النص المقدس؛ هذه المقاربة تختلف بوضوح عما قاله عبد الكريم سروش يوماً في «القبض والبسط». يمكن القول إن عبوراً قد حدث وإنه دخل مرحلة جديدة، ولم يكن لديه مثل هذا الرأي في ذلك الزمان. علاوة على ذلك، أؤكد مرة أخرى، إنه لم يقل إن في القرآن أقوالاً خاطئة وباطلة؛ بل أكد في مراسلاته مع آية الله سبحاني أن المعطيات العلمية لا تنسجم مع «ظواهر الآيات».
على أية حال، بسبب وقوع هذا التحول بالتحديد قلت سابقاً إن عمل الدكتور سروش قد بلغ من إصلاح تفسير الميزان إلى إصلاح القرآن.
أنا لا أتعاطف مع تعبير «إصلاح القرآن» وأرى أن هذا التحول في آراء الدكتور سروش الدينية واللاهوتية ناشئ بالأحرى من الالتفات إلى «تسرب علم العصر في أحلام النبي وتجاربه». في ضوء هذا التحول، تنشأ سعة في معنى «مخاطَب الوحي» ونفهم النص بشكل آخر وتصبح توقعاتنا من النص المقدس أكثر تنقيحاً. كما أن جناب مجتهد شبستري، في مباحثه حول الإيمان والحرية وبعض مباحثه الأخرى، تطرق إلى هذا الموضوع نفسه بشكل آخر، مستعيراً مفهوم «الخبر» وكيف أننا ننطلق وراء الخبر ونعتبر أنفسنا مخاطَبين للوحي. إن كون المرء مخاطَباً للوحي في الزمن الراهن، مخاطَباً يُسمِع النصَ بشكل يفتح الطريق، يولد في ضوء هذه المباحث.
بهذا الحساب، ينبغي أن نسأل: هل مخاطَبو مشروع الإصلاح الديني هم غالبية الشعب الإيراني؟ لأن غالبية الناس ليسوا مثل السيد شبستري ليقرأوا هذه المباحث ويحافظوا مع ذلك على دينهم. هم إذا غرقوا في هذه المباحث، فمن المحتمل أن يخرجوا من الدين.
مخاطبو هذا المشروع ليسوا غالبية الناس. لكن الطبقة الوسطى الحضرية أو شريحة النخب والأشخاص المنشغلين بتديّن عالِم ومحقق، هم المخاطَبون أولاً وبالذات لهذه الأقوال؛ أي أولئك الذين لم تقنعهم أقوال رجال الدين وحملة التدين التقليدي. هذا بخصوص جواب سؤالك. وفي الوقت نفسه، عندما تُقبل الآراء الناشئة عن الإصلاحية الدينية في أوساط الطبقة الوسطى الحضرية، يمكنها تدريجياً أن تتسرب إلى الآخرين وتؤثر بهذه الطريقة في المجتمع كله. في العالم الغربي أيضاً، لم يندثر التدين التقليدي. لقد ذهبت مراراً إلى الكنيسة في إنجلترا وكندا واستمعت إلى أحاديث القساوسة. هم تماماً مثل رجال ديننا. أي ليس لديهم فهم حديث للدين. بالطبع هم متساهلون ويدافعون، مثلاً، عن حقوق المثليين؛ رغم أنهم يعتقدون أن المثلية خطيئة، لكن لأنهم نشأوا في العالم الغربي، فهم يؤمنون بالتسامح. لدي صديق قسيس ذهنيته تقليدية، وهو إقصائي تماماً ويعتقد أن الدين المسيحي وحده هو المخلّص والهادي؛ ويؤمن بآيات الإنجيل بمعناها الحرفي للكلمة. هذا القسيس الشاب البالغ من العمر 38-39 عاماً، الذي ولد ونشأ في كندا، على الرغم من مواقفه اللاهوتية التقليدية، يدافع عن الحقوق الأساسية لجميع البشر، بغض النظر عن الدين والعرق والجنس وما إلى ذلك.
في الواقع، أنت تقولون إنه لولا مباحث المثقفين الغربيين في القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة، لما كان لدينا الآن قسيس كهذا يدافع عن التسامح.
نعم، هذا تصوري. هؤلاء لم يكونوا متسامحين من قبل. والإنصاف أن طرح تلك المباحث قد ترتبت عليه لوازم ونتائج اجتماعية سياسية بالغة الأثر، وأفضى إلى بناء المؤسسات في العالم الغربي. صديقي القسيس، الذي ينتمي إلى الكنيسة المعمدانية وليس على وفاق كبير مع تعاليم الكنيسة الكاثوليكية ونهجها، قال لي مراراً إنه لولا لوثر والإصلاح اللوثري-الكالفيني الذي دوّى في العالم المسيحي، ذلك الإصلاح الذي أكد على سلطة النص المقدس (الإنجيل) وفهم أقوال الباباوات والقساوسة في ضوء آياته، لكان العالم المسيحي، لاهوتياً ومن حيث وضع الكنائس، في حال مختلفة كلياً. أتساءل أحياناً: ما الفرق بين هذا القسيس ورجل دين يقيم في قم؟ إنه يرى المسيحية الألف والياء، وهو حصري النزعة. كما يعتقد أن العالم خُلق في ستة أيام، ويحمل معتقدات من هذا القبيل. الفرق بين هؤلاء القساوسة ورجال ديننا هو "صدفة الولادة". لقد وُلدوا صدفة في الغرب وتعلموا التسامح منذ نعومة أظفارهم. لم يبذلوا جهداً كبيراً ليصبحوا متسامحين. لكن من الجيد جداً أنهم متسامحون؛ وهم متسامحون بعمق. أي أنهم لو سمعوا أن مسلماً لا يستطيع أداء شعائره الدينية في كندا، لانتابهم حزن عميق. أو أنهم مع أنهم يرون المثلية الجنسية أمراً باطلاً وآثماً، إلا أنهم يقولون إن للمثليين الحق في العيش في هذا المجتمع وأن يُعترف بنمط حياتهم. إن فهم صديقي القسيس هذا للدين تقليدي بعمق، وهو مثلاً لا يتعاطف مع كيركغارد وكانط وسبينوزا، بل ينتصر للتدين الأرثوذكسي ويروج له. 99 بالمئة من كلامه في الكنيسة، إذا استثنينا العناصر المسيحية في خطابه، هو عين كلام رجال ديننا. وجمهوره ومخاطبوه هم المتدينون التقليديون. الخلاصة أن خطاب الإصلاح الديني يتوجه بالدرجة الأولى إلى أولئك الذين يقتنعون بتدين أكثر علمانية، وهم منفتحون على العالم الجديد، ولديهم في الوقت نفسه هواجس روحية. إذا أُزيلت الموانع السياسية والاجتماعية للتعددية الدينية في إيران وقُبلت أنماط التدين المختلفة، فستترتب على ذلك آثار ونتائج طيبة. والإصلاحيون الدينيون لا يتوقعون أن تتقبل كل شرائح المجتمع آراءهم. عندما يتحدث قسيس في كندا مثل رجال ديننا إلى المتدينين التقليديين الكنديين، فمن المؤكد أن المتدينين التقليديين في إيران يرغبون أيضاً في سماع هذا الكلام نفسه من رجال الدين الإيرانيين. حتى في عائلتنا، خالتي وعمتي متدينتان تقليدياً، وهما ليستا مخاطبتين للمثقفين الدينيين، بل هما مخاطبتان لحملة التدين التقليدي، ويأخذان تصورهما الديني من رجال الدين.
إذا اعتبرنا غاية مشروع إصلاح الدين – بتعبير السيد ملكيان – تقليم الدين كي لا يعيق حياة البشر في العصر الراهن، فلا إشكال في ذلك؛ أما إذا اعتبرنا غاية هذا المشروع الحفاظ على الدين، فيبدو أن نقد الدكتور سروش اللاذع للجمهورية الإسلامية، أي "تفريخ الكفار"، يطال التنوير الديني نفسه أيضاً؛ لأنه في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، خرج أناس من الدين نتيجة قراءة آراء المثقفين الدينيين، ونحن أمام نوع من نقض الغرض.
أوافق تماماً على التقليم. تقديم قراءة إنسانية وأخلاقية للتراث الديني، هذا هو مدلوله. أما بخصوص الحفاظ على الدين، فأفضّل أن أقول إن التنوير الديني يسعى إلى تقديم نسق لاهوتي بديل قد يختلف جذرياً عن التدين التقليدي. وفيما يتعلق بتفريخ الكفار، لست منكراً لدعواك. من المتصور تماماً أن يكون بعض الأفراد قد خرجوا من الدين بقراءة أفكار المثقفين الدينيين؛ ولكن "إذا رأيت جفاءً، فانظر إلى الوفاء أيضاً!". فمن الجهة الأخرى، في رأيي، دخل أفراد كثيرون ميدان التدين بقراءة آراء المثقفين الدينيين، وتصالحوا مع الروحانية والساحة القدسية؛ "أيها القصاب، هذا الفخذ مع الرقبة!". ينبغي رؤية كلا الجانبين، والأمور الاجتماعية أساساً لها هذه الخصائص والمقتضيات. الأمر الذي تكون تبعاته إيجابية بالكامل نادر جداً، بل ربما يكون معدوماً. والقرآن نفسه قال في وصف ذاته: "يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا". أي برواية النص المقدس، فإن بعض الناس يضلون بقراءة القرآن أيضاً. حيثما سرى برق العصيان إلى آدم الصفي/ فكيف يليق بنا ادعاء البراءة؟ إذا كان بعض الناس يضلون بقراءة القرآن، فمن المحتمل جداً أن يخرج بعضهم من الدين بقراءة آراء المثقفين الدينيين.
طبعاً ينبغي أن يُقال أيضاً إن بعض الذين خرجوا من الدين بعد قراءة آراء الدكتور سروش، كان ينبغي مثلاً أن يخرجوا من الدين قبل عشرين عاماً، لكنهم بقوا فيه لأنهم كانوا مأخوذين بآراء سروش طيلة فترة طويلة، وفي الواقع فإن الدكتور سروش أبقى هؤلاء في الدين لعقد أو عقدين من الزمن! لكن بصرف النظر عن هذا، برأيكم هل غاية مشروع التنوير الديني هي تسهيل حياة البشر في العالم الجديد أم حفظ الدين في العالم الجديد؟
أعتقد أنه كلا الأمرين.
وماذا لو حصل تعارض بينهما؟
لا أعتبر تعبير «حفظ الدين» دقيقاً جداً. في نظري أن عمل التنوير الديني هو تقديم قراءة بديلة للديانة. أي تقديم رواية للتدين تكون منسجمة مع العقلانية. أما بخصوص الذين خرجوا من الدين بعد قراءة آراء المتنورين الدينيين، فدعوني أضيف هذه النقطة أيضاً وهي أننا لا نرى سوى الفضاء المحيط بنا. أنا شخصياً، كعضو صغير من أسرة التجديد الديني، أتلقى رسائل مكتوبة كثيرة عبر البريد الإلكتروني والتلغرام والفيسبوك والوايبر، من أوروبا وأمريكا الشمالية وأفغانستان وكردستان العراق والمدن الحدودية وغير الحدودية في إيران، وخلاصة كلام كاتبي هذه الرسائل هو أننا بقراءة آثاركم تصالحنا مع الدين منذ بضع سنوات. وكما قلت، الظواهر الاجتماعية ذات وجهين. قد تكونون قد رأيتم من حولكم صحفيين كانوا سابقاً على وفاق مع التنوير الديني وهم الآن خارج هذا التيار. وأنا أيضاً أعرف أناساً كثيرين في مشهد وتبريز وكيش وكردستان العراق وأفغانستان وأوروبا – بحسب قولهم – لم يكونوا على وفاق مع الأمر المعنوي، وبفعل قراءة آراء المجددين الدينيين، انجذبوا إلى الدين. إجمالاً، كان هناك تساقط وإنبات معاً.
يبدو أن الأشخاص الذين بعثوا إليكم بمثل هذه الرسائل هم أناس أكثر حداثة من المدن والمناطق التقليدية.
نعم، أوافق. كانوا من بوشهر وكردستان العراق وكردستان إيران وأفغانستان ومشهد وقم وغيرها... يتبين من كتاباتهم أنهم قرؤوا آثار المجددين الدينيين، ومنهم الدكتور سروش والمجتهد شبستري وأنا، بعناية.
قال الدكتور سروش في مناظرته مع بهمنبور: «لا أعتقد بنبوة المولى الرومي ولا أي شخص آخر (بعد النبي) ولا بشؤونها ولوازمها.» لكن يبدو أنه يعترف ببعض شؤون النبوة ولوازمها (وليس كلها طبعاً) للعرفاء وحتى لغير العرفاء أيضاً.
حتى يتضح مرادكم من شؤون النبوة. فإن كان المقصود هو تلقي الوحي، فلدينا في القرآن أن أم موسى وكذلك النحل قد أوحي إليهما. ويقول مولوي أيضًا: «ذاك الذي كرّمنا يرتقي/ هل وحيُه عن وحي نحلٍ يُنتقى؟» أي إذا كان النحل يوحى إليه، فلماذا لا يوحى إلى الإنسان – الذي قال القرآن في شأنه «ولقد كرمنا بني آدم»؟ إذن فالوحي، استشهادًا بالقرآن، ليس حكرًا على النبي؛ لكن ينبغي التفريق بين مقولتين (وقد انتبه السيد سروش في كتاباته إلى هذا التفريق تمامًا)، وهو أن قصة الوحي، أي الاتصال ببواطن العالم وخوض التجارب الحميمية الشبيهة بتجارب الحمام، أمر، ومقولة الرسالة والنبوة أمر آخر. لم يُذكر في القرآن أن أم موسى كانت صاحبة رسالة. ينطلق الدكتور سروش من هنا ويستخدم تعبير «بسط التجربة النبوية». فالعرفاء، في نظره، بهذا المعنى قد بسطوا تجربة النبي وشاركوه أذواقه ومواجيده، وكانت لهم، على قدر مراتبهم، تجارب وحيانية أو تجارب باطنية. لكن هذا لا يعني أن ثمة رسالة تترتب على تجربة العرفاء ويتوجب على الآخرين اتباعهم، كلا أبدًا. فدعوى النبوة والرسالة لم تكن أبدًا من شأن العرفاء. والتفريق بين «البُعد الحقيقي» و«البُعد الحقوقي» لختمية النبوة كفيل بحل الإشكال هنا. لقد صرح عبد الكريم سروش بأن أرض التاريخ لم تعد تُنبت أنبياء، ومدلول الخاتمية هو أنه لن ينهض بعد الآن شخص يدعي الرسالة وتكون أقواله ملزمة للآخرين، وأن هذا الباب قد أُغلق في التاريخ. هذه هي الختمية الحقوقية للنبوة. أي أن الشخصية الحقوقية للنبي لا تتكرر ولا تنبسط. أما من الناحية الحقيقية، أي أن يصير المرء شريكًا في أذواق النبي ومواجيده، فهو ما فعله العرفاء على مر التاريخ، وقد أفتوا بمسيرهم ومرامهم ببسط تلك التجربة. لذلك، وعلى نحو ما أفهم، فإن نظرية الرؤيا الرسولية لا تختلف من هذه الناحية عن بسط التجربة النبوية، وقد فرق السيد سروش صراحة بين هذين المقامين. وبالمناسبة، فإن الدكتور سروش لم يقل شيئًا عن مولوي، وهو من معشوقيه، خارجًا أو متجاوزًا لهذا الإطار الذي شرحته. صحيح أن لمولوي كشوفات وقد أضاف إلى هذا التراث الديني، لكنه لم يدع الرسالة والنبوة، وليس للسيد سروش أصلًا مثل هذا الفهم عن مولوي، وهو يأخذ ختمية النبوة (بمعنى ختمية الشخصية الحقوقية للنبي) بجدية بالغة. لكنه يتعاطف مع التجارب الباطنية للعرفاء ويعتقد أن هذه التجارب أسهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية وتألقها. على كل حال، إن إعلاء شأن التجارب الباطنية للعرفاء أمر آخر ولا يتعارض مع ختمية النبوة.
في مناظرته مع بهمن بور، قال الدكتور سروش: «{إذا قلنا} إن الكلام الذي {كان الأئمة} يقولونه كان بلا چون ولا چرا ودون احتمال للخطأ وبفعل إلهام إلهي، وكان عين كلام النبي ولا مجال للاعتراض عليه ... ألن يتبقى في هذه الحال سوى مفهوم ناقص وهزيل من الخاتمية؟» لقد قال مؤخرًا إننا نوجه النقد حتى للنبي. هذا يعني أننا أحيانًا نسائل النبي ونتوقف عنده، بل وقد لا نقبل بعض أقواله. ألا يستلزم نقد النبي أيضًا أن تصبح الخاتمية ناقصة وهزيلة؟
كان مراده في تلك المقابلة أنه لا توجد لدينا استشهادات دينية تمنع من نقد النبي. أي ليست هناك آية أو رواية تقول إن النبي لا يمكن نقده. في الواقع، أراد السيد سروش أن يقول إن الإسلام والتأسي بالسنة النبوية لا يتعارضان مبدئيًا مع نقد النبي.
لكنه كان قد قال في مناظرته مع بهمن بور: لا تقولوا إن كلام الأئمة كان بلا چون ولا چرا مثل كلام النبي، كي لا تصبح الخاتمية هزيلة. أي أنه اعتبر أن كون كلام النبي بلا چون ولا چرا هو من أركان الخاتمية. إذا اتخذ المؤمنون موقفًا نقديًا من نبيهم، فهم لا يخرجون بالضرورة من الدين، ولكن ألا يهزلون الخاتمية؟
أتصور أن الخاتمية لا تتضعضع، بل إن تصورنا لنبوة الرسول ورسالته هو الذي يتغير. بمعنى أنه يمكننا أن نستمر في اعتباره خاتم النبيين، ولكن يمكننا أن نقول في الوقت نفسه إن النبي كان بشراً يمكن نقده. هذا التصور للخاتمية يختلف بالطبع عن التصور الأرثوذكسي الديني والتصور السائد بين الناس، لكنني لا أعتقد أن المدلول المنطقي لهذا الكلام هو اضمحلال ختم النبوة. لقد تحدث المعتزلة من بين قدمائنا عن شروط نزول الوحي وانصباغ الثقافة العربية في النص المقدس. كان هذا أيضاً أمراً غير مألوف، ولم يرق كلامهم لمنتقدي المعتزلة، أي الأشاعرة والفقهاء. على أية حال، كان للثقافة العربية مقتضياتها، وكان منتقدو المعتزلة يعتقدون أنه إذا ما طُرحت هذه المباحث، فإنها تنتقص من قداسة النص المقدس؛ لأن الثقافة العربية يختلط فيها الصحيح بالسقيم والخالص بالشائب، وإذا قبلنا بأن هذه الأمور قد انصبغت في النص المقدس، يخرج النص عن تجانسه وقداسته. لكن المعتزلة لم يكونوا يرون ذلك. كان جوابهم أن تصورنا لتشكل النص المقدس يختلف عن التصور السائد، غير أن هذه الرواية تساعد على فهم أكثر معقولية لسياق نشأة النص المقدس.
في المناظرة مع بهمن بور، طرح الدكتور سروش أيضاً هذه النقطة: «كيف يمكن أن يأتي بعد النبي الخاتم أناس يقولون، اعتماداً على الوحي والشهود، كلاماً لا أثر له في القرآن والسنة النبوية، ومع ذلك فإن تعليمهم وتشريعهم وإيجابهم وتحريمهم يرقى إلى مرتبة الوحي النبوي ويكتسب عصمة كلام النبي وحجيته، دون أن يخل ذلك بالخاتمية؟ فما الذي تنفيه الخاتمية وتمنعه إذاً؟/ إن وصف أئمة الشيعة بأنهم شارحون ومبينون لا يحل عقدة هذا الأمر، لأن كثيراً من كلام هؤلاء الأئمة هو أحكام جديدة لم يسبق لها مثيل.» والسؤال الآن هو: إذا كان كثير من كلام الأئمة أحكاماً جديدة لم يسبق لها مثيل، وكان هذا الأمر نفسه دليلاً على نقض الخاتمية، فإن كثيراً من كلام المثقفين الدينيين وحتى رجال الدين المجددين يتسم بهذه الصفة أيضاً. فعندما يصدر المجددون الدينيون أحكاماً جديدة، ويرى الدكتور سروش أن الوحي لا يزال جارياً، ويعتبر العرفاء والفلاسفة أناساً قالوا كلاماً جديداً وأضافوا إلى الإسلام اعتماداً على الوحي والشهود، فهل يبقى من الخاتمية إلا اسم بلا مسمى؟
حكم السيد سروش على تصور بعض الشيعة للإمامة هو أنهم يضفون ضمناً على الأئمة الشيعة المنزلة والمكانة نفسها التي يضفونها على النبي، وأن العلاقة بين الإمامة والخاتمية غير واضحة. بمعنى أن قول الأئمة الشيعة هو أيضاً مفترض الطاعة ويجب «إطاعتهم». هذا التصور للإمامة سارٍ وجارٍ بين الشيعة الغلاة. الشيعة الغلاة لا يصرحون بهذا الادعاء لكنهم يتخذون هذا الموقف عملياً. فعلى سبيل المثال، أحكام الخمس بشكله الحالي لا سابقة له في السنة النبوية وهو من وضع الأئمة. ولأن أغلب الشيعة يعتبرون الأئمة مفترضي الطاعة كالنبي، فإنهم يعتبرون أحكام الأئمة بشأن الخمس كأحكام النبي في موضوعات أخرى. نقد الدكتور سروش لمثل هؤلاء الشيعة هو: لماذا تضعون الأئمة إلى جانب النبي وتضفون عليهم المنزلة والمكانة نفسها التي تضفونها على النبي؟ أما ما ذكرتموه بخصوص عمل المجددين الدينيين، فجوابه هو أن المجددين الدينيين يسعون إلى تحقيق الإصلاح في التقاليد الدينية تأسياً بالروح السائدة على هذا التقليد؛ وبهذا المعنى، فإن هذا العمل لا ينقض الخاتمية. يقول المجددون الدينيون إننا في هذا العصر نعيد قراءة رسالة السنة النبوية، التي تكونت في سياق وزمان آخرين، ونعيد خلقها تأسياً بإمكانيات ذلك التقليد وأدواته ووسائله. مدلول هذا الكلام هو أن الخاتمية لدى المجددين الدينيين لها اسم ولها مسمى. علاوة على ذلك، فإن المجددين الدينيين ليسوا فقهاء ليصدروا أحكاماً، بل يشاركون الجمهور تأملاتهم اللاهوتية-الفلسفية-العرفانية-الدين-شناسية. هذا فحسب، لا أكثر.
«المثقفون الدينيون» ليسوا فقهاء، لكن عندما نقول «المجددون الدينيون»، فإننا نضم إليهم على الأقل بعض الفقهاء. على أية حال، المشكلة التي تبرز هنا على الصعيد العملي هي أنه، على سبيل المثال، بعد مئة وخمسين عاماً من وفاة النبي، كان أئمة الشيعة، في مواجهتهم لمسائل الحياة اليومية، مضطرين لإصدار أحكام جديدة لم يسبق لها مثيل في السنّة النبوية. والآن وقد مرّ 1400 عام على عصر النبي، فإن المثقفين الدينيين ورجال الدين المجددين مضطرون، عن حق، لإصدار أحكام لم يسبق لها مثيل في كلام النبي. فلماذا، إذن، ينبغي أن نعتبر التشريع وإصدار الأحكام الجديدة علامة على انتهاك الخاتمية؟
كلا، الحديث يدور حول أنه لا ينبغي إنزال الأئمة منزلة النبي. هذا ما يفعله الشيعة الغلاة. ولأهل السنّة أيضاً خلفاؤهم ومذاهبهم الفقهية الأربعة. وهم يكنّون محبة كبيرة لخلفائهم وأئمة مذاهبهم الأربعة، لكنهم لا ينزلونهم منزلة النبي. السؤال هو: ألا يمكن أن يتعامل بعض الشيعة مع الإمامة بطريقة تجعل الإمامة لا تالية للنبوة بل بديلاً عنها؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، وتم الفصل بين النبوة والإمامة بجدية على صعيد الواقع العملي، فلا إشكال لدى أحد مع الاجتهاد. لقد تحدث فقهاء الشيعة عن الاجتهاد في الفروع، ويتحدث المجددون الدينيون عن الاجتهاد في الأصول. هذا الإصلاح يظل إصلاحاً في صميم التراث الديني.
تلك المنزلة النبوية، إذا استثنينا عنصر الرسالة أو المهمة، فعلى أي عنصر اختصاصي تقوم تحديداً؟ إذا استثنينا مهمة النبي، فلن يتبقى شيء لا يبلغه أئمة الشيعة أو العرفاء والفقهاء.
لاحظ، المقصود هو الوحي الرسالي؛ أي الوحي الذي تترتب عليه رسالة؛ الوحي المقترن بالمهمة النبوية. لقد أُغلِق ملف هذا البحث، ولن يظهر نبي بعد النبي. الإشكال على الشيعة الغلاة هو أنهم يتعاملون مع الإمامة بطريقة تجعلها بديلاً للوحي الرسالي ونداً له.
إذا اعتبر شخص نفسه مسلماً لكنه لم يقبل بالنبي، فمنطقياً لا يُقبل إسلامه. لكن الشيعة الغلاة يقولون إذا اعتبر شخص نفسه مسلماً لكنه لم يقبل بالأئمة، فإن إسلامه غير مقبول أيضاً. يبدو أن الدكتور سروش حساس تجاه هذه الدعوى.
نعم. أي أن ما يشكل المحور وعمود الخيمة هو النبوة. وقد قال السيد سروش، كشرط مخالف للواقع، إن مخاطبي النبي في صدر الإسلام، رغم أنهم لم يروا الأئمة ولم يكونوا شيعة بالتعبير المعاصر ولم تكن لديهم ولاية (بالمعنى الشيعي للكلمة)، لا شك في إسلامهم البتة، وإسلامهم لا ينقصه شيء.
في الواقع، من وجهة نظر الدكتور سروش، المسلم الذي لا يقبل بولاية أئمة الشيعة، لا يتسبب ذلك في إشكال لخلاصه الأخروي.
نعم، هذا صحيح؛ وإن كان بعض الشيعة لا يروق لهم هذا القول. وفي الوقت نفسه، وكما أفهم، وكما أوردت في مقالتي «لاهوت التنوير الديني: قياس النسبة بين التجربة الدينية والمعرفة الدينية والفعل الديني»، فإن ما يشكل عمود الخيمة ومقوّم الخلاص في مدرسة التنوير الديني المتأخرة هو النبوة.
طرح الدكتور سروش في مناظرته مع بهمن بور هذه النقطة أيضاً، وهي أن علم النبي مباشر ومقترن بالعصمة وذو حجية، وأن «الشيعة الغلاة» يعترفون بمثل هذا العلم للأئمة أيضاً. لكن حين نوجه نحن النقد لنبي كان يمتلك مثل هذا العلم، ونعتبر علمه – المتجلي في القرآن – مشوباً بالخطأ في مواضع متعددة، فما الحاجة أصلاً لأن نخوض نزاعاً مع الشيعة الغلاة حول أن هذا العلم الكثير الأخطاء كان حكراً على نبي الإسلام فقط؟ دعهم يقولون إن آخرين امتلكوا مثل هذا العلم أيضاً!
ذكرت آنفاً، الحديث ليس عن علم مشوب بالخطأ ومتجلي في القرآن. مثل هذه التعابير لم تُستخدم إطلاقاً في كتابات المجددين الدينيين، بل الحديث يدور حول عدم توافق «ظواهر بعض الآيات» مع المعطيات والمكتشفات العلمية. علاوة على ذلك، حدود علم النبي وثغوره ليست هي محور الحديث هنا، بل الحديث عن كونه مفترض الطاعة. بمعنى أنه إذا كان قول النبي هو المحور وعمود خيمة التدين، فينبغي ألا نقول كلاماً يؤدي إلى تسرية هذه المكانة والمنزلة لتشمل آخرين غيره. هنا مكمن النزاع الرئيسي؛ وما تبقى فرع من القصة. هكذا أفهم الأمر.
في رأيي، جوابكم عن رأي الدكتور سروش بشأن «تسرّب الخطأ إلى القرآن» قائم على المصالحة والاعتبارات؛ إلا إذا كان رأي الدكتور سروش الحالي مختلفاً عمّا أبداه في مناظرته مع جعفر سبحاني. وبعد إذنكم أطرح السؤال التالي. كان الدكتور سروش قد كتب في عام 1367: « قال بعضهم … إن كلام الأنبياء في مصافّ عمل الشعراء. وهذه الأقوال، بالمعنى الدقيق للكلمة، «إلحادية».» وبعد عقدين، كتب في مناظرته مع آية الله سبحاني: «لفهم ظاهرة الوحي غير المألوفة، يمكننا الاستعانة بظاهرة الشعر الأكثر ألفة (وبالإبداع الفني عموماً) … وهذا فقط في مقام التصوّر.» في هذه الجمل، التي تختلف بوضوح عن كلامه في عام 1367، يُقرن تشبيه عمل النبي بالشعراء والفنانين بقيد («هذا فقط في مقام التصوّر.») ولكن بعد أقل من عقد، أُزيل ذلك القيد نفسه من نظرية الوحي عند الدكتور سروش، وقال صراحةً في مناظرته مع عبد العلي بازركان إن النبي كان فناناً. بينما كان قد قال في المقال نفسه عام 1367: «لقد أكّد القرآن أن النبي ليس بشاعر.» بالنظر إلى هذا المسار الفكري، سؤالي هو: أين تقع الحدود بين الإصلاح الديني (أو الابتعاد عن الأرثوذكسية الدينية) والخروج من الدين؟
قبل عامين، أجريت مناظرة مكتوبة مع الدكتور محمود صدري. في تلك المناظرة، التي جرت في إطار إجاباتنا على أسئلة مجلة «جشمانداز»، طرح السيد صدري ثنائية الإصلاح-الإحياء. من منظوره، ما ينفعنا هو الإحياء الديني؛ لأن مشروع «الإصلاح الديني»، بحسب فهمي لحجّة الدكتور صدري، ينطوي على نوع من المنحدر الزلق ويمضي هكذا حتى لا يبقي شيئاً من التدين تدريجياً؛ أو بتعبيركم، الإصلاح الديني يؤول في النهاية إلى الخروج من الدين. أنا لا أتعاطف مع ثنائية الدكتور صدري وصياغته. وقد تحدثت في كتاباتي عن ثنائية الإحياء-الإصلاح، لكنني لا أوافق رواية صدري لهذه الثنائية. الإحياء الديني يعني التأكيد على جوانب الدين المُغفَلة وإزالة الخرافات وأمثالها، وهو داخل بارادايم الدين تماماً ويتم بالاستشهاد بأسباب وأدوات وإمكانات التراث الديني. عمل شخصيات كمطهري وقابل وإلى حد ما كديور، أمثلة على الإحياء الديني في أيامنا هذه. في الإصلاح الديني، كما قلت سابقاً، يحدث نوع من إعادة بناء الفهم الديني وتقديم منظومة لاهوتية بديلة. النماذج المعروفة والمهمة للإصلاح الديني هي إقبال وسروش وشبستري. وشريعتي الذي كان يتحدث عن البروتستانتية الدينية ويطرح «المخطط الهندسي للمذهب»، كان يسير في هذا الوادي أيضاً. كان شريعتي متأثراً بإقبال أيضاً لكنه لم يمتلك العمق الفلسفي وربما المعرفة الدينية لإقبال، لكنه بفضل عبقريته وذهنه الوقّاد كان يعرف ماذا يفعل، وقد أسمى تركيبه «المخطط الهندسي للمذهب»؛ المخطط الذي ورد في كتابه «الإسلامشناسي». عمله أيضاً كان ضمن مشروع الإصلاح الديني. أما أين تقع حدود الإصلاح الديني والخروج من الدين، فبرأيي لا حدود واضحة لها؛ بمعنى أنه ما دام الفرد يستشهد بالتراث الديني ويسعى إلى تقديم رواية جديدة وقراءة بديلة للأرثوذكسية الدينية ويُسند كلامه إلى بعض فقرات التراث الديني، فهو لا يزال يسير ضمن مشروع تنقية الدين أو الإصلاح الديني؛ حتى لو كان كلامه غير مألوف. إذا أمكن إثبات أن كلامه يتضمن منطقياً عدولاً عن التراث الديني، بمعنى أنه لا علاقة له بالتوحيد والنبوة والمعاد، وقبل الشخص نفسه بأن كلامه لا علاقة له بالتراث الديني وأركان هذا التراث (أي التوحيد والمعاد والنبوة)، فإن هذا الشخص يخرج من مشروع الإصلاح الديني ويخرج بالتالي من ساحة التدين. لكن الإصلاحيين يعتقدون أن كلامهم ذو علاقة بأركان التراث الديني، حتى لو كان بعيداً عن الفهم السائد (أو عن الأرثوذكسية الدينية). بتعبير آخر، كما قلت سابقاً، أنا أؤمن بنوع من السيولة في هذه الأمور ولا أتصور أن لدينا «خط تماس» في الظواهر الاجتماعية، بما في ذلك في ساحة التدين. خط التماس جيد للعبة كرة القدم، لكن في هذه الساحات، التي تتسم بالدقة والسيولة، ليس لدينا خط تماس ليخبر أحداً أن كرة أفكارك خرجت نصف متر عن ملعب الدين! إذا أمكن منطقياً إقامة حجة يقبلها الشخص نفسه والمجتمع العلمي بأن كلامه يتضمن تجاوزاً للتوحيد والمعاد والنبوة، حينئذ يمكن القول إن ذلك الإصلاحي – كما يقول فتغنشتاين – قد دخل لعبة لغوية أخرى وخرج من ساحة الإصلاح الديني.
المشكلة التي يثيرها هذا الجواب هي أننا لا نفهم لماذا يكون السيد (أ) مثقفًا دينيًا متدينًا، بينما يكون السيد (ب) مثقفًا دينيًا غير متدين. ذلك لأن كليهما يتعاطف مع الدين ويستشهد بالتراث الديني.
المثقف الديني غير المتدين، لأنه يرى الدين عنصرًا مهمًا في الساحة السياسية والاجتماعية ويسعى إلى تقديم قراءة تحررية للدين، فإنه يستشهد بالتراث الديني. لكنه "شخصيًا" ليس متدينًا، وإذا سألته عن معتقداته الشخصية، فسيخبرك هو نفسه أنه شخصيًا لا يؤمن بأركان التراث الديني. أما عندما يقول مثقف ديني صراحة إنه يؤمن بالتوحيد والمعاد والنبوة، فلا يمكننا أن نقول له إنك شخصيًا لست متدينًا أيضًا. القاسم المشترك بين هذين المثقفين الدينيين هو تقديم قراءة تحررية للدين. أما ما يميز بينهما فهو معتقداتهما الشخصية.
سألتُ السؤال السابق لأن المثقف الديني غير المتدين، على الأرجح، يكون قد خرج من الدين أثناء انخراطه في مشروع إصلاح الدين هذا. أي أنك أنت نفسك تعتقد في النهاية أن مثقفًا دينيًا ما قد عبر الخط في مرحلة ما وأصبح الآن مثقفًا دينيًا غير متدين.
نعم، من المتصور أن يحدث مثل هذا الأمر. لكنه في هذه الحالة، يصاب بالإحباط إزاء هذه اللعبة، أي لعبة الإصلاح الديني المعرفية. بالطبع، بعض الأشخاص الذين لا يملكون انتماءً دينيًا يأخذون مشروع الإصلاح الديني على محمل الجد ويعتقدون أن إصلاح وضعنا الاجتماعي والسياسي رهن بأخذ مشروع الإصلاح الديني على محمل الجد.
كان الدكتور سروش يتحدث سابقًا في ذم النفعية الأداتية ويؤكد أن شريعتي لم يكن نفعيًا أداتيًا. لكن المثقف الديني غير المتدين، على ما يبدو، لديه مواجهة نفعية أداتية مع الدين. إذا اعترفنا بالمثقف الديني غير المتدين، فهذا يعني في الواقع أننا لم نعد نذم المقاربة النفعية الأداتية للدين.
رهن بما هو المقصود بالنفعية الأداتية. لنفترض أن شخصًا ما لا يملك إيمانًا دينيًا حقًا؛ فهو لا يستطيع أن يكذب على نفسه. وفي الوقت نفسه لديه هموم سياسية واجتماعية. وهو يرى الدين أهم مكون ثقافي في مجتمعنا الحالي، ولديه معرفة مقبولة بالتراث الديني. لذلك يسعى إلى تقديم قراءة للتراث الديني تكون في خدمة تحقيق الحريات السياسية والاجتماعية. أنا أعتبر النفعي الأداتي شخصًا يتصرف على خلاف معتقده ويتظاهر بالنفاق للوصول إلى مآرب. لكن المثقف الديني غير المتدين لا يمارس النفاق، وبصفته فاعلًا اجتماعيًا يرى أن أهم مكون للتراث في مجتمعنا هو الدين، ويرى أن الإصلاح الاجتماعي والسياسي لا يتيسر إلا من خلال الإصلاح الديني، ويمكن اعتبار عمل مثل هذا الشخص مبررًا. كنا حتى الآن نعرف مدرسة التجديد الديني من خلال المجددين الدينيين المتدينين، لكن برأيي، لا إشكال من حيث المبدأ في أن نوسع دائرة فاعلي هذه المدرسة.
قال الدكتور سروش مؤخرًا: "المثقفون الدينيون ليسوا متدينين بالمعنى التقليدي والشريعتي للكلمة. هذا كلام يجب أن يقال ولا يُكتم." لكنه قبل عقدين من الزمن كتب في كتاب "المداراة والإدارة" في نقد التصوف: "إزاحة القشرة وترك اللب حرًا، تسبب في ضياع ذلك اللب نفسه." ألا يكون ابتعاد المثقف الديني عن الممارسة الدينية خطوًا في مسار غايته الخروج من الدين؟
إطلاقاً. أتصوّر أن أسلوب تدينه سيختلف عن أسلوب التدين التقليدي. أي أن نوع تشرّعهم سيختلف. في هذا النوع من التدين، يبرز التفرد والعزلة الروحية؛ على عكس التدين الجمعي والطقسي، الذي يحظى فيه الحضور في المجالس والهيئات الدينية بأهمية خاصة. يبرز التفكير الديني في هذا النوع من التدين وتقل أهمية حجم الأعمال. كما أن للتجارب الباطنية أهمية خاصة في هذا النوع من التدين. إجمالاً، ينشأ نمط جديد من التدين. لا بأس أن أتحدث عن تطور تجربة تديني أنا أيضاً. قبل حوالي عشرين عاماً، كنت ملتزماً بأن أشارك حتماً في المراسم العامة لتاسوعاء وعاشوراء أو أن أحضر مراسم ليالي الإحياء. كنت أعتقد أن ليالي الإحياء يجب أن تُقام حتماً في قالب مراسم جمعية وطقسية. لكن بالتدريج، ونظراً إلى أنه لا مفر ولا مناص من المراسم الطقسية في التدين المعيشي، ابتعدت عن هذا النمط من التدين وأصبح تديني فردياً؛ أي متجهاً نحو أخذ أحوالي على محمل الجد ورصد أرض وجودي وتمييز الأيام الغائمة والمشمسة في هذه الأرض عن بعضها البعض. يمكن القول إن هذا نمط آخر من التدين.
هل يتضاءل العمل الديني أيضاً في هذا النمط الجديد؟
لا، ليس بالضرورة. طبعاً يعتمد ذلك على ما تعنيه بالعمل الديني.
العمل الديني الفردي. الصلاة والصوم.
لا، يمكن أن يتغير معناه. مثلاً، عندما أصلي وأصوم الآن، أرى وألتمس معنى آخر في هذه الأعمال والمناسك.
أي أن الحال الطيب الذي تناله في هذه الدنيا من الصلاة والصوم، له أولوية لديك.
نعم، أنظر إلى المناسك الدينية، ومنها الصلاة والصوم، من منظور آخر. في مقالة «المناسك الفقهية والسلوك العرفاني: مخطط للعرفان الحديث 7» المنشورة في كتابي «فلسفة سبهري اللازوردية»، قررت مواجهتي المعنوية والباحثة عن المعنى مع المناسك الدينية كما أرويها. في هذا التصور، ومن دون إنكار مواجهة المتدينين المعيشيين للمناسك والأعمال الدينية، تبرز الجوانب الوجودية والباطنية للمناسك الدينية وتصبح محورية.
ذكر الدكتور سروش في كتاب «المداراة والإدارة» هذه النقطة أيضاً: «إذا رأيتم أشخاصاً لا يكترثون بظواهر الدين، فلا تثقوا بهم. ظواهر الشرع لا تقل أهمية عن بواطن الشرع.» يبدو أن رأيه في هذا المجال قد تغير أيضاً إلى حد كبير.
ربما ينبغي القول إن تنوع أنماط الحياة الدينية قد برز لديه أكثر. أوافق على هذا. أي أنه بدلاً من أن نكتفي بالشريعة وظواهر الدين، يجب أن نولي اهتمامنا لبواطن الدين. طبعاً، أسلوب تدينه هو شخصياً يشبه إلى حد كبير ما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة، لكنه في هذه المدة قد شرح أنماط التدين الأخرى واعترف بها أكثر من ذي قبل.
لطالما كان الدكتور سروش ناقداً للارتزاق من الدين، وفضلاً عن ذلك، يعتقد أن للارتزاق من الدين عرضاً عريضاً. هل تقتصر مصاديق الارتزاق من الدين على أن يصعد فلان من رجال الدين المنبر ويتقاضى أجر منبره أو يحصل على منصب حكومي؟ أليس إقبال وسائل الإعلام المختلفة على المتنورين الدينيين والشهرة والمكانة والأوتوريتا التي يحصلون عليها، شاءوا أم أبوا، نتيجة تحدثهم عن الدين، مصداقاً للارتزاق من الدين؟
الارتزاق من طريق الدين يعني أن يكون معاشكم ومكسبكم على صلة بالدين. هذا الذي تقولونه، كما يقول المناطقة، مشترك الورود. فقد يحصل عالم فيزياء أو عالم اجتماع، جرّاء تدريسه في الجامعة وأبحاثه العلمية، على شهرة ومكانة في المجتمع. فهل ينبغي لنا أن نقول إنهم يرتزقون من طريق الفيزياء وعلم الاجتماع؟ بمعنىً ما، هذا صحيح، لكن لا مناص من هذا الأمر ولا مهرب. فالمجدّد الديني، لكونه مشتغلاً بالدين، كلّما تقدّم في هذا المضمار، وإذا ما أقبل المجتمع على كلامه، فإنه يرتزق من طريق الدين، بالمعنى الذي تقصدونه. أي أن نسبته إلى علم الدين تصير كنسبة عالم الفيزياء نفسه إلى علم الفيزياء، غير أنه لا مهرب من هذا الوضع ولا مناص. إن الاشتغال بالدين، على طريقة المثقفين الدينيين، له وظيفة في مجتمعنا يعجز حَمَلَةُ الدين التقليديون عن أداء هذا الدور وهذه الوظيفة؛ كما أن خصوم الدين لا يعتقدون بأداء دور كهذا. لو لم تكن لهذه الطريقة في الاشتغال بالدين وظيفة، لما ظهرت في مجتمعنا أولاً، ولما دامت مئة عام ثانياً. النقطة الثانية هي أن على المجدّدين الدينيين أن يحذروا من أن يصير كلامهم، بعد مرحلة معينة، ناشئاً عن اعتبارات مصلحية مرتبطة بمعاشهم. وإلا، فمجرد أن يكون لكلام المثقفين الدينيين وأفكارهم اعتبار اجتماعي، لا إشكال فيه. المهم أنهم لا يرتزقون مباشرة من طريق الدين. هذا أمر مهم، وينبغي للمثقفين الدينيين أن يخلصوا له. علاوة على ذلك، فإن المجدّدين الدينيين في العقود الأخيرة دفعوا الثمن عموماً، وفقدوا بعض المواقع والمناصب السياسية والإدارية والعلمية. لكن ينبغي، من حيث المبدأ، تحذيرهم من أن يحذروا، وقد صارت لهم هذه المكانة الاجتماعية، من أن يقولوا كلاماً صادراً عن نفعية.
بالطبع، الارتزاق من طريق الفيزياء والفلسفة لا إشكال فيه من وجهة نظر الدكتور سروش؛ أما الارتزاق من طريق الدين فمرفوض. لكنني سألتُ عن الارتزاق من طريق الدين لأن مشروع الإصلاح الديني الذي لا يبدو أنه ينتهي، ناجمٌ، إلى حد ما، عن أن المثقفين الدينيين، جرّاء تحدثهم المستمر عن الدين، حصلوا على موقعية خاصة في المجتمع الإيراني، وهم قلقون من أنهم إذا ما انتهى مشروع الإصلاح الديني، فستضيع مكانتهم وسلطتهم الاجتماعية. أي أنه، كما لا يرغب رجل الدين في أن يتلاشى التدين التقليدي، يبدو أن المثقف الديني لا يرغب أيضاً في أن يُلغى الإصلاح الديني.
أتصور أنه لا ينبغي أن يُقال مثل هذا الكلام عن المجدّدين الدينيين. في نظري أن علة هذا الوضع هي أن مجتمعنا يمر بمرحلة انتقالية. لو أن مجتمعنا اجتاز المرحلة الانتقالية، فلنفرض بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، فلن نعود بحاجة إلى نحلة تُدعى التجديد الديني تكون لها وظيفة في المجتمع؛ كما أننا لسنا بحاجة إلى نحلة كهذه في المجتمع الكندي الراهن. على أية حال، العلاقة ثنائية الاتجاه، قانون العرض والطلب هو الحاكم هنا. ثمة طلبٌ قائم بسبب المرحلة الانتقالية، فتُعرض البضائع المعرفية المتناسبة مع هذا الطلب. فإذا عبرنا هذا الفضاء، وصرنا مثلاً مثل المجتمع السويسري الراهن أو بلدان إسكندنافيا، فلن يكون ثمة طلب على هذا النوع من البضائع المعرفية حتى تدعو الحاجة إلى عرضها، وإن عُرضت بضائع كهذه فلن يكون لها مشترٍ. إذا ما انقضت المرحلة الانتقالية، فسيؤول البحث والتقصي عن الدين إلى دهاليز الأكاديميات. في المحافل الأكاديمية في العالم الغربي، البحثُ عن الدين جادّ. فعلى سبيل المثال، في قسم «الدراسات الدينية» بجامعة تورنتو حيث أعمل الآن، أشهد محاضرات وندوات عديدة ومتنوعة، لكن هذه الأمور ليس لها ظهور وبروز اجتماعي يُذكر. أي أن هذه المباحث، على خلاف إيران، لا تنسحب كثيراً إلى ساحة الإعلام. لماذا؟ لأن دخول هذه المباحث إلى الإعلام لم تعد له وظيفة اجتماعية وسياسية. لأن العالم الغربي كان قد اجتاز سابقاً هذه المرحلة التي نمر بها نحن. مشروع الإصلاح الديني، تمت متابعته قبل عدة قرون في الغرب وترك تأثيراته السياسية والاجتماعية البارزة. وكان لنشطاء الإصلاحية الدينية في الغرب، بتعبيركم، موقعية اجتماعية خاصة. لكن العالم الغربي لم يعد بحاجة إلى الإصلاحية الدينية، على الأقل على ذلك المستوى الكلي والواسع، والذين يفكرون في الدين ويكتبون عنه لم تعد لهم تلك الموقعية الاجتماعية التي كانت لأمثال إراسموس وسبينوزا وكانط.
وهذه النقطة جديرة بالتأمل أيضاً، وهي أن تجربة المثقفين الدينيين الذين وصلوا إلى السلطة في تركيا تُظهر أن الدين يمكن أن يرتبط بـ«المصالح المادية والسياسية المشروعة وغير المشروعة» للمثقفين الدينيين أيضاً، بل إن هؤلاء المثقفين الدينيين أنفسهم، بعد وصولهم إلى السلطة، يصبحون عائقاً أمام التحقق النهائي والكامل لمشروع الانتقال إلى الديمقراطية.
المثقفون في كل أنحاء العالم، بتعبير الدكتور سروش، هم أقوياء بلا عرش. ليس من الضروري أن يعتلوا بالضرورة عرش السلطة السياسية. لكن ينبغي على أية حال التحذير من أنه إذا وصل أناس إلى السلطة باسم الدفاع عن الإصلاحية الدينية (أو كانوا هم أنفسهم إصلاحيين دينيين)، فلا ينبغي أن ينسوا تعاليم الإصلاح الديني أو يتخلوا عنها. ومن أهم هذه التعاليم فصل مؤسسة الدين عن مؤسسة الحكم. صحيح أن الدين حاضر في المجال العام وهو ليس أمراً خاصاً في الواقع، لكن لا ينبغي ربط الشرعية السياسية بالدين، وإذا قام أناس باسم الإصلاحية الدينية بذلك ومنعوا الانتقال إلى الديمقراطية، فيجب وضعهم تحت مجهر النقد؛ لأن هؤلاء الأفراد تسلقوا سلم الإصلاحية الدينية لكنهم لم يلتزموا بالمدلولات السياسية للإصلاح الديني.
يبدو أن السمة المشتركة الأخرى بين التنوير الديني والجمهورية الإسلامية هي التراجع خطوة خطوة أمام زحف قيم العالم الحديث. مع فارق أن معظم تراجعات المثقفين الدينيين كانت مقرونة بتبرير نظري، بينما تراجعت الجمهورية الإسلامية دون تبرير نظري (كما في مسألة الحجاب ولباس النساء مثلاً).
لا أتعاطف مع عبارة التراجع. بتعبيري، ما حدث هو إعادة قراءة نقدية خطوة خطوة، وقد تقدمت إلى الأمام.
لكن إعادة القراءة النقدية هذه في العقود الثلاثة الأخيرة كانت دائماً لصالح قيم العالم الحديث.
نعم، لكن عبارة «التراجع» تحمل شحنة معنوية سلبية. لا مشكلة لدي في أن تقولوا إن إعادة تفكير نقدية قد حدثت، وإن بعض المفكرين الدينيين الجدد، مثلي أنا، توصلوا إلى نتيجة مفادها أن عدم تغطية شعر الرأس والعنق ليس فيه قبح أخلاقي، أو بتعبير المرحوم قابل، ليس فيه إشكال شرعي. علاوة على ذلك، يعتقد جميع المفكرين الدينيين الجدد أن الحجاب الإجباري أمر غير أخلاقي. في الواقع، لقد أخذ المفكرون الدينيون الجدد المسائل من المجتمع وتناولوها بوصفها جزءاً من مشروع إعادة القراءة النقدية للتراث الديني. ومع أن المسائل مأخوذة من المجتمع، فإن تناول هذه المسائل كان منهجياً وذا صبغة معرفية. أما في الجمهورية الإسلامية، فإن لممارسة السياسة مقتضياتها الخاصة، ومن أهم مكونات السياسة البراغماتية أو تقدير المصلحة في مقام العمل. ما أريد قوله هو أن هناك نوعين مختلفين من المقاربة لهذه المسائل. الحكام مضطرون إلى تقدير المصالح العملية، والمفكرون عليهم أن يقيموا الدليل وينظروا إلى المسائل بشكل معرفي. أي أن الجمهورية الإسلامية والفكر الديني الجديد كلاهما أخذا المسائل من المجتمع، لكنهما واجهاها بشكل مختلف.
يعتقد الدكتور سروش إجمالاً أن الحياة الأخلاقية هي الضامن للسعادة الأخروية؛ خلافاً لأولئك الذين يعتبرون الإيمان والاعتقاد الديني شرطاً للخلاص الأخروي أيضاً. أنا شخصياً أرى رأي الدكتور سروش أكثر عقلانية وإنصافاً، لكن إذا قبلنا هذا الرأي، فإن التدين يتحول إلى أمر غير حيوي جداً في حياة الإنسان الحديث.
أجيب عن هذا السؤال من منظوري الخاص. في فكر الأستاذ سروش، كما تفضلتم، هذه القضية بارزة جداً، وأنا أيضاً أؤمن بها إيماناً عميقاً. بتعبير آخر، ووفقاً لهذا التصور، إذا توصل شخص ما بجد وإخلاص وتحقيق إلى نتيجة مفادها أن المعرفة الدينية غير مبررة وأن الدين ليس أمراً معرفياً، فإنه يترك الدين ولا يكون قد ارتكب خطيئة من الناحية الدينية. أليس لدينا في القرآن «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و«لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»؟ وقد قال المفسرون إن كون الله لا يكلف فوق الطاقة، يعني أنه لا يكلف فوق الطاقة البدنية والذهنية. ليست الطاقة جسدية فحسب، بل ذهنية أيضاً. إذا توصل شخص ما، عن تحقيق وجد وإخلاص، إلى أن الدعاوى الدينية ليست دعاوى معرفية، فأتصور أنه لن يُؤاخذ في عالم ما بعد الموت؛ حتى لو كان رأيه خاطئاً من منظور المتدينين. وكما أوردت في مقالة «الردة في ميزان الأخلاق»، ينبغي لنا أن نميز بين نوعين من الخطأ: «الخطأ المعرفي» و«الخطأ الأخلاقي». في حالات كثيرة، إذا خرج شخص من الدين، فإنه حتى من منظور المتدينين، يكون قد ارتكب خطأ معرفياً لا خطأ أخلاقياً. ما يستوجب المؤاخذة هو الخطأ الأخلاقي. الخطأ المعرفي مثل أن تسألني: أي يوم هو اليوم؟ فأقول: الأربعاء، بينما يكون اليوم الثلاثاء. أما الكذب فهو خطأ أخلاقي. أوردت في مقالة «الردة في ميزان الأخلاق» أن المرتد، حتى لو كان مخطئاً، فأولاً العقوبة المقررة له لا تتناسب مع جرمه، وثانياً لا ينبغي معاقبة أحد على ارتكاب خطأ معرفي. طبيعة خطأ هؤلاء الأشخاص، إذا ما تمت صياغتها من منظور المؤمنين والمعتقدين والمتدينين، هي خطأ معرفي وليس خطأ أخلاقياً. على أية حال، ما حدث هو أمر بينه وبين ربه؛ ومؤاخذة المرتد في هذه الدنيا أمر غير مبرر وينبغي تركه.
إذا قال شخص ما إن المثلية الجنسية ينبغي الاعتراف بها كأسلوب حياة، فهل ارتكب خطأ معرفياً أم خطأ أخلاقياً أم لا هذا ولا ذاك؟
هل توجه هذا السؤال إلى المجدد الديني أم إلى الفقيه؟
إلى المثقف الديني. لأن الدكتور سروش، على عكس آرش نراقي وبعض المثقفين الدينيين الآخرين، لم يكن مستعداً أبداً للدفاع عن حقوق المثليين.
لكنه لم ينفها أيضاً. أنا شخصياً أدافع عن حقوق المثليين. في رأيي أن المجدد الديني يمكنه الدفاع عن الحقوق الأساسية للمثليين. وفي الوقت نفسه يمكنه القول إن السلوك المثلي غير مبرر من منظور النص المقدس. هذا هو حكمي. يجب الدفاع عن حقوق المثليين كما ندافع عن حقوق الأقليات الدينية وحقوق النساء؛ لكن دفاعنا عن الحقوق الأساسية للمثليين يختلف عن مسألة ما إذا كان بالإمكان إيجاد تبرير ديني لهذا الفعل. إذا سألتني عن التبرير الديني لهذا الفعل، فلا أعتقد أنه يمكن استخلاص رواية مبررة من النص المقدس تجيز المثلية الجنسية. لا يُستفاد مثل هذا الأمر من النص المقدس بطريقة منهجية. نقاشات الصديق العزيز السيد نراقي حول السلوك المثلي من منظور قرآني، بدت لي متكلفة وغير مبررة، وكان رد السيد آرمين عليه مقنعاً وجديراً بالأخذ. لقد اطلعت شخصياً على تلك الآيات والمضامين والسياق وأسباب النزول بدقة. أعتقد أن الحق كان مع السيد آرمين في هذا الشأن، وأن قراءة كهذه من النص المقدس حول جواز السلوك المثلي غير مبررة. علاوة على ذلك، لا أتعاطف مع القول بأن المثليين ينبغي أن يُؤاخذوا في هذه الدنيا بسبب اختيارهم لأسلوب الحياة هذا. وفيما يتعلق بالعلاقة بينهم وبين الله والدينونة الأخروية على سلوكهم، وبما أنه ليس من شأننا أن نجلس على منصة الله ونقوم بعمله، فمن الأفضل أن نترك هذا الأمر الجلل له، وألا نخوض فيه ولا نتكلم عنه. قضية صون الحقوق المدنية في هذا الشأن أمر، والدينونة الأخلاقية والدينية مقولة أخرى. وكما أفهم، يمكن الدفاع عن الحقوق المدنية للمثليين، وفي الوقت نفسه، من منظور أخلاقي وديني، اعتبار هذا الفعل غير مبرر. إضافة إلى ذلك، ينبغي أن نعرف حدنا، ونترك عمل الله لله، وألا نكون قسيم النار والجنة، وأن نصمت عن خير وشر الأشخاص ووضعهم الأخروي، وأن نقول مقتفين أثر سعدي: «لست أعلم غيب باطنه» وأن نتمتم بالأبيات الرقيقة التالية لحافظ:
لا تعِبْ أهلَ الخلاعةِ أيها الزاهدُ طاهرُ الطينةْ
فلن تُكتَبَ عليك ذنوبُ الآخرينْ
إن كنتُ خيرًا أو شرًّا فامضِ أنتَ في شأنِ نفسِك
كلُّ امرئٍ يحصدُ عاقبةَ ما زرع
لا تُيئسني من سابقةِ اللطفِ الأزليِّ
فماذا تدري أنتَ خلفَ الحجابِ مَن حَسُنَ ومَن قَبُح
شكرًا لكم على مشاركتكم في هذا الحوار النقدي.
وأنا أيضًا شاكرٌ لكم.
.
.
.
.
الفلسفة
الدين
الدين
الدين
الدين
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.