اندیشهفلسفهخردگفتگوحکمتمعناپرسشفرهنگ
نقد محمد مهدي مجاهدي لمحاضرة مصطفى ملكيان حول سيرة الإمام علي، استعاض فيه عن الاستدلال العقلي بالاستفهام الإنكاري. فالتفاوت في مستوى المعيشة بين الحكام والرعية ليس مرادفاً للتمييز، ولا يُقرأ الزهد بالضرورة قراءةً شعبوية.

سيرة الحكام وقابلية المجتمع للفقر
نقد على نقد السيد محمد مهدي مجاهدي لمحاضرة الأستاذ ملكيان عام 721
الكاتب: حامد فرنقي زاد
ألقى الأستاذ مصطفى ملكيان في عام 1372 محاضرة في الذكرى السنوية لوفاة آية الله الخميني، وقد أُعيد مؤخراً نشر جزء من تسجيل تلك الجلسة، الذي يصاحبه تأثر وبكاء منه، في الفضاء الافتراضي. بعد أن استمعت إلى جزء قصير من محاضرته في مقطع صوتي حول أسلوب حكم الإمام علي (ع)، عزمت على البحث عن أصل إحدى الروايات التي أشار إليها، ومع أنني لم أوفق في العثور على ما أردت، إلا أنني صادفت نقد السيد مجاهدي لهذه المحاضرة، مما دفعني لكتابة بضعة أسطر حول نقده2.
قبل البدء، لا بأس من الإشارة إلى أن هذا المقال والنقد الذي أود توجيهه لآراء السيد مجاهدي لا يعنيان دفاعاً عن رأي الأستاذ ملكيان، وإن كنت لا أضمر معارضة له أيضاً، لكن هدفي هو نقد أسس ومنهج نقد السيد مجاهدي. وعليه، ينبغي أن أذكر إثبات رأي الأستاذ ملكيان وصحة كلامه في مقال آخر.
في الملف الصوتي المنشور، يستند الأستاذ ملكيان إلى روايتين، الأولى يشير إلى رواية لا يذكر مصدراً لها، يبيّن فيها الإمام لزوجته سبب حفاء أبنائهما، والثانية جزء من رسالة الإمام علي (ع) إلى عثمان بن حنيف3 المذكورة في نهج البلاغة. أول نقطة أشار إليها نقد السيد مجاهدي هي الرواية الأولى التي استند إليها الأستاذ ملكيان، والتي يراها بحق غير دقيقة أو غير صحيحة، لكنه لا يشير إلى الاستناد الثاني للأستاذ ملكيان. الرواية الأولى غير دقيقة أو غير صحيحة من هذا المنظور لأن الأستاذ ملكيان يقول إن الإمام علياً أجاب السيدة الزهراء بهذا الجواب بخصوص حفاء الحسنين في فترة خلافته. من الواضح أولاً أن السيدة الزهراء لم تكن على قيد الحياة في زمن خلافة الإمام علي، وثانياً أن الحسنين كانا شابين في نحو الثلاثين من العمر في زمن خلافة الإمام علي. بطبيعة الحال، هذا الخطأ الكلامي، بالنظر إلى الرواية الأخرى التي يذكرها الأستاذ ملكيان وكذلك الروايات التاريخية الموثوقة الأخرى عن السيرة العملية للإمام علي، لا يؤثر سلباً على أسس استدلال الأستاذ ملكيان. باستثناء هذا الجزء من نقد السيد مجاهدي، فإن باقي نقده يواجه إشكاليات جدية سأشير إليها لاحقاً.
يستخدم السيد مجاهدي في نقده أسلوب الاستفهام الإنكاري بدلاً من تقديم الاستدلالات، إذ يكتب: «وكأن الأمر من وجهة نظره [الأستاذ ملكيان] أن شكل وقالب السلوكيات والأفعال السياسية والدينية في التجمعات ما قبل تشكل المجتمع الحديث والدولة الحديثة، قابل للتكرار عيناً في العصر الحديث وداخل الدولة الحديثة والمجتمع الحديث.» ثم يعود وكأنه يشير إلى أمر بديهي فيكتب: «وكأن أنماط الحكم في مجتمع صدر الإسلام، على سبيل المثال، قابلة للتكرار ضمن إطار الدولة-الأمة الحديثة.» كما يشير لاحقاً إلى افتراض مسبق يعتبره خاطئاً، وهو أنه «لدى الكثيرين منا، لا يزال المجتمع والسياسة والحكم وشؤونها، ونحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، امتداداً بلا انقطاع لنفس المجتمع والسياسة والحكم وشؤونها في العصر ما قبل الحديث.» هذا هو القسم الأول من نقده لكلام الأستاذ ملكيان. لكن بدلاً من إقامة استدلال عقلي، خاض في نقاش جدلي بأسلوب الاستفهام الإنكاري. لقد اعتبر الفرق بين الشؤون السياسية للدولة الحديثة وما قبل الحديثة أمراً بديهياً، في حين أن إثبات هذه الدعوى يقع على عاتقه هو. لماذا لا تكون أنماط وقيم الحكم في مجتمع صدر الإسلام قابلة للتكرار في العصر الحديث؟ لماذا ينبغي أن نفترض أن جذور المجتمع والسياسة والحكم في العصر ما قبل الحديث تختلف كلياً عن العصر الحديث؟ هل بتغير القالب يتغير المحتوى؟ وهل تتغير الاحتياجات البشرية؟ أساساً، في المجال الإبستمولوجي، هل يبطل مرور الزمن (مجرد مرور الزمن) أمراً ما، أم أن إبطاله يحتاج إلى استدلال؟ لا يقدم السيد مجاهدي في هذا القسم أي استدلال، ويكتفي فحسب بهذه الجمل الاستفهامية الإنكارية، وقد لا يجرؤ المرء على أن يسأل نفسه لماذا ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟ يعود تاريخ نشر نقده إلى شهر أبريل من عام ستة وتسعين، وأظن أنه لو تأنى قليلاً في الكتابة وشاهد أحداث يناير من العام نفسه في إيران، لكان قد تأنى أكثر في كتابته.
قسم آخر من نقده هو أنه يرى أن الأستاذ ملكيان، في خطأ تحليلي، «يخلط بين اختلاف المستوى المعيشي لأفراد المجتمع (وهو أمر لا يمكن إزالته وليس مذموماً بالضرورة) وبين التمييز (وهو أمر يمكن إزالته ومذموم).» لا أعلم من أين في كلام الأستاذ ملكيان تم استنتاج هذا. ومن حسن الحظ أن الأستاذ ملكيان يتحدث عن الإمام علي لا بصفته فرداً عادياً، بل بصفته حاكم المسلمين، وأن الكلام ليس عن اختلاف المستوى المعيشي لجزء من الناس عن جزء آخر، بل عن اختلاف المستوى المعيشي لقائد المجتمع عن سائر شرائح المجتمع.
ويرى لاحقاً أن هذه الوصفة في الحكم تكون مؤثرة في مجتمع اجتماعي بدائي ذي علاقات بدائية، «خصوصاً مع الفهم الذي كان لديهم للعدالة بمعنى المساواة». إن إثبات أن المجتمع القبلي، كما يقول، كان يساوي بين العدالة والمساواة يقع على عاتقه هو، لكن يبدو أن رأيه في هذا الشأن خاطئ، لأن لدينا من الإمام علي نفسه، بالإضافة إلى سيرته العملية القائمة على الشواهد التاريخية، عبارة في تعريف العدالة لا أثر للمساواة فيها. يقول الإمام علي في موضع ما: «العدل يضع الأمور مواضعها4». يبين هذا التعريف أن العدل، على الأقل في منظومة فكر الإمام علي وبالتالي في مجتمع ذلك العصر، لم يكن يُنظر إليه بمعنى المساواة. ويواصل السيد مجاهدي، في تعريفه للمجتمع ما قبل الحديث، قائلاً إنه مع الفصل بين السلطات، أصبح «شكل وأسلوب وطريقة ومستوى الحياة الخاصة للحكام أمراً هامشياً وفرعياً وبلا أهمية إلى حد كبير.» هذه المقولة هي أيضاً من مقولاته غير المثبتة، وإثباتها رهن باستطلاع رأي عالمي أو إثبات منطقي، لا بالملاحظات والانطباعات الشخصية.
يشير السيد مجاهدي في نقده مراراً إلى معقولية تفاوت المستوى المعيشي بين مختلف فئات الناس، في حين أن محور النقاش أساساً هو تفاوت المستوى بين الحكام وعموم الناس. كما يرى أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى تمهيد الطريق لاستغلال ديماغوجي خادع للجماهير، مثل "حكومات فاسدة كحكومة تشافيز وأقرانه في أقطار العالم، ممن كانوا يأكلون الخبز والجبن وينامون على الحصير، بينما يُقعدون الناس في الوقت نفسه على الرماد". وهو يعلم جيداً، أولاً، أن الحكام الذين أقعَدوا الناس على الرماد لم يكونوا من آكلي الخبز والجبن، وثانياً، أن النهج الديماغوجي الذي يؤدي إلى ضرر الناس وخسارتهم لا يدل على خطأ مسار البساطة في العيش. إن الديماغوجية هي المذمومة، لا البساطة في العيش. حين يستخدم عبارة الديماغوجية، فهو يعلم قطعاً أن الديماغوجيين ليسوا كذلك في الواقع، وبالتالي لو كان شخص ما بسيط العيش حقاً فلا غبار عليه، وهذا لا يعني وجوب التخلي عن البساطة في العيش لئلا يستطيع أحد إساءة استغلالها. لو قبلنا استدلاله، لكان بوسعنا أساساً أن نتخلى عن الانتخابات في المجال السياسي أيضاً بسبب ما يحدث فيها من إساءة استغلال وديماغوجية.
يطرح في نهاية نقده مسألة التظاهر بالفقر. فيقول: "إن تظاهر الأغنياء بالفقر في المجتمعات الحديثة، ليس فقط لا يؤدي هذه الوظيفة مطلقاً، بل يمكن بسهولة أن يُصنف تحت باب التظاهر الذي هو رذيلة منافية للشفافية، والشفافية هي إحدى القيم المحورية في السياسة الحديثة". إن عدم دقته في استخدام العبارات يثير الدهشة حقاً. أولاً، أؤكد مرة أخرى أن الحديث ليس عن الأغنياء، بل عن الحكام، وبالطبع ليس الحديث عن التظاهر بالفقر، ولا أدري من أين خطر له هذا الأمر. الإمام علي، في رسالته إلى عثمان بن حنيف، يشير صراحة إلى أنه لو أراد لاستطاع أن يحظى بأفضل عيش، لكنه لكونه حاكم المسلمين ولا يريد أن يغلبه هوى نفسه، فقد أعرض عن ذلك. وهذا في الواقع نقيض التظاهر بالفقر. التظاهر بالفقر يعني أن يظهر الشخص المالك الثري نفسه على أنه معدِم، لا أن يقول صراحة: أنا مالك لكني أعيش ببساطة لأسباب معينة. لم يقل الإمام علي في أي وقت إنه معدِم وفقير، بل كان كل معاصريه يعلمون أنه بفضل إرثه القبلي وأيضاً كدحه وجهاده لم يكن لديه أي تبعية أو عوز مالي، وهذا بالضبط هو الجانب الجميل في الأمر. فالإمام علي ليس فقيراً، بل هو غني من حيث المقدرة المالية، وهذا لا علاقة له مطلقاً بالتظاهر بالفقر. علاوة على ذلك، فإن الإمام يجيز هذه الوصفة لنفسه وللحكام الذين يعينهم فقط، ولا يشير إلى أن على الجميع أن يفعلوا ذلك، لأنه أمر يقع في نطاق القرارات الشخصية. من المدهش حقاً بالنسبة لي أن يستخدم السيد مجاهدي الكلمات بهذه الجرأة وعدم الدقة.
بإشارته إلى تغيير سياق كلام الأستاذ ملكيان من تقبل الفقر إلى تقبل التمييز، يقول: "التمييز يجب اجتثاثه، لا ينبغي تحمّله أو جعله قابلاً للتحمل. جعل التمييز قابلاً للتحمل هو أعظم الظلم". أصل كلامه صحيح، لكن المشكلة أن الأستاذ ملكيان لم يطرح هكذا ادعاء أصلاً. بل على العكس، يشير الأستاذ ملكيان إلى أن "الفقر ليس من السهل اجتثاثه" ولكن "التمييز يجب اجتثاثه ... أي أنا محافظ هذه المدينة، أنا نائب هذه المدينة، أنا إمام جمعة هذه المدينة، ينبغي ألا تختلف حياتي عن حياتكم [عامة الناس]".5 يؤكد الأستاذ ملكيان في محاضرته كثيراً على إزالة التمييز لا جعله قابلاً للتحمل، والإمام علي أساساً كان شديد الصرامة على نفسه وحكامه من أجل إزالة التمييز. كلام الأستاذ ملكيان في محاضرته يدور حول النزعة الترفية لا عن كون المرء ثرياً، وهذا يدل على أن السيد مجاهدي لم يدقق في محاضرته ولم ينظر ملياً في سيرة الإمام علي (ع).
في الختام، أؤكد مجدداً أنني في هذه المقالة تصديت فقط لأسس نقد السيد مجاهدي، وأردت فقط أن أبين ضعف منهجه في نقد كلام الأستاذ ملكيان. آملاً أن يُفتح باب الحديث مستقبلاً عن أسلوب الحكم، لما في ذلك من صلاح للناس في فتح هذا الموضوع وزيادة معرفتهم بهذه المباحث، ولما فيه من صلاح للبلاد.
.
.
1) الملف الصوتي لمحاضرة الأستاذ ملكيان ونص نقد السيد مجاهدي متاحان على موقع صدانت.
2) الجمل التي نقلتها حرفياً من كلامه وضعتها بين قوسين، لكني تجنبت الإحالة الدقيقة نظراً لقصر نصه.
3) الرسالة 45 من نهج البلاغة؛ وَ لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَیتُ الطَّرِیقَ إِلَی مُصَفَّی هَذَا الْعَسَلِ وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ وَ لَكِنْ هَیهَاتَ أَنْ یغْلِبَنِی هَوَای وَ یقُودَنِی جَشَعِی إِلَی تَخَیرِ الْأَطْعِمَةِ وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْیمَامَةِ مَنْ لاطَمَعَ لَهُ فِی الْقُرْصِ وَ لاعَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ.
4) نهج البلاغة، الحكمة 437
5) الملف الصوتي لمحاضرة الأستاذ ملكيان على موقع صدانت، ومدتها أربع عشرة دقيقة، الدقائق من 9 إلى 12.
.
.
نقاش حول هذا المقال٠ تعليق
لا تعليقات بعد؛ ليكن صوتك أوّل الأصوات.