اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
يبحث ذبيح الله كوشا عن جذور اهتمامه بمولانا في كنف أسرته، ويتحدث عن تمازج عرفان سهراب سبهري والمثنوي في 'الصلح مع الوجود'. وقد جمع في كتابه 'كأس من رحيق النيل' أبيات المثنوي ذات الطابع الغزلي، محللاً شغف مولانا بنظم الغزل.

سعيد آقايي/أصفهان اليوم: «كان والدي المرحوم من مؤسسي التعليم في شهرضا، وفي الوقت الذي كان فيه سبعة أو ثمانية أشخاص يديرون المدارس الأولى، كان واحدًا منهم، وكان أيضًا شاعرًا ودرويشًا. على رفّ بيتنا كان يوجد راديو قديم، والمثنوي، وحافظ، وقرآن بغلاف جلدي. كان المثنوي وحافظ بطبعات صغيرة، وكان والدي يقرؤهما بصوته، يقرأ المثنوي في مقام الشور بالغناء، وكان شغوفًا بالمثنوي. أتذكر قبل وفاته بليالٍ قليلة، وكنت في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمري، قال لي: اختر إحدى هاتين المهنتين، إما التعليم أو الطب. هاتان المهنتان لا تقارنان من حيث الدخل، وليس بينهما شيء مشترك، المشترك بينهما هو خدمة الناس. كان والدي ينظر من هذا المنظور. أمي أيضًا كانت بسيطة جدًا، لا تعرف الحساب، لكنها كانت تعرف التواريخ بالميلادي والشمسي والقمري، أي تاريخ هو اليوم، لكنها لم تكن تعرف الفرق بين ثمانية تومانات وثمانية آلاف وثمانية ملايين. أي أنها كانت حقًا بسيطة جدًا في الأمور المادية، ولا تعرف المجاملات وهذا النوع من الكلام المنمق. لم تكن تهتم بمال الدنيا أبدًا.»
ذبيح الله كوشا، معلم المثنوي ومؤلف كتاب عن غزليات مولانا، وهو من مواليد 12 خرداد 1328، يتحدث هكذا عن خلفيته العائلية، ويستذكر أيام دراسته الابتدائية بشيء من الأسف: «أنا آسف لأن المدرسة الابتدائية التي كنا فيها، وكل المدارس الابتدائية في ذلك الزمان كانت هكذا، وفي السن الذي كان يمكننا أن نتأثر فيه، كان بالإمكان أن يكلفونا بحفظ غزل من حافظ كل أسبوع بدلًا من الإنشاءات التي لا رأس لها ولا ذنب التي كنا نكتبها. لكنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم هم أنفسهم لم يكونوا يعرفون هذا العمل، ولم يكونوا من أهله. أتذكر أن كتاب قواعد اللغة للصفين الخامس والسادس الابتدائي كان لخمسة أساتذة. كان غنيًا جدًا، مع أنه كان كتاب قواعد، لكنه كان مليئًا بالأبيات اللامعة من الأدب الفارسي، وكنت أقرأ هذا الكتاب من أجل أشعاره، لأنها كانت أشعارًا جميلة جدًا ومحببة، لأنها من اختيار هؤلاء العظماء. بعد ذلك ذهبت إلى المدرسة الثانوية، ولأن درجتي في الرياضيات كانت جيدة، توجهت إلى فرع الرياضيات، ودرست الاقتصاد في الجامعة، بينما كان شغفي الخفي هو الأدب.»
يتابع كوشا: «في أواخر الستينيات، عندما كنا في الجامعة، كانت أشعار الشعراء السياسيين أو ما كان يُسمى آنذاك بالملتزمين رائجة جدًا، وكانوا يحبونها ويحفظونها. وأنا بالطبع لم أكن غير مهتم بها، خاصة أشعار أخوان التي كانت حماسية وبعضها عرفاني. لكن أشعار سهراب سبهري لم تكن شائعة جدًا، لأنها كانت عرفانية، وأتذكر أنني كنت أقرأ في ذلك الوقت قصيدة ’صوت خطى الماء‘ وكنت مهتمًا بها، وعرفت بوفاته في عام 59. وبعدها تقريبًا نسيناه في زمن الحرب، ولم يعد له ذكر.»
والآن يتقدم قليلًا ليصل إلى عام 67 ويقول: «في عام 67، في إحدى الأمسيات التي كنت أقضيها عادة في المكتبات، وكانت هذه تسليتي الوحيدة، سمعت شريطًا يُبث يقول: ’أنا من كاشان، لكن مدينتي ليست كاشان، مدينتي مفقودة‘. رأيت أن هذا شعر سبهري بصوت جميل، فسألت: صوت من هذا؟ قالوا: صوت سبهري نفسه. لكنني شككت وقلت: لا ينبغي أن يكون صوته هو، وبعدها عرفنا أنه صوت المرحوم خسرو شكيبايي. على أي حال، بعد ذلك نشأ في المجتمع عرفان من نوع سبهري. لقد كان متأثرًا جدًا بعرفان الشرق، وتُوبع هذا في المجتمع. أما أنا، فبحكم خلفية العائلة والذهنية التي كانت لدي، رجعت منذ تلك السنوات إلى المثنوي، ودرست الشروح المختلفة للمثنوي. كان شريط صوت شكيبايي وشعر سبهري بداية فصل جديد.»
شعر «أهل كاشانم» لسپهري، يذكّر كوشا بمفاهيم أشعار من المثنوي. وهو يستشهد في هذا الصدد من المثنوي بقوله: «أنا في صلح دائم مع هذا الأب/ فهذا العالم جنة عندي يا بني.» ويواصل كوشا: «الأب هنا هو الوجود. يقول مولانا إنني في صلح مع الوجود كله، ولذلك فالدنيا جنة بالنسبة لي؛ لست في حرب مع أحد. وسپهري يقول الشيء نفسه.» ويستذكر من سپهري قوله: «لا أدري لماذا يقولون إن الحصان حيوان نبيل/ والحمامة جميلة/ ولماذا لا يوجد أحد في القفص نسر/ وبماذا تنقص زهرة البرسيم عن زهرة الخشخاش الحمراء؟» ويعتقد كوشا أن هذا هو الصلح أيضاً. ويقول: «ثمة مواضع كثيرة لدى سپهري تذكّر المرء بمولانا، لكن الجانب الكلي فيها هو الصلح مع الوجود والصلح مع المخلوقات والطبيعة، وهذا موجود أيضاً في المثنوي.»
يقول كوشا عن معرفته بالمثنوي: «في عام 71 كنت أتلقى دروس المثنوي في صفوف الماجستير والدكتوراه في الإلهيات عبر أشرطة مسجلة. وبعد انتهاء الدروس كنت أذهب بنفسي إلى طهران.» ومن هنا ينتقل إلى كتابه «كأس من زلال النيل» قائلاً: «ثمة مواضع في المثنوي تشتعل فيها حالة الغزل عند مولانا، وكأن مولانا ينسى أنه ينظم المثنوي، فيخرج شغف الغزلية عنده في قالب المثنوي. هناك مجموعة من الأشعار في المثنوي أطلقتُ عليها اسم غزليات المثنوي، وهي غزل حقاً، وتعود لتلك الأوقات التي تسيطر فيها روح الغزل على مولوي. دققتُ أكثر، فرأيت أن الأستاذ الراحل زرين كوب قد أشار إلى هذه النقطة، حيث قال إن مما يتعلق بمضمون العشق والغزل وأحوال الهجر والوصال، تبدو بعض أبيات المثنوي تذكّر بغزليات الديوان الكبير. وهذه الأبيات النادرة وسط زحام الأبيات والحكايات من الدلالات والمقالات، تشبه أزهاراً نبتت بين الصخور. هذه العبارات من كتاب سرّ ني، وهي بالطبع ليست متتالية. كما رأيت في كتابات المرحوم همائي مطالب مختصرة في هذا المجال. من أجل هذا العمل قرأت المثنوي مرتين من أوله إلى آخره، وفي كل مرة كنت أنتقي الأبيات التي بدا لي أنها تحمل قالب المثنوي ومحتوى الغزل. الغزل له محتوى شعري وله قافية ورديف، أما المثنوي فقوافي كل بيت فيه متسقة مع بعضها، والمحتوى غالباً قصص ونصائح ومواعظ وحكمة. مولانا في مواضع من المثنوي ذهب لا شعورياً بقالب المثنوي في محتوى الغزل.»
ويواصل كوشا، بطبيعة الحال، بنفس حماس المعلم وشغفه النابع من المثنوي: «أول ما اخترته هو الناي نامه نفسه، وهو أعظم غزل. بلغت نحو 2000 بيت، تشكل حوالي ثمانية بالمئة من مجموع 25000 بيت في المثنوي. صار مجموعها 100 صفحة. لذا أضفت الأبيات الأكثر صعوبة وكتبت التعليقات، ولكي لا تزيد التعليقات على الأصل، وفرت واختصرت، فأصبح حجمها مساوياً للأصل تقريباً. أردت أن أوضح أن تعليقات هذا الكتاب ليست كافية. عملت على هذا الكتاب سنتين. في عام 79 بقيت محتاراً هل أطبعه أم لا. كنت موظفاً آنذاك، وطباعة هذا الكتاب كانت تكلف مليوناً ونيفاً، ولم أكن أملك المبلغ. أحد المهتمين ممن كان وضعه المالي جيداً عرض المساعدة، وقد شكرته هنا أيضاً.» ثم يقول عن اسم كتابه: «مولوي يسمي المثنوي ماء النيل، ويقول: ماء نيل هو هذا الحديث المحيي/ ربِّ أره في عين القبطي دماً. من زلال ماء النيل هذا رفعت كأساً. لكني وضعت عنواناً فرعياً للكتاب هو غزلوارههاي مثنوي ليوضح ما هو.»
ولكن ما هو أهم ما يتعلمه كوشا من خلال صف ودرس المثنوي لجمهوره؟ يقول: «أهم نقطة ليست قابلة للتعليم أصلاً. أهم شيء بالنسبة لي هو أن يتواصل الجمهور مع مولانا بشكل يكون فيه هذا التواصل باطنياً. أنا لست أديباً. لا أشرح المفردات. أفسر الكلمات بقدر يسير ولا أدخل في التفاصيل الأدبية للشعر. لكن ما يثيرني هو أن أشعر أن الأصدقاء قد تواصلوا مع مولانا.»
وعندما سألناه عن رأيه في أهم رسالة يمكن أن يقدمها مولانا لإيراني يعيش اليوم؟ يقول كوشا: «في الواقع، نحن من نحمل رسالة إلى مولانا، نقبّل فيها يده لأنه كتب هذا الكتاب الملحمي العرفاني باللغة الفارسية، ولترقد روحه بسلام لأنه فعل ذلك. في زمن مولانا، لم تكن الأمة تحمل مفهومها الحالي. كان مولانا يقول: أمة العشق منفصلة عن الأمم. لذلك لم يكن لإيران وغير إيران معنى عند مولانا، وكانت رسالته الوحدة، في حين أن إيران كانت ذات معنى للفردوسي، وهو الذي أراد إحياء اللغة الفارسية، لكن مولانا تجاوز الحدود، ورسالة مولانا هي رسالة الوحدة.»
.
.
.
.
.
.
الدين
الأدب
الفلسفة
الدين
الأدب
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.