اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
كتاب «النظام واللانظام» هو أحدث أعمال علي زاهد، يتناول الواقع وطبقاته المتشابكة من منظور فلسفي. ينطلق المؤلف من اللغة ليبلغ الوجود ويرى التناقضات؛ محاولة لتغيير طريقة نظرتنا.

«النظام واللانظام» هو أحدث كتب الدكتور علي زاهد، وقد تناول فيه «الواقع» و«طبقاته المتشابكة» من منظور فلسفي. يعلم المطّلعون على المسار الكتابي للأستاذ زاهد أن كتابه الأول «نحو لاهوت غير ميتافيزيقي» قد تشكّل حول مقولة العلامة الطباطبائي العميقة: «ثمّة واقع». ويمكن القول إن هذه المسألة لم تفارق ذهن المؤلّف منذ ذلك الحين، وظلّ مشغولاً بها في كل ما كتبه وألّفه بعد ذلك.
في رأيي، يعود ذلك «الجرح الذهني!» لينفتح في «النظام واللانظام» بشكل أكثر تجسيداً، ويفيض على كيان زاهد من شتّى المنافذ! يجلس الواقع في المركز، وفكر زاهد المتمركز في الموضوع يسرح في ألف اتجاه؛ ومع أن «التفكير هو السباحة عكس تيار النهر» (ص7)، فإننا نشهد في «النظام واللانظام» جهداً جميلاً من فيلسوف يلقي الضوء على موضوع عميق وربما بعيد المنال بأكثر الأشكال جاذبية، ويكشف لنا عنه وجهاً جديداً:
«الفكر الفلسفي إذ ينحني على ذاته، يدفع بمفاهيمه إلى نقطة حرجة، فيعوّجها ويمزّقها، ويجعل لغته بذلك عاجزة متلعثمة. لكن لعلّ هذه اللعثمة اللغوية والمفاهيم المعوجة المشوّهة هي وحدها القادرة على الإشارة نحو الأمر المتعذّر بلوغه. لعلّ لعثمة اللغة، في عجزها عن إيصال الرسالة، تستطيع أن توصلها على نحو غير مألوف.» (ص36) «الفلسفة لا تغيّر الأشياء، لكنها تغيّر طريقة نظرنا إلى الأشياء، ولعلّ هذه هي الثورة الكبرى.» (ص78) وهذه «الثورة» هي الغاية القصوى الوحيدة التي يمكن أن نجدها حقاً في هذا الكتاب وفي معظم كتابات زاهد.
يبدأ المؤلّف بـ«اللغة» ويشرع في شرحها: «لديّ لغة... وبوساطة اللغة تحقّقتُ في العالم كإنسان واعٍ... اللغة هي الرابط بيني وبين عالمي...» (ص8 و9). يبدو زاهد في هذه المعالجات وكأنه يخوض تحدياً كبيراً، فيصل عبر «اللغة» إلى «الوجود» ويرى التناقضات التي تواجههما:
«... إذا ما اعتُبرت الذات والعالم وجهين متمايزين نسبياً للوجود اللامتعيّن؛ فإننا نشهد الإنسان، في علاقته بذاته وبالعالم، في صراع وتضاد دائمين من أجل إلقاء الوجود في اللغة ومجيئه إلى اللغة. «إلقاء الوجود في اللغة» يؤكد على إرادة الإنسان وحريته في تغيير الواقع، و«مجيئه إلى اللغة» يشدد على الضرورة واستسلام الإنسان لها.» (ص10) هكذا تعود «الضرورة» و«الحرية» لتنصبا شركاً دائماً لا يترك ذهن المؤلّف الجوّاب:
«اللغة هي ميدان نشاطنا الحر، ومن جهة أخرى يمكن القول في الوقت نفسه إن اللغة هي مجال انفعالنا إزاء ضرورة أُلقينا فيها. وإن كنّا نفعل باللغة أشياء كثيرة، فإننا في الآن ذاته خاضعون لها ومقذوفون في محيطها الفسيح...» (ص10)
هذا القذف هو في الحقيقة النفق الذي يحفره المؤلّف باللغة نحو الوجود، ويكشف الوجودَ من خلاله من منظور تناقضي. وهو إذ يشرح جانبي «الكشف» و«الإبداع» في اللغة، يُظهر هذه المجاورة بشكل أكثر تجسيداً ويكشف النقاب عن تشابك الوجود واللغة:
«اللغة ليست فهماً لكلمة؛ لأن معنى كل كلمة في اللغة يتوقف على الكلمات الأخرى فيها. اللغة ليست فهماً لجملة؛ لأن فهم جملة يتوقف على فهم كليّة من الجمل الأخرى... بل اللغة هي تحديداً عيش الإنسان ذي المعنى في عالم يسعى، بتقلاّء، إلى أن يدرك الأشياء والمفاهيم ويبنيها في آنٍ واحد، وإلى أن يقيم علاقة مع البشر في نسبة قابلة للكسر وواهية...» (ص19) ورغم أن الفلسفة لا نقطة بداية لها، لكن يبدو أنه بعد معالجة المؤلّف لتشابك اللغة والوجود هذا، تنفتح نافذة على «الواقع» وطبقاته المتداخلة. في رأيي، تتجلّى هذه النافذة في الفقرة 12 من الكتاب: «في فهم اللغة، لا ينبغي إغفال مقاومة الوجود... في فهم اللغة، لا ينبغي إغفال الأطر الثقافية والمعرفية والخصائص البيولوجية للإنسان في تشكيل الواقع... في فهم اللغة، لا ينبغي أيضاً نسيان إرادة الإنسان، وعبثه، وخياله الخلاق وتحكّمه...» (ص23)
اللغة والوجود والواقع... تتشابك هكذا، ومن قلب هذا التشابك ذاته، تتجسد في وجه الواقع طبقاتٌ شتى مما عُبِّر عنه باللغة، وهكذا يسوق المؤلف شرحه وتفصيله في فقرات عديدة إلى طبقات الواقع الأربع.
وعلى نحو موجز، فإن طبقات الواقع المتشابكة من وجهة نظر زاهد هي:
1. المؤسَّس على الحياة 2. المؤسَّس على الثقافة 3. المؤسَّس على الوجود و4. المؤسَّس على الشخص أو الخيال.
لست بصدد شرح هذه الطبقات الأربع هنا؛ فإن لم يقم القراء بذلك عبر قراءة العمل كاملاً، وهو عمل سلس القراءة وعميق بحق، فلن يجنوا من شرحي إلا الغموض وربما التيه! لكني سأحاول، بقدر فهمي الضئيل، أن أعرض بإيجاز ووفقاً للإحساس الذي واجهته بعد قراءة العمل مرات عدة، بعض النقاط:
1⃣ أعتقد أننا لا نواجه في "النظام واللانظام" كتاباً بمعناه المتعارف عليه. فالكتاب، شأنه شأن عنوانه، قد تشكّل في لانظام... منظم! فقد تُحدث فقرة في منتصف الكتاب، وبسرعة البرق، بصيرةً لدى القارئ قد لا تجعله بحاجة لقراءة الفقرات الأولى لفهمها.
2⃣ رغم أن تبعثر الكتابات، الذي تجلى في الفقرات الـ52، يمتلك تماسكاً مثالياً؛ إلا أن براعة المؤلف تكمن في استقلالية ليس كل جزء منها فحسب، بل وحتى كل جملة فيها. ربما يمكن تسمية الكتاب بـ"مجموعة جمل ذهبية"؛ جمل زاهدية أصيلة بالكامل، نابعة من حياته وتجربته.
3⃣ "النظام واللانظام" عمل فني. أؤكد على هذه النقطة. في النظام واللانظام نواجه نصاً، بغض النظر عن توجهاته الفلسفية، يمتلك فيه قلم مقتدر، متأثر بعقل مبدع، اليد الطولى. في رأيي، أن كثيرين ممن ليست لديهم حتى معرفة أولية بالمباحث الفلسفية يمكنهم، فقط ومن خلال قلم الدكتور زاهد وأسلوب كتابته، أن يستمتعوا وأن يتزودوا بالكثير.
4⃣ أثر زاهد هو ملكه الخالص. فرغم أن زاهداً يقف على أكتاف عمالقة الفكر ويستشهد بأقوالهم في ثنايا كتابه، إلا أن كتابته وأثره يحملان ختمه على جبينهما. أي أن القارئ الملم بقلمه يمكنه بسهولة أن يدرك أن المؤلف قد هضم ما لدى أولئك العمالقة بشكل صحيح وأنتج منتجاً أصيلاً يحمل علامته الخاصة.
5⃣ نواجه في كتاب "النظام واللانظام" أثراً فلسفياً، ولكن بقراءة زاهدية! له. زاهد، لا في هذا الأثر ولا بناءً على نهجه الفكري، ليس بصاحب وصفات جاهزة. زاهد يسلط الضوء بأجمل صورة ويستخدم كل أداة في حوزته لإنارة قضيته. وهو يفعل ذلك في هذا الكتاب أيضاً، حيث يفحص طبقات الواقع المختلفة. لكن هذا الفحص ينطوي على نقطة:
6⃣ نظرة المؤلف ليست خطية. أي أنه لا يعتزم السير في خط مستقيم، ولا حتى متعرج، من النقطة "أ" إلى النقطة "ب". في رأيي، نظرته دائرية أو ما شابه ذلك. إنه يشرح وينقد القضية قيد البحث بحيث يشعر القارئ أنه لم يعد هناك موطئ قدم في نقطة البداية؛ ولكن، ويا للعجب، تبلغ حيرة القارئ ذروتها حين لا يجد مكاناً للوقوف في المقصد أيضاً، بل حين يرفع رأسه يرى نفسه في نقطة البداية ينظر إلى الطريق الذي قطعه! ولكن هذه المرة بنظرة أوضح وربما أكثر حيرة!
إذن، الشك عنصر يمكنك رصده في كل مكان من الأثر؛ وكما قيل، فإن "مطرقة الشك" هذه توجه ضرباتها إلى طبقات واقعنا الوجودي! بحيث يبدو أنه لم يعد بنا حول ولا قوة للنهوض؛ لكن هناك نقطة لطيفة يمكن العثور عليها فيما وراء هذا النهج، وهي "الأمل". زاهد، ورغم "الدوار والفوضى" اللذين يخلقهما في "النظام واللانظام" في أذهان قرائه، إلا أنه ينهي أثره بـ"المطر" الذي هو رمز النماء والأمل:
«في الصحاري الحارة الخالية من الرطوبة، تستخدم بذور النباتات طريقة خاصة للبقاء على قيد الحياة. فهي تغلف نفسها بغشاء قوي وواقٍ، وتنتظر بصبر سنين تحت فراش التربة المظلم: منتظرة المطر.» (ص142)
"الأمل/الإيمان" هو المتاع الوحيد الذي في أيدينا؛ هذا ما يوضحه لنا زاهد بجلاء في كتاباته. في هذا المركب الذي يصنع فيه الدوار والحيرة والشك والاعوجاج وانعدام الدعامة والفوضى... كل ما يلزم القلق بأشد صوره تزلزلاً؛ هذا وحده هو "الأمل ـ الإيمان" الذي يظل منيراً، ولو من كوة رقيقة كالشعرة، يمكن التمسك به.
إنه بعد فحص وسواسي لـ"النظام" والـ"لانظام"، يشرح كليهما بأشد الصور قسوة، ولا يبقي لنا بعد ذلك أرضية تستقر فيها الطمأنينة؛ لكنه بعد كل هذا، يرى من عنصر الحيرة (السر) ذاته كوة وملاذاً، ولهذا يظل يُظهر الطريق بلا نهاية...
«النظام واللانظام مرتبطان معاً بكونهما سراً. النظام موجود ولكن لماذا يوجد النظام؟ لا أحد يعلم. اللانظام والشرور موجودة ولكن لماذا هي كذلك؟ لا يوجد تفسير. النظام واللانظام في تشابكهما وتداخلهما معاً، يشيران بنا إلى الطبيعة الخفية للوجود وسر الحياة. أليس من الأفضل ألا نفكر في الأسرار من الأساس ونمر بها فحسب بصمت؟» (ص131)
«من يعلم أنه يوجد في أساس وجوهر صور الحياة، محتوى ومادة لا جواب لها وغامضة؛ ربما يصبح مستعداً لمواجهة صور الحياة بنظرة منفتحة ومرنة. إنه مستعد لاستعمالها على سبيل العارية، وأن يهذب باستمرار من خشونتها وقبحها ويقلل من سم عنفها.» (ص133)
«العيش في أفق السر والتفكير فيه يمكن أن يحرر الإنسان من الكآبات والسآمات ويمنحه إمكانية للعيش بسعادة.» (ص136)
«نحن في أمس الحاجة إلى الأسرار والتفكير فيها والعيش في ساحتها لتصوننا من أمرين: العبث واللا معنى؛ عالم مصطنع وخاوٍ من السر، وكذلك التعصب والتوحش لعالم أسطوري معادٍ للعقل!» (ص137)
.
.
.
.
علم النفس
الدين
الفلسفة
الفلسفة
الفلسفة
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.